Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
تفسير فاتحة الكتاب
قال : حدثنا عَنْبسة بن سعيد، عن مُطَرِّف بن طَرِيف، عن سعد بن إسحق
ابن كعب بن عُجْرة، عن جابر بن عبد الله الأنصارى، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل": ((قَسمت الصلاة بينى وبين عبدى نِصْفين،
وله ما سأل)). فإذا قال العبد: ((الحمدُ لله ربّ العالمين)) قال الله: ((حمد لى عبدی))،
وإذا قال: ((الرحمن الرحيم))، قال: (( أثنى علىّ عَبدِى)) وإذا قال: ((مالك ٦٧/١
يَومِ الدين)) قال: ((مَجَّدنى عبدى)) قال: ((هذا لى، وله ما بقى))(١) .
((آخرُ تفسيرِ سُورَةٍ فَاتِحَةُ الكتابِ)»
وهذا الحديث - بإسناديه الموقوفين - مرفوع حكماً ، وإن كان فى هاتين الروايتين موقوفاً لفظاً . فإن
هذا مما لا يعلم بالرأى ، ولا يدخل فيه مناط الاجتهاد .
ثم إن الرفع زيادة من الثقة ، وهى مقبولة . وفوق هذا كله ، فإنه لم ينفرد برفعه راويه فى الإسناد
الأول ، وهو المحاربى ، بل ورد بأسانيد أخر مرفوعاً .
وهو قطعة من حديث طويل، رواه مالك فى الموطأ : ٨٤ -٨٥ عن العلاء بن عبد الرحمن ، بهذا
الإسناد ، مرفوعاً. وكفى بمالك حجة فى التوثق من رفعه لفظاً فوق رفعه حكماً. وكذلك رواه مسلم ١: ١٦٦
(٤: ١٠١ - ١٠٤ من شرح النووى)، من طريق مالك، ومن طريق سفيان بن عيينة، ومن طريق
ابن جريج، ومن طريق أبى أويس - كلهم عن العلاء عن أبي السائب، به مرفوعاً . وزاد أبو أويس
عن العلاء قال: ((سمعت من أبى ومن أبى السائب، وكاناً جليسى أبى هريرة ... ))، فذكره مرفوعاً.
ونسبه السيوطى ١: ٦ لسفيان بن عيينة فى تفسيره، وأبى عبيدة فى فضائله، وابن أبى شيبة، وأحمد ،
والبخارى فى جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان، وغيرهم. وذكر ابن كثير ١ : ٢٤ -
٢٥ بعض طرقه مفصلة .
(١) الحديث ٢٢٤ - هذا إسناد جيد صحيح. صالح بن مسمار السلمى المروزى: ثقة ، روى
عنه مسلم فى صحيحه، وقال أبو حاتم: ((صدوق))، كما فى كتاب ابنه ٤١٥/١/٢، وذكره ابن حبان
فى الثقات . عنبسة بن سعيد بن الضريس الرازى قاضى الرى: ثقة ، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو داود
وغيرهم، وصرح البخارى فى الكبير٤ / ١ / ٣٥ بأنه يروى عن مطرف. و((الضريس)): بغم
الضاد المعجمة وآخره سين مهملة ، كما ضبطه الحافظ فى التقريب . مطرف بن طريف : ثقة ثبت ،
أخرج له الجماعة . سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة : ثقة لا يختلف فيه، كما قال ابن عبد البر ، وهو
من شيوخ مالك. وروايته عن جابر متصلة، لأنه يروى عن أبيه (( إسحق بن كعب)) المقتول يوم الحرة
سنة ٦٣، وقد عاش جابر بعدها أكثر من عشر سنين.
والحديث ذكره السيوطى ١: ٦ ونسبه لابن جرير وابن أبى حاتم فى تفسيريهما. وذكره ابن كثير
١: ٢٥ عن هذا الموضع من الطبرى - ووقع فى إسناده غلط مطبعى - وقال: «وهذا غريب من هذا
الوجه))! ولعله يريد أنه لم يروه أحد من حديث جابر إلا بهذا الإسناد. وليس من ذلك بأس، وقد ثبت
معناه من حديث أبى هريرة ، فهو شاهد قوى لصحته .

تفسّيْ
سُورة البقرة

◌ِقْالر ◌ّمنِ الرَّةُ
ربِّ أعنْ
﴿ القول فى تفسير السورة التى يذكر فيها البقرة)
القول فى تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿ ألم)
قال أبو جعفر: اختلفت تراجمة القرآن فى تأويل قول الله تعالى ذكره(١): ((أم))
فقالَ بعضُهم : هو اسم من أسماء القرآن . ذكرُ من قال ذلك:
٢٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((ألم))، قال: اسم من أسماء القرآن .
٢٢٦ - حدثنى المثنى بن إبراهيم الآملى ، قال: حدثنا أبو حذيفة موسى بن
مسعود، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قال: ((ألم))،
اسم من أسماء القرآن .
٢٢٧ - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال: حدثنا الحسين بن داود ، قال :
حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: ((ألم))، اسم من أسماء القرآن .
وقال بعضُهم : هو فواتحُ يفتح الله بها القرآن . ذكر من قال ذلك :
٢٢٨ - حدثنى هرون بن إدريس الأصم الكوفى ، قال: حدثنا عبد الرحمن
ابن محمد المحاربى، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ((ألم))، فواتح يفتح الله
بها القرآن .
(١) تراجمة القرآن: مفسروه، كما مر آنفاً: ١٧٠، تعليق: ٤ وما قبلها ٧٠، تعليق: ١٠
٢٠٥

