Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
٤٣٥ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال: حدثنا عمر بن الوليد
الشَّنّى، عن عكرمة، قال: الرعدُ ملكٌ يسوق السحاب كما يسوق الراعى الإبل(١).
٤٣٦ - حدثنى سعد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال : حدثنا حفص بن
عمر، قال : حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس إذا سمع
الرعد قال: سبحان الذى سَبَّحتَ له. قال: وكان يقول: إن الرَّعد مَلكٌ
يَنْعَقَ بالغيث كما ينعقُ الراعى بغنمه (٢).
وقال آخرون : إن الرعد ريح تختنق تحت السحاب فتصَّاعد ، فيكون منه
ذلك الصوت .
ذ کر من قال ذلك :
٤٣٧ - حدثنا أحمد بن إسحق، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبیری، قال : حدثنا
بشر بن إسمعیل ، عن أبى کثیر ، قال : كنت عند أبى الجلد ، إذْ جاءه رسول
ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: ((كتبت تسألنى عن الرّعد، فالرعد الريح(٣)))
٤٣٨- حدثنى إبراهيم بن عبد اللّه، قال: حدثنا عمران بن ميسرة، قال:
حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفُرات، عن أبيه(٤)، قال: کتب ابن عباس
الأزد، واسمه: جيلان بن فروة، وكان ثقة)). وذكره ابن حبان فى الثقات: ١٥٧، والدولابى
فى الكنى ١: ١٣٩، والزبيدى فى شرح القاموس (جلد) و (جيل). وذكره الحافظ فى لسان الميزان.
فى الأسماء ٢: ١٤٤، ووعد بترجمته فى الكنى ((أبو الجلد))، ثم لم يفعل، وروى عنه الطبرى أثراً
فى التاريخ ٢: ٢٠٣. وسيأتى فى الخبر: ٤٥؛ أنه ((رجل من أهل هجر)).
(١) عمر بن الوليد الشنى أبو سلمة العبدى: ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال أبو حاتم:
(((ما أرى بحديثه بأساً)). وهو مترجم فى التعجيل: ٣٠٤، وابن أبى حاتم ٣ /١ /١٣٩. (( الشى)):
بفتح الشين المعجمة، كما فى المشتبه : ٢٧٩ . ووقع فى المطبوعة بالمهملة ، وهو تصحيف .
(٢) الإسناد ٤٣٦ - سعد بن عبد الله بن عبد الحكم: لم أجد له ترجمة إلا فى كتاب ابن أبى
حاتم ٢ /١ / ٩٢، وقال: ((سمعت منه بمكة وبمصر، وهو صلوق)).
(٣) الإسناد ٤٣٧ - هو إسناد مشكل. ما وجدت ترجمة ((بشر بن إسمعيل))، وما عرفت
من هو. ثم لم أعرف من ((أبو كثير)) الراوى عن أبى الجلد. وسيأتى هذا الإسناد مرة أخرى: ٤٤٣ .
(٤) الإسناد ٤٣٨ - عمران بن ميسرة المنقرى: ثقة، من شيوخ البخارى وأبى داود وأبى زرعة
وأبى حاتم . ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودى: ثقة مأمون حجة. الحسن بن الفرات: ثقة،
أخرج له مسلم فى صحيحه. أبوه: فرات بن أبى عبد الرحمن القزاز التميمى، ثقة ، أخرج له أصحاب
الكتب الستة ، ولكن روايته عن ابن عباس منقطعة ، إنما هو يروى عن التابعين .

٣٤٢
تفسير سورة البقرة : ١٩، ٢٠
إلى أبى الجلد يسأله عن الرعد، فقال: الرعد ريح(١) .
قال أبو جعفر : فإن كان الرّعد ما ذكره ابن عباس ومجاهد ، فمعنى الآية:
أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات وصوتُ رعد. لأن الرعد إن كان ملكاً يسوق
السَّحاب، فغير كائن فى الصيِّب، لأن الصيِّب إنما هو ما تحدَّر من صَوْب
السحاب، والرعد إنما هو فى جو السماء يسوق السحاب. على أنه لو كان فيه ثمّ
لم يكن له صوت مسموع، لم يكن هنالك رُعبِ يُرْعَب به أحد(٢). لأنه قد
قيل : إنّ مع كل قطرة من قطر المطر ملكاً، فلا يعدُو الملكُ الذى اسمه
((الرعد))، لو كان مع الصيِّب، إذا لم يكن مسموعاً صوته ، أن يكون کبعض
تلك الملائكة التى تنزل مع القطر إلى الأرض، فى أن لا رُعب على أحد بكونه فيه .
فقد 'علم - إذا كان الأمر على ما وصفنا من قول ابن عباس - أنّ معنى الآية :
أو كَثَل غيث تحدّر من السماء فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ ، إن كان الرعد هو
ما قاله ابن عباس ، وأنه استغنى بدلالة ذكر الرعد باسمه على المراد فى الكلام
مِنْ ذكر صوته. وإن كان الرعد ما قاله أبو الجلد، فلا شىء فى قوله « فيه
١١٨/١ ظلماتٌ ورَعدٌ)) متروك. لأن معنى الكلام حينئذ: فيه ظلمات ورعدٌ الذى
هو ما وصفنا صفته .
وأما البَرْق ، فإن أهل العلم اختلفوا فيه : فقال بعضهم بما : -
٤٣٩ - حدثنا مَظرُ بن محمد الضَّبى، قال: حدثنا أبو عاصم، - ح-
وحدثنى محمد بن بشار ، قال : حدثنى عبد الرحمن بن مهدى ، - ح -
وحدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيرى ، قالوا جميعاً:
حدثنا سفيان الثورى، عن سلمة بن كُهيل ، عن سعيد بن أشْوَعَ ، عن ربيعة
(١) الأخبار ٤١٩ - ٤٣٨ جميعاً: لم يذكرها ابن كثير ولا السيوطى فى الدر المنثور، وذكر
البغوى فى تفسيره ١ : ٩٩ - ١٠٠، بعضها، والقرطبي ١: ١٨٧ وما بعدها .
(٢) فى المطبوعة: ((على أنه لو كان فيه يمر، لم يكن له صوت مسموع، فلم يكن هناك رعب)»
وهو من تبديل النساخ .

