Indexed OCR Text

Pages 641-660

الجزء السابع عشر
٦٤١
سورة الأنبياء
فأرسلوا الى ملكهم فجاء ينظر متعجبا ..! فطارت منها شرارة فوقعت على إبهام رجله
فاشتعل كما تشتعل الصوفة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : خرج ابراهيم من النار يعرق لم تحرق النار
إلا وثاقه ، فأخذوا شيخاً منهم فجعلوه على نار كذلك فاحترق .
وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن صرد. وكان قد أدرك النبي عَظِّم - أن
ابراهيم لما أرادوا أن يلقوه في النار ، جعلوا يجمعون له الحطب فجعلت المرأة العجوز
تحمل على ظهرها ، فيقال لها : أين تريدين؟ فتقول : أذهب إلى هذا الذي يذكر
آلهتنا . فلما ذهب به ليطرح في النار ( قال: إني ذاهب إلى ربي سيهدين )(١) فلما
طرح في النار قال : حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله ﴿ يا نار كوني بردا وسلاماً على
ابراهيم ﴾ فقال أبو لوط - وكان عمه - إن النار لم تحرقه من أجل قرابته
مني . فأرسل اللّه عنقا من النار فأحرقته .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير، عن علي بن أبي طالب في قوله
قلنا يا نار كوني بردا﴾ قال : بردت عليه حتى كادت تؤذيه ، حتى قيل
وسلاما ﴾ قال : لا تؤذيه .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لو لم يقل ﴿وسلاما
لقتله البرد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : إن أحسن شيء قاله أبو
ابراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار، وجده يرشح جبينه فقال عند ذلك : نعم
الرب ربك يا ابراهيم .
٠
وأخرج ابن جرير عن شعيب الجبائي قال : ألقي ابراهيم في النار وهو ابن ست
عشرة سنة ، وذبح إسحق وهو ابن سبع سنين .
وأخرج ابن جرير عن معتمر بن سليمان التيمي ، عن بعض أصحابه قال : جاء
جبريل إلى ابراهيم وهو يوثق ليلقى في النار قال : يا ابراهيم ، ألك حاجة ؟ قال : أما
إليك فلا .
وأخرج ابن جرير عن أرقم ، أن ابراهيم عليه السلام قال حين جعلوا يوثقونه
(١) الصافات - آية ٩٩.
الدر المنثور م ٤١ ج ٥

الجزء السابع عشر
٦٤٢
سورة الأنبياء
ليلقوه في النار ((لا اله الا أنت سبحانك رب العالمين ، لك الحمد ولك الملك لا
شريك لك)) .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ﴿ قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً ﴾
قال : السلام لا يؤذيه بردها ، ولولا أنه قال ﴿ سلاماً﴾ لكان البرد أشد عليه من
الحر .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله ﴿ فأرادوا به كيداً فجعلناهم
الأخسرين ﴾ قال : ألقوا شيخاً في النار منهم لأن يصيبوا نجاته كما نجا ابراهيم
فاحترق .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك في قوله ﴿ إلى الأرض التي باركنا فيها
للعالمين ﴾ قال : الشام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في قوله ﴿ الى الأرض التي باركنا فيها
للعالمين ﴾ قال: الشام. وما من ماء عذب إلا يخرج من تلك الصخرة التي ببيت
المقدس ، يهبط من السماء الى الصخرة ثم يتفرق في الأرض .
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر
وسبعمائة قبر، وان دمشق معقل الناس في آخر الزمان من الملاحم .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ، قال لوط : كان ابن أخي ابراهيم
عليهما السلام .
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال : لما هرب ابراهيم من كوني وخرج منٍ
النار ، ولسانه يومئذ سرياني ، فلما عبر الفرات من حران غيّر اللّه لسانه فقلب عبرانياً
حيث عبر الفرات ، وبعث ثمرود في نحو أثره وقال : لا تدعوا أحداً يتكلم بالسريانية
إلا جئتموني به ، فلقوا ابراهيم يتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته .
وأخرج ابن عساكر عن حسان بن عطية قال : أغار ملك نبط على لوط عليه
السلام فسباه وأهله ، فبلغ ذلك ابراهيم فأقبل في طلبه في عدة أهل بدر ثلاثمائة
وثلاثة عشر ، فالتقى هو وتلك النبط في صحراء معفور، فعبى إبراهيم ميمنة وميسرة
وقلباً ، وكان أول من عبى الحرب هكذا ، فاقتتلوا فهزمهم ابراهيم واستنقذ لوطاً
وأهله .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ونجيناه ﴾ يعني ابراهيم ﴿ولوطا الى

الجزء السابع عشر
٦٤٣
سورة الأنبياء
الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾ قال: هي الأرض المقدسة التي بارك الله فيها
للعالمين ؛ لأن كل ماء عذب في الأرض منها يخرج ، يعني من أصل الصخرة التي في
بيت المقدس ، يهبط من السماء الى الصخرة ثم يتفرق في الأرض .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر ، عن قتادة رضي
الله عنه (ونجيناه ولوطا﴾ قال: كانا بأرض العراق، فانجيا إلى أرض الشام. وكان
يقال: الشام عماد دار الهجرة ، وما نقص من الأرض زيد في الشام ، وما نقص من
الشام زيد في فلسطين. وكان يقال : هي أرض المحشر والمنشر ، وفيها ينزل عيسى بن
مريم عليه السلام وبها يهلك الله شيخ الضلالة الدجال .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ﴿ الى الأرض التي باركنا
﴾ قال : الشام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله ﴿الى الأرض التي باركنا
فيها ﴾ قال : الى حران .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ووهبنا له إسحق ﴾ قال:
ولداً ﴿ ويعقوب نافلة ﴾ قال : ابن ابن .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن المنذر وابن
أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ووهبنا له إسحق﴾ قال : أعطاه
﴿ ويعقوب نافلة ﴾ قال : عطية .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي في الآية قال : دعا بالحق فاستجيب
له وزید یعقوب .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحكم قال : النافلة ابن الابن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله
وجعلناهم أئمة يهدون﴾ الآية. قال: جعلهم الله أئمة يقتدى بهم في أمر الله.
قوله تعالى: وَأُوَّطَّاءَانَيْنَهُ حُكْمًاوَعِلْمًا وَهُ مِنَالْغَرِيَّةِ الَّتَ كَانَتَ تَّعْمَلُ
أَلَكِتَّ ◌ِنَّهُمْ كَانُواقَوْمَ سَوٍْفَسِقِينٌٌّ وَأَدْ خَلْنَهُ فِى رَحْمَتِنَّا إِتَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَالَهُ فَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَالْكَرْبِ الْعَظِيمِ