٢٠٦
تفسير سورة البقرة : ١
٢٢٩ - حدثنا أحمدبن حازم الغفّارى، قال: حدثنا أبو نعيم ، قال: حدثنا
سفيان، عن مجاهد، قال: ((ألم))، فواتح .
٢٣٠ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، عن يحيى
ابن آدم، عن سفیان، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، قال: ((أم))، و ((حے)،
و((ألمص))، و((ص ))، فواتحُ افتتح اللّه بها(١).
٢٣١ - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال: حدثنى
حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثل حدیث هرون بن إدريس .
وقال آخرون: هو اسم للسورة . ذكرُ من قال ذلك :
٢٣٢ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبد الله بن وهب، قال: سألت
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن قول الله: ((ألم ذلك الكتاب))، و((ألم تنزيل))،
و((ألمر تلك))، فقال: قال أبى: إنما هى أسماء السُّور .
وقال بعضهم : هو اسم الله الأعظم . ذكر من قال ذلك :
٢٣٣ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال:
حدثنا شعبة، قال: سألت السُّدِّى عن ((حم)) و((طسم)) و((ألم))، فقال:
قال ابن عباس : هى اسْم الله الأعظم.
٢٣٤ - حدثنا محمد بن المثنی ، قال:حدثنى أبو النعمان، قال: حدثنا شعبه،
عن إسماعيل السُّدّى، عن مُرّة الهمدانى، قال: قال عبدُ اللّه: فذكر نحوه .
٢٣٥ - حدثنى المثنى، قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، عن عُبيد الله بن
موسى ، عن إسمعيل ، عن الشعبى ، قال: فواتح السور من أسماء الله .
وقال بعضهم : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسمائه. ذکر من
قال ذلك :
(١) الأثر ٢٣٠ - إسحق بن الحجاج: هو الطاحونى المقرئ، ترجمه ابن أبى حاتم فى الجرح
والتعديل ٢١٧/١/١، وقال: ((سمعت أبا زرعة يقول: كتب عبد الرحمن المشتكى تفسير عبد الرزاق
عن إمنحق بن الحجاج ».

٢٠٧
تفسير سورة البقرة : ١
٢٣٦ - حدثنى يحيى بن عثمان بن صالح السهمى، قال: حدثنا عبد الله بن
صالح ، قال حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس ،
قال: هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله.
٢٣٧ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن 'عُلَّية ، قال: حدثنا
خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: ((ألم))، قسم(١) .
وقال بعضهم : هو حُرُوفمقطعة من أسماء وأفعال ، كلّ حرف
من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر . ذکر من قال ذلك :
٢٣٨ - حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع - وحدثنا سفيان بن وكيع قال:
حدثنا أبى عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبى الضُّحى، عن ابن عباس:
(ألم)) قال: أنا الله أعلم (٢).
٢٣٩ - حُدَّثْتُ عن أبى عُبيد، قال: حدثنا أبو اليقظان، عن عطاء بن
السائب، عن سعيد بن جبير، قال: قوله: ((ألم))، قال: أنا اللّه أعلم.
٢٤٠ -حدثیموسی بن هرون الهمدانی، قال: حدثناعمرو بنحماد القنّاد،
قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسمعيل السُّدّى فى خبر ذكره ، عن أبى
مالك ، وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهمدائى، عن ابن مسعود -
وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألم)) قال: أما ((ألم)) فهو
"حَرف اشتُقُّ من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه.
٦٨/١
٢٤١ - حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا عباس بن زياد الباهلى، قال:
حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فى قوله :
((ألم)) و((حم)) و((ن))، قال: اسم مُقْطَّع(٣).
(١) الأثر ٢٣٧ - يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح: هو الدورق الحافظ البغدادى.
(٢) الخبر ٢٣٨ - رواه الطبرى عن شيخين عن وكيع: عن أبي كريب، وعن سفيان بن وكيع،
كلاهما عن وكيع عن شريك، وهو ابن عبد الله النخعى القاضى. وجاء الإسناد الثانى منهما فى مطبوعة
بولاق محرفاً: ((سفيان بن وكيح قال حدثنا ابن أبى شريك)). وصحح من المخطوطة.
(٣) الخبر ٢٤١ - محمد بن معمر بن ريمى، شيخ الطبرى: هو المعروف بالبحرانى، وهو

٢٠٨
تفسير سورة البقرة : ١
وقال بعضهم هی حروفُ هجاءٍ موضوعٍ . ذکر من قال ذلك :
٢٤٢ - حُدَّثْتُ عن منصور بن أبى نُويرة، قال: حدثنا أبو سعيد المؤذِّب،
عن خُصَیْف ، عن مجاهد ، قال: فواتح السور كلها (( ق )) و ((ص )) و ((حم ))
و((طسم)) و((ألر)) وغير ذلك، هجاء موضوع.
وقال بعضهم : هى حروف يشتمل كل حرفٍ منها على معان شتى
مختلفة . ذكر من قال ذلك :
٢٤٣ - حدثنى المثنى بن إبراهيم الطبرى، قال: حدثنا إسحق بن الحجاج ،
عن عبد الله بن أبى جعفر الرازى، قال: حدثنى أبى، عن الربيع بن أنس ، فى
قول الله تعالى ذكره: ((ألم))، قال: هذه الأحرف، من التسعة والعشرين حرفاً،
دارت فيها الألسُن كلها. ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس
منها حرف إلا وهو فى آلائه وَبَلائه، وليس منها حرف إلاّ وهو فى مدّةٍ قوم
وآجالهم. وقال عيسى بن مريم: ((وعجيبٌ ينطقون فى أسمائه ، ويعيشون فى
رزقه، فكيف يكفرون؟)). قال: الألف مفتاح اسمه: « اللّه:، واللام مفتاح اسمه:
((لطيف))، والميم مفتاح اسمه: ((مجيد)). الألف آلاء اللّه، واللام لطفه ، والميم
مجده. الألف سنة ◌ٌ ، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون سنة .
٢٤٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن أبى جعفر، عن الربيع بنحوه (١)
وقال بعضُهم: هى حُروف من حساب الجُمَّل ـ كرهنا ذكْر الذى
حُكى ذلك عنه ، إذْ كان الذى رواه ممن لاُ يعتمد على روايته ونقله. وقد مضت
الروايةُ بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس(٢).
ثقة ، روى عنه البخارى ومسلم فى الصحيحين، وهو متأخر الوفاة، مات فى العام الذى مات فيه البخارى
سنة ٢٥٦، كما ذكر الذهبى فى تذكرة الحفاظ ٢ : ١٢٩، وأما شيخه ((عباس بن زياد الباهلى)» فلم
أجد له ترجمة قط .
(١) الأخبار ٢٢٥ - ٢٤٤: ذكرها ابن كثير ١ : ٦٥ - ٦٦، بعضها بالإسناد، وبعضها
دون إسناد، وسردها السيوطى ٢: ٢٢ - ٢٣ مع غيرها من الروايات. ونقل الشوكانى بعضها ١: ٢١.
(٢) يشير إلى الروايتين السابقتين: ٢٤٤،٢٤٣.