٣٤٣
تفسير سورة البقرة : ٢٠٤١٩
ابن الأبيض ، عن على ، قال : البرق مخاريقُ الملائكة (١).
٤٤٠ - حدثنا أحمد بن إسحق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيرى، قال : حدثنا
عبد الملك بن الحسين ، عن أبى مالك ، عن السُّدّىّ ، عن ابن عباس: البرقُ
مخاريقُ بأيدى الملائكة ، يزجرون بها السحاب .
٤٤١ - وحدثنى المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا حماد ، عن
المغيرة بن سالم ، عن أبيه، أو غيره ، أن على بن أبى طالب قال: الرَّعد الملَك ،
والبرق ضربه السحاب بمخراق من حدید .
وقال آخرون: هو سوطٌ من نورٌ يُزجى به الملكُ السحابَ.
ذكر من قال ذلك :
٤٤٢ - حدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشربن ◌ُمارة ، عن
أبى رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، بذلك .
وقال آخرون : هو ماء .
ذكر من قال ذلك :
٤٤٣ - 'حدّثنا أحمد بن إسحق الأهوازى، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيرى،
قال : حدثنا بشر بن إسمعيل ، عن أبى كثير، قال : كنت عند أبى الجَلْد،
إذ جاء رسول ابن عباس بکتاب إلیه،فکتب إلیه: (( کتبتإلی تسألتی عن البرق،
فالبرق الماء )).
٤٤٤- حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا عمران بن ميسرة ، قال:
حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن الفرات ، عن أبيه ، قال : كتب ابن عباس
إلى أبى الجلد يسأله عن البرق ، فقال : البرق ماء .
(١) الإسناد ٤٣٩ - سلمة بن كهيل الحضرمى: ثقة معروف، سعيد بن أشوع: هوسعيه
ابن عمرو بن أشوع الكوفى القاضى ، نسب إلى جده . وهو ثقة ، أخرج له الشيخان فى الصحيحين ،
ربيعة بن الأبيض - الذى روى عن على - لم أجد له ترجمة إلا فى كتاب الثقات لابن حبان : ١٨٤ .
قال: «ربيعة بن الأبيض، يروى عن على بن أبى طالب، روى عنه ابن أشوع)).
الخاريق جمع مخراق : وهو منديل أو نحوه يلوى فيضرب به ، ويلف فيفزع به، وهو من لعب
الصبيان ، ومنه سمى السيف مخراقاً .

٣٤٤
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
٤٤٥ - حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا جرير، عن عطاء ، عن رجل ، من
أهل البصرة من ◌ُرَّائهم ، قال : كتب ابن عباس إلى أبى الجلد - رجل من أهل
هَجَر - يسأله عن البرق، فكتب إليه: ((كتبت إلىّ تسألنى عن البرق، وإنه
من الماء)) ..
وقال آخرون: هو مَصْعْ مَلَك(١).
٤٤٦ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال :
حدثنا سفيان ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد ، قال : البرق ، مَصْع
ملك(٢).
٤٤٧ - حدثنى المثنى، قال: حدثنا إسحق، قال : حدثنا هشام ، عن محمد
ابن مُسلم الطائفى، قال: بلغنى أن البرق ملكٌ له أربعة أوجه، وجهُ إنسان،
ووجه ثور ، ووجه تَسر ، ووجه أسد ، فإذا مَصَعَ بأجنحته فذلك البرق (٣).
٤٤٨ - حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين، قال : حدثنى حجاج، عن
ابن جريج ، عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجَّائى قال: فى كتاب الله:
الملائكة ◌َمَلة العرش ، لكل ملك منهم وجه إنسان وثور وأسد ، فإذا حركوا
أجنحتهم فهو البرق (٤) .
(١) المصع: الضرب بالسيف أو السوط أو غيرهما. والمصاع: المجالدة بالسيف. يعنى أن الملك
يضرب السحاب بمخراقه .
(٢) الإسناد ٤٤٦ - عثمان بن الأسود بن موسى المكى: ثقة ثبت كثير الحديث، يروى عن
مجاهد ، ويروى عنه سفيان الثورى .
(٣) الإسناد ٤٤٧ - محمد بن مسلم بن سوسن الطائى: وثقه ابن معين، وقال ابن مهدى:
((كتبه صحاح))، وضعفه أحمد بن حنبل، وأخرج ه مسلم فى صحيحه حديثاً واحداً متابعة.
(٤) الأثر ٤٤٨ - وهب بن سليمان الجندى - بفتح الجيم والنون - اليمانى، قال البخارى فى
الكبير ٤ / ٢ / ١٦٩ - ١٧٠: ((عن شعيب الجبالى، قوله، روى عنه ابن جريج)). ولم أجد
له ترجمة عند غيره. شعيب الجبالى: بفتح الجيم والباء الموحدة مخففة، نسبة إلى ((جبا ))، بوزن ((جبل))،
وهو جبل فى اليمن قرب الجند، كما قال ياقوت وغيره. وشعيب هذا ترجمه البخارى فى الكبير ٢١٩/٢/٢.
وترجمه ابن أبى حاتم ٢ / ١ / ٣٥٣، قال: «شعيب الجبائى: يمانى، يروى عن الكتب [ يريد
الكتب المنسوبة لأهل الكتاب من الأساطير ]، روى عنه سلمة بن وهرام)»، ثم جزم ابن أبى حاتم بأنه

٣٤٥
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
وقال أمية بن أبي الصلت :
رَجُلٌ ونورٌ تَحْتْ رِجْلِ يَمِنِهِ والنَّسْرُ للأخرى، وَلَيْثٌ مُرْصِدُ (١)
٤٤٩ - حدثنا الحسين بن محمد ، قال: حدثنا على بن عاصم ، عن ابن
جريج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس: البرق ملك.
٤٥٠ - وقد حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسین ، قال : حدثنى حجاج ،
عن ابنُجريج، قال: الصواعق مَلَك يضربُ السحابَ بالمخاريق، يُصيب منه
من يشاء(٢).
قال أبو جعفر : وقد يحتمل أن يكون ما قاله على بن أبى طالب وابن عباس
ومجاهد بمعنى واحد . وذلك أن تكون المخاريقُ التى ذكر علىّ رضى الله عنه أنها
هى البرق ، هى السياط التى هى من نور ، التى يُرجى بها الملك السحاب ، كما
قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب، مَصْعَه إياه(٣). وذلك أن
المِصَاعَ عند العرب، أصله : المجالَدَةُ بالسيوف، ثم تستعمله فى كل شىء
جولد به فی حرب وغیر حرب ، كما قال أعشى بنى ثعلبة ، وهو يصف جوارى"
يلعبن بِحَلْهنَّ وُيُحالدْن به(٤):
١١٩/١
((شعيب بن الأسود))، ثم روى بإسناده عن زمعة، عن شعيب بن الأسود، قال: أجد فى كتاب الله)).
وله ترجمة فى لسان الميزان ٣: ١٥٠ وقال: ((أخبارى متروك)). ثم ذكر شيئاً مما لا يقبله العقل من
كلامه، وقال: ((ذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال: كان قد قرأ الكتب )).
(١) ديوانه: ٢٥، وسيأتى فى تفسير آية الرعد: ٣٥ (١٣: ١٠٩ بولاق). ورواية ديوانه :
((تحت يمنى رجله، والنسر اليسرى)). قال الطبرى فى الموضع الآخر: ((كأنه قال: تحت رجله، أو
تحت رجله اليمنى)). والضسمير فى قوله: ((رجله))، يعنى به إسرافيل، وذكره فى شعره قبل . وفى ديوانه،
وفى الموضع الآخر من الطبرى: ((زحل))، كأنه يعنى البروج، ولكن استدلال الطبرى هنا واضح ،
دال على أن روايته « رجل)».
(٢) الأخبار ٤٣٩ - ٤٥٠: لم تذكر فى ابن كثير، ولا فى الدر المنثور. وانظر البغوى
١ : ٩٩ - ١٠٠، والقرطبي ١ : ١٨٨.
(٣) فى المطبوعة: ((إزجاء الملك السحاب، مصعه إياه بها)).
(٤) المجالدة: المضاربة بالسيوف وغيرها فى المصارعة والقتال ، من الجلد .

