Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
مقدمة التفسير
١٢٨ - وحدثنا محمد بن حميد، قال حدثنا حَكَّام بن سلم، عن عمرو بنأبى
قيس، عن عاصم ، عن المسيِّب، عن ابن مسعود قال : الطُّوّل كالتوراة ،
والمئون كالإنجيل، والمثانى كالزَّبور، وسائر القرآن بعدُ فَضْلٌ على الكتب(١).
١٢٩ - حدثنى أبو عبيد الوَصَّبى، قال: حدثنا محمد بن حفص، قال :
أنبأنا أبو حميد، حدثنا الفزارى، عن ليث بن أبى سُليم ، عن أبى بُرْدة ، عن
أبى المليح ، عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال
أعطانى ربّى مكانَ التوراة السبع الطول، ومكان الإنجيل المثانى، ومكان الزَّبور
المئين ، وفضّلنى ربى بالمفصِّل(٢).
قال أبو جعفر : والسبع الطُّوَل: البقرةُ، وَآل عِمْران، والنساء، والمائدة،
(١) الخبر ١٢٨ - لم نجد خبر ابن مسعود هذا. و((عاصم)): هو ابن أبي النجود،
بفتح النون، وهو عاصم بن بهدلة. و((المسيب)): هو ابن رافع الأسدى ، وهو تابعى ثقة ، ولكنه
لم يلق ابن مسعود، إنما يروى عن مجاهد ونحوه، كما قال أبو حاتم. انظر التهذيب ١٠ : ١٥٣،
والمراسيل لابن أبى حاتم : ٧٦، وشرح المسند، فى الحديث : ٣٦٧٦.
(٢) الحديث ١٢٩ - هذا إسناد آخر الحديث الماضى ١٢٦، وهو إسناد مشكل، لم
تستبن لنا حقيقته :
فأوله ( أبو عبيد الوصابى حدثنا محمد بن حفص))! كذا وقع فى الأصول. وأخشى أن يكون خطأ، بل
لعله الراجح عندى ، فإن أبا عبيد الوصابى : هو محمد بن حفص نفسه، ترجمه ابن أبى حاتم فى الجرح
والتعديل ٣ / ٢ : ٢٣٧، قال: ((محمد بن حفص الوصابى الحمصى أبو عبيد، روى عن
محمد بن حمير وأبى حيوة شريح بن يزيد . أدركته وأردت قصده والسماع منه، فقال لى بعض أهل
حمص: ليس بصدوق، ولم يدرك محمد بن حمير، فتركته)). وترجمه الحافظ فى لسان الميزان ٥ : ١٤٦
بنحو هذا ، وزاد أن ابن مندة ضعفه، وأن ابن حبان ذكره فى الثقات. وكذلك ذكره الدولابى فى
الكتى ٢: ٧٥، ٧٦ باسمه وكنيته، وروى حديثاً عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبى عبيد هذا .
ثم ((أبو حميد)) الراوى عنه محمد بن حفص: لم أستطع أن أعرف من هو؟ وكذلك ((الفزارى))
شيخ أبى حميد ، وقد يكون هو أبا إسحق الفزارى .
وأما أبو بردة: فهو أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى، وهو يروى فى هذا الإسناد عن أبى المليح بن أسامة
الهذلى ، وكلاهما تابعى ، إلا أن أبا بردة أكبر من أبى المليح ، فيكون من رواية الأكابر عن الأصاغر .
وفى مجمع الزوائد ٧ : ١٥٨ حديث نحو هذا من حديث أبى أمامة، قال الهيشى: «رواء
الطبرانى، وفيه ليث بن أبى سليم، وقد ضعفه جماعة، ويعتبر بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح)).

١٠٢
مقدمة التفسير
والأنعام، والأعراف ، ویونس ، فی قول سعيد بن جبير (١) .
١٣٠ - حدثنى بذلك يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن أبى بشر،
عن سعيد بن جبير .
وقاه روی عن ابن عباس قولٌ يدلّ على موافقته قولَ سعيد هذا.
١٣١ -وذلك ما حدثنا به محمد بن بَشَّار، قال : حدثنا ابن أبى عدىّ ،
ويحيى بن سعيد ، ومحمد بن جعفر ، وسهل بن يوسف، قالوا : حدثنا عَوْف ،
قال : حدثنى يزيد الفارسىّ، قال : حدثنى ابن عباس : قال : قلت لعثمان بن
عفان: ما حملكم على أن عَمَدْتُم إلى الأنفال، وهى من المثانى، وإلى براءة وهى
من المثين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطراً: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ووضعتموهم!
فى السبع الطُّوّل؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: ((كان رسول الله صلى الله
اللّه عليه وسلم ممَّا يأتى عليه الزمانُ وهو تُنزّل عليه السُّورُ ذواتُ العَدد، فكان إذا
٣٥/١ نزل عليه الشىء دعا ببعض من كان يكتبُ فيقول: ضَعُوا هؤلاء الآيات فى
السورة التى يذكر فيها كذا وكذا . وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ،
وكانت براءةُ من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصَّتُها شبيبةً بقصتها ، فظننت
أنها منها. فقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل
ذلك قرنتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ووضعتهما
فى السَّبع الطُّوَل))(٢) .
فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة الله عليه، أنه لم يكن تَبَيَّن له أنّ
(١) انظر تفسير ابن كثير فى أول سورة البقرة ١: ٦٤. و((الطول))، بضم الطاء وفتح
اللام: جمع (الطولى))، مثل ((الكبر)) و((الكبرى)).
(٢) الخبر ١٣١ - رواه أحمد بن حنبل فى المسند عن يحيى بن سعيد، وعن إسمعيل بن إبراهيم،
وعن محمد بن جعفر ، كلهم عن عوف الأعرابى ، بهذا الإسناد، مطولا، برقمى : ٣٩٩، ٤٩٩ وهو
حديث ضعيف جداً، فصلت طرقه، ووجه ضعفه، فى شرح المسند : ٣٩٩.

١٠٣
مقدمة التفسير
الأنفال وبراءةً من السبع الطُّوَّل، ويصرِّح عن ابن عباس أنه لم يكن يرى
ذلك منها .
وإنما سميت هذه السور السبعَ الطُّوَل، لطولها على سائر سُوَّر القرآن .
وأما ((المئون : فهى ما كان من سور القرآن عددُ آيه مئة آية، أو تزيد عليها
شيئاً أو تنقص منها شيئاً يسيراً .
وأما ((المثانى: فإنها ما تَنِىَّ المثين فتلاها، وكان المئون لها أوائل ، وكان المثانى
لها ثوانى. وقد قيل: إن المثانى سميت مثانى، لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثال"
والخبرَ والعبرَ ، وهو قول ابن عباس.
١٣٢ - حدثنا بذلك أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن
عبد الله بن عثمان ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .
وروى عن سعيد بن جبير ، أنه كان يقول : إنما سميت مثانى لأنها ثنيت
فيها الفرائضُ والحدود .
١٣٣ - حدثنا بذلك محمد بن بَشَّر، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال:
حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن 'جبير .
وقد قال جماعة يكثر تعدادهم : القرآن كله مثانٍ .
وقال جماعة أخرى : بل المثانى فاتحة الكتاب ، لأنها تُثْنَى قراءتُها فى كل
صلاة .
وسنذكر أسماء قائلى ذلك وعللهم ، والصوابَ من القول فيما اختلفوا فيه من
ذلك ، إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الَثَانِىِ ﴾
[سورة الحجر: ٨٧] إن شاء اللّه ذلك.
وبمثل ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أسماء سور
القرآن التى ذُكرَتْ، جاء شعرُ الشعراء . فقال بعضهم :

