Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير فاتحة الكتاب
من معنى أمره عبادَه ، أغنتْ دلالةُ ما ظهر عليه من القول عن إبداء ما حذف.
وقد روينا الخبر الذى قدمنا ذكره مبتدأ فى تأويل قول الله (١): ( الحمد لله رب
العالمين) ، عن ابن عباس ، وأنه كان يقول : إن جبريل قال لمحمد : قل يا محمد:
((الحمد لله رب العالمين))، وبيّنا أن جبريل إنما علّم محمداً صلى الله عليه وسلم
ما ◌ُأمير بتعليمه إياه(٢). وهذا الخبر يُنبئء عن صحة ما قلنا فى تأويل ذلك.
٠
القول فى تأويل قول الله ﴿رَبِّ).
قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذى هو ((الله))، فى
((بسم اللّه))، فلا حاجة بنا إلى تكراره فى هذا الموضع .
وأما تأويل قوله ﴿رَبِّ)، فإن الرّب فى كلام العرب منصرفٌ على معان.
فالسيد المطاع فيهم يدعى ربًّا، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة :
وأَهْلِكْنَ يوماً ربٍّ كِنْدَة وابنَه ورَبَّ مَعدٍ، بين خَبْتٍ وعَرْعَرٍ (٣).
يعنى بربِّ كندة: سيِّد كندة . ومنه قول نابغة بنى ذبيان :
تَخُ إلى النَّْانِ حَتَّى تَنَالَهُ فِدِى لِكَ مَن رَبٍ طَرِ بِىِ وتَالِدِى (١) ٤٨/١
والرجل المصلح للشىء يُدعى ربّاً، ومنه قول الفرزدق بن غالب :
(١) فى المطبوعة: ((فى تنزيل قول الله)).
(٢) انظر ما مضى آنفاً الحديث رقم : ١٥١.
(٣) ديوانه القصيدة: ١٥ / ٣٢. وسيد كندة هو حجر أبو امرىء القيس. ورب معد:
حذيفة بن بدر ، كما يقول شارح ديوانه ، وأنا فى شك منه، فإن حذيفة بن بدر قتل بالهباءة . ولبيد
يذكر خبتاً وعرعراً ، وهما موضعان غيره .
(٤) ديوانه: ٨٩، والمخصص ٧: ١٥٤. الطريف والطارف: المال المستحدث، خلاف
التليد والتالد : وهو العتيق الذى ولد عندك

١٤٢
تفسير فاتحة الكتاب
كَانُوا كَالِثَّةٍ حَبْقَاءِ إِذْ حَقَتْ سِلَاءَها فِى أَدِيمٍ غَيْرِ مَرْبُوبٍ(١)
يعنى بذلك : فى أديم غيرُمُصلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلاناً يَرُبُّ صنيعته
عند فلان ؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها ، ومن ذلك قول علقمة بن عبدة :
فَكُنْتَ امَرَأْ أَفْضَتْ إليك رِبَابَتِى وَقَبْلَكَ رَبَّنْنِى، فَضِعْتُ، رُبُوبُ(٢)
يعنى بقوله: ((أفضتْ إليك)) أى وصلتْ إليك رَبابتى، فصرتَ أنت الذى
ترُبُّ أمرى فتصلحه، لمّا خرجتُ من ربابة غيرك من الملوك كانوا قبلك على (٣)،
فضيَّعوا أمرى وتركوا تفقُّده - وهم الرُّبوب: واحدهم رَبٌّ. والمالك للشىء يدعى
رَبَّه. وقد يتصرف أيضاً معنى ((الربّ)) فى وجوه غير ذلك ، غير أنها تعود إلى بعض
هذه الوجوه الثلاثة .
فرّبنا جلّ ثناؤه: السيد الذى لا شبْه لهُ، ولا مثل فى مثل ◌ُسودده، والمصلح
أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه ، والمالك الذى له الخلق والأمر .
وبنحو الذى قلنا فى تأويل قوله جلّ ثناؤه (ربِّ العَالَمين)، جاءت الرواية
عن ابن عباس : -
١٥٥ - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
(١) ديوانه: ٢٥. سلا السمن يسلؤه: طبخه وعالجه فأذاب زبده. والسلاء، بكسر السين:
السمن. وحقن اللبن فى الوطب، والماء فى السقاء : حبسه فيه وعبأه. رب نحى السمن ير به: دهنه بالرب ،
وهو دبس كل ثمرة ، وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه ، فتطيب رائحته ، ويمنع
السمن أن يرشح، من غير أن يفسد طعمه أو ريحه. وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن . وأديم
مربوب: جلد قد أصلح بالرب . يقول : فعلوا فعل هذه الحمقاء ، ففسد ما جهدوا فى تدبيره وعمله .
(٢) ديوانه: ٢٩، ويأتى فى تفسير آية سورة آل عمران: ٧٩، (٣: ٢٣٣ بولاق) والمخصص
١٧ : ١٥٤، والشعر يقوله الحارث بن أبى شمر الغسانى ملك غسان، وهو الحارث الأعرج المشهور. قال
أبن سيدة: ((ربوب: جمع رب، أى الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمرى، وقد صارت الآن ربابتى
إليك - أى تدبير أمرى وإصلاحه - فهذا رب بمعنى مالك، كأنه قال : الذين كانوا يملكون أمرى قبلك
ضيعوه)). وقال الطبرى فيما سيأتى: (( يعنى بقوله: ربتنى: ولى أمرى والقيام به قبلك من يربه ويصلحه
فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعونى فضعت)). والربابة: المملكة، وهى أيضاً الميثاق والعهد. وبها فسر
هذا البيت، وأيدوه برواية من روى بدل ((ربابتى))، ((أمانى)). والأول أجود.
(٣) فى المطبوعة: ((من الملوك الذين كانوا))، غير وه ليوافق ما ألفوا من العبارة.

١٤٣
تفسير فاتحة الكتاب
بشربن عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن ابن عباس، قال:
قال جبريل لمحمد: ((يا محمد قل: ﴿الحمد لله ربِّ العالمين))»، قال ابن
عباس: يقول: قل الحمد لله الذى له الخلق كله - السمواتُ كلهن ومن فيهنّ ،
والأرضون كلُّهنّ ومن فيهنّ وما بينهن ، مما يُعلم ومما لا يُعلم . يقول: اعلم يا محمد
أن ربَّك هذا لا يشبهه شىء (١) .
القول فى تأويل قوله ﴿العَالَمِينَ﴾ .
قال أبو جعفر: والعالمون جمع عالَم، والعالم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه ،
كالأنام والرهط والجيش ، ونحو ذلك من الأسماء التى هى موضوعات على جمَاعٍ
لا واحد له من لفظه .
والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ ، وأهل كل قَرْن من
كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان . فالإنس عالم، وكل أهل زمان منهم
عالمُ ذلك الزمان . والجنُ عالم ، وكذلك سائر أجناس الخلق ، كلّ جنس منها
عالمُ زمانه . ولذلك 'جمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ، لكون عالم كلّ زمان
من ذلك عالم ذلك الزمان . ومن ذلك قول العجاج :
• فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالمِ.(٢)
فجعلهم عالم زمانه. وهذا القول الذی قلناه، قول ابن عباس وسعيد بن جبير ،
وهو معنى قول عامّة المفسرين .
(١) الحديث ١٥٥ - سبق الكلام مفصلا فى ضعف هذا الإسناد، برقم ١٣٧. وهذا الحديث
فى ابن كثير ١: ٤٤، والدر المنثور ١: ١٣، والشوكافى ١١:١. ونسبه الأخيران أيضاً لابن أبى
حاتم. وفى المطبوع وابن كثير ((والأرض ومن فيهن)).
.(٢) ديوانه: ٦٠، وطبقات فحول الشعراء: ٦٤، وخندف: أم بنى اليأس بن مضر، مدركة
وطابجة ، وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى .

١٤٤
تفسير فاتحة الكتاب
١٥٦-حدثنا أبو کریب ، قال: حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن 'عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس :
﴿الحمدُ لله ربِّ العالمين)، الحمد لله الذى له الخلق كله: السموات والأرضون
وَمَنْ فيهنّ ، وما بينهن، مما يُعلم ولا يعلم(١).
١٥٧- حدثنى محمد بن سنان القَزّاز، قال : حدثنا أبو عاصم، عن شبيب،
عن عكرمة، عن ابن عباس: (ربِّ العَالَمِينِ): الجن والإنس(٣).
١٥٨- حدثنى على بن الحسن ، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال :
حدثنا محمد بن مصعب ، عن قيس بن الربيع ، عن عطاء بن السائب ، عن
سعيد بن 'جُبير، عن ابن عباس، فى قول الله جل وعزّ ﴿رَبِّ العالمين)، قال:
رہِ الجن والإنس(٣).
١٥٩- حدثنا أحمد بن إسحق بن عيسى الأهوازى، قال : حدثنا أبو أحمد
الزبيرى ، قال : حدثنا قيس ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير :
قوله: ﴿رَبِّ العالمين)، قال: الجنّ والإنس(٤).
(١) الحديث ١٥٦ - هو مختصر مما قبله: ١٥٥.
(٢) الخبر ١٥٧ - إسناده صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبرى: تكلموا فيه من
أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به ، كما قال الدارقطنى . وهو مترجم فى التهذيب، وله ترجمة
جيدة فى تاريخ بغداد ٥ : ٣٤٣ - ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ
الحجة . شبيب: هو ابن بشر البجلى، ووقع فى التهذيب ٤: ٣٠٦ ((الحلى))، وهو خطأ مطبعى،
صوابه فى التاريخ الكبير البخارى ٢ /٢٣٢/٢ /٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبى حاتم
٢ / ١ / ٣٥٧ - ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة ، وثقه ابن معين.
(٣) الخبر ١٥٨ - إسناده حسن على الأقل، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه فى آخر عمره ،
وقيس بن الربيع قديم ، لعله سمع منه قبل لاختلاط ، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح . ووقع فى هذا
الإسناد خطأ فى المطبوع ((حدثنا مصعب))، وصوابه من المخطوطة ((حدثنا محمد بن مصعب))، وهو
القرقانى ، كما مضى فى الإسناد ١٥٤ .
(٤) الخبر ١٥٩ - إسناده حسن كالذى قبله. وأبو أحمد الزبيرى: هو محمد بن عبد الله
ابن الزبير الأسدى، من الثقات الكبار ، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ . وقيس : هو
ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧ - ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١ : ٤٤ خبراً
واحداً دون إسناد. وذكرها السيوطى فى الدر المنثور ١: ١٣ خبراً واحداً ونسبه إلى «الفريابي، وعبد بن حميد،
وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم وسمعه، عن ابن عباس»

١٤٠
تفسير فاتحة الكتاب
١٦٠ - حدثنى أحمد بن عبد الرحيم البرقى، قال: حدثنى ابن أبى مريم ،
عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قوله: ﴿رَبّ العالمين}،
قال : ابن آدم والحنَ والإنس، كل أمة منهم عالمٌ على حدته(١).
١٩/١
١٦١-حدثیمحمد بن ◌ُید، قال: حدثنا مهران، عن سفيان ، عن مجاهد:
﴿الحمد لله ربّ العالمين)، قال: الإنس والجنّ(٧).
١٦٢- حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى، قال حدثنا أبو أحمد الزبيرى ، عن
سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد بمثله(٣).
١٦٣- حدثنا بشر بن معاذ العقدى، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن
سعيد، عن قتادة: (ربِّ العالمين)، قال: كلّ صنف عالم (٤).
(١) الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقى: اشتهر بهذا، منسوباً إلى جده، وكذلك أخوه
(((محمد)). وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبرى عنه أيضاً برقم ٢٢ باسم
((ابن البرق)». ابن أن مريم: هو سعيد. ابن لهيعة: هو عبد الله. عطاء بن دينار المصرى: ثقة،
وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما، وروى ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٣ / ١ /٣٣٢ وفى
المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: ((عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره-
فيما يروى عن سعيد بن جبير: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير)». وروى فى
الجرح عن أبيه أبى حاتم، قال: ((هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبدالملك
ابن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن ، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير
إليه ، فوجده عطاء بن دينار فى الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير)).
(٢) الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثورى، لم يسمع من مجاهد.
لأن الثورى ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندى أن هذه الرواية من
أغلاط مهران بن أبى عمر، راويها عن الثورى. فإن رواياته عن الثورى فيها اضطراب ، كما بينا فى إسناد
الحديث الماضى ١١ .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١ : ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطى فى الدر المنثور
١ : ١٣، ونسبه أيضاً لعبد بن حميد.
(٣) الأثر ١٦٢ - إسناده ضعيف، لإيهام الرجل راويه عن مجاهد. وهو يدل على غلط
مهران فى الإسناد قبله ، إذ جعله عن الثورى عن مجاهد مباشرة ، دون واسطة .
(٤) الأثر ١٦٣ - سعيد: هو ابن أبى عروبة. وقد مضى أثر آخر عن قتادة بهذا الإسناد
١١٩. وهذا الأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور ١: ١٣، وفى نسبته هناك عبئاً ملحى:
« اپن جریج » بدل «ابن جرير » . و کلام اپن جریچ سیأتی ١٦٥ مرویا عنه لا راوياً .
(١٠)

١٤٦
تفسير فاتحة الكتاب
١٦٤-حدثنی أحمد بن حازم الغفاری، قال حدثنا 'عبيد الله بن موسى ، عن
أبى جعفر ، عن ربيع بن أنس ، عن أبى العالية، فى قوله: ﴿رَبِّ العالمين)، قال:
الإنس عالَمٌ، والجنّ عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم، أو أربعةَ عشر
ألف عالم ، هو يشكّ - من الملائكة على الأرض. وللأرض أربع زوايا ، فى كل
زاوية ثلاثة آلافٍ عالم، وخمسمائة عالمٍ، خلقهم لعبادته (١).
١٦٥-حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسین بن داود ، قال : حدثنا .
حجاج، عن ابنُجريج، فى قوله: ﴿رَبِّ العالمين) قال: الجن والإنس(٢).
القول فى تأويل قوله ﴿الرَّْنِ الرَّحِيمِ﴾
قال أبو جعفر: قد مضى البيانُ عن تأويل قوله ((الرحمن الرحيم)) فى تأويل
﴿ بسم الله الرحمن الرحيم) ، فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا الموضع .
ولم نَحتجْ إلى الإبانة عن وجه تكرير ذلك فى هذا الموضع ، إذْ كنا لا نرى أن
((بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب - آيةٌ، فيكونَ علينا لسائلٍ مسئلة
بأن يقول: ما وجه تكرير ذلك فى هذا الموضع، وقد مضى وصفُ اللّه عزّ وجلّ
به نفسه فى قوله (( بسم الله الرحمن الرحيم))، مع قرب مكان إحدى الآيتين من
الأخرى ، ومجاورتها صَاحِبتها؟ بل ذلك لنا حُجة على خطأ دعوى من ادَّعى أن
(١) الأثر ١٦٤ - أبو جعفر: هو الرازى التميمى، وهو ثقة ، تكلم فيه بعضهم ، وقال ابن
عبد البر: ((هو عندهم ثقة، عالم بتفسير القرآن)). وله ترجمة وافية فى تاريخ بغداد ١١ : ١٤٣ -
١٤٧. وهذا الأثر عن أبى العالية ذكره ابن كثير ١: ٤٥ والسيوطى ١: ١٣ بأطول مما هنا قليلا،
ونسباه أيضاً لابن أبى حاتم، قال ابن كثير: ((وهذا كلام غريب، يحتاج مثله إلى دليل صحيح)).
وهذا حق .
(٢) الأثر ١٦٥ - سبق الكلام على هذا الإسناد ١٤٤. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤
دون نسبة ولا إسناد .