٣٤٦
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
إِذَا هُنَّ نَزَلْنَ أَقْرَانَهُنَّ وَكَنَ الِصَاعُ بِمَ فِىِ الْجُوَنْ"(١)
يقال منه: ماصّعه مصاعاً. وكأن مجاهداً إنما قال: ((مَصْعُ ملك))، إذْ كان
السحاب لا يماصع الملك ، وإنما الرعد هو المماضع له ، فجعله مصدراً من مَصَعَه
يَمصَعَهُ مَصِعاً .
وقد ذكرنا ما فى معنى ((الصاعقة )) - ما قال شهر بن حوشب فيما مضى.
وأما تأويل الآية ، فإن أهل التأويل مختلفون فيه :
فرُوى عن ابن عباس فى ذلك أقوال : أحدها : ما -
٤٥١ - حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد
ابن إسحق، عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة ، أو عن سعيد
ابن جبير، عن ابن عباس: ((أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات ورَعدٌ وبرق"
يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق "حَذَرَ الموت)): أى هم من ظلمات
ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل - على الذى هم عليه من الخلاف والتخوف
منكم - على مثل ما وصف ، من الذى هو فى ظلمة الصيب ، فجعل أصابعه فى أذنيه
من الصواعق حَذَرَ الموت، يكاد البرق يخطفُ أبصارهم - أى لشدة ضوء الحق -
كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ، أى يعرفون الحق ویتکلمون به ،
فهم من قولهم به على استقامة ، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين (٢).
والآخر : ما -
(١) ديوانه: ١٥، وزعم الطبري كما ترى أنه أراد جوارى يلعبن بحليين ويجالدن بها. وقد أخطأ
المعنى . وإنما أراد الأعشى ما هو أبلغ. وذلك أن الأقران جمع قرن: وهو الذى يقارنك فى القوة والشجاعة،
وأراد به الرجال ، وينازلن: أراد ما يكوّة منهن من المداعبة والمارسة إرادة الغلبة على عقول الرجال وعزائمهم.
والجون، جمع جونة: وهى صلة صغيرة مستديرة مغشاة بالأدم يكون فيها الطيب. ويقال أيضاً: ((جوفة
وجون)) بالهمز . وذكر الأعشى المعركة القديمة الدائرة بين الرجال والنساء ، يتخذن الزينة والطيب سلاحاً،
ڤيتصدين الرجال ابتغاء الظفر والغلبة، والفتنة التى تصرع الألباب والعزائم ، فيقع الرجال أسرى فى
أُیدین .
(٢) الخبر ٤٥١ - ذكره السيوطى فى الدر المنثور بتمامه ١: ٣٢ - ٣٣، ونسبه أيضاً لابن
إسحق، وابن أبى حاتم .. وفيه وفى المخطوطة ((من الخلاف والتخويف منكم)) ونقل ابن كثير بعضه ١: ١٠٠.

٣٤٧
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
٤٥٢ -حدثی به موسی بن هرون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط،
عن السُّدّىّ فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس -
وعن مُرّة ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبى صلى اللّه عليه وسلم ،
((أو كصيِّب من السماء فيه ظلماتٌ ورَعدٌ وبرق)) إلى ((إنّ اللّه على كل شىء
قدير)) ، أما الصيب فالمطر (١). كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة "هربًا
من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذى ذكر
اللّه، فيه رعدٌ شديد وصواعقُ وبرقٌ، فجعلا كلَّما أضاء لهما الصواعقُ جعلا
أصابعتهما فى آذانهما ، من الفَرق أن تدخل الصواعق فى مسامعهما فتقتلهما .
وإذا لمع البرق مشيا فى ضوئه(٢)، وإذا لم يلمع لم يبصرا وقاما مكانهما لا يمشيان(٣)،
فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا فنأتىَ محمداً فنضعَ أيدينا فى يده. فأصبحا ، فأتياه
فأسلما، ووضعا أيديهما فى يده، وحَسُن إسلامهما. فضرب اللّه شأن هذين المنافقين
الخارجيْن مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة . وكان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبى
صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم فى آذانهم، فَرَقاً من كلام النبى صلى اللّه عليه
وسلم ، أن يَنزِل فيهم شىء أو يُذكَرُوا بشىء فيقتلوا ، كما كان ذانك المنافقان
الخارجان يجعلان أصابعهما فى آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه. فإذا كثرت
أموالهم ، ووُلد لهم الغلمان(٤)، وأصابوا غنيمةٌ أو فتحاً ، مشوا فيه، وقالوا : إن
دين محمد صلى الله عليه وسلم دينُ صدق . فاستقاموا عليه ، كما كان ذانك
المنافقان يمشيان ، إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا (٥). فكانوا
(١) فى المطبوعة: ((وأما الصيب والمطر))، وهو خطأ.
(٢) فى الأصول: ((مشوا))، ومصحناه من الدر المنثور والشوكانى.
(٣) فى الأصول: ((قاما مكانهما)) بغيرواو، وفى إحدى النخ المخطوطة: ((فقاما مكانهما))، واتفقت
سائر الأصول وما نقل فى الدر المنثور والشوكانى على حذف الفاء، والجملة لا تستقيم، فجعلناها ((وقاما)»،
وهو صواب العبارة .
(٤) فى الدر المنثور: ((وولدهم، وأصابوا ... ))، وفى الشوكانى: ((وأولادهم وأصابوا ... »
(٥) فى المخطوطة: ((إذا أضاء لهما مشيا، وإذا أظلم عليهما قاما)»، وفى الشعر المنثور : * يمشيان