١٠٤
مقدمة التفسير
حَلفتُ بالسّعِ اللّوانى ◌ُوَّلَتْ وِبِئِينَ بعدَها قد أُمْثِيَتِ(١)
وبالطَّواسِينِ التى قد ◌َُّتِ"(٢)
وبمَثَانِ ثُنِّتْ فِكُرَّرتْ
وبالمفصّلِ الَّانِى فُصِّلتِ(٣)
وبالجَوامِيمِ الَّوَانِى سُبُّعتْ
قال أبو جعفر رحمة الله عليه : وهذه الأبيات تدل على صحّة التأويل الذى
تأوَّلناه فى هذه الأسماء.
وأما (( المفصّل)): فإنها سميت مفصَّلا لكثرة الفصول التى بين سورها
: ((بسم الله الرحمن الرحيم)).
٠٠٠
قال أبو جعفر : ثم تسمى كل سورة من سور القرآن ((سورة))، وتجمع
سُوَرَاً))، على تقدير (( خطبة وخُطب))، ((وغُرُفة وغُرّف)).
والسورة ، بغير همز : المنزلة من منازل الارتفاع. ومن ذلك سُور المدينة ،
سمى بذلك الحائطُ الذى يحويها ، لارتفاعه على ما يحويه . غير أن السُّورة من
سُور المدينة لم يسمع فى جمعها ((سُوّر))، كما سمع فى جمع سورة من القرآن (( سور)).
قال العجاج فى جمع السُّورة من البناء :
فَرُبَّ ذِى سُرَادِقٍ تَخْجُورٍ سُرْتُ إليه فى أَعالى السُّور (٤)
فخرَج تقدير جمعها على تقدير جمعُ بُرَّة وُبُسْة، لأن ذلك يجمعُ بُرًّا وُبسراً.
وكذلك لم يسمع فى جمع سورة من القرآن سُؤْرٌ، ولو جمعت كذلك لم يكن خطأ
فى القياس، إذا أريد به جميعُ القرآن . وإنما تركوا - فيما نرى- جمعه كذلك، لأن
كل جمع كان بلفظ الواحد المذكَّر مثل: بُرّ وشعير وقَصّب وما أشبه ذلك، فإن
(١) الأبيات فى مجاز القرآن لأبى عبيدة: ٧. أمايت لك الشىء: أكملت لك عدته حتى بلغ المئة.
(٢) الطواسين التى ثلثت، يعنى طسم الشعراء ، وطس النمل، وطسم القصص .
(٣) الحواميم التى سبعت: سبع سور من سورة غافر إلى سورة الأحقاف .
(٤) ديوانه: ٢٧. والسرادق: كل ما أحاط بالشىء واشتمل عليه، من مضرب أو خباء أو بناء.
ويعنى حريم الملك . ومحجور : محرم ممنوع لا يوطأ إلا بإذن . وسار الحائط يسوره وتسوره: علاء
وتسلقه . ((سرتُ إليه)): تسلقته.

١٠٥
مقدمة التفسير
جماعة يجرى مجرى الواحد من الأشياء غيره(١). لأن حكم الواحد منه منفرداً قَدًّا
يُصاب، فجرى جماعه مجرى الواحد من الأشياء غيره(٢)، ثم جعلت الواحدة منه
كالقطعة من جميعه، فقيل: بُرَّة وشعيرة وقصبة، يراد به قطعة منه (٣). ولمتكن
سور القرآن موجودةً مجتمعة" اجتماع البر والشعير وسور المدينة، بل كلّ سورة ٣٦/١
منها موجودةٌ منفردة بنفسها، انفرادَ كل ◌ُغُرْفة من الغُرف وخُطبة من الخطب،
فجُعِل جمعُها جمع الغُرَف والخطب، المبنىِّ جمعها من واحدها.
ومن الدلالة على أنّ معنى السورة : المنزلةُ من الارتفاع ، قول نابغة بنى ذُبيان:
أَّ تَرَ أنَّ الله أعطاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَّبْذَبُ(٤)
يعنى بذلك : أنّ الله أعطاه منزلة من منازل الشرف التى قصَّرت عنها منازلُ
الملوك .
وقد همز بعضهم السورةَ من القرآن . وتأويلُها ، فى لغة من هَمَزَها ، القطعةُ
التى قد أفضلت من القرآن عما سواها وأبقيت . وذلك أن سؤر كل شىء : البقية
منه تَبقى بعدَ الذى يُؤخذ منه، ولذلك سميت الفضلة من شراب الرجل - يشرَبُه
ثم يُفضلها فيبقيها فى الإناء - سُؤْراً. ومن ذلك قول أعشى بنى ثعلبة ، يصف
امرأةً فارقته فأبقت فى قلبه من وجْدِ ها بقية :
فبَنَتْ ، وقد أَسْأَرتْ فى القُوْا وِصَدْعاً، على نأْيِهَاَ، مُسْتَطِيرًا(*)
(١) فى المطبوعة: ((فإن جماعه كالواحد)). وفى المخطوطة ((فإن جماعه مجرى الواحد))، سقط
من الناسخ قوله ((يجرى ... )).
(٢) فى المطبوعة ((مفرداً)) مكان ((منفرداً)).
(٣) يعنى أنه اسم جنس، سبق الجمع الواحد . لأنه لم يوضع للآحاد، وإنما وضع لحملته مجتمعاً،
وهو الذى يفرق بينه وبين واحده بالتاء .
(٤) ديوانه: ٥٧، ويأتى فى تفسير الطبرى: ٢١٥ (بولاق). يتذبذب: يضطرب ويحار.
والذبذبة : تردد الشىء المعلق فى الهواء يمنة ويسرة . يقول: أعطاك الله من المنزلة الرفيعة، ما لو رامه
ملك وتسامى إليه ، بقى معلقاً دونها حائراً يضطرب ويتردد ، لا يطيق أن يبلغها .
(٥) ديوانه: ٦٧، ويأتى فى تفسير الطبرى ٢٩: ١٢٩ (بولاق). استطار الصدع فى الزجاجة
وغيرها : تبين فيها من أولها إلى آخرها ، وفشا وامتد .

