Indexed OCR Text

Pages 101-120

الجزء الثامن والعشرون
١٠١
سورة الحشر
القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في
.
سبيل الله ﴾
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله
وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ قال : كان الفيء بين هؤلاء،
فنسختها الآية التي : في الأنفال فقال ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه
وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل ) (١) فنسخت هذه الآية ما
كان قبلها في سورة الحشر فجعل الخمس لمن كان له الفيء وصار ما بقي من الغنيمة
لسائر الناس لمن قاتل عليها .
وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن مردويه عن مالك بن أوس بن الحدثان
قال : بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة ، فجئته فدخلت عليه فإذا هو جالس
على سرير ليس بينه وبين رمل السرير فراش متكئ على وسادة من آدم ، فقال : يا
مالك إنه قدم علينا أهل أبيات من قومك ، وإني قد أمرت فيهم برضخ فخذه
فأقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين أنهم قومي وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم فمر
به غيري فإني لاراجعه في ذلك إذ جاءه يرفا غلامه فقال : هذا عثمان بن عفان
وطلحة بن عبيد الله والزبير وعبد الرحمن بن عوف ، فأذن لهم فدخلوا ، ثم جاءه يرفا
فقال : هذا علي وعباس قال : ائذن لهما في الدخول فدخلا ، فقال عباس : ألا تعديني
على هذا فقال القوم : يا أمير المؤمنين اقض بين هذين وأرح كل واحد منهما من
صاحبه ، فإن في ذلك راحة لك ولهما . فجلس عمر ثم قال : اتئدوا ، وحسر عن
ذراعيه ثم قال: أنشدكم بالله أيها الرهط هل سمعتم رسول اللّه عَ له قال: ((إنا لا
نورث ما تركنا صدقة إن الأنبياء لا تورث)) فقال القوم : نعم قد سمعنا ذاك . ثم أقبل
على علي وعباس فقال: أنشدكما باللّه هل سمعتما رسول اللّه عَ ◌ّ قال ذاك؟ قال: نعم،
فقال عمر : ألا أحدثكم عن هذا الأمر ، إن اللّه خص نبيه من هذا الفيء بشيء لم
يعطه غيره يريد أموال بني النضير كانت نفلاً لرسول اللّه عَِّ ليس لأحد فيها حق
معه ، فوالله ما احتواها دونکم ولا استأثر بها علیکم ، لقد قسمها فیکم حتی کان منها
هذا المال، فكان رسول اللّه عَ ل يدخر منه قوت أهله لسنتهم ، ويجعل ما بقي في
(١) الانفال ٤١ .
٥

الجزء الثامن والعشرون
١٠٢
سورة الحشر
سبيل المال حتى توفى الله نبيه ◌ِ له، فقام أبو بكر، فقال: أنا ولي رسول اللّه عَ ل
أعمل بما كان يعمل وأسير بسيرته في حياته ، فكان يدخر من هذا المال قنية أهل
رسول اللّه عَ ل لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبل المال كما كان يصنع رسول اللّه عا ئه،
فوليها أبو بكر حياته حتى توفي أبو بكر، قلت: أنا ولي رسول اللّه عَ ئه وولي أبي بكر
أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال فقبضتها ، فلما أقبلتما عليّ وأدبرتما وبدا لي أن
أدفعها إليكما أخذت عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما كان رسول اللّه له
يعمل به فيها وأبو بكر وأنا ، حتى دفعتها إليكما أنشدكم الله أيها الرهط هل دفعتها
إليهما بذلك؟ قالوا : اللهم نعم ، ثم أقبل عليهما فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما
بذلك ؟ قالا : نعم، قال : فقضاء غير ذلك تلتمسان مني ، فلا والله لا أقضي فيها
قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن كنتما عجزتما عنها فأدياها إليّ ثم قال عمر :
إن الله قال ﴿ ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن
اللّه يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ فكانت لرسول اللّه عَ لغيره،
ثم قال ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربي إلى آخر
الآية ﴿واتقوا الله ان الله شديد العقاب ﴾ ثم قال: والله ما أعطاها هؤلاء وحدهم
حتى قال ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من
الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) ثم والله ما جعلها لهؤلاء
وحدهم حتى قال ﴿ والذين تبّؤا الدار والإيمان﴾ الى ﴿المفلحون﴾ ثم والله ما
أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ﴾
إلى قوله ﴿ رحيم﴾ فقسمها هذا القسم على هؤلاء الذين ذكر. قال عمر : لئن
بقيت لیأتین الرويعي بصنعاء حقه ودمه في وجهه .
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن زنجويه معاً في الأموال وعبد بن حميد وأبو
داود وفي ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مالك بن
أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾
حتى بلغ ﴿عليم حكيم ﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ ﴿ ما أفاء الله على رسوله من
أهل القرى﴾ حتى بلغ ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الى آخر الآية فقال: هذه
للمهاجرين ، ثم تلا﴿ والذين تبّؤا الدار والايمان من قبلهم﴾ الى آخر الآية فقال هذه
للأنصار ، ثم قرأ﴿والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الى آخر الآية ثم قال: استوعبت هذه

