Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
تفسير البسملة
والوجه الآخر منهما : ثم تسميتى اللّهَ عليكما، كما يقول القائل للشىء يراه
فيعجبه: ((اسم الله عليك)) يعوّذه، بذلك من السوء، فكأنه قال: ثم اسمُ اللّه
عليكما من السوء ، وكأن الوجه الأول أشبه المعنیین بقول لبید(١).
· ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أنّ معناه: ثم السلام عليكما، أترَى ما قلنا
- من هذين الوجهين - جائزاً، أو أحدهما، أو غيرَ ما قلتَ فيه ؟
فإن قال : لا ! - أبان مقدارَه من العلم بتصاريف وُجوه كلام العرب، وأغنى
خصمه عن مناظرته .
وإن قال : بلى !
قيل له : فما برهانك على صحة ما ادَّعيت من التأويل أنه الصوابُ ، دون الذى
ذكرتَ أنه محتملُه - من الوجه الذى يلزمنا تسليمه لك ؟ ولا سبيل إلى ذلك.
وأما الخبر الذى : -
١٤٠ - حدثنا به إسمعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء
ابن الضحاك [ وهو يلقب بزبريق] قال: حدثنا إسمعيل بن عياش ، عن
إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود - ومِسْعَرٍ
ابن کدام، عن عطية، عن أبى سعيد - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن عيسى بن مريم أسلمتْه أمُّه إلى الكتَّاب ليعلّمه، فقال له المعلم: اكتب ((بسم))
فقال له عيسى: وما ((بسم))؟ فقال له المعلم: ما أدرى! فقال عيسى: الباء
بهاءُ اللّه، والسين سناؤه، والميم مملكته(٢).
(١) الأول بغير شك أولى الأقوال بالصواب . فإنه كان قد أمر ابنتيه - كما قدمنا فى أبياته
السالفة، أن تقوما لتنوحا عليه بما أمرهما من ندبه وتأبينه ورثائه، وأن تفعلا ذلك منذ يموت إلى أن
يحول عليه الحول ، فلا معنى بعد أن يلقى السلام عليهما ، أى تحية المفارق ، بعد الحول ، فقد فارقهما
منذ حول كامل . وأولى به أن يدعو لهما، أو يستكفهما عما أمرهما به، إذ قضتا ما أمرهما على الوجه الذى
أحب، ((ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر))، كأنه قال: كفا عندئذ عما أمرتكما، فإن من بكى
حولا فقد بلغ أقصى ما يسعه العذر . فسياق الشعر يقطع بترجيح ما ذهب إليه الطبرى عامة ، وإلى الجزم
بأن معنى ((ثم اسم السلام عليكما)) هو: الزما ذكر اله، ودعا ذكرى، والبكاء على، والوجد بى .
(٢) الحديث ١٤٠ - هذا حديث موضوع، لا أصل له. وهو أطول من هذا، وسيأتى بعضه
برقمى ١٤٥، ١٤٧، فصل الطبرى كل قسم منه فى موضعه ، وفيه زيادة أخرى ، فى تفسير كلمات

١٢٢
تفسير البسملة
- فأخشى أنْ يكون غلطاً من المحدّث، وأن يكونأراد [ ب س ٢]، على
سبيل ما يعلّم المبتدئ من الصبيان فى الكتّاب حروف أبى جاد ، فغلط بذلك
فوصّله، فقال: ((بسم))، لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلى (( بسم الله الرحمن
الرحيم))، على ما يتلوه القارئ فى كتاب الله، لاستحالة معناه عن المفهوم به
عند جميع العرب وأهل لسانها ، إذا حُمِل تأويله على ذلك .
القول فى تأويل قول الله: ﴿اللهِ﴾.
قال أبو جعفر: وأما تأويل قول الله تعالى ذكره (( الله)) ، فإنه على معنىما رُوی لنا
عن عبد الله بن عباس -: هو الذى يَألَهه كل شىء، ويعبده كل خلْقٍ.
((أبجد هوز))، إلخ. رواه بطوله ابن حبان الحافظ، فى كتاب المجروحين، فى ترجمة إسمعيل بن يحي
ابن عبد الله التيمى، رقم: ٤٤ ص ٨٥، وقال فى إسمعيل هذا: ((كان ممن يروى الموضوعات عن الثقات،
وما لا أصل له عن الأثبات، لا تحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج به بحال)). ثم ضرب مثلا من أكاذيبه،
فروى الحديث بطوله ، عن محمد بن يحيى بن رزين العطار عن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك ، بالإسناد
الثانى الذى هنا، من حديث أبى سعيد الخدرى. وذكره ابن كثير فى التفسير ١ : ٣٥ نقلا عن ابن
مردويه ، من حديث أبى سعيد وحده ، جمع فيه الأقسام الثلاثة التى فرقت هنا. ثم أشار إلى رواية الطبرى
إياه. ثم قال: ((وهذا غريب جدا، وقد يكون صحيحاً إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد
يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات)»! وما أدرى كيف فات الحافظ ابن كثير أن فى إسناده هذا
الكذاب ، فتسقط روايته بمرة، ولا يحتاج إلى هذا التردد. وأما السيوطى، فقد ذكره فى الدر المنثور
١: ٨، ونسبه لابن جرير وابن عدى فى الكامل وابن مردويه وأبى نعيم فى الحلية وابن عساكر فى تاريخ
دمشق والثعلبى، ولم يغفل عن علته؛ فذكر أنه ((بسند ضعيف جدا)). وترجم الذهبى فى الميزان
١ : ١١٧، وتبعه ابن حجر فى لسان الميزان ١: ٤٤١ - ٤٤٢ لإسمعيل بن يحي هذا، وفى ترجمته :
(( قال صالح بن محمد جزرة : كان يضع الحديث . وقال الأزدى : ركن من أركان الكذب ، لا تحل
الرواية عنه ... وقال أبو على النيسابورى الحافظ والدراقطنى والحاكم: كذاب)). وقال إبن حجر:
((مجمع على تركه)). وذكر هو والذهبى هذا الحديث مثالا من أكاذيبه.
ثم إن إسناده الأول، الذى رواه إسماعيل بن يحيى عن أبى مليكة، فيه أيضاً راو مجهول، وهو ((من
حدثه عن ابن مسعود)). وإسناده الثانى، الذى رواه إسمعيل هذا عن مسعر بن كدام، فيه أيضاً ((عطية
ابن سعد بن جنادة العوفى))، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وأبو حاتم وغيرهما.
والزيادة بين قوسين، فى لقب إبراهيم بن العلاء من المخطوطة. و((زبريق)): بكسر الزاى والراء
بينهما باء موحدة ساكنة. وهو لقب إبراهيم، فيما قيل، والصحيح أنه لقب أبيه ، فقد قال البخارى فى
ترجمته فى الكبير ٣٠٧/١/١: ((زعم إبراهيم أن أباه كان يدعى زبريق)). وقال ابن أبى حاتم فى
الجرح والتعديل ١٢١/١/١: ((إبراهيم بن العلاء ... يعرف بابن الزبريت)).