١٠٦
مقدمة التفسير
وقال الأعشى فى مثل ذلك :
كَانَتْ، وقدأَ سْأَرْت فى النّفسِ حَاجَتَهاَ، بعدَ انْتِلاف؛ وخيرُ الوُدِّ ما نَفَمَا (١)
٠٠٠
وأما الآية من آى القرآن ، فإنها تحتمل وجهين فى كلام العرب :
أحدُهما: أن تكون سميت آية ، لأنها علامةٌ يُعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها،
كالآية التى تكون دلالةً على الشىء يُستدل" بها عليه ، كقول الشاعر :
أَلِكْنى إليها، عَمْرَكُ اللهُ يَا فَتى، بآيَةِ ما ◌َجَاءتْ إلينا تَهَدِيَا(٢)
يعنى: بعلامة ذلك(٣). ومنه قوله جل ذكرُه: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةٌ
مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأُوَّلِنَا وَآخِرِ نَا وَآيَةٌ مِنْكَ ﴾ [سورة المائدة: ١١٤]
أى علامةً منك لإجابتك ◌ُدُعاءنا وإعطائك إيَّانا ◌ُؤْلَنا.
والآخر منهما : القصةُ ، كما قال كعب بن زهير بن أبى سلمى :
أَلَا أبْلغا هذا المُعَرِّض آيَةً: أَيْقَظَانَ قَالَ القولَ إِذْ قَالَ، أَمْ حَمّ(٤)
يعنى بقوله ((آية)): رسالةٌ منّى وخبراً عنى .
فيكون معنى الآيات : القصص ، قصةٌ تتلوقصةً ، بفُصُول ووُصُول .
(١) ديوانه: ٧٣. ((بعد ائتلاف)): أى بعد ما كنا فيه من جتماع وألفة.
(٢) الشعر لسحيم عبد بنى الحسحاس، ديوانه: ١٩، ويأتى فى تفسير الطبرى ١٥٦:١ (بولاق)
ألكنى إليها : أبلغها رسالة منى، والرسالة: الألوك والمألكة. وتهادى فى مشيه: تمايل دلالا أو ضعفاً.
(٣) فى المخطوطة: ((بعلامة دلت))، وهو خطأ.
(٤) ديوانه: ٦٤، وروايته: ((أنه أيقظان)). وقد استظهرت فى شرح كتاب طبقات
فحول الشعراء لابن سلام: ٨٩، أن الصواب ((آية))، كما جاء فى مخطوطة الطبقات، وشرح الطبرى
دال على صواب ما استظهرت . وأهملت كتب اللغة تفسير هذا الحرف على وجهه ، مع مجيئه فى شعر كعب
وغيره ، كقول حجل بن فضلة :
أبلغْ معاويةَ الممزّقَ آيَةَ عنِى، فلستُ كَبَعض من يَتَقَوَّلُ

﴿القول فى تأويل أسماء فاتحة الكتاب)
قال أبو جعفر: صَحَّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما :-
١٣٤ - حدثنى به يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب ، قال:
أخبرنى ابن أبى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم، قال: هى أمّ القرآن، وهى فاتحة الكتاب، وهى السبع المثانى(١).
فهذه أسماءُ فاتحة الكتاب .
وستمّيت ((فاتحة الكتاب))، لأنها يُفتتح بكتابتها المصاحف، ويُقرأ بها فى
الصلوات، فهى فواتح لما يتلوها من سور القرآن فى الكتابة والقراءة .
وستميت ((أم القرآن))، لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخُّر ما سواها
خلفها فى القراءة والكتابة. وذلك من معناها شبيهٌ بمعنى فاتحة الكتاب. وإنما قيل لها
- بكونها كذلك - أمَّ القرآن، لتسمية العرب كل جامع أمراً - أو مقدِّمٍ لأمر إذا
كانت له توابعُ تتبعه، هو لها إمام جامع - (أمَّا)). فتقول للجلدة التى تجمع الدُّماغ:
((أم الرأس))(٢). وتسمى لواء الجيش ورايتهم التى يجتمعون تحتها للجيش - (أمَّ)). ومن
ذلك قول ذى الرُّمة، يصف رايةً معقودة على قناة يجتمع تحتها هو وصحبه :
(١) الحديث ١٣٤ - رواه أحمد فى المسند: ٩٧٨٧ (٢: ٤٤٨ طبعة الحلبى). والبخارى
٨ : ٢٨٩ فتح البارى - كلاهما من طريق ابن أبى ذئب، بهذا الإسناد. ولفظ أحمد: ((قال فى أم
القرآن: هى أم القرآن، وهى السبع المثانى، وهى القرآن العظيم)). ولفظ البخارى: ((أم القرآن: هى
السبع المثانى، والقرآن العظيم)). وذكره ابن كثير فى التفسير ١ : ٢١، من روايتى المسند والطبرى.
وذكره السيوطى فى الدر المنثور ١ : ٣، ونسبه أيضاً الدارمى وأبى داود والترمذى وابن المنذر وغيرهم .
وسيذكره الطبرى مرة أخرى، فى تفسير الآية ٨٧ من سورة الحجر (١٤ : ٤٠ - ٤١ من طبعة
بولاق ) ، بهذا الإسناد .
(٢) فى المخطوطة: ((تلى الدماغ)»، وهذه أجود.
١٠٧

١٠٨
مقدمة التفسير
خَفِيفِ التَِّابِ لا تُوَارِى لَهُ أَزْرَا(١)
٣٧/١ وَأَسْرَ، قَوَّامٍ إذَا نَم صُحْبَتِى ،
جماعُ أمورٍ لاُنُعَاصِ لَهَا أَمْرَا(٣)
عَلَى رَأْسِهِ أمّ لنا نَقْتَدِى بِاَ ،
غَدَتْ ذاتَ بِرْزيقٍ نَنَال بِهاَ فَخْرًا(٣)
إذَا نزلتْ قِيلَ: انزِلُوا، وإذا غدَتْ
يعنى بقوله: ((على رأسه أمُّ لنا))، أى على رأس الرمح رايةٌ يجتمعون لها فى
النزول والرحيل وعند لقاء العدوّ. وقد قيل إن مكة سميت ((أمّ القُرى))، لتتقدُّمُها
أمامَ جميعِها، وَجمْعِها ما سواها. وقيل: إنما سميت بذلك، لأن الأرض دُحِيَتْ
منها فصارت لجميعها أمَّاً. ومن ذلك قول ◌ُحميد بن ثَوْر الهلالى":
إذا كانتِ المسُونَ أُمَّكَ، لم يكنْ لِدَائِك، إلّا أَنْ تَمُوت، طَبِيِبُ(٤).
لأن الخمسين جامعةٌ ما دونها من العدد، فسماها أمًا للذى قد بلغها.
(١) ديوانه: ١٨٣، مع اختلاف فى بعض الرواية، ورواية الطبرى أجودهما. أسمر: يعنى
رمحاً أسمر القناة . قوام: يظل الليل قائماً ساهراً. خفيف الثياب: يعنى اللواء . والأزر: الظهر. يقول :
رمح أسر عارى الثياب ، لا يوارى اللواء ظهره كما يوارى الثوب ظهر اللابس .
(٢) فى الديوان: ((يهتدى))، والصواب ((نهتدى)). وأمه التى ذكر، هى اللواء، ويقال للواء
وما لف على الرمح منه: أم الرمح. وجماع أمور: أى تجمعها فتجتمع عليها، وفى الحديث: (( حدثنى
بكلمة تكون جماعاً. قال: اتق الله فيما تعلم)). والأمور جمع أمر: يعنى شؤوناً عظاماً. وأما قوله:
«لا نعاصى لها أمراً . فهو من الأمر نقيض النهى .
(٣) ((نزلت)) يعنى الراية. و((غدت)): سارت غدوة. وفى المطبوعة ((ذات تزريق)) وهو خطأ.
والبرزيق: الموكب الضخم فيه جماعات الناس. وقوله: ((ننال بها فخراً)) أى نغزو فى ظلالها، فنظهر
على عدونا ونظفر ونغم، وذلك هو الفخر. وفى الديوان: ((تخال بها فخراً)) وفى المخطوطة: ((تخال لها))،
كأنه من صفة الراية نفسها، تهتز وتميل فخراً وتيهاً لكثرة أتباعها من الغزاة والفرسان.
(٤) الشعر ليس لحميد بن ثور، ولا هو فى ديوانه، بل هو لأبى محمد التيمى عبد الله بن أيوب،
مولى بنى تيم ثم من بنى سليم ، من أهل الكوفة ، من شعراء الدولة العباسية. أحد الخلماء المجان الوصافين
الخمر ، كان صديقاً لإبراهيم الموصلى وابنه إسحاق ، ونديماً لهما . ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم ، واتصل
بيزيد بن مزيد، فلم يزل منقطعاً إليه حتى مات يزيد. الأغانى ١٨: ١١٥ . وهذا البيت من قصيدة له ،
روى بعض أبياتها الجاحظ فى البيان ٣: ١٩٥، وابن قتيبة فى عيون الأخبار ٢: ٣٢٢، والراغب فى
محاضرات الأدباء ٢ : ١٩٨، ومجموعة المعانى: ١٢٤، والشعر فيها جميعاً منسوب لأبى محمد التيمى، وهو:
لدائِك ، إلا أن تَموتَ ، طبيبُ
إذا كانت السبعون سنّك ، لم يكُن