١٤٧
تفسير فاتحة الكتاب
(((بسم الله الرحمن الرحيم)) من فاتحة الكتاب آية. إذ لو كان ذلك كذلك، لكان ذلك
إعادةَ آية بمعنى واحد ولفظ واحد مرتين من غير فَصْل يفصِل بينهما . وغيرُ
موجود فى شىء من كتاب الله آیتان متجاورتان مكرّرتان بلفظ واحد ومعنى واحد،
لا فصلَ بينهما من كلام يخالف معناه معناهما. وإنما يُؤتى بتكرير آية بكمالها
فی السورة الواحدة ، مع ◌ُصول تفصل بينذلك ، وکلام یُعترضُ به بغير معنى
الآيات المكررات أو غير ألفاظها ، ولا فاصل بين قول الله تبارك وتعالى اسمه
((الرحمن الرحيم)) من ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وقولِ اللّه: ((الرحمن الرحيم)) من
((الحمدُ لله ربّ العالمين)).
فإن قال: فإن ﴿ الحمدُ لِّهِ ربِّ العَالَمين) فاصل من ذلك(١).
قيل: قد أنكر ذلك جماعة من أهل التأويل ، وقالوا: إن ذلك من المؤخّر الذى
معناه التقديم ، وإنما هو: الحمد لله الرحمن الرحيم رَبّ العالمين مَلِك يوم الدين.
واستشهدوا على صحة ما ادعوا من ذلك بقوله ((مَلِك يوم الدين))، فقالوا: إن قوله
((ملِكِ يوم الدين)) تعليم من اللّه عبده، أنْ يصفَه بالمُلْك فى قراءة من قرأ ((ملك))
وبالمِلْك فى قراءة من قرأ ((مالك)). قالوا: فالذى هو أولى أن يكون" مجاورَ وصفه
بالمُلْك أو المِلْك، ما كان نظير ذلك من الوصف ، وذلك هو قوله: (رب العالمين»،
الذى هو خبر عن ملكه جميع أجناس الخلق ؛ وأن يكون مجاورَ وصفه بالعظمة
والألُوهة، ما كان له نظيراً فى المعنى من الثناء عليه، وذلك قوله: ((الرحمن الرحيم)).
فزعموا أنّ ذلك لهم دليلٌ على أن قوله ((الرحمن الرحيم))، بمعنى التقديم قبل ((رب
العالمين))، وإن كان فى الظاهر مؤخراً . وقالوا : نظائرُ ذلك - من التقديم الذى هو
بمعنى التأخير ، والمؤخَّر الذى هو بمعنى التقديم - فى كلام العرب أفشى ، وفى
منطقها أكثر ، من أن يُحصى . من ذلك قول جرير بن عطية :
(١) فى المطبوعة: ((فاصل بين ذلك))، والذى فى المخطوطة عربية جيدة.

١٤٨
تفسير فاتحة الكتاب
طَافَ الْخَيَالُ - وَأَيْنَ مِنْكَ؟ - لِمَامَا فَارْجِعْ لَزَوْرِكَ بِالسَّلام سَلامً(١)
بمعنى : طاف الخيال لماماً ، وأين هو منك ؟ وكما قال جل ثناؤه فى كتابه :
٥٠/١ (الحمدُ للهِ الَّذِىِ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ وَلَّ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيّماً﴾
[ سورة الكهف: ١] بمعنى(٢): الحمدُ لله الذى أنزل على عبده الكتاب قيُّماً ولم يجعل
له عوجاً ، وما أشبه ذلك . ففى ذلك دليل شاهدٌ على صحة قول من أنكر أن تكون۔
﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ) من فاتحة الكتاب - آية(٣).
القول فى تأويل قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
قال أبو جعفر : القرَّاء مختلفون فى تلاوة ( ملك يَوْمِ الدِّين) . فبعضهم
يتلوه ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّين)، وبعضهم يتلوه (مَالكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وبعضهم يتلوه
﴿ مَلِكَ يَوْمِ الدِّين) بنصب الكاف. وقد استقصینا حكاية الرواية عمن رُوى عنه
فى ذلك قراءةٌ فى ((كتاب القراآت))، وأخبرنا بالذى نختار من القراءة فيه، والعلة.
الموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فيه . فكرهنا إعادة ذلك فى هذا الموضع ، إذ كان
الذى قَصَدْنا له، فى كتابنا هذا، البيانَ عن وجوه تأويل آي القرآن، دون وجوه قراءتها .
ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب، أن المَلِك من (المُلْك))
(١) ديوانه: ٥٤١، والنقائض: ٣٨. طاف الخيال: ألم بك فى الليل، واللمام: اللقاء اليسير.
والزور: الزائر، يقال الواحد والمثنى والجمع: زور. ((فارجع لزورك))، يقول: رد عليه السلام
کما سلم عليك ..
(٢) فى المطبوعة: ((المعنى: الحمد لله ... ))
(٣) وهكذا ذهب أبو جعفر رحمه إلى أن ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ليست آية من الفاتحة،
واحتج لقوله بما قرى. وليس هذا موضع بسط الخلاف فيه ، والدلالة على خلاف ما قال ابن جرير .
وقد حققت هذه المسئلة ، وأقمت الدلائل الصنجاح - فى نظرى وفقهى - على أنها آية من الفاتحة - : فى
شرحى لسنن الترمذى ٢ : ١٦ - ٢٥ . وفى الإشارة إليه غنية هنا . أحمد محمد شاكر.