١٢٣
تفسير البسملة
١٤١ - وذلك أنّ أباكريب حدثنا، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال:
حدثنا بشر بن مُمَّارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك ، عن عبد الله
ابن عباس، قال: ((الله)) ذو الألوهية والمَعْبودية على خلقه أجمعين(١).
فإن قال لنا قائل: فهل لذلك فى ((فعل ويفعل)) أصل كان منه بناءُ هذا الاسم؟
قيل : أمّا سماعاً من العرب فلا، ولكن استدلالاً.
فإن قال : وما دلّ على أن الألوهية هى العبادة، وأنّ الإله هو المعبود ،
وأنّ له أصلا فى ((فعل ويفعل)).
قيل : لا تمانع بين العرب فى الحكم لقول القائل(٢) - يصف رجلا بعبادة،
وبطلب ما عند الله جل ذكره: ((تألَّه فلان)) - بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك
قول رؤبة بن العجاج :
قُرِ دَرُّ الثانِيات الُدَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلَّعِى(٣)
يعنى : من تعبدى وطلب اللّهَ بعملى.
ولا شك أنّ ((التألُّه))، التفعُّل من ((أنّه بأله))، وأن معنى ((أله)) - إذا
نُطق به : - عَبَدَ اللّهَ. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه
: ((فعل يفعل))، بغير زيادة.
١٤٢ - وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبى ، عن نافع
ابن ◌ُمر، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عباس: أنه قرأ ﴿وَيَذَرَكَ وإلأُهَتَكَ) ٤٢/١
[ سورة الأعراف: ١٢٧] قال: عبادتك، ويقال: إنه كان يُعبَد ولا يَعْبُد.
(١) الحديث ١٤١ - إسناد هذا الخير ضعيف، كما فصلنا القول فيه، فى إسناد الخبر
١٣٧. وهذا الذى هنا نقله السيوطى فى الدر المنثور ١: ٨ مع باقيه الآتى برقم ١٤٨ بالإسناد نفسه .
ونسبه السيوطى لابن جرير ( وكتب فيه : ابن جريج ، خطأ مطبعيا ) ، وابن أبى حاتم .
(٢) قوله ((لا تمانع))، أى لا اختلاف بينهم، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر. وسيأتى
مثله فى ص : ١٢٦ ٠
(٣) ديوانه: ١٦٥. المده: جمع ماده. ومده فلاناً يمدهه مدهاً: نعت هيئته وجماله وأثنى
عليه ومدحه. و((استرجعن)): قلن: إنا لله وإنا إليه راجعون. يقلنها حسرة عليه كيف تنسك وهجر
الدنيا ، بعد الذى كان من شبابه وجماله وصبوته !

١٢٤
تفسير البسملة
١٤٣ -حدثنا سفيان ، قال: حدثنا ابن 'عيينة، عن عمرو بندينار، عن
محمد بن عمرو بن الحسن، عن ابن عباس: ﴿ وَيَذَرَكَ وَإِلاَهْتَك)، قال :
إنما كان فرعونُ يُعبّدولا يَعْبُدُ(١).
وكذلك كان عبدُ اللّه يقرؤها ومجاهد.
١٤٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسین بن داود، قال: أخبرنى حجاج،
عن ابن جريج، عن مجاهد: قوله ((ويذرَكَ وإلاهتك)) قال: وعبادتَك(٢).
ولا شك أن الإلاهة - على ما فسره ابن عباس ومجاهد - مصدرٌ من قول
القائل: أنّه اللّهَ فلانٌ إلاهة"، كما يقال: عَبَد الله فلانٌ عبادةً، وعَبَرَ الرؤيا
عبارةً. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أنّ ((أله)) عَبد، وأن ((الإلاهة))
مصدرُه .
فإن قال : فإن كان جائزاً أن يقال لمن عبد اللّه : أهم - على تأويل قول ابن
عباس ومجاهد - فكيف الواجبُ فى ذلك أن يقال ، إذا أراد المخبر الخبرَ عن
استيجاب الله ذلك على عبده ؟
(١) الخبران ١٤٣،١٤٢ - إسناداهما ضعيفان، من أجل ((سفيان بن وكيع بن الجراح))،
شيخ الطبرى فيهما ، وسفيان هذا : ضعيف ، كان أبوه إماماً حجة ، وكان هو رجلا صالحاً ، ولكن
وراقه أفسد عليه حديثه، وأدخل عليه ما ليس من روايته . ونصحه العلماء أن يدعه فلم يفعل ، فمن أجل
ذلك تركوه. قال ابن حبان فى كتاب المجروحين، رقم ٤٧٠ ص ٢٣٨ - ٢٣٩: ((فمن أجل إصراره
على ما قيل له استحق الترك)» .
وهذان الخيران، سيذكرهما الطبرى فى تفسير آية سورة الأعراف: ١٢٧ (٩: ١٨ بولاق) ،
وهناك شىء من التحريف فى أحدهما . ونقل معناهما السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ١٠٧.
والقراءة الصحيحة المعروفة: (ويذرك وآلهتك). وأما هذه القراءة ((وإلامتك))، فقد نقلها
صاحب إتجاف البشر: ٢٢٩ عن ابن محيصن والحسن . ونقلها ابن خالويه فى كتاب القراءات الشاذة :
٤٥ عن على وابن مسعود وابن عباس. وذكرها أبو حيان فى البحر ٤: ٣٦٧ من هؤلاء الثلاثة (« وأنس
وجماعة غيرهم)).
(٢) الخبر ١٤٤ - الحسين بن داود: اسمه ((الحسين)) ولقبه ((سنيد))، بضم السين المهملة
وفتح النون . واشتهر بهذا اللقب، وترجم به فى التهذيب ٤: ٢٤٤ - ٢٤٥، وفى الجرح والتعديل
٣٢٦/١/٢. وحجاج: هو ابن محمد المصيعى، من شيوخ الإمام أحمد . وهذا الأثر عن مجاهد ،
سيرويه الطبرى فى تفسير آية الأعراف (٩: ١٨ بولاق) - بإسناد آخر.

١٢٥
تفسير البسملة
قيل : أما الروايةُ فلا رواية فيه عندنا، ولكن الواجب - على قياس ما جاء به
الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى : -
١٤٥ - حدثنابه إسمعيل بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن العلاء، قال : حدثنا
إسمعیل بن عياش ، عن إسمعیل بن یحیی ، عن ابن أبى ملیکة ، عمن حدثه عن
ابن مسعود - ومسْعَرابن كدّام ، عن عطية العَوْى، عن أبى سعيد .. قال: قال
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إنّ عيسى أسلمَتْه أمه إلى الكتّاب ليعلّمه فقال
له المعلم اكتب (الله)) فقال له عيسى: ((أتدرى ما اللّه؟ الله إلهُ الآلهة(١))).
- أن يقال(٢): اللّهُ جل جلاله ألَّهَ العبدَ، والعبدُ ألَهَه. وأنْ يكون قولُ
القائل ((الله)) - من كلام العرب أصله ((الإله)).
فإن قال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ، مع اختلاف لفظيهما ؟
قيل: كما جاز أن يكون قوله: ﴿لْكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِى﴾ [سورة الكهف: ٣٨]
أصله: لكن أنا ، هو الله ربى ، كما قال الشاعر :
وتَرْمِيَنِ بالطَّرْفِ، أَىْ أَنتَ مُذْنبٌ، وَتَقْلِيَنِى، لَكِنَّ إياكِ لَا أَقْلِ(٣)
يريد: لكن أنا إياك لا أقلى، فحذف الهمزة من ((أنا)) فالتقت نون ((أنا )) ونون
(لكنْ)) وهى ساكنة، فأدغمت فى نون ((أنا)) فصارتا نوناً مشددة. فكذلك ((اللّه))
أصله ((الإله))، أسقطت الهمزةُ التى هى فاء الاسم، فالتقت اللام التى هى عين
الاسم، واللام الزائدة التى دخلت مع الألف الزائدة وهى ساكنة ، فأدغمت فى
(١) الحديث ١٤٥ - هو حديث لا أصل له . وهو جزء من الحديث الموضوع الذى روى
الطبرى بعضه فيما مضى ١٤٠، بهذا الإسناد. وفصلنا القول فيه هناك .
(٢) قوله: ((أن يقال)) من تمام قوله فى السطر الثالث ((ولكن الواجب -)) خبر لكن.
(٣) الأضداد لابن الأنبارى: ١٦٣، والخزانة ٤: ٤٩٠، وقال: ((لم أقف على تتمته وقائله،
مع أنه مشهور، قلما خلا منه كتاب نحوى، والله أعلم)».