١٠٩
مقدمة التفسير
وأما تأويل اسمها أنها (السَّبْعُ))، فإنها سبعُ آيات، لاخلاف بين الجميع من
القرَّاء والعلماء فى ذلك .
وإنما اختلفوا فى الآى التى صارت بها سبع آيات . فقال عُظْمُ أهل الكوفة:
صارت سبع آيات : (بسم الله الرحمن الرحيم)، ورُوى ذلك عن جماعة من أصحاب
رسول الله صلىالله عليه وسلم والتابعین. وقال آخرون: هیسبعآیات، ولیس منهن
(بسم الله الرحمن الرحيم)، ولكن السابعة ((أنعمت عليهم)). وذلك قول عُظْم قَرَأةٍ
أهل المدينة ومُتْقَنيهم (١).
قال أبو جعفر: وقد بيَّنَا الصواب من القول عندنا فى ذلك فى كتابنا: ( اللطيف
فى أحكام شرائع الإسلام ) بوجيز من القول ، ونستقصى بيان ذلك بحكاية أقوال
المختلفين فيه من الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين فى كتابنا: ( الأكبر فى
أحكام شرائع الإسلام ) إن شاء اللّه ذلك .
وأما وصف النبي صلى الله عليه وسلم آياتها السبعَ بأنهن مَثان، فلأنها تُثْنَى
قراءتها فى كل صلاةٍ تطوُّع ومكتوبة . وكذلك كان الحسن البصرى يتأوّل ذلك .
١٣٥- حدثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُليَّة، عن أبى رجاء،
قال سألت الحسن عن قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعً مِنَ الْمَثَانِىِ وَالقُرَّآنَ العَظِيمَ ﴾
إلى مَنْلٍ ، مِن وِرْدِهِ لقريبُ
وإن أمراً قد سار سَبْعین حِجَّةً
خلوتُ ، ولكن قلْ علىَّ رقيبُ
إذا ما خلوتَ الدَّهَرَ يوماً ، فلا تقل
وخُلِقْت فى قرنٍ فأنت غريبُ
إذا مَا أُنْقَضَى القَرْنُ الذى أنتَ مِنْهمُ
والبيت الثانى قصة فى أمالى القالى ٣: ١، وانظر زهر الآداب ٣: ٢٢١، وذكر البيت الثانى
والرابع وقال: ((قال دعبل: وتزعم الرواة أنه لأعرابي من بنى أسد)). واختلفوا فى رواية قوله: ((السبعون
سنك))، ففيها (الخمسون))، و((الستون)). ولم أجد روايته ((أمك)) مكان ((سنك)) إلا فى كتاب
الطبرى وحده .
(١) فى المطبوعة: ((أعظم أهل الكوفة ... ) ثم ((أعظم قراء أهل المدينة)). وهو تغيير. وعظم
الشىء أو الناس: معظمهم وأكثرهم. و((قرأة)) جمع قارىء. وانظر ما سلف: ٥١ - ٥٢ التعليق
رقم: ٣ وص ٦٤ تعليق رقم: ٤. وفى المطبوعة ((ومتفقهيهم))، غيروه أيضاً.

١١٠
مقدمة التفسير
[سورة الحجر: ٨٧] قال: هى فاتحة الكتاب . ثم سئل عنها وأنا أسمع فقرأها:
﴿الحَمْدُ لِّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) حتى أتى على آخرها ، فقال: تُثْنَّى فى كل
قراءة - أو قال - فى كل صلاة. الشك من أبى جعفر الطبرى(١).
والمعنى الذى قلنا فى ذلك قصد أبو النجم العجلى بقوله :
وكلَّ خَيْ بعدَهُ أَعْطَانِى
الحمدُ لله الذى عَافَانى
مِنَ الْقُرَّانِ وَمِنَ المَثَانِىِ(٣)
وكذلك قول الراجز الآخر :
أمّ الكِتَاب السَّبع من مثانى(٣)
الفُرقانِ
نَشَدْتُكُم بِسُنزِل
والسَّعِ سبعِ الطّوّل الدَّوانِىِ(٤)
◌ُِّينَ مِنْ آيٍ من القُرْآنِ
وليس فى وجوب اسم ((السبع المثانى)) لفاتحة الكتاب ، ما يدفع صحة وجوب
اسم ((المثانى)) للقرآن كله، ولما ثَنَّى المئين من السور (٥). لأن لكلِّ وجهاً ومعنّى
مفهوماً ، لا يَفْسُد - بتسميته بعضَ ذلك بالمثانى - تسميةُ غيره بها.
فأما وجه تسمية ما ثَنَّى المئينَ من سور القرآن بالمثانى، فقد بينا صحته، وسندُل"
على صحة وجه تسمية جميع القرآن به عند انتهائنا إليه فى سورة الزُّمَر، إن شاء الله.
(١) الأثر ١٣٥ - سيأتى فى تفسير الآية: ٨٧ سورة الحجر ١٤: ٣٨ - ٣٩ (بولاق) ، بهذا
الإسناد، بلفظ ((فى كل قراءة))، ولم يشك الطبرى هناك. و((أبو رجاء))، فى هذا الإسناد: هو
((محمد بن سيف الأزدى الحدانى البصرى)»، وهو ثقة، وثقه ابن معين وابن سعد والنسائى وغيرهم.
(٢) اللسان (ثى): ومجاز القرآن لأبى عبيدة: ٧. وقوله ((بعده)) الضمير عائد بالتذكير إلى
معنى العافية فى البيت السالف. ورواية اللسان وأبى عبيدة ((وكل خير صالح))، ثم روى الأخير:
* ((رب مثانى الآى والقرآن» .
(٣) مجاز القرآن لأبى عبيدة: ٧ ((أم الكتاب)) بدل من ((الفرقان)).
(٤) فى المطبوعة ((تبين))، ولا معنى لها، ومكان هذه الكلمة بياض فى المخطوطة. و((ثنين)):
كرون مرة بعد مرة. وقوله ((الدوانى)) مكانها بياض فى المخطوطة. وكأنه أراد جمع دانية، ووصفها بأنها
( دوانى))، أى قطوفها دانية .
(٥) فى المطبوعة: ((وجود)) مكان ((وجوب)) فى الموضعين السالفين. وفى المطبوعة ((ولما يثى من
السور)، وهى فى المخطوطة: ((ولما هى المئين ... )) وكلتاهما خطأ. وقد سلف فى ص: ١٠٣ قوله: ((وأما
المثانى، فإنها ما ثنى المتين فتلاها، وكان المئون لها أوائل، وكان المثانى لها ثوانى )» وثنى: أتى ثانياً له.