١٤٩
تفسير فاتحة الكتاب
مشتق، وأنّ المالك من ((المِلْك)) مأخوذٌ. فتأويل قراءة من قرأ ذلك ﴿مَلِكِ يَوْمِ
الدينِ )، أن اللّه المُلْك يوم الدين خالصاً دون جميع خلقه، الذين كانوا قبل ذلك
فى الدنيا ملوكاً جبابرة ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفراد بالكبرياء والعظمة
والسلطان والجبرية(١). فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرَة الأُذِلّة(٢)، وأنّ له
- من دُونهم، ودون غيرهم - المُلك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال جلّ
ذكره وتقدست أسماؤه فى تنزيله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِنْهُمْ شَىْء
لِمَنِ الْمُلكُ اليَوْمَ، لِلّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ ﴾ [سورة غافر: ١٦]. فأخبر تعالى ذكره
أنه المنفرد يومئذ بالمُلك دون ملوك الدنيا، الذين صارُوا يوم الدّين منْ مُلكهم إلى
ذلّة وصغار ، ومن دُنياهم فى المعاد إلى خسار .
وأما تأويلُ قراءة من قرأ ((مالك يوم الدين))، فما : -
١٦٦- حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن مُمارة،
قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾،
يقول: لا يملك أحدٌ فى ذلك اليوم معه حكماً كملكهم فى الدنيا. ثم قال: ﴿لاَ يَتَكَلَّمُونَ
إلَّا مَنْ أَذِينَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَلَ صَوَابًا﴾ [سورة النبأ: ٣٨]. وقال: ﴿وخَشَمَتِ
الأَصْوَاتُ الرَّحْمنِ﴾ [سورة له: ١٠٨]. وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُون إِلَّ لِمَنِ ارْتَضَى)(٢)
[ سورة الأنبياء: ٢٨] .
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية ، وأصحُّ القراءتين فى التلاوة عندى ،
(١) الجبرية والجبروت واحد، وهو من صفات اللّه العلى. الجبار: القاهر فوق عباده، يقهوم
على ما أراد من أمر ونهى ، سبحانه وتعالى .
(٢) الصغرة مع صاغر: وهو الراضى بالذل المقر به. والأذلة جمع ذليل.
(٣) الخبر ١٦٦ - سبق الكلام مفصلا فى ضعف هذا الإسناد ١٣٧. وهذا الخبر، مع باقيه
الآتى ١٦٧ نقله ابن كثير ١: ٤٦ دون إسناد ولا نسبة، ونقله السيوطى ١: ١٤ ونسبه أيضاً لابن
أبى حاتم. وقال ابن كثير: ((وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف. وهو ظاهر)).

١٥٠
تفسير فاتحة الكتاب
التأويلُ الأول، وهى قراءةُ من قرأ ﴿مَلكِ) بمعنى المُلك. لأن فى الإقرار له بالانفراد
بالمُلك ، إيجاباً لانفراده بالمِلْك، وفضيلةَ زيادة الملك على المالك(١)، إذْ كان
معلوماً أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ، وقد يكون المالكُ لا ملكاً .
وبعدُ، فإن الله جلّ ذكره، قد أخبر عبادَه فى الآية التى قبل قوله ﴿ملكِ
يوم الدين) أنه مالكُ جميع العالمين، وسيِّدهم، وُمُصلحُهم ، والناظرُ لهم،
والرحيم بهم فى الدنيا والآخرة، بقوله: ﴿الحمد للهرب العالمين، الرحمن الرحيم).
وإذْ كان جلّ ذكره قد أنبأهم عن ملكه إيّاهم كذلك بقوله (ربِّ العالمين}،
فأولى الصّفات من صفاته جل ذكره أن يَتْبَح ذلك، ما لم يُحْوِهِ قوله (ربِّ العالمين
الرَّحمن الرحيم)، مع قرب ما بين الآيتين من المواصلة والمجاورة، إذْ كانت حكمتُه
الحكمة التى لا تشبهها حكمةٌ، وكان فى إعادة وصفه جلّ ذكره بأنه ( مالك يوم
الدين)، إعادةُ ما قد مضى من وصفه به فى قوله (ربِّ العالمين)، مع تقارب
الآيتين وتجاور الصفتين . وكان فى إعادة ذلك تكرارُ ألفاظ مختلفة بمعان متفقة ،
لا تفيد سامع ما كُرُّر منه فائدةً به إليها حاجة . والذى لم يحْوِه من صفاته جلّ
ذكره ما قبل قوله ((مالك يوم الدين))، المعنى الذى فى قوله (( ملك یوم الدین )»،
وهو وصفه بأنه الملِك .
فبيِّنْ إِذاً أن أوْلى القراءتين بالصواب، وأحقّ التأويلين بالكتاب، قراءة من
من قرأه ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين)، بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين، دون قراءة من
قرأ ((مالك يوم الدين)) الذى بمعنى أنه يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء، متفرّداً
به دون سائر خلقه .
فإن ظنّ ظانَ أنّ قوله ﴿رَبَّ العالمين) نبأ عن ملكه إياهم فى الدنيادون الآخرة،
يوجبُ وَصْلَ ذلك بالنبأ عن نفسه أنه: "مَنْ ملكهم فى الآخرة على نحو ملكه
٠
(١) فى المخطوطة: ((الملك على الملك))، وهما سواء.

١٥١
تفسير فاتحة الكتاب
إياهم فى الدنيا بقوله ((مالك يوم الدين)) - فقد أغفلَ وظنَّ خطأ(١).
وذلك أنه لو جاز لِظانَ أنْ بظنّ أن قوله (ربّ العالمين) محصورٌ معناه
على الخبر عن ربوبيَّة عالم الدنيا ◌ُدُونَ عالم الآخرة، مع عدم الدلالة على أن مَعنى
ذلك كذلك فى ظاهر التنزيل، أو فى خبرٍ عن الرسول صلى الله عليه وسلم به
منقول ، أو بحجة موجودة فى المعقول - لجاز لآخر أن يظنّ أن ذلك محصور على
عالم الزمان الذى فيه نزل قوله ﴿رب العالمين)، دون سائرما يحدث بعدَه فى الأزمنة
الحادثة من العالمين. إذْ كان صحيحاً بما قد قدّمنا من البيان ، أنّ عالمَ كل زمان
غير عالم الزمان الذى بعده .
فإن غَبِيَ- عن علم صحة ذلك بما قد قدمنا- ذو غباء، فإنّ فى قول الله جل ثناؤه:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُُّوَّةَ وَرَزَقْنَهُمْ مِنَ
الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَى العَلَمِينَ﴾ [سورة الجاثية: ١٦] دلالة واضحة على أنّ
عالم كلّ زمان ، غيرُ عالم الزمان الذى كان قبله ، وعالم الزمان الذى بعده ،
إذْ كان الله جل ثناؤه قد فضّل أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم
الحالية، وأخبرهم بذلك فى قوله: ﴿كُثُ خَيْرَ أَمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
الآية [سورة آل عمران: ١١٠]. فمعلومٌ بذلك أن بنى إسرائيل فى عصر نبينا لم يكونوا
- مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم - أفضل العالمين ، بل كانَ أفضلَ العالمين
فى ذلك العصر وبعدَه إلى قيام الساعة ، المؤمنون به المتُّبِعون منهاجهُ ، دون من
سواهم من الأمم المكذِّبة الضالة عن منهاجه .
وإذْكان بيِّناً فساد تأويل متأوَّل لو تأوّل قوله (ربّ العالمين ) أنه معنىٌّ به
(١) قوله ((أغفل))، فعل لازم غير متعد. ومعناه: دخل فى الغفلة والنسيان ووقع فيهما، وهى
عربية معرفة ، وإن لم توجد فى المعاجم ، وهى كقولهم: أنجد ، دخل نجداً ، وأشباهها . وحسبك بها
عربية أنها لغة الشافعى، أكثر من استعمالها فى الرسالة والأم . من ذلك قوله فى الرسالة: ٤٢ رقم: ١٣٦ :
(( وبالتقليد أغفل من أغفل منهم)).