الجزء السابع عشر
٦٤٤
سورة الأنبياء
وَنَصَرْنَهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوأَِايَتِنََّ إِنَّهُمْ كَانُواْقَوْمَسَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ
أَجْمَعِینَ
أخرج ابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال : كان في قوم لوط عشر خصال
يعرفون بها : لعب الحمام ، ورمي البندق، والمكاء ، والخذف في الانداء، وتسبيط
الشعر، وفرقعة العلك ، واسبال الازار، وحبس الأقبية ، وإتيان الرجال ، والمنادمة
على الشراب ، وستزيد هذه الامة عليها .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن عساكر ، عن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه قال: ستة من أخلاق قوم لوط في هذه الامة : الجلاهق ، والصفر ،
والبندق ، والخذف ، وحل ازار القباء ، ومضغ العلك .
وأخرج اسحق بن بشر والخطيب وابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه
قال: قال رسول اللّه عَلَ} :
((عشر خصال عملتها قوم لوط ، بها اهلكوا ، وتزيدها أمتي بخلة : إتيان
الرجال بعضهم بعضا ، ورميهم بالجلاهق ، والخذف ، ولعبهم بالحمام ، وضرب
الدفوف ، وشرب الخمور ، وقص اللحية ، وطول الشارب ، والصفر ، والتصفيق ،
ولباس الحرير، وتزيدها أمتي بخلة : إتيان النساء بعضهن بعضا)).
وأخرج ابن عساكر عن الزبير رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه عَ لَه: ((كل
سنن قوم لوط قد فقدت إلا ثلاثا : جر نعال السيوف ، وقصف الأظفار، وكشف
العورة )) .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ﴿وأدخلناه في رحمتنا ﴾
قال : في الاسلام .
قوله تعالى : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يحكمان فىالحثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ
غَنُمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴾ فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكَلَا
◌َنْيْنَاحُكْمًا وَعِلْمَّا وَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ اَلْجِبَالٌ يُسْتِحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا
فَعِلِينَ ﴾ وَعَلَّْنَهُ صَفْعَةٌ لَبُوسِ لَّكُمْلِتُحْصِنَّكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْثُمْ

الجزء السابع عشر
٦٤٥
سورة الأنبياء
شَاكِرُونَ ﴾ وَلِسُلَيْمَنَّالِرِيحُ عَاصِفَةً تُخْرِى بِأَقِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَِّى بَرَّكْنَافِيهَّاً
وَكُنَّابِكُلّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴿ وَمِنَ الشِّيَاطِينَ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيُعَلُونَ عَمَلًا
دُونَ ذَالِكٌ وَكُنَّالَهُمْ حَفِظِينَ
أخرج الحاكم عن وهب قال : داود بن ايشا بن عويد بن عابر من ولد يهوذا بن
يعقوب ، وكان قصيرا أزرق قليل الشعر طاهر القلب .
وأخرج ابن جرير عن مرة رضي الله عنه في قوله ﴿اذ يحكمان في الحرث ﴾
قال : كان الحرث نبتاً، فنفشت فيه ليلاً فاختصموا فيه إلى داود فقضى بالغنم
لأصحاب الحرث ، فمروا على سلمان فذكروا ذلك له فقال : لا تدفع الغنم .
فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم ، فاذا عاد كما كان ردوا عليهم فنزلت
﴿ففهمناها سلمان ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه ، عن ابن مسعود رضي
اللّه عنه في قوله ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ﴾
قال : كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم ، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم ،
فقال سليمان : أغير هذا يا نبي الله؟ قال : وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى
صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان ، وتدفع الغنم الى صاحب الكرم فيصيب
منها ، حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم لصاحبه ودفعت الغنم الى صاحبها .
فذلك قوله ﴿ ففهمناها سلمان ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مسروق
قال: الحرث الذي ﴿ نفشت فيه غنم القوم﴾ إنما كان كرماً نفشت فيه غنم القوم فلم
تدع فيه ورقة ولا عنقوداً من عنب إلا أكلته ، فأتوا داود فأعطاهم رقابها ، فقال
سليمان : ان صاحب الكرم قد بقي له أصل كرمه وأصل أرضه ، بل تؤخذ الغنم
فيعطاها أهل الكرم فيكون لهم لبنها وصوفها ونفعها ، ويعطى أهل الغنم الكرم
فيعمرونه ويصلحونه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم ، ثم يعطى أهل الغنم
غنمهم وأهل الكرم كرمهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿وداود وسليمان﴾ إلى