( القول فى تأويل الاستعاذة)
تأويل قوله: ﴿أَعُوذُ).
قال أبو جعفر: والاستعاذة: الاستجارة. وتأويل قول القائل: ﴿أَعوذُ
باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ أستجيرُ بالله - دون غيره من سائر خلقه - من
الشيطان أن يضرَّكى فى دينى، أو يصدَّكى عن حق يلزمُنى لرَبى .
تأويل قوله: ﴿ مِنَ الشَّيْطَان﴾.
قال أبو جعفر: والشيطان، فى كلام العرب: كل متمرُّد من الجن والإنس ٣٨/١
والدوابُ وكل شىء. وكذلك قال ربنا جل ثناؤه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ
فِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالجِنّ﴾ [ سورة الأنعام: ١١٢]، فجعل من الإنس
شياطينَ ، مثلَ الذى جعل من الجنّ.
وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، وركب برذَوْناً فجعل يتبختر به، فجعل
يضربه فلا يزداد إلا تبختراً، فنزل عنه ، وقال : ما حملتمونى إلا على شيطان !
ما نزلت عنهُ حتى أنكرت نفسى .
١٣٦ - حدثنا بذلك يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب ، قال:
أخبرنى هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر (١) .
قال أبو جعفر : وإنما ◌ُسمى المتمرِّد من كل شىء شيطاناً، لمفارقة أخلاقه
وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله ، وبُعدِه من الخير . وقد قيل: إنه أخذ من
(١) الأثر: ١٣٦ نقله ابن كثير فى التفسير ١: ٣٢ من رواية ابن وهب، بهذا الإسناد. وقال:
(( إسناده صحيح)). وذكر الطبرى فى التاريخ ٤: ١٦٠ فنحو معناه بسياق آخر، بدون إسناد.
١١١

١١٢
تفسير الاستعاذة
قول القائل : شطنّتْ داری من دارك - یرید بذلك: بعدت . ومن ذلك قول
نابغة بني ذبيان :
نأَتْ بِسُعَادَ عَنْكُ نَوَى شَطُونُ فبانَت، والفؤادُ بها رَهِينُ(١)
والنوى: الوجه الذى نَوَتْه وقصَدتْه. والشّطونُ: البعيد. فكأن الشيطان -
على هذا التأويل - "فَيعَالٌ من شطَن. ومما يدلّ على أن ذلك كذلك، قولُ أميّة
ابن أبى الصّلت :
أَيُّاَ شاطِن عَصَاء عَكَاءُ ثُمْ يُلْقَى فِى السَّجْنِ وَالأَكْبَلِ (٢)
ولو كان فعلان ، من شاط يَشيط ، لقال أيُّما شائط ، ولكنه قال : أيما
شاطنٍ، لأنه من ((شَطَن يَشْطُنُ، فهو شاطن)).
تأويل قوله: ﴿ الرَّجِيمٍ﴾.
وأما الرجيم فهو : فعيل بمعنى مفعول ، كقول القائل : كفّ خضيبٌ ،
ولحيةٌ دَهين، ورجل لَعينٌ، يريد بذلك: مخضوبة ومدهونة وملعون. وتأويل الرجيم:
الملعون المشتوم . وكل مشتوم بقولٍ ردىء أو سبُّ فهو مَرْجُوم. وأصل الرجم
الرَّمىُ ، بقول كان أو يفعل. ومن الرجم بالقول قول أبى إبراهيم لإبراهيم صلوات
اللّه عليه: ﴿لَيْنْ لَ تْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ [سورة مريم: ٤٦].
وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان رجيمٌ، لأن الله جل ثناؤه طرّده من سمواته،
ورجمه بالشُّهب الثَّوَاقِب (٣).
(١) زيادات ديوانه: ٢٠ .
(٢) ديوانه: ٥١، واللسان (شطن) و(عكا). وعكاه فى الحديد والوثاق: شده شدًاً وثيقاً.
والأكبال جمع كبل: وهو القيد من الحديد. وأظنه أراد هنا البيت فى السجن المضبب بالحديد، من قولهم :
كبله كبلا : حبسه فى مجن . هذا ما أستظهره من سياق الشعر .
(٣) الشهب، جمع شهاب: وهو الشعلة من النار، ثم استمير الكوكب الذى ينقض بالليل.
والثواقب ، جمع ثاقب: وهو المضىء المشتعل.

١١٣
تفسير الاستعاذة
وقد روى عن ابن عباس، أن أول ما نزل جبريلُ على النبى صلى الله عليه
وسلم عَلَّمه الاستعاذة .
١٣٧ -حدثنا أبو کریب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال: حدثنا
بشر بن مُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن عبد الله بن عباس،
قال: أول ما نزل جبريلُ على محمد قال: ((يا محمد استعذ، قل: أستعيد بالسميع
العليم من الشيطان الرجيم))، ثم قال: قل: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ثم قال:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ﴾ [ العلق: ١]. قال عبد الله: وهى أول سورة
أنزلها الله على محمد بلسان جبريل(١).
فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه .
(١) الحديث ١٣٧ - نقله ابن كثير فى التفسير ١: ٣٠ عن هذا الموضع من الطبرى،
وقال: ((وهذا الأثر غريب! وإنما ذكرناه ليعرف، فإن فى إسناده ضعفاً وانقطاعاً)). وسيرويه الطبرى
بعد ذلك، برقمى ١٣٨، ١٣٩، بهذا الإسناد نفسه، بأطول مما هنا. وسنذكر الضعف الذى أشار
إليه ابن كثير: وقوله («استعذ)) ليست فى المطبوعة.
أما عثمان بن سعيد، فهو الزيات الأحول، مترجم فى التهذيب ، وفى الجرح والتعديل لابن أبى حاتم
١٥٢/١/٣، وروى عن أبيه أنه قال: ((لا بأس به». وأما بشر بن عمارة، فهو الخشمى الكوفى،
وهو ضعيف، قال البخارى فى التاريخ الكبير ٨١/٢/١ (( تعرف وتنكر))، وقال النسائى فى الضعفاء:
ص ٦ (ضعيف))، وقال الدارقطنى: ((متروك»، وقال ابن حبان فى كتاب المجروحين: ص ١٢٥
رقم ١٣٢: ((كان يخطىء حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، ولم يكن يعلم الحديث ولا
صناعته))، وأما شيخه أبو روق - بفتح الراء وسكون الواو - فهو عملية بن الحارث الهمدافئ ، وهو ثقة،
وقال أحد والنسائى: ((لا بأس به)).
وأما الانقطاع الذى أشار إليه ابن كثير ، فن أجل اختلافهم فى سماع الضحاك بن مزاحم الخلال
من ابن عباس. وقد رجعنا فى شرح المسند: ٢٢٦٢ سماعه منه.
وكفى ببشر بن عمارة ضعفاً فى الإسناد، إلى نكارة السياق الذى رواه وغرابته !!
(٨).