١٢٦
تفسير البسملة
الأخرى التى هى عين الاسم ، فصارتا فى اللفظ لاماً واحدة مشددة ، كما وصفنا
من قول الله (( لكنّ هو الله ربى )).
القول فى تأويل قوله: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).
قال أبو جعفر: وأما ((الرحمن))، فهو فعلان، من رحم، و ((الرحيم))
فعيل منه. والعرب كثيراً ما تبنى الأسماء من ((فَعِلِ يفْعَل)) على ((فعلان))،
كقولهم من غضِب : غضبان ، ومن سكر : سكران، ومن عطش: عطشان .
فكذلك قولهم ((رَحمن)) من رَحِيمَ، لأن ((فعل )) منه: رحم یرْحم . وقيل ((رحيم))،
وإن كانت عين ((فعيل)) منها مكسورة ، لأنه مدح. ومن شأن العرب أن يحملوا
أبنية الأسماء - إذا كان فيها مدح أو ذم ـ على ((فعيل))، وإن كانت عین (فعل))
منها مكسورةً أو مفتوحةً، كما قالوا من ((علم)) عالم وعليم، ومن ((قدَر)) قادر
وقدير. وليس ذلك منها بناء على أفعالها، لأن البناء من ((فَعيِل يفْعَل)) و((فعتل يفعل))
فاعلٌ. فلو كان (الرحمن الرحيم)) خارجين على بناء أفعالها، لكانت صورتهما (الراحم).
فإن قال قائل: فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة ، فما وجهُ
تكرير ذلك ، وأحدهما مؤدٌّ عن معنى الآخر ؟
قيل له : ليس الأمر فى ذلك على ما ظننتَ ، بل لكل كلمة منهما معنى
لا تؤدی الأخری مهما عنها .
فإن قال : وما المعنى الذى انفردت به كل واحدة منهما ، فصارت إحداهما
غير مؤدية المعنى عن الأخرى ؟
قيل: أما من جهة العربية فلا تمافُع (١) بين أهل المعرفة بلغات العرب، أنّ قول
القائل: ((الرحمن))- عن أبنية الأسماء من ((فَعيل يفعل)) - أشدُّ عدولاً من قوله((الرّحيم).
ولاخلاف مع ذلك بيهم، أنّ كل اسم له أصل فى ((فَعِلَ يفعل)) - ثم كان عن أصله
(١) لا تمانع أى لا اختلاف بينهم ، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر

١٢٧
تفسير البسملة
من ((فَعِل يفعَلُ) أشد عدولا أنّ الموصوف به مفضَّل على الموصوف بالاسم المينى ٤٣/١
على أصله من ((فَعِلِ يفعَل))، إذا كانت التسمية به مدحاً أو ذمًّا. فهذا ما فى
قول القائل (الرحمن))، من زيادة المعنى على قوله: الرحيم)) فى اللغة.
وأما من جهة الأثر والخبر ، ففيه بين أهل التأويل اختلاف : -
١٤٦- فحدثنى السرى بن يحيى التميمى ، قال : حدثنا عثمان بن زفر ،
قال: سمعت العَرْزَمى يقول: ((الرحمن الرحيم))، قال: الرحمن بجميع الخلق،
الرّحيم ، قال: بالمؤمنين(١).
١٤٧ - حدثنا إسمعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء ،
قال : حدثنا إسمعیل بن عياش ، عن إسمعیل بن یحی ، عن ابن أبىملیکة ، عمن
حدثه ، عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام ، عن عطية العوفى، عن أبى سعيد
يعنى الخدرىّ - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ عيسى بن مريم
قال : الرحمن رَحمنُ الآخرة والدنيا، والرحيم رحيم الآخرة(٢).
فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذى هو
(رحمن))، وتسميته باسمه الذى هو ((رحيم))، واختلافٍ معنى الكلمتين- وإن اختلفا فى
معنى ذلك الفرق، فدل أحدهما على أنّ ذلك فى الدنيا، ودلّ الآخر على أنه فى الآخرة.
فإن قال : فأى هذين التأويلين أولى عندك بالصحة ؟
(١) الأثر ١٤٦ - نقله ابن كثير فى التفسير ١. ٤٠ عن هذا الموضع. و((السرى بن يحي
ابن السرى التميمى الكوفى)». شيخ الطبرى، لم نجد له ترجمة إلا فى الجرح والتعديل لابن أبى حاتم
٢٨٥/١/٢، وقالٍ ((لم يقض لنا السماع منه، وكتب إلينا بشىء من حديثه، وكان صدوقاً)).
و ((العرزى)) المروى عنه هذا الكلام هنا. ضعيف جدا، قال الإمام أحمد فى المسند ٦٩٣٨:
((لا يساوى حديثه شيئاً)). وهو ((محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العمرزمى)). وأما عمه ((عبد الملك بن
أبى سليمان العرزمى)»، فإنه تابعى ثقة، ولكنه قديم، مات سنة ١٤٥، فلم يدركه ((عثمان بن زقر))
المتوفى سنة ٢١٨ و((العرزى)) بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها زاى، نسبة إلى ((عرزم))).
ووقع هنا فى الطبرى وابن كثير ((العزرى))، بتقديم الزاى على الراء، وهو تصحيف.
(٢) الحديث ١٤٧ - هذا إسناد ضعيف، بل إسنادان ضعيفان، كما فصلنا فيما مضى :
١٤٠ ، ١٤٥
٠٠