الجزء السابع عشر
٦٤٦
سورة الأنبياء
قوله ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ يقول : كنا لما حكما شاهدين، وذلك أن رجلين
دخلا على داود : أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب
الحرث : ان هذا أرسل غنمه في حرثي فلم تبق من حرئي شيئاً . فقال له داود :
اذهب فان الغنم كلها لك . فقضى بذلك داود ، ومر صاحب الغنم بسليمان فأخبره
بالذي قضى به داود ، فدخل سليمان على داود فقال : يا نبي الله ، إن القضاء سوى
الذي قضيت . فقال : كيف ؟ قال سليمان : ان الحرث لا يخفى على صاحبه ما
يخرج منه في كل عام ، فله من صاحب الغنم أن ينتفع من أولادها وأصوافها
وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث ، فان الغنم لها نسل كل عام. فقال داود : قد
أصبت ، القضاء كما قضیت . ففهمها الله سليمان .
وأخرج ابن جرير وعبد بن الرزاق عن مجاهد في الآية قال : أعطاهم داود
رقاب الغنم بالحرث ، وحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لأهل الحرث ، وعليهم رعاؤها
ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون الحرث كهيئته يوم أكل ، ثم يدفعونه الى أهله
ويأخذون غنمهم .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي اللّه عنه في الآية قال : النفش بالليل والهمل
بالنهار. ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً فرفع ذلك إلى داود ، فقضى بالغنم
لأصحاب الزرع فقال سليمان : ليس كذلك ، ولكن له نسلها ورسلها وعوارضها
وجزازها ، حتى إذا كان من العام المقبل كهيئته يوم أكل ، دفعت الغنم إلى أربابها
وقبض صاحب الزرع زرعه . قال اللّه ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن قتادة والزهري في الآية قال : نفشت غنم في حرث قوم
فقضى داود أن يأخذوا الغنم ففهمها اللّه سليمان ، فلما أخبر بقضاء داود قال : لا ،
ولكن خذوا الغنم ولكم ما خرج من رسلها وأولادها وأصوافها الى الحول .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ، عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال : كانت امرأة عابدة من بني اسرائيل ، وكانت تبتلت
وكان لها جاريتان جميلتان ، وقد تبتلت المرأة لا تريد الرجال ، فقالت إحدى
الجاريتين للأخرى : قد طال علينا هذا البلاء ، أما هذه فلا تريد الرجال ولا نزال
بشر ما كنا لها ، فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا الى الرجال . فأتيا ماء البيض فأتياها
وهي ساجدة ، فكشفتا عنها ثوبها ونضحتا في دبرها ماء البيض ، وصرختا : إنها قد

الجزء السابع عشر
٦٤٧
سورة الأنبياء
بغت . وكان من زنى فيهم حدّه الرجم ، فرفعت الى داود وماء البيض في ثيابها فأراد
رجمها ، فقال سلمان : ائتوا بنار ، فإنه إن كان ماء الرجال تفرق ؛ وان كان ماء
البيض اجتمع . فأتّي بنار فوضعها عليه فاجتمع قدراً عنها الرجم ، فعطف داود على
سلمان فأحبه .
ثم كان بعد ذلك أصحاب الحرث وأصحاب الشياه ، فقضى داود عليه السلام
بالغنم لأصحاب الحرث فخرجوا وخرجت الرعاة معهم الكلاب فقال سلمان : كيف
قضى بينكم ؟ فأخبروه فقال : لو وليت أمرهم لقضيت بغير هذا القضاء. فقيل
لداود عليه السلام : ان سلمان يقول كذا وكذا . فدعاه فقال : كيف تقضي بينهم ؟
فقال : ادفع الغنم الى أصحاب الحرث هذا العام فيكون لهم أولادها وسلالها وألبانها
ومنافعها ، ويذر أصحاب الحرث الحرث هذا العام ، فإذا بلغ الحرث الذي كان
عليه أخذ هؤلاء الحرث ودفعوا الى هؤلاء الغنم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ﴿نفشت ﴾
قال : رعت .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ، أن نافع بن الازرق سأله عن قوله
﴿ نفشت﴾ قال : النفش، الرعي بالليل. قال : وهل تعرف العرب ذلك؟
قال : نعم ، أما سمعت قول لبيد :
بدلن بعد النفش الوجيفا وبعد طول الحزن الصريفا
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي شيبة وأحمد وسعيد بن منصور وعبد
ابن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ، عن حرام بن
محيصة ، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فيه ، فقضى فيه رسول الله
عَ له: ((على أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وان ما أفسدت المواشي بالليل
ضامن على أهلها .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أن ناقة البراء بن عازب رضي
اللّه عنه دخلت حائطاً لقوم فأفسدت عليهم، فأتوا النبي عَِّ فقال: على أهل
الحائط حفظ حائطهم بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظ مواشيهم بالليل ، ثم تلا
هذه الآية ﴿وداود وسليمان﴾ الآية. ثم قال: نفشت ليلا)).