الجزء الثامن والعشرون
١٠٣
سورة الحشر
المسلمين عامة وليس أحد إلا له في هذا المال حق ، ألا ما تملكون من وصيتكم ثم
قال : لئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير حمره(١) نصيبه منها لم يعرق فيه جبينه.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن زيد بن أسلم عن
أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : اجتمعوا لهذا المال فأنظروا لمن ترونه ، ثم
قال لهم : إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظروا لمن ترونه ، وإني قرأت آيات من
كتاب اللّه فكفتني، سمعت اللّه يقول ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله
وللرسول) إلى قوله ﴿أولئك هم الصادقون﴾ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿والذين
تبّؤا الدار والايمان) إلى قوله ﴿المفلحون﴾ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿والذين
جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا﴾ الى قوله ﴿رحيم﴾ والله ما أحد من المسلمين
إلا له حق في هذا المال أعطي منه أو منع عنه حتى راع بعدن .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن زنجويه في الأموال وعبد بن
حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ما على وجه الأرض
مسلم إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال :
قسم عمر ذات يوم قسماً من المال ، فجعلوا يثنون عليه ، فقال : ما أحمقكم لوكان
لي ما أعطيتكم منه درهماً.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال : المال ثلاثة :
مغنم ، أو فيء ، أو صدقة . فليس منه درهم إلا بيّن الله موضعه .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
عَ لقوله: ((يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يجعلهم أسداً لا يفرون فيقتلون
مقاتلتکم ویأ کلون فيئكم)) .
وأخرج ابن سعد عن السائب بن يزيد سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يقول : والذي لا إله إلا هو ثلاثاً ما من الناس أحد إلا له حق في هذا المال أعطيه أو
منعه ، وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك ، وما أنا فيه إلا كأحدكم ، ولكنا
على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول اللّه عَّه، فالرجل وبلاؤه في الإسلام،
والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام ، والرجل وحاجته في
الإسلام ، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه .
(١) هكذا في الاصل .

الجزء الثامن والعشرون
١٠٤
سورة الحشر
وأخرج ابن سعد عن الحسن رضي الله عنه قال : كتب عمر الى حذيفة أن أعط
الناس أعطيتهم وأرزاقهم ، فكتب إليه إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه
عمر : إن فيأهم الذي أفاء الله عليهم ، ليس هو لعمر ولا لآل عمر اقسمه بينهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال : وجدت المال
قسم بين هذه الثلاثة الأصناف : المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي اللّه عنه مثل ذلك .
قوله تعالى: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ الآية .
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وما
آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا﴾ قال : كان يؤتيهم الغنائم وينهاهم عن
الغلول .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله ﴿ وما آتاكم
الرسول فخذوه﴾ قال: من الفيء ﴿ وما نها كم عنه فانتهوا﴾ قال: من الفيء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ وما آتاكم الرسول﴾ من
طاعتي وأمري ﴿ فخذوه وما نها كم عنه﴾ من معصيتي فانتهوا .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس رضي
اللّه عنهما قال: ألم يقل الله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا ﴾
قالوا: بلى، قال: ألم يقل اللّه ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن
يكون لهم الخيرة من أمرهم )(١) الآية قال: فإني أشهد أن رسول الله څے نهى عن
الدباء والحنتم والنقير والمزفت.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سمع ابن عمر وابن
عباس يشهدان على رسول اللّه عَّهِ أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت ، ثم
تلا رسول اللّه عَفي هذه الآية ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا ﴾ .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه عن
علقمة رضي الله عنه قال: قال عبدالله بن مسعود: لعن الله الواشمات والمستوشمات
والمتنمصات والمتفلجات للحسن . المغيرات لخلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد
(١) سورة الأحزاب الآية ٣٦.

الجزء الثامن والعشرون
١٠٥
سورة الحشر
يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه فقالت ، إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت .
قال: ومالي لا ألعن من لعن رسول اللّه عَه، وهو في كتاب الله. قالت: لقد
قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاً من هذا . قال : لئن كنت قرأته لقد وجدته
أما قرأت ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا ﴾ قالت : بلى ، قال :
فإنه قد نهى عنه والله أعلم .
قوله تعالى: لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِنَ الَّذِيَأُخْرِ جُوامِن دِيَِهِمْ وَفْوَكِهِمْبَّغُونَ
فَضْلاً مِّنَّ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَبَنصُرُ ونَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ, أُوْلَكَبِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ(﴾
وَالَّذِينَ تَّبَوَّءُ والدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَايَجِدُونَفِى
صُدُورِهِمْ حَاجَّةٌ ◌ِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن
يُوقَ شَُحَ نَفْسِدِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُالْمُفْلِحُونَ
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ﴿ للفقراء
المهاجرين الذين أخرجوا﴾ الآية قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال
والأهلين والعشائر، وخرجوا حباً لله ولرسوله ، واختاروا الإسلام على ما كان فيه من
شدة ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من
الجوع وإن كان الرجل ليتخذ الحفر في الشتاء ما له دثار غيرها .
قوله تعالى: ﴿ والذين تبّؤا الدار والايمان ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله ﴿ والذين تبوؤا الدار
والإيمان ﴾ الى آخر الآية ، قال : هم هذا الحي من الأنصار أسلموا في ديارهم ،
وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي عَّه بسنتين، وأحسن اللّه عليهم الثناء في ذلك
وهاتان الطائفتان الاولتان من هذه الآية أخذتا بفضلها ومضنا على مهلها ، وأثبت
اللّه حظها في هذا الفيء ، ثم ذكر الطائفة الثالثة، فقال ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم
يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا﴾ الى آخر الآية . قال : انما أمروا أن يستغفروا
لأصحاب النبي ◌َ ◌ّه ولم يؤمروا بسبهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ والذين تبوؤا الدار والإيمان من