١٢٨
تفسير البسملة
قيل : لجميعهما عندنا فى الصحة مخرج، فلا وجه لقول قائل : أيُّهما أولى
بالصحة ؟ وذلك أنّ المعنى الذى فى تسمية اللّه بالرحمن ، دون الذى فى تسميته
بالرحيم : هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميعَ خلقه ، وأنه بالتسمية
بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه، إما فى كل الأحوال، وإما فى بعض
الأحوال. فلا شك - إذا كان ذلك كذلك- أنّ ذلك الخصوص الذى فى وصفه
بالرحيم ، لا يستحيل عن معناه ، فى الدنيا كان ذلك أو فى الآخرة، أو فيهما جميعاً.
فإذا كان صحيحاً ما قلنا من ذلك - وكان الله جل ثناؤه قد خصّ عباده
المؤمنين فى عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته ، والإيمان به وبرسله،
واتباع أمره واجتناب معاصيه؛ مما خُذْل عنه من أشرك به، وكفر، وخالف ما أمره
به، وركب معاصيه؛ وكان مع ذلك قد جعلَ، جَلَّ ثناؤه، ما أعد فى آجل الآخرة
فى جناته من النعيم المقيم والفوز المبين، لمن آمن به ، وصدق رسله، وعمل بطاعته،
خالصاً ، دون من أشرك وكفر به .(١) كان بيِّناً أن الله قد خص المؤمنين من رحمته
فى الدنيا والآخرة ، مع ما قدعمَّهم به والكفارَ فى الدنيا من الإفضال والإحسان
إلى جميعهم فى البَسْط فى الرزق، وتسخير السحاب بالغَيْثِ ، وإخراج النبات من
الأرض ، وصحة الأجسام والعقول، وسائر النعم التى لا تُحصى ، التى يشترك فيها
المؤمنون والكافرون .
فربُّنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خلقه فى الدنيا والآخرة ، ورحيمُ المؤمنين خاصة
فى الدنيا والآخرة. فأما الذى عمّ جميعتهم به فى الدنيا من رحمته فكان رَحماناً لهم به،
فما ذكرنا مع نظائره التى لاسبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه، كما قال جل ثناؤه:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [سورة إبراهيم: ٣٤، وسورة النحل: ١٨].
وأما فى الآخرة ، فالذى عمّ جميعهم به فيها من رحمته ، فكان لهم رحماناً ، فى تسويته
(١) جراب قوله ((فإذا كان صحيحاً
)). وما بينهما فصل .

١٢٩
تفسير البسملة
بين جميعهم جل ذكره فى عَدله وقضائه، فلا يظلم أحداً منهم مِثْقَال ذرّة ،
وإن تَكُ حسنةَ يُضاعفها ويُؤْتِ من لَدُنْهُ أجراً عظيما، وُتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ
ما كَسَبَتْ. فذلك معنى عمومه فى الآخرة جميعتهم برحمته، الذى كان به رحماناً فى الآخرة.
وأما ما خص به المؤمنين فى عاجل الدنيا من رحمته ، الذى كان به رحيما لحم
فيها، كما قال جل ذكره: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب: ٤٣] -
فما وصفنا من اللطف لهم فى دينهم، فخصّهم به ، دونَ من خذله من أهل الكفر به. ٤٤/١
وأمَّا ما خصّهم به فى الآخرة، فكان به رحيما لهم دون الكافرين ، فما وصفنا آنفاً
ما أعدَّ لهم دون غيرهم من النعيم، والكرامة التى تقصرُ عنها الأمالىّ .
وأما القول الآخر فى تأويله فهو ما :-
١٤٨- حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر
ابن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال :
الرحمن، الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب. قال: الرّحمن الرحيم: الرقيقُ الرفيقُ بمن
أحبّ أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يَعتُف عليه(١). وكذلك أسماؤه كلها .
وهذا التأويل من ابن عباس يدل على أن الذى به ربُّنا رحمن ، هو الذى به
رحيم، وإن كان لقوله ((الرحمن)) من المعنى، ما ليس لقوله ((الرحيم)). لأنه جعل معنى
((الرحمن)) بمعنى الرقيق على من رقَّ عليه، ومعنى ((الرحيم)) بمعنى الرفيق بمن
رفق به .
والقول الذى رويناه فى تأويل ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم وذكرناه
عن العرْزَمى(٢)، أشبه بتأويله من هذا القول الذى رويناه عن ابن عباس . وإن
(١) الحديث ١٤٨ - نقله ابن كثير فى التفسير ١: ٤١ من هذا الموضع، وقد مضى الكلام
فى هذا الإسناد، وبيان ضعفه: ١٢٧، ١٤١. والذى فى الدر المنثور ١: ٨ - ٩ ((على من أحب
أن يضعف عليه العذاب))، والظاهر أنه تصرف من ناسخ أو طابع.
(٢) إشارة إلى ما مضى: ١٤٦، ووقع فى الأصول هنا ((العزرى)) أيضاً، بتقديم الزاى، وهو
خطأً، كما بيتا من قبل.
ج١ (٩)
٠

١٣٠
تفسير البسملة
كان هذا القول موافقاً معناه معنى ذلك، فى أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم ،
وأن للرحيم تأويلا غيرَ تأويل الرحمن .
والقول الثالث فى تأويل ذلك ما :-
١٤٩-حدثنی بهعمران بن بگار الکلاعی، قال : حدثنا یحی بن صالح، قال:
حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللَّخمى من أهل فلسطين ، قال: سمعت عطاء
الخراسانى يقول: كان الرحمن، فلما اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيم" (١).
والذى أراد، إن شاء الله، عطاءٌ بقوله هذا: أن الرحمن كان من أسماء الله
التى لا يتسمَّى بها أحد من خَلْقُه، فلما تسمَنَّى به الكذابُ مسيلمة - وهو اختزاله
إياه، يعنى اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه ((الرحمن الرحيمُ))
ليفصِل بذلك لعباده اسمَهُ من اسم من قد تسمَى بأسمائه، إذ كان لا يسمَّى أحد
((الرحمن الرحيم))، فيجتمع له هذان الاسمان، غيره جلّ ذكره. وإنما يتسمَّى
بعضُ خْلقه إما رحيما، أو يتسمَّى رَحمن. فأما ((رحمن رحيم))، فلم يجمعا قطّ
لأحد سواهُ، ولا يجمعان لأحد غيره. فكأنَ معنى قول عطاء هذا : أن الله جل
ثناؤه إنما فَصَل بتكرير الرحيم على الرحمن، بين اسمه واسم غيره من خلقه ، اختلف
معناهما أو اتفقا .
والذى قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى ، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه
خصّ نفسه بالتسمية بهما معاً مجتمعين، إبانةً لها من خلقه ، ليعرف عبادُه
بذكرهما مجموعين أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه، مع ما فى تأويل
كل واحد منهما من المعنى الذى ليس فى الآخر منهما .
(١) الأثر ١٤٩ - نقله السيوطى فى الدر المنثور ١: ٩ ونسبه الطبرى وحده. وعطاء الخراسانى
هو عطاء بن أبى مسلم، وهو ثقة، وضعفه بعض الأثمة . وهو كثير الرواية عن التابعين، وكثير الإرسال
عن الصحابة، فى سماعه منهم خلاف. وأما الراوى عنه ((أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمى))، فإنى لم
أجد له ترجمة فيما بين يدى من المراجع، إلا قول الدولابى فى الكنى والأسماء ١: ١١٠: ((أبو الأزهر
الفلسطينى نصر بن عمرو اللخمى، روى عنه يحيى بن صالح الوحاظى».