٢٠٩
تفسير سورة البقرة : ١
وقال بعضهم : لكل كتاب سرٌّ ، وسرُّ القرآن فواتحه .
٠
وأمَّا أهل العربية ، فإنهم اختلفوا فى معنى ذلك . فقال بعضهم : می حروف
من ◌ُحُرُوف المعجم ، استُغْنىَ بذكر ما ذكر منها فى أوائل السور عن ذكر
بواقيها، التى هى تتمة الثمانية والعشرين حرفاً؛ كما استغنى اُلخبرُ - عمن أخبرَ
عنه أنه فى حروف المعجم الثمانية والعشرين حرفاً - بذکر ((أ ب ت ث))، عن
ذكر بواقى حروفها التى هى تتمة الثمانية والعشرين : قال . ولذلك رُفع
﴿ذُلِكَ الكتابُ﴾، لأنّ معنى الكلام : الألف واللام والميم من الحروف
المقطعة ، ذلك الكتابُ الذى أنزلته إليك مجموعاً لا ريب فيه .
فإن قال قائل: فإن ((أ ب ت ث))، قد صارتْ كالاسم فى حروف الهجاء،
كما كان ((الحمدُ)) اسماً لفاتحة الكتاب.
قيل له : لما كان جائزاً أن يقول القائل: ابنى فى ((ط ظ))، وكان معلوماً
بقيله ذلك لو قاله أنَّه يريد الخبر عن ابنه أنَّه فى الحروف المقطَّعة - علم بذلك
أنّ ((أب ت ث)) ليس لها باسم، وإن كان ذلك آثَرَ فى الذكر من سائرها (١).
قال: وإنما ◌ُخُولف بين ذكر حُرُوف المعجم فى فواتح السور، فذكرت فى
أوائلها مختلفة ،وذكرها إذا ذُكرت بأوائلها التى هى((أبت ث))،مؤتلفة ، ليفصل
بين الخبر عنها إذا أريد - بذكر ماذكر منها مختلفاً - الدلالةُ على الكلام المتصل؛
وإذا أريد - بذكر ما ذكر منها مؤتلفاً - الدلالةُ على الحروف المقطعة بأعيانها .
واستشهدوا - لإجازة قول القائل: ابنى فى ((ط ظ)) وما أشبه ذلك، من الخبر
عنه أنه فى حروف المعجم ، وأن ذلك من قيله فى البيان يقوم مقام قوله : ابنى
فى ((أب ت ث)) - برجز بعض الرُّجاز من بنى أسد:
لَمَّا رَأيْتُ أمرَهَا فِى حُطِّى وَفَتَكَتْ فِى كَذِبِ وَطِّ
(١) فى المطبوعة: ((يؤثر فى الذكر)). وآثر: يؤثره الناس ويقدمونه.
(١٤)

٢١٠
تفسير سورة البقرة : ١
أَخِذْتُ منها بُرُونٍ ثُمْطٍ فلم يَزَلْ صَوْبِ بها وَمَعْظِى
حَتَ علّ الرأسَ دَمْ يُغَطّى(١)
فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها فى ((أبى جاد))، فأقام قوله: ((ما
٦٩/١
رأيت أمرها فى ◌ُحُطِى)) مقام" خبرِه عنها أنها فى ((أبى جاد))، إذْ كان ذاك من
قوله، بدلّ سامعته على ما يدلُّه عليه قوله: لما رأيت أمرَها فى ((أبى جاد)).
وقال آخرون: بل ابتدئت بذلك أوائل السُّور ليفتح لاستماعه أسماعَ المشركين
- إذا تواصَوْا بالإعراض عن القرآن .. حتى إذا استمعوا له، تُلى عليهم المؤلِّفُ منه.
وقال بعضهم : الحروفُ التى هى فواتح السُّور حروفٌ يستفتحُ اللّه بها كلامه .
فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟
قيل(٢): معنى هذا أنه افتتح بها ليُعْلم أن السورة التى قبلها قد انقضت ،
وأنه قد أخذ فى أخرى، فجعل هذا علامةَ انقطاعٍ ما بينهما . وذلك فى كلام
العرب، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول :
بل . وبلدةٍ مَّا الإنسُ من آَهَالِها (٣)
ويقول :
لَابَلَ . مَّاهاج أحزاناً وشَجْوًا قد شَجَا (٤)
و((بل )) ليست من البيت ولا تعدّ فى وزنه، ولكن يقطع بها كلاماً ويستأنفُ
الآخر .
(١) أولها فى اللسان (فنك). فنك فى الكذب: مضى فيه ولح ومحك . ولط الحق: جحده ومنعه
وخاصم فأحى الخصومة، والقرون، جمع قرن: وهو الصغيرة. وشمط، جمع أشمط : وهو الذى اشتعل
رأسه شيباً . صاب يصوب صوباً: انحدر من علو إلى سفل. وفى المطبوعة: ((ضربى)). والمعط: المد
والجذب ، وعنى بذلك إصعاده بها وهو يجذب ضفائرها، وذلك فى انحداره بها وصعوده.
(٢) فى المطبوعة والخطوطة: ((فإن قيل: هل يكون من القرآن .! ليس له معنى؟ فإن معنى هذا ... »،
وهو كلام مضطرب ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) السان (أهل) غير منسوب، وكأنه لأبى النجم فيما أذكر.
(٤) هو العجاج، ديوانه: ٧، ويأتى بعد قليل فى: ٢١٢ أيضاً م : ٢٢٣.