(القول فى تأويل)
(بسم الله الرحمن الرحيم)
القول فى تأويل: ﴿ بِمٍ).
قال أبو جعفر : إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدب نبيه محمداً صلى اللّه
عليه وسلم بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ، وتقدَّم إليه فى
وَصَفه بها قبل جميعُ مُهمََّته (١)، وجعل ما أد به به من ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميع
خلقه ◌ُسنَّةٌ يستَنُّون بها(٢)، وسبيلا يتَّبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم (٣) ،
وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم ، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل:
((بسم اللّه))، على ما بطن من مراده الذى هو محذوف .
وذلك أن الباء من (( بسم اللّه)) مقتضية فعلاً يكون لها جالباً ، ولا فعلَ معها
ظاهرٌ، فأغنت سامعَ القائل ((بسم اللّه )) معرفتُه بمراد قائله، عن إظهار قائل
ذلك مُرادَه قولا (٤). إذْ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمراً، قد أحضر منطقُه به
- إمّا معه، وإمّا قبله بلا فصْل ـ ما قد أغنى سامعه عن دلالة شاهدة على الذى
من أجله افتتح قیله به (٤) . فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه،
نظيرَ استغنائه - إذا سمع قائلا قيل له: ((ما أكلت اليوم؟)) فقال: ((طعاماً))-
٣٩/١ عن أن يكرّر المسئُولُ مع قوله ((طعاماً))، أكلت، لما قد ظهر لديه من الدلالة
على أن ذلك معناه(٥)، بتقدُّم مسئلة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذاً أنّ قول
(١) تقدم إليه بشىء: أمره بفعله أو إتيانه.
(٢) يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله ((منه لجميع خلقه)).
(٣) فى المطبوعة: ((فى افتتاح ... ))، والضمير فى ((فيه)) عائد إلى ((ما أدبه به)).
(٤) فى المطبوعة: ((من إظهار))، (( من دلالة شاهدة)).
(٥) معناه : أى ما يعنيه ويقصد".
١١٤

١١٥
تفسير البسملة
القائل إذا قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ثم افتتح تالياً سورة"، أن إتباعه ((بسم
اللّه الرحمن الرحيم)) تلاوة السورة، يُنبئ عن معنى قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم)).
ومفهومٌ به أنه مريد بذلك: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك قوله: ((بسم الله))
عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله ، ينبئ عن معنى مراده بقوله (( بسم
الله))، وأنه أراد بقيله ((بسم اللّه))، أقوم باسم الله، وأقعد باسم الله. وكذلك
سائر الأفعال .
وهذا الذی قلنا فى تأويل ذلك ، هو معنی قول ابن عباس الذى : -
١٣٨ -حدثنا به أبو کریب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا
بشر بنُ عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن عبد الله بن عباس، قال:
إنَّ أول ما نَزَل به جبريلُ على محمد، قال: (( يا محمد، قُل: أستعيذ بالسميع العليم
من الشيطان الرجيم)) ثم قال: ((قل بسم الله الرحمن الرحيم)). قال: قال له جبريل:
قل بسم الله يا محمد، يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله(١).
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويلُ قول ((بسم اللّه )) ما
وصفتَ، والجالبُ الباءَ فى ((بسم اللّه)) ما ذكرتَ، فكيف قيل ((بسم الله)) بمعنى
أقرأ باسم الله، أو أقوم أو أقعد باسم الله؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ اللّه،
فبعَوْن الله وتوفيقه قراءتُه، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعلٍ فعلا، فباللّه قيامُه
وقعودُه وفعلُه. وَهلاًّ .. إذْ كان ذلك كذلك- قيل ((باللّه الرحمن الرحيم)) ولم يُقَلْ((بسم
الله))؟ فإن قول القائل: أقوم وأقعد باللّه الرحمن الرحيم، أو أقرأ باللّه - أوضحُ
معنى لسامعه من قوله ((بسم الله))، إذ كان قوله ((أقوم أو أقعد باسم الله))، يوهم
سامعَه أن قيامه وقعوده بمعنى غيرِ اللّه .
قيل له، وبالله التوفيق: إن المقصودَ إليه من معنى ذلك غيرُ ما توهَّته فى
نفسك. وإنما معنى قوله ((بسم اللّه)): أبدأ بتسمية اللّه وذكره قبل كل شىء،
(١) الحديث ١٣٨ - مضى مختصراً، بهذا الإسناد ١٣٧. وفصلنا القول فيه هناك.
٠,٠
:

١١٦
تفسير البسملة
أو أقرأ بتسميتى اللّهَ، أو أقوم وأقعد بتسميتى اللّهَ وذكره - لا أنه يعنى
بقِيلِهِ (( بسم اللّه)): أقوم باللّه، أو أقرأ باللّه، فيكون" قولُ القائل: أقرأ بالله،
أو أقوم أو أقعد بالله - أولى بوجه الصواب فى ذلك من قوله (( بسم الله)).
فإن قال: فإن كان الأمر فى ذلك على ما وصفتَ، فكيف قيل: ((بسم الله))
وقد علمتَ أنّ الاسم اسمٌّ ، وأن التسمية مصدرٌ من قولك ◌َّيت ؟
قيل : إن العربَ قد تخرج المصادرَ مبهمةً على أسماء مختلفة ، كقولهم :
أكرمتُ فلاناً كرامةً. وإنما بناءُ مصدر ((أفعلتُ)- إذا أخرج على فعله- ((الإفعالُ)).
وكقولهم: أهنت فلاناً هواناً، وكلّمته كلاماً. وبناء مصدر: ((فعَّت)) التفعيل.
ومن ذلك قول الشاعر :
أَكُفْراً بعدرَدُّ الَّوْتِ عِنِّى وبعد عَطَائِكَ الِئَةَ الرُّمَعَ(١)
يريد : إعطائك . ومنه قول الآخر :
وَإن كانَ هذا الْبُخْلُ مِنْكِ سَجيةً لقد كُنْتُ فِى طَولِ رَجَاءَكَ أَشْعَبَا(٢)
يريد : فى إطالتى رجاءك . ومنه فول الآخر :
أَظْلَمٌْ إِنْ مُصَابَكُمْ رَجُلاً، أَهْدَى السّلامَ تحَيَّةً، ظُلْمُ(٢)
يريد: إصابتكم . والشواهد فى هذا المعنى تكثرُ ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفِّق
لفهمه .
(١) الشعر للقطامى ديوانه: ٤١، ويأتى فى تفسير آية سورة يوسف: ١٢ (ج ١٢ ص ٩٤
بولاق). يقوله لزفر بن الحارث الكلابى، وكان أسره فى حرب، فمن عليه وأعطاه مئة من الإبل، ورد
عليه ماله . يقول: أ أكفر بما أوليتنى، وقد أعطيت ما أعطيت. والعطاء بمعنى الإعطاء، ولذلك نصب به
((المئة)). والرقاع جمع رائع: يعنى الإبل ترتع فى مرعى خضيب تذهب فيه وتجىء .
(٢) لم أجد البيت. وأشعب: الطاع الذى يضرب به المثل فى الطبع المستعر.
(٣) الشعر الحارث بن خالد المخزومى، الأغانى ٩ : ٢٢٥ - ٢٢٦، وهذا البيت الذى من
أجله أشخص الواثق إليه أبا عثمان المازنى النحوى، وله قصة. انظر الأغانى ٩ : ٢٣٤ وغيره، وفى
المطبوعة: ((أظلوم))، والصواب من المخطوطة، والأغانى وأمالى الشجرى ١: ١٠٧ وغيرها. وهذه الشواهد
السالفة استشهاد من الطبرى على أن الأسماء تقوم مقام المصادر فتعمل عملها فى النصب . وظليم : هى
أم عمران، زوجة عبد الله بن مطيع، وكان الحارث ينسب بها، فلما مات زوجها تزوجها .