١٣١
تفسير البسملة
وقد زعم بعضُ أهل الغباء أنّ العرب كانت لا تعرف ((الرحمن))، ولم يكن ذلك
فى لغتها (١)، ولذلك قال المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ
لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [سورة الفرقان: ٦٠]، إنكاراً منهم لهذا الاسم. كأنه كان محالاً عنده
أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته ، أوْ: لاَ، وكأنه لم يتْلُ من كتاب
الله قول الله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ)- يعنى محمداً - (كما يَعْرِ فُونَ
أَبْنَاءَ هُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٤٦]، وهم مع ذلك به مكذبون ، ولنبوته جاحدون!
فيَعَلمَ بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقةَ ما قد ثبت عندهم صحتُهُ، واستحكمتْ
لديهم معرفتُه . وقد أنشِد لبعض الجاهلية الجهلاء :
أَلاَ ضرِبَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِيْنَهَا أَلَا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّى يَمِينَها(٢)
وقال سلامة بن جندلِ السَّعْدى(٣):
عَجِلُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ وَمَا يَثَمِ الرَحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقٍ(٤)
(١) لا يزال أهل الغباء فى عصرنا يكتبونه، ويتبجحون بذكره فى محاضراتهم وكتبهم ، نقلا عن
الذين يتبعون ما سقط من الأقوال، وهم الأعاجم الذين يؤلفون فيما لا يحسنون باسم الاستشراق . ورد الطبرى
مفحم لمن كان له عن الجهل والخطأ ردة تنهاه عن المكابرة .
(٢) لم أجد قائل البيت. واستشهد به ابن سيدة فى المخصص ١٧: ١٥٢، وعلق على البيت محمد
محمود التركزى الشنقيطى، وادعى أن البيت مصنوع، وأن ((بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد
المعدومة لدعاويهم المجردة، صنعه ولفقه، وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس الضحى، وركاكته
تنادى جهاراً بصحة وضعه وصنعته ، والصواب وهو الحق المجمع عليه، أن الشاعر الجاهلى المشار إليه ،
هو الشنفرى الأزدى ، وهذا البيت ليس فى شعره )»، وأنه ملفق من قول الشنفرى:
أَلَاَلَيْتَ شِعْرِى، والتَلَهُّفُ ضَلَّةٌ بما ضَرَبَتْ كَفُّ الفَتَةِ هَجِينَها
والشنقيطى رحمه الله كان كثير الاستطالة، سريعاً إلى المباهاة بعلمه وروايته . والذى قاله من إدعاء
الصنعة لا يقوم . وكفى بالبيت الذى يليه دليلا على فساد زعمه أن الدافع لصنعته : إيجاد الشواهد المعدومة ،
للدعاوى مجردة . وليس فى البيت ركاكة ولا صنعة .
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((الطهوى)) مكان السعدى، وهو خطأ. ليس سلامة طهويا.
(٤) ديوانه: ١٩، وقد جاء فى طبقات فحول الشعراء: ١٣١ فى نسب الشاعر: سلامة بن
جندل بن عبد الرحمن))، وهذه رواية ابن سلام، وغيره يقول: ((ابن عبد)»، فإن صحت رواية ابن
سلام ، فهی دلیل آخر قوى على فساد دعوى الشنقيطى

١٣٢
تفسير البسملة
وقد زعم أيضاً بعضُ من ضعُفت معرفتُه بتأويل أهل التأويل، وقلَّت روايته
٤٥/١ لأقوال السلف من أهل التفسير، أنّ (الرحمن)) مجازه: ذو الرحمة، ((والرحيم)) مجازه:
الرّاحِ (١). ثم قال: قد يقدّرون اللفظين من لفظ والمعنى واحد، وذلك لاتساع
الكلام عندهم . قال : وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: ندمان ونديم، ثم استشهد ببيتٍ
بُرْچ ين مُسْرِ الطائى:
وَنَدْمَانِ، يِزِيدُ الكَأْسَ لِباً، سَقَّيْتُ وَقَدْ تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ(٢)
واستشهد بأبيات نظائرِه فى النَّديم والنَّدمان، ففرق بين معنى الرحمن والرحيم
فى التأويل لقوله :الرحمن ذو الرحمة ، والرحم الراحم ، وإن كان قد ترك بیان تأويل
معنيّيْهما على صحته. ثم مثّل ذلك باللّفظين يأتيان بمعنى واحد، فعاد إلى ما قد
جعله بمعنيين ، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع اختلاف الألفاظ .
ولا شك أن ذا الرحمة هو الذى ثبت أن له الرحمة، وصحَّ أنها له صفة ؛ وأن
الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم ، أو قد رحم فانقضى ذلك منه ، أو هو فيه .
ولا دلالة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة، كالدلالة على أنها له صفة، إذا وُصِف
بأنه ذو الرحمة، فأين معنى «الرحمن الرحيم)» على تأويله، من معنى الكلمتين تأتیان
مقدّرتين من لفظ واحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعانى ؟ ولكن القول إذا كان
علی غیر أصل معتمد علیه ، كان واضحاً عوارُ ...
وإن قال لنا قائل: ولم قدّم اسمَ الله الذى هو ((اللّه))، على اسمه الذى هو
((الرحمن))، واسمه الذى هو ((الرحمن))، على اسمه الذى هو ((الرحيم))؟
قيل : لأن من شأن العرب ، إذا أرادوا الخبر عن ◌ُخبَر عنه، أن يقدِّمُوا
اسمه، ثم يتبعونه صفاتِه ونعوته. وهذا هو الواجب فى الحكم: أن يكون الاسم
مقدّماً قبل نعته وصفته، ليعلم السامع الخبرَ، عَمَّن الخبرُ. فإذا كان ذلك كذلك -
(١) اللى عناه الطبرى، هو أبو عبيدة معمر بن المثى فى كتابه ((بجاز القرآن)): ٢١، وقد نقل
أ کثر كلامه الآ تى بنصه .
(٢) حماسة أبى تمام ٣: ١٢٥، والمؤتلف والمختلف للآمدى: ٦٢.