٢١١
تفسير سورة البقرة : ١
قال أبو جعفر : ولكل قول من الأقوال التى قالها الذين وصفنا قولهم فى ذلك ،
وجهٌ معروفٌ .
فأما الذين قالوا: ((ألم))، اسم من أسماء القرآن، فلقولهم ذلك وجهان:
أحدهما: أن يكونوا أرادوا أن ((ألم)) اسم للقرآن، كما الفرقان اسم له . وإذا كان
معنى قائل ذلك كذلك ، كان تأويل قوله ( ألم ذلك الكتاب) ، على معنى القسم.
كأنه قال: والقرآن ، هذا الکتابُ لا ريب فيه .
والآخر منهما: أن يكونوا أرادوا أنه اسمٌ من أسماء السورة التى تُعرف به ، كما
تُعرف سائر الأشياء بأسمائها التى هى لهما أمارات تعرف بها ، فيفهم السامع
من القائل يقول : - قرأت اليوم((ألمص)) و((ن)).، أىُّ السُّوَر التى قرأها من سُوَرَ
القرآن(١)، كما يفهم عنه - إذا قال: لقيتُ اليوم عمراً وزيداً، وهما بزيد وعمرو
عارفان - مَن الذى لقى من الناس.
وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال : وكيف يجوز أن يكون ذلك
كذلك، وَنَظائر ((ألم)) ((أثر)) فى القرآن جماعةٌ من السُّور؟ وإنما تكون الأسماء
أمارات إذا كانت مميِّزَةً بين الأشخاص ، فأما إذا كانت غير مميزة فليست
أمارات .
قيل : إن الأسماء - وإن كانت قد صارت ، لاشتراك كثير من الناس فى
الواحد منها ، غيرَ مميّزة إلا بمعانٍ أخرَ معها من ضمّ نسبة المسمَّى بها إليها أو نعته
أو صفته ، بما يفرِّق بينه وبين غيره من أشكالها - فإنها وُضعت ابتداءً للتمييز
لاشَكَّ. ثم احتيج، عند الاشتراك، إلى المعالى المفرَّقة بين المسمَّيْن بها(٢). فكذلك
ذلك فى أسماء السور. ◌ُجعل كلّ اسم - فى قول قائل هذه المقالة - أمارةً للمسمى
به من السُّور . فلما شارك المسمَّى به فيه غيره من سور القرآن ، احتاج الخبر عن
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أى السورة التى قرأها.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((بين المسمى بها)).
...

٢١٢
تفسير سورة البقرة : ١
سورةٍ منها أن يضمّ إلى اسمها المسَى به من ذلك، ما يفرِّق به السامع بين الخبر
عنها وعن غيرها ، من نعتٍ وصفة أو غير ذلك . فيقول المخبر عن نفسه أنه تلا
سورة البقرة، إذا سماها باسمها الذى هو ((ألم)): قرأتُ ((ألم البقرة)). وفى
آل عمران: قرأت ((ألم آل عمران))، و((ألم ذلك الكتاب))، و«ألم اللّه
لا إله إلا هو الحى القيوم)). كما لو أراد الخبر عن رجلين، اسم كل واحد منهما
((عمرو))، غير أنّ أحدهما تميمى والآخر أزدىَّ، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره
عنهما : لقيت عمراً التميمى وعمراً الأزدىَّ، إذْ كان لا يفرُقُ بينهما وبين غيرهما
من یُشار کھما فی أسمائهما ، إلا نسبتهما كذلك. فكذلكذلك فی قول من تأوَّل فى
الحروف المقطعة أنها أسماءٌ للسُّور.
وأما الذين قالوا : ذلك فواتحُ يفتتح الله عز وجل بها كلامه ، فإنهم وجهوا
ذلك إلى نحو المعنى الذى حكينا عمَّن حكينا ذلك عنهُ من أهل العربية ، أنه قال:
ذلك أدِلَّةٌ على انقضاء سورة وابتداء فى أخرى، وعلامةٌ لانقطاع ما بينهما ،
كما جعلت ((بل)) فى ابتداء قصيدة دلالةً على ابتداء فيها، وانقضاء أخرى قبلها.
كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء فى إنشاد قصيدة قالوا :
بل . ماهاجَ أَحْزَاناً وشجوًا قد شَجا
و ((بل)) ليست من البيت ولا داخلةً فى وزنه، ولكن ليَدُلَّ به على قطع
كلام وابتداء آخر .
٧٠/١
وأما الذين قالوا : ذلك حروف مقطَّعة بعضها من أسماء الله عز وجل ، وبعضُها
من صفاته ، ولكل حرف من ذلك معنى غيرُ معنى الحرف الآخر ، فإنهم نَحَوْا
بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر :
قُلْنَا لها: قِفِى لنا، قالت: فافْ لَا تَحْسَى أَنَّا نَسِينا الإيجافْ(١)
(١) الرجز الوليد بن عقبة. الأغانى ٥: ١٣١، شرح شواهد الشافية: ٢٧١، ومشكل
القرآن: ٢٣٨ . الإيجاف: حيث الدابة على سرعة السير، وهو الوجيف .

تفسير سورة البقرة : ١
يعنى بقوله: ((قالت قاف))، قالت : قد وقفتُ. فدلت بإظهار القاف
من ((وقفت))، على مرادها من تمام الكلمة التى هى ((وقفت)). فصرفوا قوله
(((ألم)) وما أشبه ذلك، إلى نحوهذا المعنى. فقال بعضهم: الألف ألف ((أنا)»،
واللام لام ((الله)، والميم ميم (أعلم))، وكلُّ حرف منها دال على كلمة تامة . قالوا:
فجملة هذه الحروف المقطَّعة إذا ظهر مع كل حرفٍ منهن تمام حروف الكلمة ،
((أنا الله أعلم)). قالوا: وكذلك سائر جميع ما فى أوائل سور القرآن من ذلك،
فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل. قالوا: ومستفيضٌ ظاهرٌ فى كلام العرب أن ينقُصَ
المتكلم منهم من الكلمةِ الأحرف ، إذا كان فيما بقى دلالة على ما حذف منها .-
ويزيدَ فيها ما ليس منها، إذا لم تكن الزيادة مُلبِّسةً معناها على سامعها - كحذفهم
فى النقص فى الترخيم من ((حارثٍ)) الثاء"، فيقولون: يا حارٍ، ومن ((مالك))
الكاف ، فيقولون : یا مال ، وما أشبه ذلك ، و کقول راجزهم :
مَا لِلِظِيمِ عَالَ؟ كَيْفَ لا يَا يَنْقَدُّ عنه خِلْدُه إذا ياً(١)
كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من «يفعل »، وکما
قال آخر منهم :
بالخيرِ خيراتٍ وإنْ شُرَّافَ
يريد : فشرًّا .
ولَا أُرِيد الشرّ إلَّا أَنْ تَ(٢)
يريد : إلا أن تَشاء ، فاكتفى بالتاء والفاء فى الكلمتين جميعاً ، من سائر
حروفهما ، وما أشبه ذلك من الشواهد التى يطول الكتاب باستيعابه .
(١) شرح شواهد الشافية: ٢٦٧. عال: دعاء عليه، من قولهم ((عال عوله)) أى ثكلته أمه،
فاختصر، و((يا)) فى البيت الأول كأنه أراد أن يقول ((ينقد عنه ... )) فوقف، ثم عاد يقول:
(((ينقد))، و((يا)» فى الآخر: أى إذا يعدو هذا العدو.
(٢) سيبويه ٢: ٦٢، الكامل ١: ٢٤٠، والموشح: ١٢٠، وشرح شواهد الشافية: ٢٦٢،
ونسبه فى ٢٦٤ القيم بن أوسٍ .