الجزء السابع عشر
٦٤٨
سورة الأنبياء
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه، أنه قرأ ((فافهمناها سليمان)).
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال : كان الحكم بما قضى به
سلمان ، ولم يعب داود في حكمه .
وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: قال رسول اللّه عَّم: ((إن أهون أهل النار
عذاباً ، رجل يطأ جمرة يغلي منها دماغه . فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : وما
جرمه يا رسول الله، قال : كانت له ماشية يغشى بها الزرع ويؤذيه ، وحرم الله الزرع
وما حوله غلوة سهم، فاحذروا أن لا [] يستحب الرجل ما له في الدنيا ويهلك نفسه
في الآخرة)» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول اللّه ◌َ له: ((بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء الذئب فأخذ أحد الابنين،
فتحا كما إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا فدعاهما سليمان فقال : هاتوا السكين
أشقه بينهما . فقالت الصغرى : يرحمك الله، هو ابنها لا تشقه . فقضى به
للصغرى .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن امرأة حسناء من
بني اسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم فامتنعت على كل واحد منهم ،
فاتفقوا فيما بينهم عليها ، فشهدوا عليها عند داود أنها مكنت من نفسها كلباً لها قد
عوّدته ذلك منها ، فأمر برجمها . فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه
ولدان مثله فانتصب حاكماً ، وتزيا أربعة منهم بزي أولئك وآخر بزي المرأة ،
وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبا . فقال سليمان : فرقوا بينهم . فسأل أولهم :
ما كان لون الكلب ؟ فقال : أسود. فعزله واستدعى الآخر فسأله عن لونه فقال :
أحمر ، وقال الآخر أغبش ، وقال الآخر أبيض . فأمر عند ذلك بقتلهم ، فحكي
ذلك لداود فاستدعى من فوره أولئك الاربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب
فاختلفوا عليه فأمر بقتلهم .
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن أبي نجيح قال : قال سليمان عليه السلام :
أوتينا ما أوتي الناس ولم يؤتوا ، وعلمنا ما علم الناس ولم يعلموا . فلم يجد شيئاً أفضل
من ثلاث كلمات : الحلم في الغضب ، والرضا والقصد في الفقر ، والغنى وخشية اللّه
في السر والعلانية .

الجزء السابع عشر
٦٤٩
سورة الأنبياء
وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال : قال سليمان عليه السلام لابنه :
يا بني ، إياك وغضب الملك الظلوم فان غضبه كغضب ملك الموت .
٠
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن خيثمة قال : قال سليمان عليه السلام : جربنا
العیش لينه وشديده فوجدناه یکفي منه أدناه .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ، عن يحيى بن أبي كثير قال : قال سلمان
لابنه : يا بني ، لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك وان كانت بريئة .
يا بني ، إن من الحياء صمتا ومنه وقاراً يا بني ، إن أحببت أن تغيظ عدوك فلا ترفع
العصا عن ابنك . يا بني ، كما يدخل الوتد بين الحجرين وكما تدخل الحية بين
الحجرين ، كذلك تدخل الخطيئة بين البيعين .
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال : بلغنا أن سليمان قال لابنه : امش وراء
الأسد ولا تمش وراء امرأة .
وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال : قال سليمان لابنه : يا بني ، إن من
سوء العيش نقلاً من بيت الى بيت . وقال لابنه : عليك بخشية الله فانها غلبت كل
شيء .
وأخرج أحمد عن بكر بن عبد الله ، أن داود عليه السلام قال لابنه سليمان : أي
شيء أبرد ، وأي شيء أحلى ، وأي شيء أقرب ، وأي شيء أبعد ، وأي شيء أقل ،
وأي شيء أكثر، وأي شيء آنس ، وأي شيء أوحش ؟؟ قال : أحلى شيء روح اللّه
من عباده ، وأبرد شيء عفو الله عن عباده، وعفو العباد بعضهم عن بعض . وآنس
شيء الروح تكون في الجسد ، وأوحش شيء الجسد تنزع منه الروح ، وأقل شيء
اليقين ، وأكثر شيء الشك ، وأقرب شيء الآخرة من الدنيا ، وأبعد شيء الدنيا من
الآخرة .
وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال : قال سلمان لابنه : لا تقطعن أمراً
حتى تؤامر مرشدا ، فإذا فعلت ذلك فلا تحزن عليه . وقال : يا بني ، ما أقبحٍ
الخطيئة مع المسكنة ! وأقبح الضلالة بعد الهدى ! وأقبح من ذلك رجل كان عابداً
فترك عبادة ربه .
وأخرج أحمد عن قتادة قال : قال سليمان عليه السلام : عجباً للتاجر : كيف
يخلص يحلف بالنهار وينام بالليل ؟؟

الجزء السابع عشر
٦٥٠
سورة الأنبياء
وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال : قال سليمان لابنه : يا بني ، إياك
والنميمة فإنها كحد السيف .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق حماد بن سلمة ، عن
حميد الطويل : أن إياس بن معاوية لما استقضى ، أتاه الحسن فرآه حزيناً فبكى
إياس فقال : ما يبكيك ؟! فقال : يا أبا سعيد ، بلغني أن القضاة ثلاثة : رجل
اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد
فأصاب فهو في الجنة . فقال الحسن : ان فيما قص اللّه من نبأ داود ما يرد ذلك . ثم
قرأ ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث﴾ حتى بلغ ﴿وكلاً آتينا حكماً وعلماً ﴾
فأثنى على سلیمان ولم يذم داود .
ثم قال: أخذ اللّه على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا بآياته ثمناً قليلا، ولا يتبعوا
الهوى ، ولا يخشوا الناس . ثم تلا هذه الآية ( يا داود إنا جعلناك خليفة في
الأرض )(١) الآية وقال ( فلا تخشوا الناس واخشون)(٢) وقال (ولا تشتروا بآياتي ثمناً
قليلاً )(٣) .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو
الشيخ في العظمة ، عن قتادة في قوله ﴿ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير﴾
قال : يصلين مع داود إذا صلى ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ قال : كانت
صفائح ، فأول من مدها وحلقها داود عليه السلام .
وأخرج عن السدي في قوله ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ قال : هي دروع
الحديد ﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ قال : من رتع السلاح فيكم.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ((لنحصنكم)) بالنون .
وأخرج الفريابي عن سليمان بن حيان قال : كان داود إذا وجد فترة ، أمر
الجبال فسبحت حتى يشتاق .
1
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، أن النبي ◌ٍَّ قال: ((كان عمر آدم ألف
سنة ، وكان عمر داود ستين سنة . فقال آدم : أي رب ، زده من عمري أربعين
٠
سنة . فأكمل لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة سنة)).
(١) ص ، آية ٢٦ .
(٢) المائدة ، آية ٤٤ .
(٣) المائدة ، ٤٤ .