٣٤٨
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
إذا هلكت أموالهم ، ووُلد لهم الجوارى، وأصابهم البلاء (١)، قالوا: هذا من
أجل دين محمد. فارتدوا كفاراً ، كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما(٢).
موالثالث : ما -
٤٥٣ -حدثی به محمد بن سعد، قال: حدثی ابی، قال: حدثنى على ،عن
أبيه، عن جده، عن ابن عباس: ((أو كصيِّب من السماء))، كمطر، (فيه
ظلمات ورعدٌ وبرقٌ)) إلى آخر الآية ، هو مثل المنافق فى ضوء ما تكلّم بما معه
من كتاب اللّه وعمل، مُراءَاةً للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره . فهو فى ظلمة
ما أقام على ذلك . وأما الظلماتُ فالضلالةُ، وأما البرقُ فالإيمان، وهم أهل الكتاب.
إذا أضاء بهما البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا))، وفى الشوكانى: ((يمشيان إذا أضاء لهم البرق، وإذا
أظلم عليهم قاموا))، وأجودهن ما فى المخطوطة، وما فى المطبوعة .
(١) فى الدر المنثور والشوكانى: ((إذا هلكت أموالهم وأولادهم وأصابهم البلاء)).
(٢) الحديث ٤٥٢ - نقل فى الدر المنثور ١: ٣٢، والشوكانى ١: ٣٦ - ٣٧، وسيأتى
فى ص ٣٥٤ قول الطبرى عن هذا الحديث وعن إسناده: ((ولست أعلمه صحيحاً، إذ كنت بإسناده مرتاباً.))
وانظر ما كتبه أخى السيد أحمد محمد شاكر فى هذا الإستاد فيما مضى فى الخبر رقم : ١٦٨.
ويقول أحمد محمد شاكر عفا الله عنه: وحق لأبى جعفر رحمه الله أن يرتاب فى إسناده . فإن هذا
الإسناد فيه تساهل كثير ، من جهة جمع مفرق التفاسير عن الصحابة فى سياق واحد ، تجمعه هذه الأسانيد،
كما بينا آنفاً . فإذا كان الأمر فى تفسير معنى آية، كان سهلا ميسوراً قبوله، إذ يكون رأياً أو آراء
لبعض الصحابة فى معنى الآية، وما فى ذلك بأس . أما إذا ارتفع الخبر إلى درجة الحديث، بالإخبار عن
واقعة معينة أو وقائع، كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أسباب لنزول بعض الآيات،
أو نحو ذلك، مما يلحق بالحديث المرفوع لفظاً أو حكماً - كان قبول هذا الإسناد - إسناد تفسير السدى -
محل نظر وارتياب . إذ هو رواية غير معروف مصدرها معرفة محددة: أى هؤلاء الذى قال هذا ؟ وأيهم الذى
عبر عنه باللفظ الذى جاء به؟ نعم ، إن ظاهره أنه عن الصحابة: إما ابن عباس ، وإما ابن مسعود ،
وإما «ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)) - فقد يقول قائل: إن مرجع الرواية فيه إلى الصحابة،
وسواء أعرف الصحابى الراوى أم أبهم اسمه ، فإن ذلك لا يخرجه عن رواية الصحابة ، وجهالة الصحابى
لا تضر؟ ولكن سياق هذه الروايات المطولة المفصلة، فى التفسير وفى الحوادث المتعلقة بأسباب النزول ،
مثل الرواية التى هنا فى هذا الموضع ، مع إعراض أئمة الحديث ، الذين خرجوا الروايات الصحيحة ،
والروايات المقبولة مما هو دون الصحيح - عن إخراج هذه الرواية ونحوها، وإعراض مؤرخى السيرة عن
روايتها أيضاً ، كل أولئك يوجب الريبة فى اتصال مثل هذه الرواية، وفى الجزم بنسبتها إلى الصحابة .
إذ لعلها مما أدرج فى الرواية أثناء الحديث بها . والاحتياط فى نسبة الحديث المرفوع وما فى حكمه واجب.

٢٤٩
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
وإذا أظلم عليهم ، فهو رجلٌ بأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يُجاوزه(١).
والرابع : ما -
١٢٠/١
٤٥٤ - حدثنى به المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( أو كصيِّب من
السماء))، وهو المطر، ضرب مثله فى القرآن يقول: ((فيه ظلمات))، يقول:
ابتلاء، ((ورعد)) يقول: فيه تخويف، ((وبرق))، ((يكاد البرق يخطف أبصارهم))(٢)،
يقول: يكاد محكم القرآن يَدُلّ على عورات المنافقين، (( كلما أضاء لهم مشوا فيه)).
يقول: كلما أصابَ المنافقون من الإسلام عِزًا اطمأنوا، وإن أصابَ الإسلام
نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر (٣)، يقول: ((وإذا أظلم عليهم قاموا))، كقوله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ الْتَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ
أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ اللّنْيَا وَالآخِرَةَ، ذَلِكَ هُوَأُسْرَانُ المُبِينُ)
[سورة الحج: ١١ ] (٤).
ثم اختلف سائر أهل التأويل بعدُ فى ذلك ، نظير ما روى عن ابن عباس
من الاختلاف :
٤٥٥ - فحدثنى محمد بن عمرو الباهلى ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى
ابن مَيْمون ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ، قال: إضاءة البرق وإظلامُه ،
على نحو ذلك المثل .
٤٥٦ - حدثیالمثنی ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
(١) الخبر ٤٥٣ - فى الدر المنثور ١: ٣٢، والشوكانى ١: ٣٧، مع اختلاف يسير
فى اللفظ .
(٢) فى الدر المنثور والشوكانى: ((رعد وبرق - تخويف)).
(٣) فى المطبوعة: ((قالوا رجعوا إلى الكفر))، وهو خطأ محض.
(٤) الخبر ٤٥٤ - فى الدر المنثور ١: ٣٢، والشوكانى ١: ٣٦، وبعضه فى تفسير ابن
كثير ١ : ١٠٠.

٣٥٠
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
٤٥٧ - حدثنا عمرو بن على ، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد . مثله .
٤٥٨ - وحدثنا بشربن معاذ، قال حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد،
عن قتادة، فى قول الله: ((فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ)) إلى قوله ((وإذا أظلم عليهم قاموا))،
فالمنافق إذا رأى فى الإسلام رخاءً أو طمأنينة أو سلوة من عيش قال: أنا معكم
وأنا منكم ، وإذا أصابته شديدةٌ حَقحقَ والله عندها، فانقُطِعَ به، فا بصبر على
بلائها ، ولم يحتسب أجرها، ولم يَرْجُ عاقبتها (١).
٤٥٩ - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا
معمر ، عن قتادة: « فیه ظلمات ورعد وبرق ))،یقول: أجبنُ قوم(٢)، لا يسمعون
شيئاً إلا إذا ظنوا أنهم هالكون فيه حذراً من الموت، واللّه محيطٌ بالكافرين. ثم
ضرب لهم مثلا آخر فقال: ((يكادُ البرقُ يخطف أبصارَهم كلما أضاء لهم مشوا
فيه))، يقول: هذا المنافق، إذا كثر ماله ، وكثرت ماشيته ، وأصابته عافية قال :
لم يُصبنى مِنذُ دخلت فى دينى هذا إلاّ خيرٌ. ((وإذا أظلم عليهم قاموا)) يقول:
إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم، وأصَابهم البلاءُ ، قاموا متحيرين (٣).
٤٦٠ - حدثنى المثنى، قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ((فیه ظلمات ورعد وبرق ))،قال: مَثَلُهم
(١) الأثر ٤٥٨ - فى الدر المنثور ١: ٣٣، وهو جزء من أثر قتادة بتمامه، وقصه هناك:
((فإذا رأى المنافق من الإسلام طمأنينة وعافية ورخاء وسلوة عيش، قالوا: إنا معكم ومنكم. وإذا رأى
من الإسلام شدة وبلاء، فقحقح عند الشدة، فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها ، ولم يرج عاقبتها)).
وقوله فى الدر المنثور ((قحقح))، أظنه خطأ، وإنما هو حقحق كما فى أصول الطبرى. والحقحقة:
أرفع السير وأتعبه الظهر. يريد أنه يسرع إسراعاً فى حيرته حتى يهلكه التعب، وذلك أن المنافق لا يصبر
على البلوى صبر المؤمن الراضى بما شاء الله وقدر. وقوله ((فانقطع به)) بالبناء للمجهول يقال الدابة والرجل
((قطع به وانقطع به)) بالبناء المجهول، إذا عجز فلم ينبض، وأتاه أمر لا يقدر على أن يتحرك معه،
وانقطع رجاؤه. وفى المخطوطة ((فتقطع به)) وليست بشىء. وفى المطبوعة: ((وإذا أصابته شدة)).
(٢) فى المطبوعة: ((أخبر عن قوم))، وهو كلام بلا معنى.
(٣) الأثر ٤٥٩ - لم أجده بلفظه، وأثر قتادة فى الدر المنثور ١: ٣٣ شبيه به فى المعنى دون اللفظ.