٢.١٤
تفسير سورة البقرة : ١
٢٤٥ - وکا حدثنیيعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن 'علیة، عن أيوب،
وابن عون ، عن محمد ، قال: لما مات يزيد بن معاوية قال لى عَبْدَة: إلى
لا أراها إلا كائنةً فتنةً، فافرع منْ ضَيْعَتِكَ والحق" بأهلك. قلت: فما تأمرلى؟
قال: أحَبُّ إلىّ لك أنْ تا - قال أيوبُ وابن عون بیده.تحت خدّ الأيمن ،
يصف الاضطجاع - حتى ترى أمراً تعرفه(١).
قال أبو جعفر: يعنى بـ ((تا)» تضطجع، فاجتراً بالتاء من تضطجع . وكما
قال الآخر فى الزيادة على الكلام(٢)، على النحو الذى وصفت:
أَقُول إِذْ خَرَّتْ على الكَلَكَالِ كَا نَاقَتِ مَاجُلْتٍ مِن مَجَالِ (٣)
يريد : الكلكل ، وكما قال الآخر :
إنّ شَكْلٍ وَإِن شَكْلَكَ شَتَّى فَالْزِى الخُصرَّ واخْفِفِى تَبْضِغِى(٤)
فزاد ضاداً ، وليست فى الكلمة .
قالوا : فكذلك ما نقصَ من تمام ◌ُحروف كل كلمة من هذه الكلمات
التى "ذكرنا أنها تتمة حروف ((أم)) ونظائرها - نظيرُ ما نقص من الكلام الذى
حکیناه عن العرب فى أشعارها وكلامها .
وأما الذين قالوا: كل حرف من ((ألم)) ونظائرها، دال" على معان شى -
(١) الأثر ٢٤٥ - محمد: هو ابن سيرين. وعبدة: لم أوقن من هو ولم أرجح. بل أكاد
أوقن أن هذا تحريف، صوابه «عبيدة)» بفتح العين وكسر الباء الموحدة وآخره هاء. وهو عبيدة بن عمرو
- أو ابن قيس - السلمانى، من كبار التابعين، من طبقة الصحابة، أسلم قبل وفاة النبى صلى الله عليه
وسلم، ولم يلقه . وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه. وهو مترجم فى التهذيب ، وفى ابن سعد ٦ :
٦٢ - ٦٤، وعند ابن أبى حاتم ٩١/١/٣. وأما يزيد: فهو يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، مات
سنة ٦٤. وقوله: ((قال أيوب ... ))، أى أثار.
(٢) فى المطبوعة: ((فى الكلام)).
(٣) السان (كل)، ومشكل القرآن: ٢٣٥. والكلكل: الصدر من البعير وغيره.
(٤) السمان (بيض) (خففن)، ومشكل القرآن: ٢٣٤. يقوله لامرأته. والخص: البيت من
قصب. وقوله ( أخفضى)) من الخفض: وهو الدجة ولين العيش. يقول لها: نحن مختلفان، فالزمى بيتك
وحينى في حجة وعفض، يزدك لين العيش بياضاً ونعمة . أما أنا فالرحلة دأبى ، تشقينى وتلوحى.

٢٩٥
تفسير سورة البقرة : ١
نحو الذى ذكرنا عن الربيع بن أنس - فإنهم وَجَّهوا ذلك إلى مثل الذى له وَجَّهه
إليه من قال: هو بتأويل ((أنا الله أعلم))، فى أنّ كلَّ حرف منه بعضُ حروفٍ
كلمة تامة، استُغْنىَ بدلالته على كمامه عن ذكر تمامه - وإن كانوا لهُ مخالفين
فى كلّ حرف من ذلك: أهو من الكلمة التى ادَّعى أنه منها قائلو القول الأول،
أم من غيرها؟ فقالوا: بل الألف من ((أم)) من كلمات شتى، هى دالةً على
معانى جميع ذلك وعلى تمامه . قالوا: وإنما أفرِد كلُ حرف من ذلك ، وقصّر به
عن تمام حروف الكلمة ، أن جميعَ ◌ُحروف الكلمة لو أظهرت، لم تدلّ الكلمة ٧١/١
التى تُظهر - إلى بعضُ هذه الحروف المقطعة بعضٌ لها - إلاّ على معنى واحد
لا علی معنیینوأ کثرمنهما . قالوا : وإذ كان لا دلالة فى ذلك ، لو أظهر جميعها ،
إلاّ على معناها الذى هو معنى واحدٌ ، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكل
حرف منها على معان كثيرة لشىء واحد .. لم يَجُزُ إلاّ أن يُفرَد الحرفُ الدالُ على
تلك المعانى، ليعلمَ المخاطبون به أنّ اللّه عز وجل لم يقصد قصد مَعنّى واحدٍ ودلالةٍ
على شىء واحد بما خاطبهم به ، وأنه إنما قصد الدلالة به على أشياء كثيرة . قالوا :
فالألف من ((ألم)) مقتضيةٌ" معالىَ كثيرةً، منها ممامُ اسم الربّ الذى هو ((الله))،
وتمامُ اسم نعماء اللّه التى هى آلاء اللّه، والدلالة على أجَل قوم أنه سنة، إذ كانت
الألف فى حساب الجُمَّل واحداً. واللام مقتضيةٌ ممام اسم الله الذى هو لطيف،
وتمامَ اسمٍ فَضْله الذى هو لُطفٌ، والدلالةَ على أجَلٍ قوم أنه ثلاثون سنة. والميم
مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذى هو مجيد، وتمامَ اسم عظمته التى هى تَجْد، والدلالة
علی أجلِ قوم أنه أربعون سنة . فكان معنى الكلام ۔۔ فى تأويل قائلی القول الأول -
أنّ الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوَصْف نفسه بأنه العالِمُ الذى لا يخفى عليه شيء،
وجعل ذلك لعباده منهجاً يسلكونه فى مُفتح خطبهم ورسائلهم وُمُهِمُّ أمورهم ،
وابتلاء منه لهم به ليستوجبوا به عظيم الثواب فى دار الجزاء، كما افتح بـ (الحمدُ لله
رَبّ العالمين﴾، و﴿الحمدُّ ◌ِهِ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرضَ﴾، [سورة الأنعام: ١١]