الجزء السابع عشر
٦٥١
سورة الأنبياء
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحاكم
وصححه ، عن ابن عباس قال : مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة ،
فعكفت الطير عليه تظله .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : كان سلمان عليه
السلام يوضع له ستمائة ألف كرسي ، ثم يجيء أشراف الناس فيجلسون مما يليه ، ثم
يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي أشراف الانس ، ثم يدعو الطير فتظلهم ، ثم
يدعو الريح فتحملهم فيسير مسيرة شهر في الغداة الواحدة .
وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال : بلغنا أن سليمان عليه السلام كان
عسكره مائة فرسخ ، خمسة وعشرون منها للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة
وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على
الخشب ، فيها ثلثمائة حرة وسبعمائة سرية ، فأمر الريح العاصف فرفعته فأمر الريح
فسارت به ، فأوحى الله إليه ((أني أزيد في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا جاءت
الريح فأخبرتك » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : كان سلمان يأمر
الريح فتجتمع كالطود العظيم ، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها ، ثم يدعو
بفرس من ذوات الاجنحة فترتفع حتى تصعد على فراشه ، ثم يأمر الريح فترتفع به
كل شرف دون السماء ، فهو يطأطئ رأسه ما يلتفت يميناً ولا شمالاً تعظيماً لله وشكرا
لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله ، يضعه الريح حيث يشاء أن يضعه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كان لسليمان مركب من خشب وكان
فيه ألف ركن ، في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس ، تحت كل ركن
ألف شيطان يرفعون ذلك المركب ، فاذا ارتفع جاءت الريح الرخاء فسارت به وساروا
معه فلا يدري القوم إلا قد أظلهم من الجيوش والجنود .
وأخرج ابن عساكر عن السدي في قوله ﴿ولسليمان الريح عاصفة ﴾ قال :
الريح الشديدة ﴿ تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ﴾ قال : أرض الشام .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله ﴿ ولسليمان
الربح ﴾ الآية . قال : ورث الله لسلمان داود فورثه نبوته وملكه ، وزاده على ذلك
أنه سخر له الرياح والشياطين .

الجزء السابع عشر
٦٥٢
سورة الأنبياء
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قرأ ﴿ولسليمان الريح﴾ يقول : سخرنا
له الريح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ﴿ ومن الشياطين من يغوصون له ﴾
قال : يغوصون في الماء .
وأخرج الطبراني والديلمي عن ابن مسعود قال: ((ذكر عند النبي ◌َ له رقية
الحية فقال : اعرضها علي. فعرضها عليه بسم اللّه شجنية قرنية ملحة بحر قفطا .
فقال : هذه مواثيق أخذها سليمان على الهوام ولا أرى بها بأسا)).
وأخرج الحاكم عن الشعبي قال : أرخ بنو إسحق من مبعث موسى إلى ملك
سليمان .
قوله تعالى :
: وَأَتُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ وَأَنِى مَسَّنِ لِضُرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
*
الرَّحِمِينَ ﴾ فَاسْتَجْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرِّوَءَانَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم
تَّعَهُمْ رَحْمَةٌ مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىْ لِلْعَبِدِينَ * وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا
الْكِفْلِ كُّ مِنْ الصَّبِينَ ﴿ وَأَدْ خَلْنَهُمْ فِ رَحْمَيِّنَا إِنَّهُم ◌ِنَالصَّالِحِينَ.
أخرج الحاكم من طريق سمرة عن كعب قال : كان أيوب بن أموص نبي الله
الصابر طويلاً جعد الشعر واسع العينين حسن الخلق ، وكان على جبينه مكتوب :
المبتلى الصابر، وكان قصير العنق عريض الصدر غليظ الساقين والساعدين ، كان
يعطي الأرامل ويكسوهم جاهداً ناصحا لله .
وأخرج الحاكم عن وهب قال : أيوب بن أموص بن رزاح بن عيص بن
إسحق بن ابراهيم الخليل .
وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال : أول نبي بعث إدريس ، ثم نوح ثم
ابراهيم ، ثم إسماعيل وإسحق ، ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود، ثم صالح ثم
شعيب ثم موسى وهارون ، ثم الياس ثم اليسع ثم يونس ثم أيوب .
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال : كان أيوب أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالاً ،