١٣٣
تفسير البسملة
وكانَ اللّهَ جَلَّ ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمّوا بها، خَصَّ بها نفسه
دونهم، وذلك مثلُ ((الله)) و((الرحمن)) و((الخالق))؛ وأسماءٌ أباحَ لهم أن يُسمَّى بعضهم
بعضاً بها ، وذلك: كالرحيم والسميع والبصير والكريم، وما أشبه ذلك من الأسماء ..
كان الواجب أن تقدَّم أسماؤه التى هى له خاصة دون جميع خلقه ، ليعرف السامعُ
ذلك من توجه إليه الحمد والتمجيدُ، ثم يُتبع ذلك بأسمائه التی قد تسمى بها غيره،
بعد علم المخاطب أو السامع من توجَّه إليه ما يتلو ذلك من المعالى . فبدأ الله جل
ذكره باسمه الذى هو ((الله))، لأن الألوهية ليست لغيره جلّ ثناؤه من وجهٍ من
الوجوه ، لا من جهة التسمّى به ، ولا من جهة المعنى. وذلك أنا قد بيَّنًا أن معنى
((اللّه)) تعالى ذكره معنى المعبود(١)، ولا معبودَ غيرهُ جل جلاله، وأن التسمّى
به قد حرّمه الله جل ثناؤه، وإن قصد المتسمّى به ما يقصدُ المتسمّى بسعيد وهو
شقى، وبحسَنٍ وهو قبيح.
أُوَلا ترى أنّ الله جلّ جلاله قال فى غير آية من كتابه: ﴿أَإِلَّهُ مَعَ اللهِ﴾
فاستكبر ذلك من المقرّ به، وقال تعالى فى خصوصه نَفسَه بالله وبالرحمن: ﴿قُلِ
ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ، أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءِ الحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: ١١٠].
ثم ثنّى باسمه الذى هو ((الرحمن))، إذ كان قد منع أيضاً خلقه التسمى به ، وإن
كان من خلْقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه. وذلك أنه قد يجوز وصْف
كثير ممنّ هو دون اللّه من خلقه، ببعض صفات الرحمة. وغير جائز أن
يستحق بعضَ الألوهية أحد دونه. فلذلك جاء الرحمن ثانياً لاسمه الذى هو ((الله)).
وأما اسمه الذى هو ((الرحيم)) فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصْف غيره به. والرحمة
من صفاته جل ذكره ، فكان - إذا كان الأمرُ على ما وصفنا - واقعاً مواقع نعوت
الأسماء اللوانى هنّ توابعُها، بعد تقدم الأسماء عليها. فهذا وجه تقديم اسم الله
(١) فى المطبوعة: ((أن معنى اللّه هو المعبود)).

١٣٤
تفسير البسملة
الذى هو ((الله))، على اسمه الذى هو ((الرحمن))، واسمه الذى هو ((الرحمن))،
على اسمه الذی هو (الرحيم)) (١) .
وقد كان الحسنُ البصريّ يقولُ فى ((الرحمن)) مثل ما قلنا، أنه من أسماء الله
التى مَنعَ التسمىَ بها العبادَ (٢).
٤٦/١
١٥٠- حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف ،
عن الحسن، قال: ((الرحمن)) اسمٌ ممنوع(٣).
مع أن فى إجماع الأمة من منع التسمّى به جميعَ الناس، ما يُغنى عن الاستشهاد
على صحة ما قلنا فى ذلك بقول الحسن وغيره .
(١) هذا الاحتجاج من أجود ما قيل ، ودقته تدل على حسن نظر أبى جعفر فيما يعرض له .
وتفسيره كله شاهد على ذلك . رحمة الله عليه .
.(٢) غيروه فى المطبوعة: ((لعباده)).
(٣) الأثر ١٥٠ - نقله ابن كثير فى التفسير ١: ٤١ - ٤٢ عن هذا الموضع. والسيوطى
فى الدر المنثور ١: ٩، ونسبه للطبرى وحده. و((عوف)) الراويه عن الحسن: هوعوف بن أبى جميلة
العبدى ، المعروف بابن الأعرابى ، وهو ثقة ثبت .

﴿القول فى تأويل فاتحة الكتاب)
قال أبو جعفر: ومعنى ( الحمدُ للهِ﴾: الشکر خالصاً لله جل ثناؤه دون سائر
ما يُعبد من دونه ، ودون كلٌّ ما بَرَأ من خلقه(١)، بما أنعم على عباده من النِّعم
التى لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحدٌ ، فى تصحيح الآلات لطاعته ،
وتمكين جوارح أجسام المكلّين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم فى دنياهم من
الرزق ، وغذَاهم به من نعيم العيش ، من غير استحقاق منهم ذلك عليه ، ومع
ما نبَّههم عليه ودعاهم إليه ، من الأسباب المؤدّية إلى دوام الخلود فى دار المُقام فى
النعيم المقيم. فلرِّبنا الحمدُ على ذلك كله أولاً وآخراً .
وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جلّ ذكره وتقدَّست أسماؤه (الحمدُ للهِ﴾،
جاء الخبرُ عن ابن عباس وغيره : -
١٥١-حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن مُمارة : ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ،
قال: قال جبريل محمد صلی الله علیهما: قل یا محمد (الحمدُ لله )) قال ابن عباس:
((الحمد لله)): هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه،
وغير ذلك(٢) .
(١) فى المطبوعة ((ما يرى))، والصواب من المخطوطة وابن كثير ١: ٤٢.
(٢) الحديث ١٥١ - هذا الإسناد سبق بيان ضعفه فى ١٣٧. و((محمد بن العلاء) شيخ الطبرى:
هو ((أبو كريب)) نفسه فى الإسناد السابق، مرة يسميه ومرة يكنيه . وهذا الحديث نقله ابن كثير فى
التفسير ١: ٤٣، والسيوطى فى الدر المنثور ١: ١١، والشوكانى فى تفسيره الذى سماه فتح القدير
١ : ١٠، ونسبوه أيضاً لابن أبى حاتم فى تفسيره.
١٣٥

١٣٦
تفسير فاتحة الكتاب
١٥٢- حدثنى سعيد بن عمر السَّكُونى، قال: حدثنا بقية بن الوليد ، قال :
حدثنى عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبى حبيب، عن الحكم بن محمّير
- وكانت له صحبة - قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: إذا قلت ((الحمد لله
ربِّ العالمين)»، فقد شكرت الله، فزادك(١).
(١) الحديث ١٥٢ - نقله ابن كثير ١: ٤٣ بإسناد الطبرى هذا، وذكره السيوطى فى الدر
المنشور ١: ١١ ونسبه الطبرى والحاكم فى تاريخ نيسابور والديلمى ((بسند ضعيف)). وإسناده ضعيف
حقاً، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة ، كما سنذكر :
أما بقية بن الوليد، فالحق أنه ثقة، وإنما نعوا عليه التدليس، ولا موضع له هنا ، فإنه صرح
بالتحديث .
ولكن عيسى بن إبراهيم ، وهو القرشى الهاشمى ، كل البلاء منه فى هذا الحديث ، وفى أحاديث من
نحوه، رواها بهذا الإسناد. وقد قال فيه البخارى فى الضعفاء: ٢٧: ((منكر الحديث))، وكذلك
النسائى : ٢٢. وترجم له ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٢٧١ - ٢٧٢، وروى عن
أبيه قال: ((متروك الحديث))، وعن ابن معين: ((ليس بشىء))، وقال ابن حبان فى الضعفاء، الورقة
١٦٣: ((لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد)). وترجمته فى الميزان ولسان الميزان فيها العجب.
وشيخه «موسى بن أبى حبيب)) مثله: ضعيف تالف، وقال الذهبى فى الميزان: ((ضعفه أبو حاتم ،
وخبره ساقط. وله عن الحكم بن عمير، رجل قيل: له صحبة . والذى أراه أنه لم يلقه. وموسى سمع ضعفه -
فتأخر عن لتی مصابى كبير )). فالبلاء من هذين أو من أحدهما .
حتى لقد شك بعض الحفاظ فى وجود الصحابى نفسه ((الحكم بن عميز))، من أجلهما ! فترجم
له ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ١٢٥/٢/١، قال: ((الحكم بن عمير: روى عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم ، لا ید کر الساع ولا لقاء ، أحاديث منکرة ، من رواية ابن أخيه مومی بن أبى سحبيب ،
وهو شيخ ضعيف الحديث ، ويروى عن موسى بن أبى حبيب عيسى بن إبراهيم ، وهو ذاهب الحديث ،
سمعت أبى يقول ذلك » .
وحتى إن الذهبى أفكر محبته وترجم له فى الميزان ، وأخطأ فى النقل فيه عن أبى حاتم ، ذكر أنه
ضعف الحكم ! وكلام أبى حاتم - كما ترى - غير ذلك. وتعقبه الحافظ فى لسان الميزان ٢: ٣٣٧
وأثبت أنه مصابى، بما ذكره ابن عبد البر وابن مندة وأبو نعيم والترمذى وغيرهم، وأن الدارقطى قال :
« كان بدرياً . .
وقد ذكره ابن حبان فى كتاب الثقات (ص ٥٤) فى طبقة الصحابة، وقال: ((يقال إن له
صحية)). ونقل الحافظ هذا فى المسان عن ابن حبان، ولكن سيا فزعم أنه ذكره ((فى ثقات التابعين)).
وترجمه ابن عبد البر فى الاستيعاب، رقم ٤٧٦: باسم ((الحكم بن عمرو المالى، وتمالة فى الأزد،
شهد بدراً، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشام، لا تصح)). وتسمية أبيه باسم
((عمرو)) خطأ قديم فى نسخ الاستيعاب، لأن ابن الأثير تبعه فى أسد الغابة ١: ٢٦، وأشار إلى
الغلط فيه، ثم ترجمه على الصواب: ((الحكم بن عمير)) ١: ٢٧، وترجمه ابن سعد فى الطبقات
١٣٤/٢/٧ مل الصواب: ((الحكم بن عمير الثمالى، من الأزد، وكان يسكن حمص)). وحقق الحافظ
ترجته فى الإصابة ٢: ٣٠ تحقيقاً جيداً.
٠٠