١١٧
تفسير البسملة
فإذْ كان الأمر - على ما وصفنا، من إخراج العرب مصادر الأفعال على
غير بناء أفعالها - كثيراً ، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجوداً
فاشياً(١)، فبيِّنٌ بذلك صَوابُ ما قلنا من التأويل فى قول القائل ((بسم الله))، أن معناه
فى ذلك عند ابتدائه فى فعل أو قول : أبدأ بتسمية اللّه قبل فعلى أو قبل قولى.
وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ٤٠/١
إنما معناه: أقرأ مبتدئاً بتسمية الله، أو أبتدئ قراءتى بتسمية اللّه. فجُعِل ((الاسمُ)
مكان « التسمية))، كما ◌ُجُعل الكلامُ مكان التكليم، والعطاءُ مكان الإعطاء.
وبمثل الذى قلنا من التأويل فى ذلك ، رُوِى الخبر عن عبد الله بن عباس .
١٣٩ -حدثنا أبو کریب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال: حدثنا
بشربن عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس،
قال : أوّل ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: ((يا محمد، قل :
أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم))، ثم قال: ((قل: بسم الله الرحمن الرحيم)).
قال: ابن عباس: ((بسم الله)) يقول له جبريلُ: يا محمد، اقرأ بذكر الله
رُبُك ، وقم واقعد بذكر الله (٢).
وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا - من أنه يراد بقول القائل
مفتتحاً قراءته: ((بسم الله الرحمن الرحيم)): أقرأ بتسمية الله وذكره، وأفتتح
القراءة بتسمية الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى - ويوضح فسادَ قول من زعم
أن معنى ذلك من قائله: باللّه الرحمن الرحيم أوّلٍ كلُّ شىءٍ(٣)، مع أن العباد
(١) أراد بقوله: ((تصديرها)): أى جعلها مصادر تصدر عنها صوادر الأفعال، وذلك
كقولك: ذهب ذهاباً، فذهب صدرت عن قولك ((ذهاب))، ويعمل عندئذ عمل الفعل . وعى أنهم
يخرجون المصدر على وزن الاسم فيعمل عمله، كقولك ((الكلام)) هو اسم ما تتكلم به ، ولكنهم
قالوا: كلمته كلاماً، فوضعوه موضع التكليم، وأخرجوا من ((كلم)) مصدراً على وزن اسم ما تتكلم
به، وهو الكلام ، فكان المصدر : ((كلاماً).
(٢) الحديث ١٣٩ - منى هذا الخبر وتخريجه ، برقم ١٣٧.
(٣) قوله: ((يوضح)) سائلة من المطبوعة. وفيها مكان: ((أول كل ... ))، ((فى كل ... )).

١١٨
تفسير البسملة
إنما أميروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورهم بتسمية اللّه، لا بالخبر عن عظمته وصفاته،
كالذى أميروا به من التسمية على الذبائح والصَّيد، وعند المطعم والمشرب، وسائر
:أفعالهم. فكذلك الذى أميروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل اللّه ، وصدور
رسائلهم وكتبهم .
ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة ، أن قائلاً لو قال عند تذكيته
بعض بهائم الأنعام(١): ((باللّه)) ولم يقل: ((بسم اللّه)) أنه مخالف - بتركه
قِيلَ: ((بسم الله ): ما ◌ُسُنَّ له عند التذكية من القول. وقد عُلم بذلك أنه لم يُرد
بقوله ((بسم الله)) ((باللّه))، كما قال الزاعم أن اسمَ اللّه فى قول الله: ((بسم الله
الرحمن الرحيم)) هو الله . لأن ذلك لو كان كما زعم ، لوجب أن يكون القائل عند
تذكيته ذبيحته ((بالله))، قائلا ما ◌ُسنَّ له من القول على الذبيحة. وفى إجماع
الجميع على أنّ قائلَ ذلك تارك ما ◌ُسَنَّ له من القول على ذبيحته - إذْ لم يقل ((بسم
الله))- دليلٌ واضح على فساد ما ادَّعى من التأويل فى قول القائل: ((بسم الله))،
أنه مراد به ((بالله))، وأن اسم الله هو الله .
وليس هذا هو الموضع من مواضع الإكثار فى الإبانة عن الاسم: أهُوّ المسمى ،
أُمْ غيرُه، أم هو صفة له ؟ فنطيل الكتاب به ، وإنما هذا موضع من مواضع
الإبانة عن الاسم المضاف إلى اللّه: أهو اسمٌ، أم مصدر بمعنى التسمية(٢)؟
(١) التذكية: النحر والذبح. ذكيت الشاة تذكية: ذبحتها.
(٢) استجاد أبو جعفر رضى الله عنه خير الرأى لحجته. والذى كتبه قبل، وما يأتى بعد،
من أقوم ما قيل فى شرح هذا الموضع الذى لحت فيه العقول والأقلام . وبيان ما قال أبو جعفر: إن قولك
((اسم)) فى ((بسم الله))، إنما هو اسم مصدر (أو اسم حدث)، أى هو فى الأصل اسم لما تفعل من
تسميتك الشىء، مثل ((الكلام)) اسم حدث لما تفعل من التكليم، ومثل ((العطاء)) اسم حدث لما
تفعل من الإعطاء، ومثل ((الغسل))، اسم حدث لما تفعل من الاغتسال. وكأن أصله من قولك («سموت
الشىء سموا))، فأماتوا فعله الثلاثى وبتى مصدره، ((سمو))، فحذفوا واوه المتطرفة، فصار ((سم))
فأعاضوه منها ألفاً فى أوله، فصار ((اسم))، كما كان قولك: ((كلام)) من فعل ثلاثى هو ((كلم
كلاماً))، على مثال ((ذهب ذهاباً))، فأماتوا الفعل الثلاثى وبتى مصدره («كلام))، فجعلوه اسم حدث
لما تفعل من التكليم، ثم أخرجوا مصدر الرباعى على مخرج اسم هذا الحدث، فقالوا: ((کلم یکلم كلاماً))،
بمعنى ((بكلم يكلم تكليا)).