الجزء السابع عشر
٦٥٣
سورة الأنبياء
فكان لا يشبع حتى يشبع الجائع ، وكان لا يكتسي حتى يكسى العاري ، وكان
إبليس قد أعياه أمر أيوب لقوته فلا يقدر عليه ، وكان عبداً معصوماً .
وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر، عن وهب أنه سئل : ما كانت شريعة
قوم أيوب ؟ قال : التوحيد وإصلاح ذات البين. واذا كانت لأحد منهم حاجة خر لله
ساجداً ثم طلب حاجته . قيل : فما كان ماله ؟ قال : كان له ثلاثة آلاف فدان ، مع
كل فدان عبد ، مع كل عبد وليدة ومع كل وليدة أتان وأربعة عشر ألف شاة، ولم
يبت ليلة له إلا وضيف وراء بابه ، ولم يأكل طعامه إلا ومعه مسكين .
وأخرج البيهقي في الشعب عن سفيان الثوري قال : ما أصاب إبليس من أيوب
في مرضه إلا الأنين .
وأخرج ابن عساكر عن عقبة بن عامر قال: قال النبي عَّيه .
((قال الله لأيوب: تدري ما جرمك إليّ حتى ابتليتك؟ فقال: لا يا رب. قال:
لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين)) .
وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : إنما
كان ذنب أيوب ، أنه استعان به مسكين على ظلم يدرؤه عنه فلم يعنه ، ولم يأمر
بمعروف وينه الظالم عن ظلم المسكين فابتلاه الله .
وأخرج ابن عساكر عن الليث بن سعد قال : كان السبب الذي ابتلي فيه
أيوب ، أنه دخل أهل قريته على ملكهم -- وهو جبار من الجبابرة - وذكر بعض ما
كان ظلمه الناس ، فكلموه فأبلغوا في كلامه ورفق أيوب في كلامه له مخافة منه
لزرعه، فقال الله: ((اتقيت عبدا من عبادي من أجل زرعك؟)) فأنزل الله به ما
أنزل من البلاء .
وأخرج ابن عساكر عن أبي ادريس الخولاني، قال : أجدب الشام، فكتب
فرعون إلى أيوب : أن هلم الينا فان لك عندنا سعة. فأقبل بخيله وماشيته وبنيه
فأقطعهم ، فدخل شعيب فقال فرعون : أما تخاف أن يغضب غضبة فيغضب لغضبه :
أهل السموات والأرض والجبال والبحار؟ فسكت أيوب ، فلما خرجا من عنده أوحى
اللّه إلى أيوب: أوسكت عن فرعون لذهابك إلى أرضه؟ استعد للبلاء. قال :
فديني ؟ قال : أسلمه لك . قال : لا أبالي .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن عساكر، عن يزيد بن ميسرة قال : لما
.٠٠٠٫٠

الجزء السابع عشر
٦٥٤
سورة الأنبياء
ابتلى الله أيوب بذهاب المال والأهل والولد، فلم يبق له شيء، أحسن الذكر والحمدلله
، رب العالمين. ثم قال : أحمدك رب الذي أحسنت اليّ ... قد أعطيتني المال والولد
فلم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخلها ذلك ، فأخذت ذلك كله مني وفرغت قلبي ،
فليس يحول بيني وبينك شيء لا يعلم عدوي إبليس الذي وصفت إلا حسدني ، فلقي
إبليس من هذا شيئاً منكراً .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : كان لأيوب
أخوان فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد ، فقال أحدهما
للآخر : لو كان اللّه علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا ، فجزع أيوب من قولها جزعاً لم
يجزع من شيء قط مثله ، قال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعا ، وأنا
أعلم مكان جائع فصدقني. فصدّق من في السماء وهما يسمعان، ثم خر ساجدا وقال:
اللهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني . فما رفع رأسه حتى كشف اللّه عنه .
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال : ضرب أيوب بالبلاء ، ثم بالبلاء بعد
البلاء بذهاب الأهل والمال ، ثم ابتلي في بدنه ، ثم ابتلي حتی قذف في بعض مزابل
بني اسرائيل ، فما يعلم أيوب دعا الله يوماً أن يكشف ما به ليس إلا صبراً واحتساباً ،
حتى مر به رجلان فقال أحدهما لصاحبه : لو كان للّ في هذا حاجة ما بلغ به هذا
كله . فسمع أيوب فشق عليه فقال: رب ﴿مسني الضر﴾ ثم رد ذلك الى ربه فقال
﴿وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم
ـ﴾ قال: ﴿وآتيناه أهله﴾ في الدنيا ﴿ومثلهم معهم﴾ في الآخرة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله
وآتيناه أهله ومثلهم معهم﴾ قال: قيل له : يا أيوب ، إن أهلك لك في الجنة ،
فإن شئت آتيناك بهم، وان شئت تركناهم لك في الجنة وعوّضناك مثلهم. قال : لا ،
؛ بل اتركهم لي في الجنة : فتركوا له في الجنة وعوّض مثلهم في الدنيا .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن نوف البكالي في قوله ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم
ـهم﴾ قال: اني أدخرهم في الآخرة وأعطي مثلهم في الدنيا . فحدث بذلك
مطرف فقال : ما عرفت وجهها قبل اليوم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني ، عن الضحاك قال : بلغ

الجزء السابع عشر
٦٥٥
سورة الأنبياء
ابن مسعود أن مروان قال في هذه الآية: ﴿وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال : أوتي
بأهل غير أهله ، فقال ابن مسعود : بل أوتي بأعيانهم ومثلهم معهم .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال : لم
يكونوا ماتوا ولكنهم غيبوا عنه، فأتاه أهله ﴿ومثلهم معهم ﴾ في الآخرة .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال :
أحياهم بأعيانهم وزاد إليهم مثلهم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن وقتادة في قوله ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم﴾
قال : أحيا اللّه له أهله بأعيانهم وزاده الله مثلهم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ومثلهم معهم﴾ قال : من نسلهم .
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال : ما كان بقي من أيوب عليه السلام إلا
عيناه وقلبه ولسانه ، فكانت الدواب تختلف في جسده ؛ ومكث في الكناسة سبع
سنين وأياما .
وأخرج أحمد عن نوف البكالي قال : مر نفر من بني اسرائيل بأيوب فقالوا : ما
أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه . فسمعها أيوب فعند ذلك قال ﴿ مسني الضر
وأنت أرحم الراحمين ﴾ وکان قبل ذلك لا يدعو .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : لقد مكث أيوب مطروحاً على كناسة سبع
سنين وأشهرا ما يسأل الله أن يكشف ما به وما على وجه الأرض ، خلق أكرم من
أيوب ، فيزعمون أن بعض الناس قال : لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به
هذا . فعند ذلك دعا .
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال : لم يكن بأيوب الأكلة ، إنما يخرج
منه مثل ثدي النساء ثم يتفقأ .
1
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿اني مسني الضر وأنت أرحم
الراحمين﴾ قال: إنه لما مسه الضر أنساه الله الدعاء أن يدعوه فيكشف ما به من
ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في اللّه إلا رغبة وحسن إيقان ، فلما
انتهى الأجل وقضى اللّه أنه كاشف ما به من ضر أذن له في الدعاء ويسّره له ، كان
قبل ذلك يقول تبارك وتعالى: ((لا ينبغي لعبدي أيوب أن يدعوني ثم لا أستجيب له))