٣٥١
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
كمثل قوم ساروا فى ليلة مظلمة، ولها مطر ورعد وبرق على جادّة ، فلما أبرقت
أبصرُوا الجادّة فمضوا فيها ، وإذا ذهب البرق تحيّروا. وكذلك المنافق ، كلما
تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك تحيّر ووقع فى الظلمة ، فكذلك قوله:
((كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا))، ثم قال: فى أسماعهم وأبصارهم
التى عاشوا بها فى الناس، ( ولو شاء اللّه لذهب بسمعهم وأبصارهم)).
قال أبو جعفر :
٤٦١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين ، قال : حدثنا أبو تميلة، عن
عبيد بن سلمان الباهلى، عن الضحاك بن ◌ُمُزّاحم، ((فيه ظلمات))، قال: أما
الظلمات فالضلالة ، والبرق الإيمان(١).
٤٦٢ - حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال حدثنى عبد الرحمن
ابن زيد، فى قوله: ((فيه ظلمات ورعد وبرق))، فقرأ حتى بلغ: ((إن" اللّه على كل
شىء قدير))، قال: هذا أيضاً مثلٌ ضربه اللّه للمنافقين ، كانوا قد استناروا بالإسلام،
كما استنارَ هذا بنور هذا البرق .
٤٦٣ -حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسین، قال : حدثنی حجاج، قال :
قال ابن ◌ُجريج: ليس فى الأرض شىء سمعه المنافق إلا ظنّ أنه يُراد به، وأنه
الموتُ، كراهيةً له - والمنافق أكرهُ خلق الله للموت - كما إذا كانوا بالبراز فى
المطر ، فرُّوا من الصواعق(٢).
٤٦٤ - حدثنا عمرو بن على، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا ابن ١٢١/١
'جریج، عن عطاء، فی قوله: (( أو کھیّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق)»،
قال: مثَل ضُرِبَ الكافر (٣) .
(١) الأثر ٤٦١ - فى الأصول ((أبو ميلة)) بالنون، وهو خطأ، والصواب ((أبو تميلة))
بالتاء مصغراً، وهو يحيى بن واضح، كما مضى فى : ٣٩٢.
(٢) فى المخطوطة: ((كما إذا كانوا بالبر فى المطر ... »، وهو شبيه بالصواب. والبراز: الفضاء
من الأرض البعيد الواسع ، ليس به شجر ولا غيره مما يستتر به .
(٣) الآثار ٤٦٠ - ٤٦٤: لم أجدها فى مكان
٠٠

٣٥٢
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
وهذه الأقوال التى ذكرنا عمن رويناها عنه ، فإنها - وإن اختلفت فيها ألفاظ
قائليها - متقارباتُ المعالى، لأنها جميعاً تُنبئ عن أن اللّه ضرَب الصيِّب لظاهرٍ
إيمان المنافق مثلا، وَمَثّلَ ما فيه من ظلمات لضلالته ، وما فيه من ضياء برق لنور
إيمانه(١)؛ وإتقاءه من الصواعق بتصبير أصابعه فى أذنيه، لضعف جنانه ونَخْبٍ
فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته(٢)؛ ومشيه فى ضوء البرق لاستقامته على نور
إيمانه؛ وقيامه فى الظلام، لحيرته فى ضلالته وارتكاسه فى عمَّهه(٣).
فتأويل الآية إذاً - إذْ كان الأمر على ما وصفنا - : أو مَثَلُ ما استضاء به
المنافقون - من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألسنتهم: آمنا بالله
وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به ، حتى صار لهم بذلك فى الدنيا أحكامُ المؤمنين،
وهم - مع إظهارهم بألسنتهم ما يُظهرون - باللّه وبرسوله صلى الله عليه وسلم وما
جاء به من عند الله وباليوم الآخر، مكذَّبون، وخلاف ما يُظهرون بالألسُن فى
قلوبهم معتقدون ، على عمی منهم ، وجهالة بما هم عليه من الضلال ، لا يدرون
أىّ الأمرين اللذين قد شرّعا لهم [ فيه] الهداية(٤): أفى الكفر الذى كانوا عليه
قبل إرسال اللّه محمداً صلى الله عليه وسلم بما أرسله به إليهم ، أم فى الذى أتاهم
به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد
صلى الله عليه وسلم وَجيلون، وهم مع وجلهم من ذلك فى حقيقته شاكُّون ، فى
قلوبهم مَرّض فزادهمُ اللّه مَرَضاً. كمثل غيث سرى ليلاً فى مُزنة ظلماء
(١) فى المخطوطة: ((بضلاته ... بنور إيمانه)).
.(٢) فى المطبوعة: ((وتحير فؤاده)). والنخب: الجبن وضعف القلب. ورجل نخب ونخيب
ومنخوب الفؤاد: جبان لا خير فيه، كأنه منتزع الفؤاد ، فلا فؤاد له.
(٣) فى المطبوعة: ((باستقامته ... بصيرته فى خلالته ... ».
(٤) فى المخطوطة: ((مرعا)) غير واضحة ولا منقوطة. ولعل الصواب ((شرعا، من قولهم شرعت
الإبل الماء : أى دخلته وخاضت فيه لتشرب منه. والمنافق يخوض فى الإيمان بلسانه وفى الكُفر بقلبه .
وزدت ما بين القوسين ليستقيم المعنى. وفى المطبوعة بعد: ((الهداية فى الكفر الذى كانوا عليه)، بغير ألف
الاستفهام ، وهو خطأ لا يستقيم .