٢١٦ .
تفسير سورة البقرة : ١
وما أشبه ذلك من السُّور التى جعل مفاتحها الحمدَ لنفسه، وكما جعل مفاتح
بعضها تعظيم نفسه وإجلالها بالتسبيح، كما قال جل ثناؤه: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِى أُسْرَى
بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [سورة الإسراء: ١]، وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن، التى
جعل مفاتحَ بعضها تحميدَ نفسه ، ومفاتحَ بعضها تمجيدَها ، ومفاتح بعضها
تعظيمها وتنزيهها. فكذلك جعل مفاتحَ السور الأخر التى أوائلها بعضُ حروف
المعجم ، مدائحَ نفسه ، أحياناً بالعلم، وأحياناً بالعدل والإنصاف ، وأحياناً
بالإفضال والإحسان ، بإيجاز واختصار ، ثم اقتصاصَ الأمور بعدَ ذلك.
وعلى هذا التأويل يجبُ أن يكون الألف واللام والميم فى أماكن الرفع ، مرفوعاً
بعضُها ببعض، دون قوله (ذلك الكتاب)، ويكون ((ذلك الكتاب)) خبراً مبتدأ
مُنقطِعاً عن مَعنى ((ألم)). وكذلك ((ذلك)) فى تأويل قول قائل هذا القول الثانى ،
مرفوعٌ بعضه ببعض ، وإن كان مخالفاً معناهُ معنى قول قائلى القول الأول .
وأما الذين قالوا : هنّ حروف من حروف حساب الجُمَّل دون ما خالف
ذلك من المعانى، فإنهم قالوا: لا نعرف للحروف المقطَّعة معنّى يفهم سوى حساب
الجُمَّل، وسوى تَهَجِّى قول القائل: ((ألم)). قالوا: وغيرُ جائز أن يخاطبَ الله جلّ
ثناؤه عبادَه إلا بما يفهمون ويعقلون عنه. فلما كان ذلك كذلك - وكان قوله ((ألم))
لا يُعقَل لها وجهٌ تُوجَّه إليه ، إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا، فبطل أحدُ وَجهيه،،
وهو أن يكون مُراداً بها تهجى ((ألم))- صحَّ وثبت أنه مرادٌ به الوجه الثانى ، وهو حساب
الجُمَّل، لأن قول القائل: ((ألم)) لا يجوز أن يليه من الكلام (( ذلك الكتاب))،
لاستحالة معنى الكلام وخروجه عن المعقول، إنْ وَلِىَ ((ألم)) ((ذلك الكتاب)).
واحتجوا لقولهم ذلك أيضاً بما : -
٢٤٦ - حدثنا به محمد بن ◌ُيد الرازى ، قال : حدثنا سَلَمة بن
الفضل ، قال : حدثنى محمد بن إسحق ، قال : حدثنى الكلى ، عن أبى
صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال: مرَّ

٢١٧
تفسير سورة البقرة : ١
أبو ياسر بن أخْطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة
﴿ألم ذلكَ الكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيه) ، فأتى أخاه حُبِىّ بنَ أخطب من يهودَ فقال:
تعلمون والله (١)، لقد سمعتُ محمداً يتلوفيما أنزل الله عز وجل عليه (ألم ذلك الكتاب﴾
فقالوا : أنت سمعته ؟ قال : نعم ! قال : فمشى ◌ُحيىُّ بن أخطبَ فى أولئك
النَّفْر من يهودَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، ألمْ يذكَرْ لنا ٧٢/١
أنك تتلو فيما أنزل عليك (( ألم ذلك الكتاب))؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بلى ! فقالوا : أجاءك بهذا جبريلُ من عند الله؟(٢) قال: نعم! قالوا: لقد بعث
الله جل ثناؤه قبلك أنبياء، ما نعلمه بيَّن لنبىّ منهم، ما مدّة ملكه وما أكل أمَّتَه
غيرك!(٣) فقال: حُبىّ بن أخطب، وأقبلَ على من كان معه فقال لهم: الألف
واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدىوسبعون سنة . أفتدخلون فی دین
تبيَ إنمامدة مُلكه وأكثل أمته إحدى وسبعون سنة (٤)؟ قال: ثم أقبلَ على رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد ، هل مع هذا غيرُه ؟ قال: نعم ! قال :
ماذا؟ قال: (ألمص). قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون،
والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه مئة وإحدى وستون سنة . هل مَع هذا
يا محمَّد غيره، قال: نعم! قال: ماذا؟ قال: ﴿ألر). قال: هذه واللّه أثقلُ
وأطولُ. الألف واحدة ، واللام ثلاثون، والراء مئتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومئتا
سنة، فقال: هل مع هذا غيرُه يا محمد؟ قال: نعم، (أمر)، قال: فهذه
(١) هكذا فى المطبوعة والمخطوطة: ((تعلمون))، ونص محمد بن إسحاق، سيرة ابن هشام ٢ : ١٩٤.
((تعلموا)) بتشديد اللام، أى اعلموا. وهى كثيرة الورود فى سيرة ابن هشام وغيره.
(٢) الذى فى سيرة ابن هشام: ((أجاك بها جبريل من عند الله)).
(٣) فى المطبوعة، وفى سائر الكتب التى خرجت الخبر عن الطبرى: ((ما أجل)).
(٤) فى المطبوعة ((قال، فقال لهم: أتدخلون .... )) و((أجل أمته)) والتصحيح من المخطوطة
وابن هشام . والأكل ( بضم فسكون): الرزق . يقال: هو عظيم الأكل فى الدنيا، أى واسع الرزق،
وهو الحظ من الدنيا، كأنه يؤكل . ويراد به : مدة العمر التى يعيشها الناس فى الدنيا يأكلون مما رزقهم
الله. فيقال الميت: انقطع أكله ، بمعنى: انقضى عمره.