١٥٢
تفسير فاتحة الكتاب
أن الله ربُّ عَالى زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، دون عالمى سائر الأزمنة
غیرہ ۔۔ کان واضحاً فساد قول من زعم أن تأويلهُ : ربُ عالم الدنيا دون عالم
الآخرة، وأنّ ((مالك يوم الدين، استحقَّ الوصلَ به ليُعلمّ أنه فى الآخرة من
ملكهم ورُبُوبيهم بمثل الذى كان عليه فى الدنيا .
وُیُسأل زاعےذلك، الفرق بينه وبين متحكم مثله-فی تأويل قوله (رب العالمين)،
تحكّ فقال : إنه إنما عنى بذلك أنه ربّ عالى زمان محمد صلى الله عليه، دون
عالمى غيره من الأزمان الماضية قبله ، والحادثة بعده، كالذى زعم قائل هذا القول:
أنه عنى به عالى الدنيا دُون عالمى الآخرة - من أصل أو دلالة(١). فلن يقول فى
أحدهما شيئاً إلا ألزم فى الآخر مثله .
وأما الزاعم أن تأويل قوله ( مالك يوم الدين) أنه الذى يملكُ إقامة يوم
الدين، فإن الذى ألزمْنا قائلَ هذا القول الذى قبله - له لازمٌ. إذْ كانت إقامةُ
القيامة، إنما هى إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التى كانوا عليها قبل الهلاك ،
فى الدارالتى أُعَدَ لهم فيها ما أعدّ. وُهُمُ العالمون الذين قد أخبرجلّ ذكره عنهم
أنه ربُّهم فى قوله (ربّ العالمين) .
وأما تأويل ذلك فى قراءة من قرأ ﴿مَالِكَ يَومِ الدِّين)، فإنه أراد: يا مالك
يوم الدين، فنصّبه بنيّة النداء والدعاء، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ
عَنْ هُذَا﴾ [سورة يوسف: ٢٩] بتأويل: يا يوسف أعرض عن هذا، وكما
قال الشاعر من بنی أسد ، وهو شعر - فیما یقال - جاهلى :
إِنْ كُنْتَ أَزْ نَفْتَنِى بِهَا كَذِبًا جَزْءُ، فلاَقَيْتَ مِثْلَهَا عَجَلَا (٢)
(١) سياق العبارة: ((ويسأل زام ذلك، الفرق .... من أصل أو دلالة))، وما بينهما فصل.
(٢) الشعر الجاهلى مخضرم هو حضرى بن عامر الأسدى، وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى نفر من بني أسد فأسلموا جميعاً. وسبب قوله هذا الشعر: أن إخوته كانوا تسعة ، فجلسوا على بئر
فانخفت بهم ، فورثهم ، فحسده ابن عمه جزء بن مالك بن مجمع ، وقال له : من مثلك ؟ مات إخوتك
فورتهم، فأصبحت ناعماً جذلا. وما كاد، حتى جلس جزء وإخوة له تسعة على بئر فانخسفت بإخوته

١٠٣
تفسير فائية الكتاب
يريد : با جزءٌ، وكما قال الآخر :
كَذَبْتُ وبِيتِ الهلاَ تَفْكِحُونَهَ، بَنِى شَابِ قَرْنَهَا تَصُرُّوَتَحْلُبُ(١)
يريد: يا بنى شابَ قَرْناها. وإنما أوْرطه فى قراءة ذلك - بنصب الكاف
من (نمالك))، على المعنى الذى وصفتُ .. حيرتهُ فى توجيه قوله: ﴿إياكَ نَعْبُدُ
وإيّاكَ نَسْتَعِين﴾ وِجْهَتَه، مع جر (مالك يوم الدين) وخفضِه. فظنّ أنّه
لا يصحّ معنى ذلك بعد جرَّه (مالك يوم الدين)، فنصب ((مالك يوم الدين))
ليكون (( إياك نعبد)) له خطاباً. كأنه أراد: يا مالك يوم الدين، إياك نعبد
وإياك نستعين. ولو كان علم تأويل أول السورة، وأن (الحمدُ لله رب العالمين)) ٥٢/١
أمرٌ من الله عبدَه بقِيل ذلك - كما ذكرنا قبلُ من الخبر عن ابن عباس : أن
جبريلَ قال النبى صلى الله عليهما وسلم عن الله تعالى ذكره: قل يا محمد،
((الحمدُ لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين))، وقل أيضاً يا محمد: ((إياك
نعبد وإياك نستعين(٢)) - وكان عقل(٣) عن العرب أنَّ من شأنها إذا حكّت أو أمرت
بحكاية خبرٍ يتلو القولَ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب، وتخبر عن غائببه
ثم تعودَ إلى الخطاب، لما فى الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب ، كقولهم
للرجل : قد قلتُ لأخيك: لو قمتَ لقمتُ ، وقد قلتُ لأخيك: لو قام لقمتُ ..
(٤) لسَهُل عليه مخرجُ ما استصعب عليه وْجهتُه من جر ((مالك يوم الدين)).
وفما هو ، فبلغ ذلك حضرمياً فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كلمة وافقت قدراً وأبقت حقداً . يعنى
قوله الجزء: ((فلاقيت مثلها عجلا)). وأزنته بشىء: اتهمته به. انظر أمالى القالى ١: ٦٧، والكامل
١ : ٤١ - ٤٢ وغيرهما .
(١) نسبه فى اللسان (قرن) ومجاز القرآن: ١٠٠ إلى رجل من بنى أسد والبيت فى سيبويه ٧:٢/٢٥٩:١،
٦٥، وهو شاهد مشهور. ((وبنى شاب قرناها))، يعنى قوماً، يقول: بنى التى يقال لها: شاب قرناها، أى
يا بنى العجوز الراعية، لا هم لها إلا أن تصر، أى تشد الصرار على الضرع حتى تنجمتع الدرة، ثم تحلب.
وذلك ذم لها . والقرن : الصغيرة .
(٢) انظر : ١٥١، ١٠٥.
(٣) عطف على قوله: ((ولو كان علم ... ».
(٤) جواب ((لو كان علم ... وكان حقل)).

١٥٤
تفسير فاتحة الكتاب
ومن نظير ((مالك يوم الدين ، مجروراً، ثم عَوْده إلى الخطاب بـ ((إياك نعبد))،
كما ذكرنا قبل - البيتُ السائرُ من شعر أبى كبير الهُدَلى:
◌َلَهَْ نَفْسى كان جِدَّةُ خَالِدٍ وَبَيَضُ وَجْهِكَ التَّرَابِ الأَعْفَرِ(١)
فرجعَ إلى الخطاب بقوله ((وبياضُ وَجْهك))، بعد ما قد مضى الخبرُ
عن خالد على معنى الخبر عن الغائب .
ومنه قول لبيد بن ربيعة :
وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا(٢)
بَاتَتْ تَشَكَّى إِلىّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً
فرجع إلى مخاطبة نفسه ، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب .
ومنه قول الله، وهو أصدق قبلٍ وأثبتُ حجةٍ: ﴿حَتَّ إذَا كُنْتُمْ فِى المُلكِ
وَجَرَيْنَ بِهِمْ برِيحِ طَيِّبة﴾ [سورة يونس: ٢٢]، فخاطب ثم رجع إلى الخبر
عن الغائب، ولم يقل: وَجَرَين بكم. والشواهدُ من الشعر وكلام العرب فى ذلك
أكثر من أن تُحصى ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه.
فقراءة ((مالكَ يوم الدين)) محظورة غير جائزة، لإجماع جميع الحجة من القرّاء
وعلماء الأمة على رفض القراءة بها .
(١) ديوان الخذليين ٢: ١٠١. فى المطبوعة: ((جلدة)) وهو خطأ وقوله ((جدة)) يعنى شبابه
الجديد. والجدة: نقيض البلى، والتراب الأعفر: الأبيض، قل أن يطأه الناس الجدبه. وخالد: صديق
له من قومه ، يرثيه .
(٢) القسم الثانى من ديوانه: ٤٦، وقال ابن سلام فى طبقات فحول الشعراء: ص ٥٠ وذكر
البيت وبيتاً معه، أنهما قد رويا عن الشعبى (ابن سعد ٦: ١٧٨)، وهما يحملان على لبيد، ثم قال:
(( ولا اختلاف فى أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث، ويستعان به على السهر عند الملوك، والملوك
لا تستتمی » . أجهش بالبكاء : تهيأ له وعنقه بکاوو .