٣٥٢
تفسير سورة البقرة : ٢٠،١٩
ليلة مظلمة(١)، يحدوها رعدٌ، ويستطير فى حافاتها برقّ شديد لمعانه (٢)، كثير
خطرانه (٣)، يكادَسنا برقه يذهب بالأبصار ويختطفها من شدة ضيائه ونور
شعاعه ، وينهبط منها تارات صواعقُ ، تكاد تَدَع النفوس من شدة أهوالها
زَواهق .
فالصيِّب مَثلّ لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق ،
والظلمات التى هى فيه لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب.
وأما الرعدُ والصواعق، فلما هم عليه من الوَجَل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله
صلى الله عليه وسلم فى آى كتابه، إما فى العاجل وإما فى الآجل، أنْ يحلّ بهم ،
مع شكهم فى ذلك : هل هو كائن أم غير كائن ؟ وهل له حقيقة أم ذلك كذبٌ
وباطلٌ؟ - مثل٣(٤). فهم من وَجلهم، أن يكون ذلك حقًّا ، يتقونه بالإقرار بما
جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم، مخافةً على أنفسهم من الهلاك ونزول
النَّقيمبَات (٥). وذلك تأويل قوله جل ثناؤه ((يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق
"حَذَرَ الموت))، يعنى بذلك: يتقون وعيد الله الذى أنزله فى كتابه على لسان
رسوله صلى الله عليه وسلم، بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقى الخائف
أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها ، حذراً على نفسه منها .
.. وقد ذكرنا الخبر الذى رُوى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان:
إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم
(١) فى المطبوعة: ((وليل مظلمة))، وهو خطأ بين.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يخذوها)) بالذال المعجمة، وهو خطأ. وإنما هو من حداء السائق
بإبله : وهو غناؤه لها وزجره إياها ، وهو يسوقها. جعل صوت الرعد حداء السحاب . واستطار البرق :
سطح وشق السحاب وانتشر فى جوانب الغمام .
(٣) فى المخطوطة: ((خطواته)) غير منقوطة، وهو تحريف. من قولهم خطر بسيفه أو سوطه
يخطر خطراقاً: إذا رفعه مرة ووضعه أخرى ، شبه شقائق البرق بالسوط يلمع مرة ويخفى أخرى .
(٤) قوله (مثل)) خبر مبتدأ محذوف، فسياق الجملة كما ترى: أما الرعد والصواعق، فمثل لما هم
عليه من الوجل ...
(٥) النقمات: جمع نقمة مثل كلمات وكلمة، وهى العقوبات.
ج١ (٢٣)

٣٥٤
تفسير سورة البقرة : ١٩، ٢٠
فى آذانهم فرقاً من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شىء ،
أو يذكروا بشىء فيقتلوا. فإنْ كان ذلك صحيحاً - ولست أعلمه صحيحاً، إذ
كنت بإسناده ◌ُمُرتاباً - فإنّ القول" الذى رُوى عنهما هو القول(١) . وإن يكن
غير صحيح، فأولى بتأويل الآية ما قلنا، لأن اللّه إنما قصّ علينا من خّرهم فى
١٢٢/١ أول مُبتدأ قصتهم(٢): أنهم يخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم: آمنا
بالله وباليوم الآخر، مع شكّ قلوبهم وَمَرَض أفئدتهم فى حقيقة ما زّعموا أنهم
به مؤمنون ، مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم . وبذلك
وَصَقهم فى جميع آى القرآن التى ذكرَ فيها صفتهم . فكذلك ذلك فى هذه الآية .
وإنما جعل اللّهُ إدخالهم أصابعهم فى آذانهم مثلاً لاتَّقائهم رسولَ اللّه
صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يَتَّقُونهم به، كما يتّقى سامعُ صَوَتٍ
الصاعقة بإدخال أصابعه فى أذنيه . وذلك من المثَل نظيرُ تمثيل الله جل ثناؤه ما
أنزل فیهم من الوعید فی آی کتابه بأصوات الصواعق. و کذلك قوله « حدر الموت)»،
جعله جل ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلکهم الذى
تُؤُعُدُوه بساحتهم (٣)، كما يجعل سامعُ أصوات الصواعق أصَابعه فى أذنيه، حَدَرَ
العطب والموت على نفسه ، أن° تزهق من شدتها .
وإنما نصّب قوله ((حَذَرَ الموت)) على نحو ما تنصب به التكرمة فى قولك:
(زُرْتُك تُكرمة" لك))، تريد بذلك: من أجل تكرمتك، وكما قال جلّ ثناؤه،
﴿وَيَدْهُونَ رَغَبًا وَرَهَبَا﴾ [سورة الأنبياء: ٩٠] على التفسير للفعل(٤).
وقد رُوى عن قتادة أنه كان يتأول قوله: (( حَدَرَ الموت))، حذراً من الموت .
(١) انظر الحديث زقم: ٤٥٢ والتعليق عليه .
(٢) فى المطبوعة: ((قصصهم))، ولا بأس بها. وبعد ذلك فى المخطوطة: ((أنهم عارفون يخادعون.
الله ... ))، ولا معنى لإقحام قوله: ((عارفون)).
(٣) فى المطبوعة: ((العقاب المهلك ... )) بدلوا لفظ الطبرى، ليوافق ما اعتادوه من الكلام.
(٤) قوله ((على التفسير الفعل))، أى أنه مفعول لأجله.

٣٥٠
تفسير سورة البقرة : ١٩، ٢٠
٤٦٥ - حدثنا بذلك الحسن بنيحيى ، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا
معمر ، عنه .
وذلك مذهب من التأويل ضعيف ، لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم فى آذانهم
حذَراً من الموت، فيكون معناه ما قال إنه يراد به(١): حَذَراً من الموت، وإنما
جعلوها من حذار الموت فى آذانهم.
وكان قتادةُ وابنُ ◌ُجريج يتأولان قوله: ((يجعلون أصابعهم فى آذاتهم من
الصواعق "حذر الموت))، أن ذلك من الله جل" ثناؤه صفةٌ المنافقين بالهلع وضعف
القلوب وكراهة الموت، ويتأولان فى ذلك قوله: ﴿يَحْسَبُون كُبِلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾
[سورة المنافقون: ٤].
ولیس الأمر فی ذلك عندی کالذی قالا . وذلك أنه قد کان فیہم من لا تُنکر
شجاعته ولا تُدفع بسالته، كقُزْمان، الذى لم يعم مقامه أحدٌ من المؤمنين بأحُد،
أو دونه(٢). وإنما كانت كراهتُهم شهود المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وتركُهم مُعاونته على أعدائه، لأنهم لم يكونوا فى أديانهم مُستبصرين، ولا برسول الله
صلى الله عليه وسلم مصدّقين، فكانوا للحضور معه مَشاهدَه كارهين ، إلا
بالتخذیل عنه(٣) . ولكن ذلك وصفٌ من الله جل ثناؤه لهم بالإشفاق من 'حلول
عقوبة اللّه بهم على نفاقهم، إما عاجلا وإما آجلاً. ثم أخبر جل ثناؤه أنّ
(١) فى المطبوعة ((مراد به))، وهما سواء.
(٢) هذه الجملة فى المخطوطة هكذا: ((كتزمان الذى لم يقم مقامه من المؤمنين كثير أحد ودونه))
وهى عبارة مبهمة. وقد أثبت ما فى المطبوعة، وجعلت ((ودونه))، ((أو دونه))
ليستقيم المعنى . ويدل على ذلك أن عدة الذين قتلوا يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلا ، قتل
قزمان وحده منهم عشرة، وقتل على بن أبى طالب أربعة، وقتل حمزة بن عبد المطلب ثلاثة ، وقتل عاصم
ابن ثابت بن الأقاح رجلين، وقتل سعد بن أبى وقاص رجلا واحداً. وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقتل رجلا صبراً، وقتل آخر بيده صلى الله عليه وسلم. وقزمان حليف بنى ظفر، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: إنه لمن أهل النار. فلما أبل يوم أحد، قيل له: أبشر! قال : بماذا أبشر ؟ فواقه
ما قائلت إلا عن أحساب قوبى!ولولا ذلك ما قاتلت. ولما اشتدت به جراحته وآذته، أخذ سهماً من
كتانته فقتل به نفسه .
(٣) التخذيل: حمل الرجل على خذلان صاحبه، وقبيطه عن نصرته .