٢١٨
تفسير سورة البقرة : ١
واللّه أثقل وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مئتان،
فهذه إحدى وسبعون ومثتا سنة . ثم قال : لقد لُبِّس علينا أمرك يامحمّد ، حتى
ما ندری أقليلا أعطيت أم کثیراً؟ ثم قاموا عنه . فقال أبو یاسر لأخيه ◌ُحيى بن
أخطب، ولمن معه منالأحبار : ما یُدْریکم لعلّه قد جمع هذا كله محمد،إحدى
وسبعون ، وإحدى وستون ومئة ، ومئتان وإحدى وثلاثون ، ومئتان وإحدى
وسبعون ، فذلك سبعمئة سنة وأربع وثلاثون ! فقالوا : لقد تشابه علينا أمره !
ويزعمون أنّ هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ
آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمَّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾(١) [سورة آل عمران: ٧].
(١) الحديث ٢٤٦ - هذا حديث ضعيف الإسناد، رواء محمد بن إمحق بهذا الإسناد الضعيف،
وبأسافيد أخر ضعاف :
فرواه فى السيرة، التى هذبها عبد الملك بن هشام النحوى البصرى، ورواها عن زياد بن عبد الله
البكائى عن ابن إسحق، وعرفت واشتهرت بأنها ((سيرة ابن هشام)). وابن هشام هذا: ثقة، وثقه ابن يونس
وغيره، مات سنة ٢١٨. وشيخه زياد البكائنى: ثقة، من شيوخ أحمد. و((البكافى))، بفتح الباء وتشديد
الكاف: نسبة إلى ((البكاء))، وهو: ربيعة بن عامر بن صعصعة.
فقال ابن هشام ٢: ١٩٤ - ١٩٥ (٢: ٣٥ - ٣٧ من الروض الأنف شرح السيرة): قال
ابن إسحق : وكان من نزل فيه القرآن بخاصة من الأحبار وكفار يهود ، الذين كانوا يسألونه ويتعنتونه ،
ليلبسوا الحق بالباطل، فيما ذكر لى عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله بن رئاب: أن أبا ياسر
ابن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ... )).
فهذا إسناد ضعيف ، جهله ابن إسحق، فجاء به معلقاً بصيغة التمريض . وفيه أن الرواية عن ابن
عباس وجابر ، معاً .
ورواه البخارى فى التاريخ الكبير، فى ترحمة ((جابر بن عبد الله بن رئاب)) ١ /٢٠٧/٢ -
٢٠٨ بثلاثة أسانيد، بمادته الدقيقة المتقنة، فى الإيجاز والإشارة إلى الأسانيد وعللها:
وأولها: «حدثنى عمرو بن زرارة، قال: حدثنا زياد: قال ابن إسحق: حدثنى مولى لزيد بن
ثابت عن سعيد بن جبير وعكرمة ، عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله: أن أبا ياسر بن أخطب
مر بالنبى صلى الله عليه وسلم وهو يتلو (ألم. ذلك الكتاب))).
فهذه هى إشارة البخارى إلى الإسناد الأول من الثلاثة الأسانيد .
و((زياد)) فى هذا الإسناد: هو البكالى. فهذا إسناد صحيح إلى ابن إسحق. ولكن فيه الضعف
بجهالة أحد رواته ((مولى أزيد بن ثابت)). وهو كإسناد السيرة: عن ابن عباس وجابر معاً. ولعل عمرو
أبن زرارة - شيخ البخارى - روى السيرة عن البكالى، كما رواها عنه ابن هشام .
وثانيها: ((وقال سلمة: حدثى ابن إسحق، قال : حدثنى محمد بن أبى محمد، عن عكرمة ، أو