١٣٧
تفسير فاتحة الكتاب
قال: وقد قيل: إنّ قول القائل ((الحمد لله))، ثناء على الله بأسمائه وصفاته
الحُسنى، وقوله: (( الشكر لله))، ثناءً عليه بنعمه وأياديه .
وقد رُوى عن كعب الأحبار أنه قال: ((الحمدُ للّه))، ثناءٌ على الله. ولم يبيّن
فى الرواية عنه ، من أى معنى الثناء اللذين ذكرنا ذلك .
١٥٣- حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصَّدفى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال:
حدثنى عمر بن محمد ، عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه قال : أخبرنى السلولى
عن كعب، قال: من قال ((الحمد لله))، فذلك ثناء على الله (١).
١٥٤- حدثنى على بن الحسن الخرّاز، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن
الجَرْمى، قال: حدثنا محمد بن مصعب القُرْقُسانى، عن مبارك بن فضالة، عن
الحسن، عن الأسود بن سريع: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ليس شىءُ
أحبَّ إليه الحمد، من اللّه تعالى، ولذلك أثنى على نفسه فقال: ((الحمد لله)) (٢).
(١) الخبر ١٥٣ - هذا الإسناد صحيح، وسواء صح أم ضعف، فلا قيمة له، إذ منتهاه إلى
كعب الأحبار. وما كان كلام كعب حجة قط، فى التفسير وغيره. و((الصدق»: بفتح الصاد
والدال المهملتين، نسبة إلى ((الصدف)) بفتح الصاد وكسر الدال ، وهى قبيلة من حمير ، نزلت مصر.
و((السلولى»، هو: عبد الله بن ضمرة السلولى، تابعى ثقة.
وهذا الخبر - عن كعب - ذكره ابن كثير ١ : ٤٣ دون إسناد ولا نسبة. وذكر السيوطى ١ : ١١
ونسبه للطبری وابن أبى حاتم .
(٢) الحديث ١٥٤ - إسناده صحيح. على بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز، شيخ
الطبرى: ثقة، مترجم فى تاريخ بغداد ١١: ٣٧٤ - ٣٧٥. و((الخراز)»: ثبت فى الطبرى بالخاء
والراء وآخره زاى. وفى تاريخ بغداد ((الخزاز)) بزاءين، ولم نستطع الترجيح بينهما. مسلم بن عبد الرحمن
الجرمى: مترجم فى لسان الميزان ٦: ٣٢ باسم ((مسلم بن أبى مسلم)» فلم يذكر اسم أبيه، وهو هو.
ترجمه الخطيب فى تاريخ بغداد ١٣: ١٠٠، قال: ((مسلم بن أبى مسلم الجرمى ، وهو مسلم بن
عبد الرحمن))، وقال: ((كان ثقة، نزل طرسوس، وبها كانت وفاته)). و((الجرمى)): رسمت فى
أصول الطبرى ولسان الميزان ((الحربى)) بدون نقط. ولكنهم لم ينصوا على ضبطه. وعادتهم فى مثل هذا
أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ، وأن يدعوا الكثير الذى يأتى على الجادة فى الضبط، والجادة فى
هذا الرسم ((الجرمى)) بالجيم، وبذلك رسم فى تاريخ بغداد، فعن هذا أو ذاك رجحناء. و«محمد بن
مصعب القرقسانى))، و((مبارك بن فضالة)): مختلف فيهما. وقد رجحنا توثيقهما فى شرح المسند:
الأول فى ٠،٣٠٤٨ الثانى فى ٥٢١. و((الحسن)): هو البصرى، وقد أثبتنا فى شرح صحيح ابن
حبان ، فى الحديث ١٣٢ أنه سمع من الأسود بن سريع .

١٣٨
تفسير فاتحة الكتاب
قال أبو جعفر : ولا تمانُع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْمْ (١) -
لقول القائل: ((الحمد لله شكراً) - بالصحة. فقد تبين - إذْ كان ذلك عند جميعهم
صحيحاً - أنّ الحمد لله قد يُنطق به فى موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضع
الحمد. لأن ذلك لو لم يكن كذلك، لما جاز أن يُقال ((الحمد لله شكراً))، فيُخْرِج
من قول القائل ((الحمد لله) مُصَدَّرَ: ((أشكُرُ))، لأن الشكر لولم يكن بمعنى الحمد،
كان خطأ أن يُصَدَّرَ من الحمد غيرُ معناه وغير لفظه(٢).
فإن قال لنا قائل : وما وجه إدخال الألف واللام فى الحمد؟ وهلاَّ قيل :
حمداً لله رب العالمين؟
قيل : إن لدخول الألف واللام فى الحمد، معنى لا يؤديه قول القائل: حَمْدًا))
بإسقاط الألف واللام. وذلك أن دخولهما فى الحمد مُنْبِئٌ عن أن معناه(٣): جميعُ
المحامد والشكرُ الكامل لله. ولو أسقطنا منه لما دَلَّ إلاّ على أنّ حَمْدَ قائلِ ذلك
اللّه، دون المحامد كلها. إذْ كان معنى قول القائل: ((حمداً لله)) أو ((حمدٌ الله)):
وقد ذكر السيوطى هذا الحديث فى الدر المنثور ١ : ١٢ عن تفسير الطبرى. ورواه أحمد فى المسند
بمعناه مختصراً ١٥٦٥٠ (٣: ٤٣٥ حلى) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبى جميلة عن الحسن عن
الأسود بن سريع، قال: ((قلت : يا رسول الله، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربى؟ قال: أما إن ربك
يحب الحمد )). وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات أثبات. وذكره ابن كثير فى التفسير ١ : ٤٣
عن المسند. وكذلك ذكره السيوطى، ونسبه أيضاً للنسائى والحاكم وغيرهما .
ورواه أحمد أيضاً ١٥٦٥٤، والبخارى فى الأدب المفرد: ٥١، بنحوه، فى قصة مطولة ، من
رواية عبد الرحمن بن أبى بكرة عن الأسود بن سريع .
ومعناه ثابت صحيح، من حديث ابن مسعود، فى المسند ٤١٥٣: ((لا أحد أغير من اللّه، ولذلك
حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه)). ورواه
أيضاً البخارى ومسلم وغيرهما .
(١) انظر ما كتبناه آنفاً: ١٢٦ عن معنى ((لا تمانع)).
(٢) تكلم العلماء فى نقض ما ذهب إليه أبو جعفر من أن ((الحمد والشكر)) بمعنى، وأن أحدهما
يوضع موضع الآخر، وهو ما ذهب إليه المبرد أيضاً. انظر القرطبى ١: ١١٦، وابن كثير ١ : ٤٢،
وأخطأ النقل عن القرطبى، فظنه استدل لصحة قول الطبرى ، وهو وهم . والذى قاله الطبرى أقوى حجة
وأعرق عربية من الذين ناقضوه. وقوله ((مصدر أشكر))، وقوله ((أن يصدر من الحمد))، يعنى به المفعول
المطلق . وانظر ما مضى : ١١٧، تعليق : ١ .
(٣) فى المطبوعة: ((مبنى على أن معناه»، أدخلوا عليه التبديل.