الجزء السابع عشر
٦٥٦
سورة الأنبياء
فلما دعا استجاب له وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين ، رد أهله ومثلهم معهم ،
وأثنى عليه فقال ( إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوّاب ) .
وأخرج ابن جرير عن ليث قال : أرسل مجاهد رجلاً يقال له قاسم الى عكرمة
يسأله عن قول الله لأيوب ﴿وآتيناه أهله ومثلهم معهم﴾ فقال: قيل له: إن أهلك
لك في الآخرة ، فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا ؛ وان شئت كانوا لك في الآخرة
وآتيناك مثلهم في الدنيا . فقال : يكونون في الآخرة وأوتى مثلهم في الدنيا . فرجع الى
مجاهد فقال : أصاب .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله ﴿ رحمة من عندنا
وذكرى للعابدين ﴾ وقوله ( رحمة منا وذكرى لأولي الالباب)(١) قال: انما هو من
أصابه بلاء فذكر ما أصاب أيوب فليقل : إنه قد أصاب من هو خير مني نبي من
الأنبياء .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : بقي أيوب على كناسةٍ لبني اسرائيل سبع سنين
وأشهراً تختلف فيه الدواب .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: إن أيوب آتاه الله تعالى مالا وولدا وأوسع
عليه ، فله من الشياه والبقر والغنم والابل. وإن عدو الله إبليس قيل له: ((هل تقدر
أن تفتن أيوب ؟ قال : رب ، إن أيوب أصبح في دنيا من مال وولد فلا يستطيع إلا
شكرك ، فسلطني على ماله وولده فسترى كيف يطيعني ويعصيك . فسلط على ماله
وولده فكان يأتي الماشية من ماله من الغنم فيحرقها بالنيران ، ثم يأتي أيوب وهو يصلي
متشبهاً براعي الغنم فيقول : يا أيوب ، تصلى لرب ؟ ما ترك اللّه لك من ماشيتك شيئاً
من الغنم إلا أحرقها بالنيران. وكنت ناحية فجئت لأخبرك. فيقول أيوب : اللهم أنت
أعطيت وأنت أخذت مها يبق شيء أحمدك على حسن بلائك . فلا يقدر منه على
شيء مما يريد ، ثم يأتي ماشيته من البقر فيحرقها بالنيران . ثم يأتي أيوب فيقول له
ذلك ، ويرد عليه أيوب مثل ذلك . وكذلك فعل بالإبل حتى ما ترك له ماشية حتى
هدم البيت على ولده ، فقال : يا أيوب ، أرسل الله على ولدك من هدم عليهم
البيوت حتى يهلكوا ! فيقول أيوب مثل ذلك . وقال : رب هذا حين أحسنت إلي
الاحسان کله قد کنت قبل الیوم یشغلني حب المال بالنهار ویشغلني حب الولد بالليل
(١) ص ، آية ٤٣ .

الجزء السابع عشر
٦٥٧
سورة الأنبياء
شفقة عليهم ، فالآن أفرغ سمعي لك وبصري وليلي ونهاري بالذكر والحمد والتقديس
والتهليل . فينصرف عدو الله من عنده ولم يصب منه شيئاً مما يريد، ثم إن الله تعالى
قال : كيف رأيت أيوب ؟ قال ابليس : إن أيوب قد علم أنك سترد عليه ماله
وولده ، ولكن سلطني على جسده فان أصابه الضر فيه أطاعني وعصاك . فسلط على
جسده فأتاه فنفخ فيه نفخة أقرح من لدن قرنه الی قدمه ، فأصابه البلاء بعد البلاء
حتى حمل فوضع على مزبلة كناسة لبني اسرائيل ، فلم يبق له مال ولا ولد ولا صديق
ولا أحد يقربه غير رحمة صبرت عليه ، تصدق عليه وتأتيه بطعام وتحمد الله معه إذا
حمده ، وأيوب على ذلك لا يفر من ذكر الله والتحميد والثناء على الله والصبر على ما
ابتلاه الله ، فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرضين جزعا من صبر
أيوب ، فاجتمعوا إليه وقالوا له : اجتمعنا اليك ، ما أحزنك !؟ ما أعياك ؟ قال :
أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني على ماله وولده ، فلم أدع له مالاً ولا
ولداً فلم يزدد بذلك إلا صبرا وثناء على الله تعالى وتحميداً له ، ثم سلطت على جسده
فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني اسرائيل لا تقربه إلا إمرأته ، فقد افتضحت بربي
فاستعنت بكم لتعينوني عليه . فقالوا له : أين مكرك ؟ أين علمك الذي أهلكت به
من مضى ؟ قال : بطل ذلك كله في أيوب ، فأشيروا علي . قالوا : نشير عليك ،
أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة ؟ من أين أتيته ؟ قال : من قبل امرأته . قالوا :
فشأنك بأيوب من قبل امرأته ، فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه غيرها .
قال : أصبتم. فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق ، فتمثل لها في صورة رجل
فقال : أين بعلك يا أمة الله؟ قالت : ها هو ذاك يحك قروحه ويتردد الدود في
جسده. فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع ، فوضع في صدرها فوسوس إليها
فذكرها ما كانت فيه من النعم والمال والدواب ، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو
فيه من الضر، وإن ذلك لا ينقطع عنهم أبداً فصرخت ، فلما صرخت علم أن قد
جزعت فأتاها بسخلة فقال : ليذبح هذا إلى أيوب ويبرأ . فجاءت تصرخ :
يا أيوب ، يا أيوب ... حتى متى يعذبك ربك ؟ ألا يرحمك ؟ أين المال ؟ أين
الشباب ؟ أين الولد ؟ أين الصديق ؟ أين لونك الحسن الذي بلي وتلدد فيه
الدواب .. ؟ اذبح هذه السخلة واسترح. قال أيوب : أتاكِ عدو الله فنفخ فيك
فوجد فيك رفقا فأجبتِهِ ، ويلكِ أرأيتِ ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من
الدر المنثور م ٤٢ ج ٥