الجزء الثامن والعشرون
١٠٦
سورة الحشر
قبلهم ﴾ قال : الانصار نعت سخاوة أنفسهم عندما رأى من ذلك وإيثارهم إياهم
ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن يزيد بن الأصم أن الأنصار قالوا : يا رسول
الله أقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين، قال: ((لا ولكن يكفونكم
المؤنة وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم)) قالوا: رضينا فأنزل الله ﴿والذين تبّؤا
الدار والايمان من قبلهم ﴾ الى آخر الآية .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال :
فضل المهاجرين على الأنصار فلم يجدوا في صدورهم حاجة قال : الحسد .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن عمر أنه قال : أوصي الخليفة
بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ، ويحفظ لهم حرمتهم ، وأوصيه
بالأنصار الذين تبّؤًا الدار والإيمان من قبل أن يهاجر النبي عَِّ أن يقبل من
محسنهم ، ويعفو عن مسيئهم .
وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله
عَ له: ((للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وهي طيبة وطابة ومسكينة وجابرة ومحبورة
وتبدد ويثرب والدار)).
قوله تعالى: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر
والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: أتى رجل لرسول اللّه عَِّ فقال: يا رسول اللّه أصابني الجهد، فأرسل الى
نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال: ((ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله تعالى))
فقال رجل من الأنصار، وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري : أنا يا رسول الله،
فذهب به إلى أهله فقال لامرأته: اكرمي ضيف رسول اللّه عَلٍّ لا تدخرين شيئاً .
قالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية . قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ،
وتعالي، فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول اللّه عَّهِ، ففعلت ثم غدا
الضيف على النبي = له، فقال: ((لقد عجب اللّه من فلان وفلانة وأنزل اللّه فيهما
﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾)).
وأخرج مسدد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب قري الضيف وابن المنذر عن

الجزء الثامن والعشرون
١٠٧
سورة الحشر
أبي المتوكل الناجي رضي الله عنه أن رجلاً من المسلمين مكث صائما ثلاثة أيام ،
يمسي فلا يجد ما يفطر عليه فيصبح صائماً حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له
ثابت بن قيس رضي اللّه عنه ، فقال لأهله : إني ساجيء الليلة بضيف لي فإذا
وضعتم طعامكم فليقم بعضكم الى السراج كأنه يصلحه فليطفئه ثم اضربوا بأيديكم
الى الطعام كأنكم تأكلون فلا تأكلوا حتى يشبع ضيفنا ، فلما أمسى ذهب به فوضعوا
طعامهم فقامت امرأته الى السراج كأنها تصلحه فأطفأته ، ثم جعلوا يضربون أيديهم
في الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون حتى شبع ضيفهم ، وإنما كان طعامهم ذلك
خبزة هي قوتهم، فلما أصبح ثابت غدا الى رسول اللّه عز بةٍ فقال: ((يا ثابت لقد
عجب اللّه البارحة منكم ومن ضيفكم)) فنزلت فيه هذه الآية ﴿ويؤثرون على
أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر
رضي الله عنه قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول اللّه ◌ٍِّ رأس شاة فقال: إن
أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليهم ، فلم يزل يبعث به واحداً إلى آخر
حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت ﴿ويؤثرون على أنفسهم
ولو كان بهم خصاصة ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله ﴿ ولو كان بهم
خصاصة ﴾ قال : فاقة .
قوله تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .
أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير
وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب
الإيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له : إني أخاف أن أكون قد
هلكت ، قال : وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول ﴿ومن يوق شح نفسه
فأولئك هم المفلحون﴾ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء ، فقال له ابن
مسعود رضي الله عنه: ليس ذاك بالشح، ولكنه البخل ، ولا خير في البخل ، وإن
الشح الذي ذكره اللّه في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه في
قوله ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ قال: ليس الشحيح أن يمنع الرجل ماله ، ولكنه

الجزء الثامن والعشرون
١٠٨
سورة الحشر
البخل وإنه لشر إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: النظر الى المرأة لا يملكها من
الشح .
وأخرج ابن المنذر عن طاووس رضي الله عنه قال : البخل أن يبخل الإنسان بما
في يديه ، والشح أن یشح على ما في أيدي الناس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان
يطوف بالبيت يقول : اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك فقيل له فقال : إذا
وقيت شح نفسي لا أسرق ولا أزني ولم أفعل شيئاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله ﴿ ومن يوق شح
نفسه﴾ قال : إدخال الحرام ومنع الزكاة .
م
وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال : من أدى زكاة ماله فقد وقي شح
نفسه .
وأخرج الخرائطي في مساوئ الأخلاق عن ابن عمرو قال : الشح أشد من
البخل لأن الشحيح يشح على ما في يديه فيحبسه ويشح على ما في أيدي الناس حتى
يأخذه ، وإن البخيل إنما يبخل على ما في يديه .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم البخل عن أنس رضي الله عنه قال : قال
رسول اللّه عَل: ((خلق اللّه جنة عدن ثم قال لها: انطقي، فقالت: (قد أفلح
المؤمنون ) (١) فقال الله: (( وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل)) ثم تلا رسول
اللّه عَل ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه: سمعت رسول اللّه عد اله
يقول: (( ثلاث من كن فيه فقد برئ من الشح، من أدى زكاة ماله ، وقرى
الضيف ، وأعطى في النوائب )).
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : قال
رسول اللّه ◌َائل: ((ما محق الإسلام محق الشح شيء قط)) وأخرج ابن مردويه عن أبي
زرعة قال: قال رسول اللّه عَّيٍ: ((من كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا
وإنما يضر نفسه شحها)).
(١) سورة المؤمنون الآية ١ .