١٥٥
تفسير فاتحة الكتاب
:
القول فى تأويل قوله ﴿يَوْمِ الدِّينِ).
قال أبو جعفر : والدين فى هذا الموضع ، بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال ،
كما قال كعب بن ◌ُجَعَيْل:
إِذَا مَا رَمَوْناَ رَمَيْنَاهُ ودِنَّاهُمُ مِثْلَ مَا يُفْرِضُونَ(١)
وكما قال الآخر :
وَأَعْلَمْ وأيْقِنْ أنَّ مُلْككَ زائلٌ
وأعلمْ بأَنَّكَ مَا تَدِينُ تُدَانُ (٢)
يعنى: ما تَجْزِى تُجازى.
ومن ذلك قول الله جل ثناؤه (كلاًّ ◌َلْ تُكَذِّبُونَ بَالدِّين) - يعنى: بالجزاء -
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينِ﴾ [سورة الانفطار: ١٠،٩] يُحصون ما تعملون من الأعمال،
وقوله تعالى ﴿ فَلَوْلَا إِنْ كُنْمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ [سورة الواقعة: ٨٦]، یعنی غير
مجزيِّين بأعمالكم ولا محاسَبين.
والدين معانٍ فى كلام العرب ، غير معنى الحساب والجزاء ، سنذكرها فى
أماكنها إن شاء الله.
(١) الكامل المبرد ١: ١٩١، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم ١: ٥٢، المخصص ١٧ :١٥٥.
(٢) الكامل ١: ١٩٢ منسوباً إلى يزيد بن الصعق الكلابى، وكذلك فى جمهرة الأمثال العسكرى:
١٦٩، والمخصص ١٧: ١٥٥، وفى اللسان (زنأ) و(دان) منسوبين إلى خويلد بن نوفل الكلابى ،
وفى الخزانة ٤: ٢٣٠ إلى بعض الكلابيين. يقولون: إن الحارث بن أبى شمر الغسانى كان إذا أعجبته امرأة
من قيس عيلان بعث إليها واغتصبها ، فأخذ بنت يزيد بن الصعق الكلابى ، وكان أبوها غائباً ، فلما
قدم أخبر . فوقد إليه فوقف بين يديه وقال :
كَلَّاً وصُبْحًا كَيْفْ يَخْلِفَانِ ؟
يَا أَيُّهَا المَلِكُ النَّقِيتُ! أَمَا تَرى
. لَيْلًا؟ وهل لكَ بِالْمَلِيكُ يَدَانِ؟
هَلْ تَستَطِيعُ الشّمْسَ أن تأتىبها
ياَ حَارٍ ، أَيْقِنْ أنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ

١٥٦
تفسير فاتحة الكتاب
"وبما قُلنا فى تأويل قوله ((يوم الدين))، جاءت الآثار عن السلف من المفسّرين،
مع تصحيح الشواهد تأويلهم الذى تأوّلوه فى ذلك .
١٦٧- حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد،
قال: حدثنا بشر بن ◌ُمارة، قال حدثنا أبو رَوق، عن الضحاك، عن عبد الله
ابن عباس : ﴿ يَوْمِ الدِّينِ)، قال: يوم حساب الخلائق ، وهو يوم القيامة ،
يدينهم بأعمالهم، إن خيراً فخيراً، وإن شرًّا فشرًا، إلا من عفا عنه، فالأمرُ أمرُه.
ثم قال: ﴿أَلَالَهُ الخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [ سورة الأعراف: ٥٤] (١).
١٦٨- حدثنى موسى بن هرون الهَمْدَ انى، قال: حدثنا عمروبن حماد القَنَّاد،
قال : حدثنا أسباط بن نصر الهمدانى، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّى، عن
أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانى عن ابن مسعود -
وعن ناس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين)، هو يوم الحساب(٢).
١٦٩- حدثنا الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا
(١) الخبر ١٦٧ - سبق تخريجه فى الخبر ١٦٦.
(٢) الخبر ١٦٨ - هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دوراناً فى تفسير الطبرى، إن لم يكن أكثرها،
فلا يكاد يخلو تفسير آية من رواية بهذا الإسناد . وقد عرض الطبرى نفسه فى (ص١٢١ بولاق، سطر:
٢٨ وما بعده)، فقال، وقد ذكر الخبر عن ابن مسعود وابن عباس بهذا الإسناد: ((فإن كان ذلك
صحيحاً، ولست أعلمه صحيحاً، إذ كنت بإسناده مرتاباً .... )). ولم يبين علة ارتيابه فى إسناده،
وهو مع ارتيابه قد أكثر من الرواية به . ولكنه لم يجعلها حجة قط.
بيد أبى أراه إسنادا يحتاج إلى بحث دقيق. ولأئمة الحديث كلام فيه وفى بعض رجاله. وقد تتبعت ما
قالوا وما يدعو إليه بحثه، ما استطعت، وبدا لى فيه رأى، أرجو أن يكون صواباً، إن شاء الله. وما
توفيق إلا بالله :
أما شيخ الطبرى، وهو (موسى بن هرون الهمدانى)): فما وجدت له ترجمة، ولا ذكراً فى شىء ما
بين يدى من المراجع، إلا ما يرويه عنه الطبرى أيضاً فى تاريخه، وهو أكثر من خمسين موضعاً فى الجزءين
الأول والثانى منه. وما بنا من حاجة إلى ترجمته من جهة الجرح والتعديل ، فإن هذا التفسير الذى يرويه
عن عمرو بن حماد، معروف عند أهل العلم بالحديث . وما هو إلا رواية كتاب ، لا رواية حديث بعينه.
و(عمرو بن حاد)): هو عمرو بن حماد بن طلحة القناد، وقد ينسب إلى جده، فيقال وعمرو بن
طلحة))، وهو ثقة، روى عنه سلم فى صحيحه، وترجمه ابن سعد فى الطبقات ٦: ٢٨٥، وقال:

١٥٧
تفسير فاتحة الكتاب
((وكان ثقة إن شاء الله)). مات سنة ٢٢٢. وترجمه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٣ /٢٢٨/١،
وروى عن أبيه و يحى بن معين أنهما قالا فيه: ((صدوق)».
أسباط بن نصر الهمدانى: مختلف فيه، وضعفه أحمد، وذكره ابن حبان فى الثقات: ٤١٠،
وترجمه البخارى فى الكبير ١ /٢/ ٥٣ فلم يذكر فيه جرحاً، وترجمه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل
٣٣٢/١/١، وروى عن يحيى بن معين قال: ((أسباط بن نصر ثقة)). وقد رجعنا توثيقه فى شرح
المسند ، فى الحديث ١٢٨٦ .
إسمعيل بن عبد الرحمن بن أبى كريمة السدى: هو السدى الكبير ، قرشى بالولاء ، مولى زينب بنت
قيس بن مخرمة ، من بنى عبد مناف ، كما نص على ذلك البخارى فى تاريخيه : الصغير : ١٤١ -
١٤٢، والكبير ١ / ١ /٣٦١، وهو تابعى، سمع أنساً، كما نص على ذلك البخارى أيضاً ، وروى
عن غيره من الصحابة، وعن كثير من التابعين. وهو ثقة. أخرج له مسلم فى صحيحه ، وثقه أحمد بن
حنبل ، فيما روى ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ١ /١ /١٨٤، وروى أيضاً عن أحمد، قال :
((قال لى يحيى بن معين يوماً عند عبد الرحمن بن مهدى: السدى ضعيف، فغضب عبد الرحمن، وكره ما قال)»:
وفى الميزان والتهذيب ((أن الشعبى قيل له: إن السدى قد أععلى حظاً من علم القرآن، فقال: قد أعطى
حظاً من جهل بالقرآن !)». وعندى أن هذه الكلمة من الشعبى قد تكون أساساً لقول كل من تكلم
فى السدى بغير حق. ولذلك لم يعبأ البخارى بهذا القول من الشعبى، ولم يروه ، بل روى فى الكبير
عن مسدد عن يحيى قال: ((سمعت ابن أبى خالد يقول: السدى أعلم بالقرآن من الشعبى)). وروى فى
تاريخيه عن ابن المدينى عن يحيى، وهو القطان، قال: ((ما رأيت أحداً يذكر السدى إلا بخير، وما
تركه أحد)». وفى التهذيب: ((قال العجلى: ثقة عالم بالتفسير راوية له)). وقد رجحنا توثيقه فى شرح
المسند ٨٠٧ . وتوفى السدى سنة ١٢٧.
و((السدى)): بضم السين وتشديد الدال المهملتين، نسبة إلى ((السدة))، وهى الباب، لأنه كان
يجلس إلى سدة الجامع بالكوفة ، ويبيع بها المقافع.
أبو مالك: هو الغفارى، واسمه غزوان. وهو تابعى كوفى ثقة. ترجمه البخارى فى الكبير ٤ / ١/
١٠٨، وابن سعد فى الطبقات ٦: ٢٠٦، وأابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٣ / ٥٥/٢،
و روی توثيقه عن يحيى بن معين .
أبو صالح: هو مولى أم هانى، بنت أبى طالب ، واسمه باذام ، ويقال باذان . وهو تابعى ثقة ،
رجحنا توثيقه فى شرح المسند ٢٠٣٠، وترجمه البخارى فى الكبير ١ / ٢ / ١٤٤، وروى عن محمد
ابن بشار، قال: ((ترك ابن مهدى حديث أبى صالح)). وكذلك روى ابن أبى حاتم فى ترجمته فى الجرح
والتعديل ٤٣١/١/١-٤٣٢ عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدى. ولكنه روى أيضاً عن يحيى بن سعيد القطان،
قال: ((إأر أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانىء، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً،
ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبدالله بن عثمان)). وروى أيضاً عن يحيى بن معين، قال: ((أبو صالح مولى
أم هانىء ليس به بأس، فإذا روى عنه الكلبى فليس بشىء، وإذا روى عنه غير الكلبى فليس به بأس ،
لأن الكلى يحدث به مرة من رأيه، ومرة عن أبى صالح، ومرة عن أبى صالح عن ابن عباس)». يعنى بهذا
أن الطعن فيما يروى عنه إنما هو فى رواية الكلى ، كما هو ظاهر .
:

١٥٨
تفسير فاتحة الكتاب
هذا عن القسم الأول من هذا الإسناد . فإنه فى حقيقته إسنادان أو ثلاثة . أولهما هذا المتصل بابن
عباس .
والقسم الثانى، أو الإسناد الثانى: ((وعن مرة الهمدانى عن ابن مسعود». والذى يروى عن مرة
الهمدانى : هو السدى نفسه .
ومرة : هو ابن شراحيل الهمدانى الكوفى ، وهو تابعى ثقة ، من كبار التابعين ، ليس فيه خلاف
بیهم .
والقسم الثالث، أو الإسناد الثالث: ((وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)).
وهذا أيضاً من رواية السدى نفسه عن ناس من الصحابة .
فالسدى يروى هذه التفاسير لآيات من القرآن : عن اثنين من التابعين عن ابن عباس ، وعن تابعى
واحد عن ابن مسعود ، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة .
والعلماء الأمة الأقدمين كلام فى هذا التفسير ، بهذه الأسانيد ، قد يوهم أنه من تأليف من دون
السدى من الرواة عنه، إلا أبى استيقنت بعدُ، أنه كتاب ألفه السدى.
فن ذلك قول ابن سعد فى ترجمة ((عمرو بن حماد القناد)) ٦: ٢٨٥: ((صاحب تفسير أسباط
ابن نصر عن السدى)). وقال فى ترجمة ((أسباط بن نصر» ٦: ٢٦١: ((وكان راوية السدى، روى
عنه التفسير)). وقال قبل ذلك فى ترجمة ((السدى)) ٦: ٢٢٥: ((إسمعيل بن عبد الرحمن السدى،
صاحب التفسير)). وقال قبل ذلك أيضاً، فى ترجمة ((أبى مالك الغفارى)) ٦: ٢٠٦: ((أبو مالك
الغفارى صاحب التفسير ، وكان قليل الحديث )).
ولكن الذى يرجح أنه كتاب ألفه السدى ، جمع فيه التفسير ، بهذه الطرق الثلاث ، قول أحمد بن
حنبل فى التهذيب ١: ٣١٤، فى ترجمة السدى: ((إنه ليحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذى
يجىء به، قد جعل له إسناداً، واستكلفه)). وقول الحافظ فى التهذيب أيضاً ١: ٣١٥: ((قد أخرج
الطبرى وابن أبى حاتم وغيرهما ، فى تفاسيرهم ، تفسير السدى ، مفرقاً فى السور ، من طريق أسباط
ابن نصر عنه)). وقول السيوطى فى الإتقان ٢: ٢٢٤ فيما نقل عن الخليلى فى الإرشاد: ((وتفسير إسمعيل
السدى ، يورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس . وروى عن السدى الأئمة ، مثل الثورى وشعبة .
ولكن التفسير الذى جمعه ، رواه أسباط بن نصر . وأسباط لم يتفقوا عليه. غير أن أمثل التفاسير تفسير
السدى)). ثم قال السيوطى: ((وتفسير السدى، [الذى] أشار إليه، يورد منه ابن جرير كثيراً،
من طريق السدى عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، و [عن]
ناس من الصحابة . هكذا . ولم يورد منه ابن أبى حاتم شيئاً ، لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد .
والحاكم يخرج منه فى مستدركه أشياء ، ويصححه ، لكن من طريق مرة عن ابن مسعود وناس ، فقط ،
دون الطريق الأول، وقد قال ابن كثير: إن هذا الإسناد يروى به السدى أشياء فيها غرابة».
وأول ما نشير إليه فى هذه الأقوال : التناقض بين قولى الحافظ ابن حجر والسيوطى ، فى أن ابن أبى
حاتم أخرج تفسير السدى مفرقاً فى تفسيره، كما صنع الطبرى ، فى نقل الحافظ ، وأنه أعرض عنه ،
فى نقل السيوطى. ولست أستطيع الجزم فى ذلك بشىء، إذ لم أر تفسير ابن أبى حاتم. ولكنى أميل إلى
ترجيح نقل ابن حجر ، بأنه أكثر تثبتاً ودقة فى النقل من السيوطى .
ثم قد صدق السيوطى فيما نقل من الحاكم. فإنه يروى بعض هذا التفسير فى المستدرك، بإسناده،