٢١٩
تفسير سورة البقرة : ١
سعيد ، عن ابن عباس: (ألم . ذلك الكتاب) - بطوله)) .
وهذه إشارة البخارى إلى الإسناد الثانى . يريد أنه رواه سلمة - وهو ابن الفضل الذى فى إسناد الطبرى
هنا - عن ابن إسحق. ولم يذكر لفظ الحديث، اكتفاء بهذه الإشارة إليه.
وابن إمحق - فى هذا الإسناد - يرويه عن ((محمد بن أبى محمد))، وهو الأنصارى المدنى، مولى
زيد بن ثابت. زعم الذهبى فى الميزان أنه «لا يعرف))! وهو معروف، ترجمه البخارى فى الكبير
٢٢٥/١/١ فلم يذكر فيه جرحاً، وذكره ابن حبان فى الثقات. وكفى بذلك معرفة وتوثيقاً . ولعله هو
((مولى زيد بن ثابت)» الذى أبهم فى الإسناد الأولى. ولكن اضطرب هذا الإستاد على ابن إسحق، أو على
سلمة بن الفضل - فكانت الرواية فيه: عن عكرمة، أو سعيد ، يعنى ابن جبير ، على الشك . ثم كانت
عن ابن عباس ، دون ذ کر ( جابر بن عبدالله بن رئاب)) .
ثالثها: ((وعن ابن إسحق: كان مما نزل فيه القرآن من الأحبار ، فيما حدثنى الكلى ، عن أبى صالح،
عن أبن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب: مر أبو ياسر بن أخطب بالنبى صلى الله عليه وسلم
وهو يتلو (ألم)، بطوله - فى الحساب)).
وهذه الرواية الثالثة ، بالإسناد الذى عند الطبرى هنا . تابعة الرواية الثانية ، عن سلمة بن الفضل ،
علقها عليها بقوله ((وعن ابن إسحق))، ليست تعليقاً جديداً.
وأشار البخارى - بصنيعه هذا - إلى اضطراب الرواية على سلمة بن الفضل، بين هذا وذاك . ولذاك
ذهب إلى جرح ((سلمة)) بهذا الاضطراب، فقال عقب ذلك: ((قال على [ يريد به شيخه على بن المدينى،
إمام الجرح والتعديل ]: ما خرجنا من الرى حتى رمينا بحديث سلمة)).
وقال فى ترجمة سلمة ٢ / ٢ / ٨٥: ((سامة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الرازى الأنصارى،
ممع محمد بن إمحق، روى عنه عبد الله بن محمد الجمنى . عنده مناكير. يقال : مولاهم . مات بعد أنتسمين.
وهنه على))، يعنى شيخه ابن المدينى. ويعنى أن سلمة مات بعد سنة ١٩٠. وقال فى التاريخ الصغير
ص ٢١٧: ((مات سلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الرازى الأنصارى بعد تسعين ومائة. قال على
[ يعنى ابن المدينى]: رمينا بحديثه قبل أن نخرج من الرى. وضعفه إسحق بن إبراهيم)). وقال فى ترجمه
أيضاً، فى كتاب الضعفاء ( ص ١٦): ((سمع محمد بن إسحق، روى عنه عبد الله بن عمر بن أبان
ومحمد بن حميد . ولكن عنده منا كير . وفيه نظر)) .
وأنا أذهب إلى توثيق سلمة بن الفضل ، فقد وثقه ابن معين ، فيما رواه ابن أبى حاتم فى كتابه ، وله
عنده ترجمة جيدة وافية ١٦٨/١/٢ - ١٦٩. وروى أيضاً عن جرير، قال: ((ليس من لدن بغداد
إلى أن تبلغ خراسان أثبت فى ابن إسحق ـ من سلمة بن الفضل)). وقد رجحت توثيقه أيضاً فى شرح المسته:
٠٨٨٦
وعندى أن هذا الاضطراب إنما هو من ابن إسحق، أو لعله رواه بهذه الأسانيد كما سمعه . وكلها
ضعيف مضطرب . وأشدها ضعفاً الرواية التى هنا ، والتى أشار إليها البخارى : من رواية الكلبى عن أبي
صالح .
وقه در الحافظ ابن كثير، فقد وضع الحق موضعه، حين قال فى التفسير ١: ٦٩ - ٧٠: «وأما
من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفن والملاحم - فقد ادعى
ما ليس له، وطار فى غير مطاره ! وقد ورد فى ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا

٢٢٠
تفسير سورة البقرة : ١
قالوا: فقد صرّح هذا الخبر بصحة ما قلنا فى ذلك من التأويل ، وفساد ما قاله
مخالفونا فيه .
والصواب من القول عندى فى تأويل مفاتيح السور، التى هى حروف المعجم :
أنّ الله جلّ ثناؤه جعلها حروفاً مقطَّعة ولم يصِل بعضها ببعض - فيجعلها كسائر
الكلام المتصل الحروف - لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه
على معان كثيرة ، لا على معنى واحد ، كما قال الربيعُ بن أنس . وإن كان الربيع
قد اقتصر به على معان ثلاثة ، دون ما زاد علیها .
والصوابُ فی تأويل ذلك عندی : أنّ کلّ حرف منه يحوی ما قاله الربيع،
وما قاله سائر المفسرين غيرُهُ فيه - سوى ما ذكرتُ من القول ◌َمَّن ذكرت عنه
من أهل العربية: أنه كان يوجِّه تأويل" ذلك إلى أنّه حروف هجاء ، استُغنى
المسلك من التمسك به على صحته)). ثم نقل هذا الحديث من هذا الموضع من الطبرى - ثم قال: ((فهذا
الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبى ، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ، ثم كان مقتضى هذا المسلك -
إن كان صحيحاً : أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التى ذكرناها. وذلك يبلغ منه جملة
كثيرة. وإن حسبت مع التكرار ، فأطم وأعظم !! ».
ومحمد بن السائب الكلبى: ضعيف جدا، رمى بالكذب، بل روى ابن أبى حاتم فى الجرح ١/٣/
٢٧٠ - ٢٧١ فى ترجمته، عن أبى عاصم النبيل، قال: ((زعم لى سفيان الثورى قال: قال لنا الكلبي:
ما حدثت عنى عن أبى صالح عن ابن عباس، فهو كذب، فلا تروه)). وقال أبو حاتم: ((الناس
مجتمعون على ترك حديثه، لا يشتغل به، هو ذاهب الحديث)).
والطبرى نفسه قد ضعفه جدا، فيما مضى: ٦٦ إذ أشار إلى رواية عن ابن عباس: ((روى جميع
ذلك عن ابن عباس، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله))، ثم ذكر أن الذى روى
ذلك ((الكلبى عن أبى صالح)). ووصف الحديث: ٧٢ الذى رواه من طريقه، بأنه ((خير فى إسناده
نظر» .
فكان عجباً منه بعد هذا، أن يحتج بهذه الروايات المتهافتة ، ويرضى هذا التأويل المستنكر ، بحساب
الجمل ! إذ يختار فيما سيأتى (هذه الصفحة سطر: ٨ وما بعدها)، أن هذه الأحرف تحوى سائر المعانى
التى حكاها إلا قولا واحداً غير هذا المعنى المنكر. بل هو يصرح بعد ذلك ص : ٢٢٢ سطر: ٨ أن من
المعانى التى ارتضاها: أنهن ((من حروف حساب الجمل)) !!
وقد نقل السيوطى هذا الحديث فى الدر المنثور ١ : ٢٢، و٢: ٤ - ٥، ووصفه فى الموضع
الأول بالضعف . وكذلك نقله الشوكانى ١: ٢٠ ، وضعفه .
٠
وقوله فى آخره: ((ويزعمون أن هؤلاء الآيات ٤٠٠٠ - هو من تتمة الرواية، وهو من كلام ابن
إست حكاية عن روی عنهم .