الجزء الثامن والعشرون
١٠٩
سورة الحشر
وأخرج عبد بن حميد عن مجمع بن يحيى بن جارية قال : حدثني عمي خالد
بن يزيد بن جارية رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه ◌َ له: ((برئ من الشح من أدى
الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة)) .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي
هريرة قال: قال رسول اللّه عَّه: (( لا يجتمع غبار في سبيل اللّه ودخان جهنم في جوف
عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا)).
وأخرج الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه متلقٍ:
((خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الظن)).
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي ◌َ ◌ّه قال: شرما في رجل شح هالع وجبن خالع)) .
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول
اللّه ◌َلِّ قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح
أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول اللّه عَ ل قال: ((إياكم
والشح والبخل ، فإنه دعا من قبلكم إلى أن يقطعوا أرحامهم فقطعوها ، ودعاهم الى
أن يستحلوا محارمهم فاستحلوها، ودعاهم إلى أن يسفكوا دماءهم فسفكوها)).
وأخرج الترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه أن رجلا توفي فقالوا : ابشر
بالجنة، فقال رسول اللّه عَّتِ: ((أو لا تدرون فلعله قد تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما
لا ينفعه)) .
وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال : أصيب رجل يوم
أحد فجاءت امرأة فقالت: يا بني لتهنك الشهادة فقال لها رسول اللّه عَ له: ((وما
يدريك لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه)).
وأخرج البيهقي عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه عَ له: ((خلقان
يحبهما الله وخلقان يبغضها الله. فأما اللذان يحبهما اللّه فالسخاء والسماحة، وأما اللذان
يبغضها الله فسوء الخلق والبخل ، فإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج
الناس)).
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول

الجزء الثامن والعشرون
١١٠
سورة الحشر
اللّه ◌َ لِّ: ((برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة)).
وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه عَ ائهم: ((لا يذهب
السخاء على اللّه، السخي قريب من اللّه، فإذا لقيه يوم القيامة أخذ بيده فأقله
عثرته )) .
وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي اللّه عنه قال : قال
رسول اللّه عَله: ((صلاح أوّل هذه الأمة بالزهد والتقوى وهلاك آخرها بالبخل
والفجور)).
وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللّه عليه:
((السخيّ قريب من اللّه قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد
من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحبّ الى اللّه من العابد البخيل)).
وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله مح لها: ((السخي قريب
من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من اللّه بعيد
من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولَجَاهل سخيٌ أحب إلى اللّه من عابد
بخيل)) .
وأخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال : قال رسول
اللّه عَ لَّه: ((السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار،
والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولفاجر سخيّ
أحبّ إلى اللّه من عابد بخيل، وأي داء أدوا من البخل)).
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه عَلّم ((يا بني
سلمة من سيدكم اليوم ؟ قالوا : الجد بن قيس ولكنا نبخله ، قال : وأي داء أدوا من
البخل ؟ ولكن سيدكم عمرو بن الجموح)) .
وأخرج البيهقي عن جابر رضي الله عنه قال: لما قدم رسول اللّه عَ ل قال: ((يا
بني سلمة من سيدكم ؟ قالوا : الجد بن قيس وإنا لنبخله. قال : وأي داء أدوا من
البخل بل سيدكم الخير الأبيض عمرو بن الجموح)) قال: وكان على أضيافهم في
الجاهلية. قال: وكان يولم على رسول اللّه مَ له إذا تزوّج.
وأخرج البيهقي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبدالله بن كعب بن
مالك رضي الله عنه أن النبي ◌َ ◌ّه قال: ((من سيدكم يا بني سلمة ؟ قالوا : الجد بن

الجزء الثامن والعشرون
١١١
سورة الحشر
قيس . قال : وبم تسوّدونه ؟ قالوا : بأنه أكثرنا مالاً وإنا على ذلك لنزنه بالبخل ،
فقال رسول اللّه ◌َ له: وأي داء أدوا من البخل ، ليس ذاك سيدكم. قالوا: فمن
سيدنا يا رسول الله ؟ قال: سيدكم البراء بن معرور)) قال البيهقي مرسل .
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه عَ لَّهِ: ((من
سيدكم يا بني عبيد ؟ قالوا: الجد بن قيس على أن فيه بخلاً، قال : وأي داء أدوأ من
البخل ؟ بل سيدكم وابن سيدكم بشربن البراء بن معرور)) .
وأخرج البيهقي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه عليهٍ :
((لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء الملكة ، وأول من يقرع باب الجنة
المملوكون إذا أحسنوا فيما بينهم وبين اللّه وبين مواليهم)).
وأخرج البيهقي عن أبي سهل الواسطي رفع الحديث قال: ((إن الله اصطنع هذا
الدين لنفسه وإنما صلاح هذا الدين بالسخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما)).
وأخرج البيهقي من طرق وضعفه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله عز له:
((قال لي جبريل : قال الله تعالى : إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا
السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه )) .
وأخرج البيهقي وضعفه عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول اللّه عَ ائِهِ: ((إذا
ابتغيتم المعروف فابتغوه في حسان الوجوه ، فوالله لا يلج النار إلا بخيل ، ولا يلج
الجنة شحيح ، إن السخاء شجرة في الجنة تسمى السخاء ، وإن الشح شجرة في النار
تسمی الشح)) .
وأخرج البيهقي وضعفه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : قال رسول
اللّه ◌ُ له: ((السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن
منها قاده ذلك الغصن الى الجنة ، والبخل شجرة من شجر النار أغصانها متدليات في
الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن الى النار)).
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وعا ئه: ((السخاء
شجرة في الجنة فمن كان سخياً أخذ بغصن منها ، فلم يتركه الغصن حتى يدخله
الجنة ، والشح شجرة في النار فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى
يدخله النار)) .
وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كنت قاعداً مع