٣٥٦
تفسير سورة البقرة : ٢٠
المنافقين - الذين نعتهم الله النعتَ الذى ذكر، وضرب لهم الأمثال التى وَصَف ،
وإن اتقوا عقابه، وأشفقوا عذابه إشفاق الجاعل فى أذنيه أصابعه حيذَارَ حُلُول
الوعيد الذى توعدهم به فى آى كتابه .. غيرُ مُنْجيهم ذلك من نزوله بعَقْوَتهم (١) ،
وحُلوله بساحتهم، إما عاجلاً فى الدنيا، وإما آجلاً فى الآخرة ، للذى فى قلوبهم
من مَرَضها، والشك فى اعتقادها، فقال: ((واللّه ◌ُمُحِيطٌ بالكافرين))، بمعنى
جَامِعُهم، فمُحلّ بهم عُقوبته.
وكان مجاهدٌ يتأول ذلك كما : -
٤٦٦ - حدثنى محمد بن عمرو الباهلى، قال: حدثنا أبو عاصم . عن عيسى
ابن ميمون، عن عبد الله بن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قول الله: ((والله محيط
بالکافرین )) ،قال : جامعهم فى جهنم(٢).
وأما ابن عباس فروى عنه فى ذلك ما : -
٤٦٧- حدثنى به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق، عن محمد
ابن أبى محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس: ((واللّه ◌ُمُحيط بالكافرين))، يقول: اللّه منزل" ذلك بهم من النَّقْمة (٣).
٤٦٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن
ابن جريج، عن مجاهد، فى قوله: ((واللّه محيط بالكافرين))، قال: جامِعُهم .
ثم عاد جل ذكره إلى نعت إقرار المنافقين بألسنتهم ، والخبر عنه وعنهم وعن
تفاقهم، وإتمام المثل الذى ابتدأ ضربته لهم ولشكّهم وَمَرَض قلوبهم ، فقال :
((يكاد البرق))، يعنى بالبرق، الإقرار الذى أظهروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به
من عند ربهم . فجعل البرقَ له مثلاً ، على ما قدَّمنا صفته .
١٢٣/١
(١) فى المطبوعة: ((بعقوبتهم))، وفى بعض المخطوطات: ((بعقولهم))، وكلتاهما خطأ محض.
والعقوة : ساحة الدار ، وما كان حولها وقريباً منها .
(٢) الأثر ٤٦٦ - من تمام أثر فى الدر المنثور ١ : ٣٣.
(٣) الخبر ٤٦٧ - من تمام خبر فى الدر المنثور ١ : ٣٢ - ٣٣.

٣٥٧
تفسير سورة البقرة : ٢٠
((يَخطفُ أبصارهم))، يعنى: يذهب بها ويستلبُها ويلتمعها من شدة ضيائه
وُنُورُ شعاعه .
٤٦٩- كما حُدّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشربن مُمارة،
عن أبى رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، فى قوله: (( يكاد البرقُ يخطف
أبصارهم))، قال: يلتمعُ أبصارَهم ولمّا يفعل(١).
قال أبو جعفر : والخطف السلب ، ومنه الخبر الذى روى عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه نهى عن الخطْفة ، يعنى بها النُّهبة(٢). ومنه قيل للخُطاف الذى
يُخرج به الدلو من البئر ◌ُخُطَّاف، لاختطافه واستلابه ما علق به، ومنه قول
نابغة بنى ◌ُذبيان :
"َعُدُّ بها أيدٍ إِلَيْكُ نَوَازِعُ(٣)
خَطَطِيفُ حُجْنٌ فِى حِبَالٍ متينةٍ
(١) الخبر ٤٦٩ - لم أجده. والتمع البصر أو غيره: اختلسه واختطفه وذهب به. ومنه الحديث:
((إذا كان أحدكم فى الصلاة، فلا يرفع بصره إلى السماء يلتمع بصره ))، أى يختلس.
(٢) الذى ذكره ابن الأثير فى النهاية أن الخطفة: ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهى حية،
لأن كل ما أبين من حى فهو ميت ، وذلك أن النهى عن الخطفة كان لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة، رأى الناس يحبون أسنمة الإبل وأليات الغم ويأكلونها. قال: والخطفة المرة الواحدة من الخطف،
فسمى بها العضو المختطف، وأما النهبة والنهبى ، فاسم لما ينهب ، وجاء بيانها فى حديث سنن أبى داود
٣: ٨٨ ((فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها، فقام عبد الرحمن بن سمرة خطيباً، فقال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ينهى عن النبى)). وفى الباب نفسه من سنن أبي داود عن رجل من الأنصار قال: ((خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غما فانتهبرها،
فإن قدورنا لتغلى إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمثى على قوسه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل
يرمل اللحم بالتراب ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة)).
(٣) ديوانه: ٤١، وقبله البيت المشهور:
فإنّك كاليل الذى هو مدركى وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ
خطاطيف: جمع خطاف. وحجن: جمع أحجن، وهو المموج الذى فى رأسه عقافة. وقال ((تمد بها))
ولم يقل : تمدها، لأنه لم يرد مد الحبال ذوات الخطاطيف، وإنما أراد اليد التى تمتد بها وفيها الخطاطيف،
لأن اليد هى الذى تتبع الشىء حيث ذهب (انظر ما سيأتى من إدخال الباء على مثل هذا الفعل ص ٣٦٠ س: ٦-٩)
وقوله ((إليك)) متعلق بقوله («نوازع)). ونوازع جمع نازع ونازعة، من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها:
جذبها وأخرجها. أى أن هذه الأيدى تجذب ما تشاء إليك، وترده عليك. والبيت متصل بالذى قبله ،