١٥٩
تفسير فاتحة الكتاب
إلى أحمد بن نصر: ((حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط بن نصر، عن إسمعيل بن عبد الرحمن السدى،
عن مرة الهمدانى، عن عبد الله بن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)). ثم يصححه
على شرط مسلم، ويوافقه الذهبي فى تلخيصه . من ذلك فى المستدرك ٢: ٢٥٨، ٢٦٠، ٢٧٣، ٣٢١.
والحاكم فى ذلك على صواب، فإن مسلماً أخرج لجميع رجال هذا الإسناد . من عمرو بن حماد بن طلحة القناد
إلى مرة الهمدانى . ولم يخرج لأبى صالح باذام ولا لأبى مالك الغفارى ، فى القسم الأول من الإسناد الذى
روی به السدی تفاسيره .
أما كلمة الإمام أحمد بن حنبل فى السدى ((إلا أن هذا التفسير الذى يجىء به ، قد جعل له إسناداً
واستكلفه)) - فإنه لا يريد بها ما قد يفهم من ظاهرها : أنه اصطنع إسناداً لا أصل له ؛ إذ لو كان
ذلك، لكان - عنده - كذاباً وضاعاً للرواية. ولكنه يريد . فيما أرى، والله أعلم - أنه جمع هذه التفاسير، من
روايته عن هؤلاء الناس: عن أبى مالك وأبى صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس
من الصحابة ، ثم ساقها كلها مفصلة ، على الآيات التى ورد فيها شىء من التفسير ، عن هذا أو ذاك
أو أولئك ، وجعل لها كلها هذا الإسناد ، وتكلف أن يسوقها به مساقاً واحداً.
أعنى : أنه جمع مفرق هذه التفاسير فى كتاب واحد ، جعل له فى أوله هذه الأسانيد . يريد بها أن
ما رواه من التفاسير فى هذا الكتاب ، لا يخرج عن هذه الأسانید . ولا أ كاد أعقل أنه یروی كل حرف
من هذه التفاسير عنهم جميعاً. فهو كتاب مؤلف فى التفسير ، مرجع ما فيه إلى الرواية عن هؤلاء ، فى
الجملة ، لا فى التفصيل .
إنما الذى أوقع الناس فى هذه الشبهة، تفريق هذه التفاسير فى مواضعها ، مثل صنيع الطبرى بين
أيدينا ، ومثل صنيع ابن أبى حاتم ، فيما نقل الحافظ ابن حجر، ومثل صنيع الحاكم فى المستدرك . فأنا
أكاد أجزم أن هذا التفريق خطأ منهم ، لأنه يوهم القارىء أن كل حرف من هذه التفاسير مروى بهذه
الأسانيد كلها ، لأنهم يسوقونها كاملة عند كل إستاد ، والحاكم يختار منها إسناداً واحداً يذكره عند كل
تفسير منها يريد روايته . وقد يكون ما رواه الحاكم - مثلا - بالإسناد إلى ابن مسعود ، ليس مما روى
السدى عن ابن مسعود نصًا . بل لعله مما رواه من تفسير ابن عباس ، أو ما رواه عن ناس من الصحابة ،
روى عن كل واحد منهم شيئاً، فأسند الجملة، ولم يسند التفاصيل .
ولم يكن السدى ببدع فى ذلك ، ولا يكون هذا جرحاً فيه ولا قدحاً . إنما يريد إسناد هذه التفاسير
إلى الصحابة ، بعضها عن ابن عباس ، وبعضها عن ابن مسعود ، وبعضها عن غيرهما منهم . وقد صنع
غيره من حفاظ الحديث وأمته نحواً مما صنع، فما كان ذلك بمطعن فيهم، بل تقبلها الحفاظ بعدهم ، وأخرجوها
فى دواوينهم. ويحضرنى الآن من ذلك صنيع معاصره: ابن شهاب الزهرى الإمام . فقد روى قصة حديث
الإفك، فقال: ((أخبرنى سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن
عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك
ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا. وكلهم حدثنى طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض
وأثبت اقتصاماً ، وقد وعیت عن كل واحد منهم الحديث الذی حدثی، وبعض حديثهم يصدق بعضاً»، إلخ.
فذكر الحديث بطوله . وهو فى صحيح مسلم ٢: ٣٣٣ - ٣٣٥. وسيأتى فى تفسير الطبرى ( ١٨:
٧١ - ٧٤ بولاق). ورواه الإمام أحمد والبخارى فى صحيحه، كما فى تفسير ابن كثير ٦ : ٦٨ - ٧٣.
ثم قال ابن كثير: ((وهكذا رواه ابن إسحق عن الزهرى كذلك، قال: ((وحدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله

١٦٠
تفسير فاتحة الكتاب
معمر، عن قتادة فى قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال: يومَ يَدينُ الله العبادَ بأعمالهم (١).
١٧٠ - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود، قال :
حدثنى حجاج، عن ابن جريج، ((مالك يوم الدين)) قال: يوم يُدان الناس
بالحساب (٢).
القول فى تأويل قوله ﴿إِيَّكَ نَعْبُدُ﴾.
قال أبو جعفر: وتأويل قوله ﴿ إِيَّاكَ نعبُد): لك اللهم تخشعُ ونَذِلُّونستكينُ،
إقراراً لك يا ربنا بالرُّبوبية لا لغيرك .
١٧١ - كما حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن عمارة قال: حدثنا أبو رَوق، عن الضحاك، عن عبد اللّه بن عباس، قال:
قال جبريلُ لمحمد صلى اللّه عليه وسلم: قل يا محمد ﴿ إِيّاكُ نَعْبُد)، إياكَ نُوحِّد
ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك(٣).
ابن الزبير عن أبيه عن عائشة، وحدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عنّ عمرة عن
عائشة)). وإسناد ابن إسحق الأخير فى الطبرى أيضاً. والإسنادان كلاهما رواهما ابن إسحق عن الزهرى، فى
السيرة ( ص ٧٣١ من سيرة ابن هشام) .
والمثل على ذلك كثيرة ، يعسر الآن تتبعها .
وقد أفادنا هذا البحث أن تفسير السدى من أوائل الكتب التى ألفت فى رواية الأحاديث والآثار .
وهر. من طبقة عالية، من طبقة شيوخ مالك من التابعين.
وبعد: فأما هذا الخبر بعينه، فقد رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٥٨، بالإسناد الذى أشرنا
إليه، من رواية السدى عن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة. وقال: ((هذا حديث صحيح على
شرط مسلم، ولم يخرجاه)». وافقه الذهبي. ونقله السيوطى فى الدر المنثور ١: ١٤ عن ((ابن جرير
والحاكم ، وصححه، عن ابن مسعود وناس من الصحابة».
(١) الأثر ١٦٩ - نقله السيوطى ١: ١٤، ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد. وهو ظاهر فى
رواية الطبرى هذه - أنه من مصنف عبد الرزاق . ونسبه للشوكانى ١: ١٢ لها والطبرى .
. (٢) الأثر ١٧٠ - مضى الكلام على هذا الإسناد: ١٤٤. وأما لفظه فلم يذكره أحد منهم.
(٣) الخبر ١٧١ - إسناده ضعيف، بيناه فى: ١٣٧. وهذا الخبر والذى بعده ١٧٢ جمهما
السيوطى ١: ١٤، وفيهما أيضاً لابن أبى حاتم.