الجزء الثامن والعشرون
١١٢
سورة الحشر
النبي =َ له فجاء ثلاثة عشر رجلاً عليهم ثياب السفر فسلموا على رسول اللّه عليه،
ثم قالوا : من السيد من الرجال يا رسول اللّه قال : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحق
بن إبراهيم. قالوا : ما في أمتك سيد؟ قال : بلى ، رجل أعطي مالاً حلالا ورزق
سماحة فأدنى الفقير فقلت شكايته في الناس )) .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: ((ضرب رسول الله عز له
مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما الى
ثديهما وتراقيهما فجعل كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه ، حتى تغشى أنامله وتعفو
أثره ، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها فهو يوسعها
ولا تتسع )) .
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار
بن ياسر قال: قدم خالد بن الوليد من ناحية أرض الروم على النبي عَ ئه بأسرى ،
فعرض عليهم الاسلام فأبوا ، فأمر أن تضرب أعناقهم ، حتى إذا جاء إلى آخرهم
قال النبي عَّه: ((يا خالد كف عن الرجل)) قال: يا رسول الله ما كان في القوم أشد
عليّ منه. قال: ((هذا جبريل يخبرني عن اللّه أنه كان سخيّاً في قومه فكف عنه))
وأسلم الرومي .
وَالَّذِينَ جَآءُ ومِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونّ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا وَلِإِخْوَيِنَا
قوله تعالى :
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنْ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبَنَا غِلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَتَّبَّا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمْ
أَلْتّ ◌ِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَِمُ الَّذِينَ كَفَرُ وامِنْ أَهْلِالْكِتَبِ لِّنْ أُخْرُهُمْ
لَنََُّّْنَّ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًّا أَبْدًّا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنَصُّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ
إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ لَبِنْأُخْرِ جُواْلَّ تَحْهُجُونَ مَعَهُمْ وَلَيْنْ قُوتِلُواْلََّيَنْصُرُونَهُمْ
وَلَيِنْ نَّصَرُوهُمْ لَيْوَلْنَّ الْأَذْبَرَثُمَّلَا يُصَرُونَ ﴿ لَّأَنْتُمْ أَشْتُ رَهْبَةُ فِى
صُدُورِهِمْ قِ اللَّهِ ذَلِكَ يَنَّهُمْ قَوْمٌلَّ يَفْقَهُونَ ﴾ لَا يُقَدَيْلُوَتَكُمْ جَميعًا إِلَّ فِى

الجزء الثامن والعشرون
١١٣
سورة الحشر
قُرَّى تُخْضَّنَّةٍ أَوْمِنٍ وَرَآءِ حُدُرَّ بَأْسُهم ◌َلْتَهُمْ شَدِيدْ تَخْسَبُ هُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم
شَتَّى ذَلِكٌ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّ يَعْقِلُونَ﴾
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾
قال : الذين أسلموا فعنوا أيضاً عبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : الناس
على ثلاثة منازل قد مضت منزلتان وبقيت منزلة ، فأحسن ما أنتم كائنون عليه ان
تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ، ثم قرأ ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم
وأموالهم ﴾ الآية ، ثم قال : هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة وقد مضت ثم قرأ
والذين تبّؤًا الدار والإيمان من قبلهم ﴾ الآية ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة
وقد مضت ، ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين
سبقونا بالإيمان ﴾ فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون
عليه أن تكونوا بهذه المنزلة .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاكٍ رضي الله عنه ﴿والذين جاؤوا من
بعدهم ﴾ الآية قال : أمروا بالاستغفار لهم ، وقد علم ما أحدثوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الانباري في المصاحف
وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي
عَّ فسبوهم ثم قرأت هذه الآية ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا
ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سمع رجلا وهو يتناول بعض المهاجرين ،
فقرأ عليه ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ الآية ، ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت ؟ قال :
لا. ثم قرأ عليه ﴿والذين تبّؤا الدار والإيمان ﴾ الآية ، ثم قال: هؤلاء الأنصار
أفأنت منهم؟ قال : لا . ثم قرأ عليه ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ الآية ، ثم
قال : أفمن هؤلاء أنت ؟ قال : أرجو. قال : لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء.
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان ،
فدعاه فأقعده بين يديه ، فقرأ عليه ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآية قال : من هؤلاء
الدر المنثور م ٨ ج ٨
:

الجزء الثامن والعشرون
١١٤
سورة الحشر
أنت ؟ قال: لا. ثم قرأ ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ الآية ، قال : من هؤلاء
أنت ؟ قال : أرجو أن أكون منهم . قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في
قلبه الغل عليهم .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين
آمنوا ﴾ .
وأخرج الحكيم الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: ((بينا نحن عند
رسول اللّه ◌َ ◌ّه فقال: يطلع الآن رجل من أهل الجنة فأطلع رجل من الأنصار
تنطف لحيته ماء من وضوئه ، معلق نعليه في يده الشمال ، فلما كان من الغد . قال
رسول اللّه ◌َّ : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فاطلع ذلك الرجل على
مثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول اللّه عَّم مثل ذلك ، فأطلع ذلك
الرجل ، فلما قام الرجل أتبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال : إني لاحيت أبي
فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت .
قال : نعم ، قال أنس: فكان عبد الله بن عمرو يحدث أنه بات معه ليلة فلم يره يقوم
من الليل شيئاً غير أنه كان إذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة
الفجر فيسبغ الوضوء غير أني لا أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث
وكدت احتقر عمله قلت : يا عبد الله إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة
ولكني سمعت رسول اللّه عَ لفهل يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس يطلع عليكم
الآن رجل من أهل الجنة ، فأطلعت أنت تلك المرات الثلاث ، فأردت أن آوي
إليك فأنظر ما عملك ، فإذا ما هو الا ما رأيت فانصرفت عنه فلما وليت دعاني
فقال : ما هو إلاّ ما قد رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلاً لأحد من المسلمين ، ولا
أحسده على خير أعطاه الله إياه ، فقال له عبدالله بن عمرو: هذه التي بلغت بك
وهي التي لا نطيق)).
وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: ((بلغنا أن رجلاً صلى
مع النبي ◌َ ◌ّ، فلما انصرف قال النبي عَظله : هذا الرجل من أهل الجنة . قال
عبد الله بن عمرو: فأتيته فقلت : يا عماه الضيافة ، قال : نعم، فإذا له خيمة وشاة
ونخل ، فلما أمسى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطباً ثم وضعه ، فأكلت

الجزء الثامن والعشرون
١١٥
سورة الحشر
معه فبات نائماً وبت قائما ، وأصبح مفطراً، وأصبحت صائما ، ففعل ذلك ثلاث
ليال، فقلت له: إن رسول اللّه عَظاهر قال فيك: إنك من أهل الجنة فأخبرني ما
عملك؟ قال: فائت الذي أخبرك حتى يخبرك بعملي، فأتيت رسول اللّه عَلَه،
فقال: ائته فمره أن يخبرك. فقلت: إن رسول اللّه ◌َّه يأمرك أن تخبرني . قال: أما
الآن فنعم فقال : لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها ، ولو أعطيتها لم أفرح
بها وأبيت وليس في قلبي غل على أحد قال عبدالله: لكني واللّه أقوم الليل وأصوم
النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت بها ، ولو ذهبت لحزنت عليها، والله لقد فضلك اللّه
علينا فضلاً بيناً)) .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾ قال. عبدالله بن
أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي وإخوانهم بنو
النضير .
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن رهطاً من
بني عوف بن الحارث منهم عبدالله بن أبيّ بن سلول ووديعة بن مالك وسويد
وداعس بعثوا الى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لا نسلمكم ، وإن قوتلتم قاتلنا.
معكم ، وإن خرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله
الرعب في قلوبهم ، فسألوا رسول اللّه عَفى أن يجليهم ، ويكف عن دمائهم ، على أن
لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ، ففعل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته
فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا الى خيبر ومنهم من سار الى الشام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : قد أسلم ناس من أهل قريظة
والنضير، وكان فيهم منافقون ، وكانوا يقولون لأهل النضير: لئن أخرجتم لنخرجز
معكم ، فنزلت فيهم هذه الآية (ألم تر الى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ﴾ الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ﴿ ألم تر إلى
الذين نافقوا ﴾ قال: عبد الله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبد الله بن نبتل
وأوس بن قيظي ﴿يقولون لإخوانهم ﴾ قال: النضير ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ قال:
بالكلام ﴿ تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ قال : المنافقون يخالف دينهم دين التضير
﴿ كمثل الذين من قبلهم قريبا﴾ قال : كفار قريش يوم بدر.

الجزء الثامن والعشرون
١١٦
سورة الحشر
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله
﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى﴾ قال : كذلك أهل الباطل مختلفة شهادتهم ،
مختلفة أهواؤهم ، مختلفة أعمالهم ، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق ﴿ كمثل الذين
من قبلهم قريبا﴾ قال: هم بنو النضير.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ قال: هم
المشركون .
وأخرج الديلمي عن علي قال : المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء وادّون وإن
افترقت منازلهم ، والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال : هم كفار
قریش یوم بدر .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً﴾ قال : هم بنو
النضير .
كَمْثّلِ الَّذِينَ مِن قَلِهِمْ قِيَّاذَا قُوا وَبَالَأْمِهِمْ وَلَهُمْ
قوله تعالى :
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ كَبَّثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَانِاكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِى
فَكَانَ عَقِيَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى
بَرِىٌّ مِنكَ إِنَّى أَخَافُ اللَّهَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾
التَّاِ خَلِدَ يْنِ فِيَهَا وَذَلِكَ جَزَاؤُالظَلِينَ ﴿ يَتِهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ
نَفْسِرُ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ خَيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَلَّا تَكُونُواْكَالَّذِينَ
فَسُواْاللَّهُ فَأَنَسَلُهُمْ أَنْفُسُهُمْ أُوْلَبِكَ هُمْالْفَسِقُونَ ﴿ لَا يَسْتَوِىّ أَضَرُ النَّارِ
وَأَصْرَبُ الْجَنَّةِ أَضَرُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآيِزُونَ ﴾
أخرج عبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والبخاري في
تاريخه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب
الإيمان عن علي بن أبي طالب أن رجلا كان يتعبد في صومعة ، وأن امرأة كان لها
إخوة فعرض لها شيء ، فأتوه بها ، فزينت له نفسه فوقع عليها ، فجاءه الشيطان