١١٩
تفسير البسملة
فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ فى بيت لبيد بن ربيعة :
إلَى الحَوْلِ ، ثم اسْمُ السَّلامِ عِلَيَكُمَا، ومن يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فَقَدَ اعَتَذْرٍ(١)
فقد تأوله مُقدَّم فى العلم بلغة العرب، أنه معنى به : ثم السلام عليكما ، وأن
اسمَ السلام هو السلام؟ (٢)
قيل له : لوجاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأوّل ، لجاز أن يقال : رأيتُ
اسم زيد، وأكلتُ اسمَ الطعام، وشربتُ اسمَ الشراب؛ وفى إجماع جميع العرب
على إحالة ذلك، ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد: ((ثمّ اسم السلام
فكذلك فعلوا فى قولهم ((سمى يسمى تسمية)): أخرجوا لهذا الرباعى مصدراً على مخرج اسم الحدث
وهو (اسم))، فقالوا: ((مسمى يسمى اسماً))؛ بمعنى ((سمى يسمى تسمية)). فقولك ((كلام)) بمعنى
((تكليم)) وقولك (اسم)) بمعنى ((تسمية)) صُدّرًا على منخارج أسماء الأحداث. وإذن فالمضاف إلى اسمه
تعالى فى قولك (بسم الله)) وأشباهها، إنما هو مصدر صدر على مخرج اسم الحدث، وهو اسم، من
فعل رباعى هو ((سمى يسمى))، فكان بمعنى مصدره وهو ((تسمية)). وهو فى هذا المكان وأمثاله بمعنى
المصدر ((تسمية))، لا بمعنى اسم الحدث لما تفعل من التسمية. (انظر: ١٢٣-١٢٤، كلام الطبرى فى ((أله)))
وهذا الذى قاله أبو جعفر رضى الله عنه أبرع ما قيل فى شرح هذا الحرف من كلام العرب . وقد
أحسن النظر وأدقه، حتى خفى على جلة العلماء الذين تكلموا فى شرح معنى ((اسم)) فى ((بسم الله)) وأشباهها،
فأغفلوه إغفالا خفائه ووعورة مأتاه، وإلفهم الكلام فى الذى افتتحوه من القول فى ((الاسم))، أهو
المسمى أم غيره، أم هو صفة له ، وما رسمه وما حده ؟ وهذا باب غير الذى نحن فيه ، فخلطوا فيه
خلطاً ، فجاء الطبرى فحص الحق تمحيصاً ، وهو أرجح الآراء عندنا وأولاها بالتقديم ، لمن وفق لفهمه ،
كما يقول أبو جعفر غفر الله له. وسيذكر بعد من الحجة ما يزيد المعنى وضوحاً وبياناً. ولولا خوف
الإطالة ، لأتيت بالشواهد على ترجيح قول الطبرى الذى أغفلوه، على كل رأى سبقه أو أتى بعده.
(١) ديوانه، القصيدة رقم: ٢١، والخزانة ٢: ٢١٧، ثم يأتى فى تفسير آية سورة التوبة: ٩٠
(١٠: ١٤٤ بولاق)، وآية سورة الرعد: ٣٥ (١٣: ١٠٩). والشعر يقوله لابنتيه، إذ قال :
تَمَنَّى ابنتَىَ أن يعيشَ أَبُوهَا وَهَلْ أنا إلاَّ من ربيعة أو مُضَرْ!
ثم أمرهما بأمره فقال قبل بيت الشاهد :
ولا تَخْنِشا وجْهَاَ ولا تَحْلِقِا شَعَرْ
فَقُوماً فقولاً بالذى قد علماً
أَضاعَ، ولا خانَ الصديقَ، ولا غَدَرْ
وقولاً: هو المرءُ الَّذِى لا خليلَه
فقوله ((إلى الحول ... )) أى افعلا ذلك إلى أن يحول الحول. والحول: السنة كاملة بأسرها. وقوله
((اعتذر)) هنا بمعنى أعذر: أى بلغ أقصى الغاية فى العذر.
(٢) هذا المقدم فى العلم بلغة العرب، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى، فى كتابه مجاز القرآن:
١٦ . وقد وقع بين ماضغى أسد ! وهذا الذى يأتى كله تقريع مرير من أبى جعفر لأبى عبيدة.

١٢٠
تفسير البسملة
٠
عليكما))، أنه أراد: ثم السلام عليكما، وادُّعائه أن إدخال الاسم فى ذلك وإضافته
إلى السلام إنما جاز، إذْ كان اسم المسمَّى هو المسمَّى بعينه .
ويُسأل القائلون قولَ من حكينا قوله هذا، فيقال لهم : أتستجيزون فى العربية
أن يقال: ((أكلتُ اسمَ العسل))، يعنى بذلك: أكلت العسل ، كما جاز عندكم:
اسم السلام عليك ، وأنتم تريدون : السلامُ عليك ؟
فإن قالوا : نعم ! خرجوا من لسان العرب، وأجازوا فى لغتها ما تخطّئه جميع
العرب فى لغتها . وإن قالوا : لا ، سئلوا الفرقَ بينهما : فلن يقولوا فى أحدهما قولاً
إلا ألزموا فى الآخر مثله .
فإن قال لنا قائل : فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟
قيل له : يحتمل ذلك وجهين ، كلاهما غير الذى قاله من حكينا قوله .
أحدُهما: أن ((السلام)) اسمٌّ من أسماء اللّه، فجائز أن يكون لبيد عنّی
بقوله: ((ثم اسم السلام عليكما))، ثم الزما اسمَ اللّه وذكرَه بعد ذلك، ودعا ذكرى
والبكاءَ علىّ، على وجه الإغراء. فرفعَ الاسم، إذْ أخر الحرف الذى يأتى بمعنى
الإغراء. (١) وقد تفعَّلُ العرب ذلك، إذا أخّرَت الإغراء وقدمت المُغْرَى به،
وإن كانت قد تنصبُ به وهو مؤخّر . ومن ذلك قول الشاعر :
يَا أَيُّها المائْحُ دَلوى دُوَنَكا! إنى رأيتُ النَّاسِ يَحْمَدُونَكا!(٢)
فأغری ب، دونك ؛ وهىمؤخرة، وإنما معناه: دونك دلوى. فكذلك قول لبيد:
• إلى الحوْلِ، ثمّ اسمُ السَّلامُ عَلَيْكُمَا.
يعنى : عليكما اسم السلام ، أى الزما ذكر الله ودعا ذکری والوجد بی،
لأن من بكى حَوْلاً على امرئ ميّت فقد اعتذر . فهذا أحد وجهيه .
(١) فى المطبوعة: ((إذا وآخر)). وقوله ((فرفع الاسم))، يعنى ما فى قول لبيد ((ثم اسم))،
وكان حقه أن ينصب على الإغراء لو قال: ((ثم عليكما اسم السلام)) بتقديم الإغراء.
(٢) هذا وجز فى خبر طويل، الخزانة ٣: ١٧ قيل هزءاً برجل ألقوه فى بئر ثم رجزوا به.
والمائح: هو الرجل الذى ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها، فيلقى الدلاء فيملؤها بيده ويميح لأصحابه.