٣٥٨
تفسير سورة البقرة : ٢٠
فجعل ضوء البرق وشدة "شعاع نوره، كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله
صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وُشُضَاعِ نوره، مثلاً.
ثم قال تعالى ذكره: ((كلما أضاء لهم))، يعنى أن البرق كلما أضاء لهم، وجعل
البرق لإيمانهم مثلاً. وإنما أراد بذلك: أنهم كلما أضاء لهم الإيمان ، وإضاءتُه
لهم: أن يروا فيه ما يُعجبهم فى عاجل دنياهم، من النُّصرة على الأعداء، وإصابةٍ.
الغنائم فى المغازى ، وكثرة الفتوح ومنافعها ، والثراء فى الأموال، والسلامة فى
الأبدان والأهل والأولاد - فذلك إضاءتُه لهم، لأنهم إنما يُظهرون بألسنتهم
ما يُظهرونه من الإقرار، ابتغاءَ ذلك، ومدافعةً عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم
وذراريهم، وهم كما وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى
حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ الْتَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ الْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾
[سورة الحج: ١١]
ويعنى بقوله (مشوا فيه))، مشوا فى ضوء البرق. وإنما ذلك مثلٌ لإقرارهم
على ما وصفنا . فمعناه : كلما رأوا فى الإيمان ما يُحجبهم فى عاجل دنياهم على
ما وصفنا ، ثبتوا عليه وأقاموا فيه، كما يمشى السائر فى ظلمة الليل وُظلمة الصَّيِّب
الذى وصفه جل ثناؤه ، إذا برقت فيها بارقةٌ أبصر طريقه فيها .
((وإذا أظلم))، يعنى : ذهب ضوءُ البرق عنهم.
ويعنى بقوله ((عليهم))، على السائرين فى الصيّب الذى وصف جل ذكره.
وذلك المنافقين مثّل . ومعنى إظلام ذلك: أنّ المنافقين كلما لم يَرَوْا فى الإسلام
ما يعجبهم فى دنياهم - عند ابتلاء اللّه مؤمنى عباده بالضرّاء، ومحيصه إياهم
بالشدائد والبلاء، من إخفاقهم فى مَغزاهم، وإدالة عدوّهم منهم (١)، أو إدبارٍ من
وہیان لقوله « فإنك کالیل اللی هو مدر کی)»، اراد تهويل الليل وما يرى فيه، تتبعه حيث ذهب خطاطيف
حجن لا مهرب له منها .
(١) فى المطبوعة ((وإقالة عدوهم))، وهو خطأ. والإدالة: الغلبة، وهى من الدولة فى الحرب،
وهو أن يجزم الجيش مرة، ويهزمه الجيش الآخر تارة أخرى. يقال: المهم أدلنا من عدونا ! أى الهم
اجمل لنا الدولة عليه وانصرنا .

٣٥٩
تفسير سورة البقرة : ٢٠
دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقهم (١)، وثبتوا على ضلالتهم ، كما قام السائر فى
الصيّب الذى وصف جل ذكره (٢)، إذا أظلم وَخفتَ ضوء البرق، فحارَ فى
طريقه ، فلم يعرف منهجه .
٠
القول فى تأويل قوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَتِهِمْ
وَأَبْصَرِهِمْ )
قال أبو جعفر: وإنما خص جل ذكره السمعَ والأبصارَ - بأنه لو شاء أذهبها
من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم (٣) .- الذى جرى من ذكرها فى الآيتين ،
أعنى قوله: ((يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق))، وقوله: ((يكادُ البرق
يخطفُ أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه»، فجری ذکرها فى الآيتين على وجه
المثَل. ثم عَقَّب جل ثناؤه ذكر ذلك، بأنه لوشاء أذْهبه من المنافقين عقوبة"
لهم على نفاقهم وكفرهم ، وعيداً من اللّه لهم ، كما توعَّدهم فى الآية التى قبلها بقوله:
(((واللّه ◌ُمُحيط بالكافرين))، واصفاً بذلك جل ذكره نفسه، أنه المقتدر عليهم ١٢٤/١
وعلى جمعهم، لإحلال تَخَطه بهم، وإنزال نِقْمته عليهم، وُذّرّهم بذلك سطوته،
ومخوَّفتهم به عقوبته ، ليتقوا بأسته ، ويُسارعوا إليه بالتوبة.
٤٧٠ - كما حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، عن محمد بن
أبى محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ((ولو شاء
(١) فى المطبوعة: ((قاموا على نفاقهم)). وهذه أجود.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كما قام السائرون فى الصيب))، وهو خطأ، صوابه من مخطوطة
أخرى .
(٣) فى المخطوطة: ((دون سائر أجسامهم)).

٣٦٠
تفسير سورة البقرة : ٢٠
اللّه الذهب بسمعهم وأبصارهم))، لما تركوا من الحق بعد معرفته (١).
٤٧١ - وحدثی المشی ،قال : حدثنا إسحق، قال: حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال: ثم قال - يعنى قال اللّه - فى أسماعهم،
يعنى أسماع المنافقين، وأبصار هم التى عاشوا بها فى الناس: ((ولو شاءَ اللّه لذّهب
بسمعهم وأبصارهم )) (٢) .
قال أبو جعفر: وإنما معنى قوله: ((لذهب بسمعهم وأبصارهم))، لأذهب
سمعتهم وأبصارهم. ولكن العرب إذا أدخلوا الباء فى مثل ذلك قالوا: ذهبتُ ببصره،
وإذا حذفوا الباء قالوا: أذهبتُ بصره. كما قال جل ثناؤه: ﴿ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [سورة
الكهف: ٢٢]، ولو أدخلت الباء فى الغداء لقيل: ائتنا بغدَاثنا(٣).
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وکیف قيل: ((لذهب بسمعهم )) فوحَّد،
وقال: ((وأبصارهم)) فجمع؟ وقد علمتَ أن الخبر فى السمع خبرٌ عن سَمْع
جماعة (٤)، كما الخبر عن الأبصار خبرٌ عن أبصار جماعة؟(٥)
قيل : قد اختلف أهل العربية فى ذلك، فقال بعض نحوبى الكوفة : وحدَّد
السمعَ لأنه عَنَّى به المصدرَ وقصّد به الخَرْق، وجمع الأبصار لأنه عَنّى به الأعينَ.
وكان بعض نحوبى البصرة يزعم: أنّ السمع وإن كان فى لفظ واحد ، فإنه بمعنى
جماعة (٦). ويحتج فى ذلك بقول الله: (لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفَهُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٤٣]،
يريد : لا ترتد إليهم أطرافهم، وبقوله: ﴿وَ يُوَلَّوْنَ الدُّبُرُ﴾ [ سورة القمر: ٤٥]،
(١٠) الخبر ٤٧٠ - من تمام الخبر الذى ساقه فى الدر المنثور ١: ٣٢ -٣٣، وقد مضى
صدره آنفاً : ٤٥١ ، ٤٦٧ .
(٢) الأثر ٤٧١ - هو من الأثر السالف رقم : ٤٦٠.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١٩. وانظر ما مضى ص ٣٥٧ تعليق: ٣
(٤) فى المخطوطة: ((أن الخبر بالسمع))، وهذه أجود، وأجودهن ((الخبر عن السمع)) كما سيأتى
فى الذی یل .
(٥) فى المطبوعة: ((كما الخبر فى الأبصار))، والذى فى المخطوطة أجود.
(٦) فى المخطوطة: ((لمعنى جماعة))، وهى صواب جيد.