الجزء الثامن والعشرون
١١٧
سورة الحشر
فقال : اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت ، فقتلها ودفنها ، فجاؤوه ،
فأخذوه ، فذهبوا به ، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال : إني أنا الذي زينت
لك فاسجد لي سجدة أنجيك ، فسجد له ، فذلك قوله ﴿ كمثل الشيطان إذ قال
للإنسان أكفر﴾ الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿ كمثل
الشيطان﴾ الآية ، قال : كان راهب من بني اسرائيل يعبد اللّه فيحسن عبادته ،
وكان يؤتى من كل أرْض فيسأل عن الفقه ، وكان عالماً ، وإن ثلاثة إخوة لهم أخت
حسناء من أحسن الناس ، وإنهم أرادوا أن يسافروا ، وكبر عليهم أن يدعوها
ضائعة ، فعمدوا إلى الراهب ، فقالوا: إنا نريد السفر، وإنا لا نجد أحداً أوثق في
أنفسنا ولا آمن عندنا منك ، فإن رأيت جعلنا أختنا عندك ، فإنها شديدة الوجع ،
فإن ماتت ، فقم عليها ، وإن عاشت فأصلح إليها حتى ترجع ، فقال : اكفيكم إن
شاء اللّه ، فقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها ، وانه اطلع إليها فوجدها
متصنعة ، ولم يزل به الشيطان حتى وقع عليها فحملت ، ثم ندمه الشيطان فزين له
قتلها وقال : إن لم تفعل افتضحت وعرف أمرك ، فلم يكن لك معذرة ، فلم يزل به
حتى قتلها ، فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت ؟ قال : ماتت ، فدفنتها . قالوا :
أحسنت . فجعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب قتلها وأنها تحت شجرة كذا
وكذا ، وأنهم عمدوا الى الشجرة فوجدوها قد قتلت ، فعمدوا إليه فأخذوه فقال
الشيطان : أنا الذي زينت لك الزنا وزينت لك قتلها ، فهل لك أن تطيعني
وأنجيك ؟ قال : نعم ، قال : فاسجد لي سجدة واحدة فسجد له ثم قتل فذلك قول
الله ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر﴾ الاية.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في هذه الآية قال : كانت امرأة ترعى الغنم ،
وكان لها أربعة إخوة ، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب فنزل الراهب ففجر
بها ، فأتاه الشيطان فقال : اقتلها ثم ادفنها ، فإنك رجل مصدق يسمع قولك ،
فقتلها ثم دفنها ، فأتى الشيطان إخوتها في المنام ، فقال لهم : إن الراهب فجر
بأختكم"، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا ، فلما أصبحوا قال رجل
منهم : لقد رأيت البارحة كذا وكذا ، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت كذلك ،
فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت كذلك. قالوا : فوالله ما هذا إلا لشيء ، فانطلقوا

الجزء الثامن والعشرون
١١٨
سورة الحشر
فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه ، ثم انطلقوا به ، فلقيه الشيطان
فقال : إني أنا الذي أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة
واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه ، فسجد له فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأُخِذَ فَقُتِل .
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان
عن عبيد بن رفاعة الدارمي يبلغ به النبي ◌ُ ◌ّه قال : كان راهب في بني اسرائيل ،
فأخذ الشيطان جارية فخنقها فألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب ، فأتي بها
الراهب ، فأبى أن يقبلها ، فلم يزالوا به حتى قبلها ، فكانت عنده ، فأتاه الشيطان
فوسوس له وزين له ، فلم يزل به حتى وقع عليها ، فلما حملت وسوس له الشيطان
فقال : الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها ، فإن أتوك ، فقل : ماتت ، فقتلها ودفنها
فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم ، وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ، فأتاه أهلها
فسألوه فقال : ماتت ، فأخذوه فأتاه الشيطان فقال : أنا الذي ألقيت في قلوب
أهلها ، وأنا الذي أوقعتك في هذا فأطعني تنج واسجد لي سجدتين فسجد له
سجدتين فهو الذي قال اللّه ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان ا كفر﴾ الآية .
وأخرج ابن المنذر والخرائطي في اعتلال القلوب من طريق عدي بن ثابت عن
ابن عباس في الآية قال : كان راهب في بني اسرائيل متعبداً زماناً حتى كان يؤتى
بالمجانين فيقرأ عليهم ويعودهم حتى يبرؤوا فأتى بامرأة في شرف قد عرض لها الجنون ،
فجاء إخوتها إليه ليعوذها ، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت ، فلما
عظم بطنها لم يزل الشيطان يزين له حتى قتلها ودفنها في مكان ، فجاء الشيطان في
صورة رجل إلى بعض إخوتها فأخبره ، فجعل الرجل يقول لأخيه : والله لقد أتاني
آتٍ فأخبرني بكذا وكذا حتى أفضى به بعضهم إلى بعض حتى رفعوه الى ملكهم ،
فسار الملك والناس حتى استنزله فأقر واعترف فأمر به الملك فصلب ، فأتاه الشيطان
وهو على خشبته فقال : أنا الذي زينت لك ، هذا ، وألقيتك فيه ، فهل أنت
مطيعي فيما آمرك به وأخلصك ؟ قال : نعم. قال : فاسجد لي سجدة واحدة ، فسجد
له وكفر ، فقتل في تلك الحال .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاووس قال : كان رجل من بني
إسرائيل عابداً وكان ربما داوى المجانين وكانت امرأة جميلة أخذها الجنون فجيء بها
إليه فتركت عنده ، فأعجيته ، فوقع عليها ، فحملت ، فجاءه الشيطان ، فقال :