١٣٩
تفسير فاتحة الكتاب
أحمد اللّه حمداً، وليس التأويل فى قول القائل: ﴿الحمدُ لِهِ ربِّ العالمين)، تالياً
سورةَ أم القرآن: أحمدُ اللّه، بل التأويلُ فى ذلك ما وصفنا قبلُ، من أنّ جميع
المحامد لله بألوهيته وإنعامه على خلقه بما أنعم عليهم به من النعم، التى لا كفاء لها ٤٧/١
فى الدين والدنيا ، والعاجل والآجل .
ولذلك من المعنى ، تتابعتْ قراءة القرّاء وعلماء الأمة على رفع الحمد من
﴿الحمدُ لِلّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ دون نصبها، الذى يؤدى إلى الدلالة على أن معنى
تاليه كذلك: أحمد لله حمداً. ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب، لكان عندى ◌ُحيلاً".
معناه، ومستحقًّا العقوبةَ على قراءته إياه كذلك، إذا تعمّد قراءته كذلك ، وهو
عالم بخطئه وفساد تأويله .
فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله ((الحمد لله))؟ أحمد الله نفسه جلّ ثناؤه
فأثنى عليها ، ثم علَّمَنَاه لنقول ذلك كما قال ووصف به نفسه ؟ فإن كان ذلك
كذلك، فما وجه قوله تعالى ذكره إذاً ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكِ نَسْتَعِينُ)، وهو عزّ ذكرُه
معبودٌ لا عابدٌ؟ أم ذلك من قِيلٍ جبريلَ أو محمدٍ رَسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقد بطل أن يكون ذلك لله كلاماً .
قيل : بل ذلك کله کلام الله جل ثناؤه ، ولکنه جل ذكره حمد نفسه وأثنى
عليها بما هو له أهلٌّ، ثم علَّم ذلك عباده ، وفرض عليهم تلاوته ، اختباراً منه لهم
وابتلاءً ، فقال لهم قولوا: ﴿الحمدُ لِّه رَبِّ العالَمِينَ﴾، وقولوا: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾. فقوله ( إياك نعبد) مما علمهم جلّ ذكره أن يقولوه ويَدينُوا له
بمعناه، وذلك موصول بقوله: ﴿الحمد لله رب العالمين)، وكأنه قال : قولوا هذا
وهذا .
فإن قال: وأين قوله: ((قولوا))، فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ؟
قيل : قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفتْ مكان الكلمة ،

١٤٠
تفسير فاتحة الكتاب
ولم تشكّك أنّ سامعها يعرف، بما أظهرت من منطقها، ما حذفت - (١) حذفُ
ما كفى منه الظاهرُ من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التى حذفت، قولاً ،
أو تأويل قولٍ ، كما قال الشاعر :
وأَعْلَ أَنَّنِ سَأَكُونُ رَمْسَاً إِذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لا يَسِرُ(٢)
فَقَالَ الْمُخْبِرُون لَهُمْ: وزيرُ(٣)
فَقَالَ السّائلون ◌ِمَنْ حَقَرُْمْ ؟
قال أبو جعفر: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميِّتُ وزيرٌ، فأسقط
الميت ، إذ كان قد أتى من الكلام بما دلّ على ذلك. وكذلك قول الآخر :
وَرأَيتِ زَوْجَكٍ فى الوَفَى مُتَقَلِّدًا سَيْفاً وَرْحَا (٤)
وقد علم أنّ الرمح لا يُتَقَلِّد به، وأنه إنما أراد: وحاملارمحاً، ولكن لما كان
معلوماً معناه ، اكتفى بما قد ظهر من كلامه ، عن إظهار ما حذف منه . وقد
يقولون للمسافر إذا وَّدعوه: ((ُمصاحباً معافىَ))، يحذفون ((سر، واخرج))، إذ
كان معلوماً معناه ، وإن أسقط ذكره .
فكذلك ما ◌ُحذف من قول الله تعالى ذكره: ﴿الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ﴾،
لَّا عُلم بقوله جل وعزّ ( إيّاكَ نَعْبُد) ما أراد بقوله: ﴿الحمدُ لله رب العالمين)،
(١) سياق الكلام: ((أن العرب من شأنها ... حذف)) وما بينهما فصل.
(٢) تأتى فى تفسير آية سورة المؤمنون: ٨٧ (١٨: ٣٧ بولاق).، ونسبهما لبعض بنى عامر،
وكذلك فى معانى القرآن الفراء ١ : ١٧٠ وهما فى البيان والتبيين ٣: ١٨٤ منسوبان للوزيرى، ولم أعرفه،
وفيها اختلاف فى الرواية . الرمس : القبر المسوى عليه التراب . يقول: أصبح قبرا يزار أو يناح عليه.
ورواه الجاحظ: ((سأصير ميتاً))، وهى لا شىء. والنواعج جمع ناعجة: وهى الإبل السراع، نعجت فى
سيرها، أى سارت فى كل وجه من نشاطها. وفى البيان ومعانى الفراء ((النواجع))، وليست بشىء.
(٣) رواية الجاحظ: ((فقال السائلون: من المسجى)). وفى المعانى ((السائرون)).
(٤) يأتى فى تفسير آيات سورة البقرة: ٧ / وسورة آل عمران: ٤٩ / وسورة المائدة: ٥٣/
وسورة الأنعام: ٩٩ / وسورة الأنفال: ١٤ / سورة يونس: ٧١ / وسورة الرحمن: ٢٢. وهو
بیت مستشهد به فى كل كتاب .