الجزء الثامن والعشرون
١١٩
سورة الحشر
إن علم بهذا افتضحت فاقتلها وادفنها في بيتك ، فقتلها فجاء أهلها بعد زمان يسألونه
عنها ، فقال : ماتت ، فلم يتهموه لصلاحه فيهم ورضاه ، فجاءهم الشيطان فقال :
إنها لم تمت ولكنه وقع عليها فحملت فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا ، فجاء
أهلها فقالوا : ما نتهمك ، ولكن أخبرنا أين دفنتها ومن كان معك ففتشوا بيته
فوجدوها حيث دفنها ، فأخذ فسجن ، فجاءه الشيطان فقال : إن كنت تريد أن
أخرجك مما أنت فيه فأكفر بالله ، فأطاع الشيطان وكفر، فأخذ وقتل فتبرأ منه
الشيطان حينئذ. قال طاوس : فما أعلم الا أن هذه الآية أنزلت فيه ﴿كمثل
الشيطان إذ قال للإنسان اكفر﴾ الآية .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في الآية قال : ضرب اللّه مثل الكفار
والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي معَ ◌ّهِ ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان
اکفر﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿كمثل الشيطان إذ قال
للإنسان اكفر﴾ قال : عامة الناس .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأ ((فكان عاقبتهما أنهما في النار
خالدان فيها)) والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جرير قال :
كنت جالساً عند رسول اللّه ◌ُّفي فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف عليهم أزر
ولا شيء غيرها، عامتهم من مضر، فلما رأى النبي عَ لِّ الذي بهم من الجهد
والعري والجوع تغير وجه رسول اللّه ◌َ ئه، ثم قام فدخل بيته، ثم راح إلى المسجد ،
فصلى الظهر ثم صعد منبره ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد ذلكم فإن الله
أنزل في كتابه ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن
الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم
الفاسقون ، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾
تصدقوا قبل أن لا تصدقوا ، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة ، تصدق
امرؤ من ديناره تصدق امرؤ من درهمه ، تصدق امرؤ من بره ، من شعيره ، من
تمره ، لا يحقرن شيء من الصدقة ولو بشق التمرة)). فقام رجل من الأنصار بصرة في

الجزء الثامن والعشرون
١٢٠
سورة الحشر
كفه، فناولها رسول اللّه ◌َ له، وهو على منبره فعرف السرور في وجهه ، فقال :
((من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا
ينقص من أجورهم شيئاً ، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ومثل وزر
من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً)) فقام الناس فتفرقوا فمن ذي دينار، ومن
ذي درهم ، ومن ذي طعام ، ومن ذي ، ومن ذي فاجتمع فقسمه بينهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله ﴿ ما قدمت لغد﴾ قال :
يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن نعيم بن محمد الرحبي قال : كان من
خطبة أبي بكر الصديق : واعلموا أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم
علمه فإن استطعتم أن ينقضي الأجل وأنتم على حذر فافعلوا ، ولن تستطيعوا ذلك إلا
بأذن الله، وإن قوماً جعلوا أجلهم لغيرهم فنهاكم الله ان تكونوا أمثالهم ، فقال
ولا تكونوا كالذين نسوا الله فانساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾ أين من كنتم
تعرفون من إخوانكم ؟ قد انتهت عنهم أعمالهم ووردوا على ما قدموا . أين الجبارون
الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط ؟ قد صاروا تحت الصخر والآكام هذا
كتاب اللّه لا تفني عجائبه ، ولا يطفأ نوره استضيئوا منه اليوم ليوم الظلمة ،
واستنصحوا كتابه وتبيانه ، فإن الله قد أثنى على قوم فقال (كانوا يسارعون في
الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) (١) لا خير في قول لا يبتغي به وجه
اللّه ، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل اللّه ، ولا خير فيمن يغلب غضبه حلمه ، ولا
خير في رجل يخاف في الله لومة لائم .
قوله تعالى : لَوْأَنْزَ لْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلِ لَّرْأَيْتَهُ خَشِعًا تُنَصَدِّعًا
مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِ يُّهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْبَّفَكِّرُونَ هُوَ اللَّهُالَّذِى
لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهِدَةِ هُوَ الرَّحْمَةُ الرَّحِيمُ ثَ هُوَ اللّهُ الَّذِى
لَا إِلَةٌ إِلَّ هُوَ الْمَلِ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْنُؤْمِنُ الْمُّهَبِ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ
(١) سورة الأنبياء الآية ٩٠.