الجزء السابع عشر
٦٥٨
سورة الأنبياء
المال والولد والصحة والشباب من أعطانيه ؟ قالت : اللّه .. قال : فكم متعنا ؟
قالت : ثمانين سنة. قال : فمذكم ابتلانا اللّه بهذا البلاء الذي ابتلانا به ؟ قالت :
سبع سنين وأشهرا . قال : ويلكِ ... واللّه ما عدلت ولا أنصفت ربك، الا صبرت
حتى نكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربنا ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة ،
والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة حيث أمرتني أن أذبح لغير الله ، طعامكِ
وشرابك الذي أتيتني به عليّ حرام أن أذوق شيئاً مما تأتي به بعد إذ قلتِ لي هذا ،
فاعزبي عني فلا أراكِ . فطردها فذهبت ، فقال الشيطان : هذا قد وطّن نفسه
ثمانين سنة على هذا البلاء الذي هو فيه ، فباء بالغلبة ورفضه . ونظر إلى أيوب قد طرد
امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق ، ومرّ به رجلان وهو على تلك الحال
ولا واللّه، ما على ظهر الأرض يومئذ أكرم على الله من أيوب فقال أحد الرجلين
لصاحبه : لو كان الله في هذا حاجة ما بلغ به هذا . فلم يسمع أيوب شيئاً كان أشد
عليه من هذه الكلمة فقال: رب، ﴿ مسني الضر﴾ ثم رد ذلك الى اللّه فقال:
﴿وأنت أرحم الرحمين﴾ فقيل له (اركض برجلك هذا مغتسل بارد) (١) فركض
برجله فتبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط ، فأذهب اللّه
عنه كل ألم وكل سقم وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان ، ثم ضرب برجله فنبعت
عين أخرى ، فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج . فقام صحيحا وكسي حلة
فجعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله له ، حتى
ذكر لنا أن الماء الذي اغتسل به تطاير على صدره جراد من ذهب ، فجعل يضمه
بيده فأوحى الله إليه: ((يا أيوب ، ألم اغنك عن هذا ؟ قال : بلى ، ولكنها بركتك
فمن يشبع منها))؟ فخرج حتى جلس على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت :
أرأيت إن كان طردني إلى من أكله ، أدعه يموت جوعاً أو يضيع فتأكله السباع ؟
الأرجعن إليه . فرجعت فلا كناسة ترى ولا تلك الحال التي كانت ، واذا الأمور قد
تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي ، وذلك بعين أيوب ، وهابت
صاحب الحلة أن تأتيه فتسأل عنه فأرسل إليها أيوب فدعاها فقال : ما تريدين يا أمة
اللّه؟ فبكت وقالت : أريد ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة ، لا أدري
أضاع أم ما فعل ! قال لها أيوب : ما كان منكِ ؟ فبكت وقالت : بعلي ، فهل
(١) ص ، آية ٤٢ .
1

الجزء السابع عشر
٦٥٩
سورة الأنبياء
رأيته ؟ فقال : وهل تعرفينه اذا رأيته ؟ قالت : وهل يخفى على أحد رآه ؟ ثم جعلت
تنظر اليه ويعرّفها به ، ثم قالت : أما إنه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا .
قال : فإني أيوب الذي أمرتني أن أذبح للشيطان ، واني أطعت الله وعصيت
الشيطان ودعوت اللّه فردّ عليّ ما ترين .
ثم إن اللّه رحمها لصبرها معه على البلاء فأمره تخفيفاً عنها أن يأخذ جماعة من
الشجر فيضربها ضربة واحدة تخفيفا عنها بصبرها معه)) .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر ،
عن وهب قال : لم يكن الذي أصاب أيوب الجذام ولكنه أصابه أشد من ذلك ،
كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ .
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن الحسن قال : ان كانت الدودة لتقع من جسد
أيوب فيأخذها الى مكانها ويقول : كلي من رزق الله .
وأخرج الحاكم والبيهقي في الشعب وابن عساكر ، عن ابن عباس أن امرأة أيوب
قالت له : والله قد نزل بي من الجهد والفاقة ما إن بعت قرني برغيف فأطعمتك ،
وإنك رجلٍ مجاب الدعوة فادع الله أن يشفيك . فقال : ويحكِ ... كنا في النعماء
سبعين عاماً فنحن في البلاء سبع سنين .
وأخرج ابن أبي الدنيا وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن عساكر، عن
طلحة بن مصرف قال : قال إبليس : ما أصبت من أيوب شيئاً قط أفرح به ، إلا
أني كنت إذا سمعت أنينه علمت أني أوجعته .
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر، عن مجاهد قال : إن أول من أصابه
الجدري أيوب عليه السلام .
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم
وصححه وابن مردويه، عن أنس أن رسول اللّه مَ له قال .
((ان أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من
إخوانه كانا من أخص إخوانه ، كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه
ذات يوم : تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد . قال : وما ذاك؟ قال :
منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف عنه ما به . فلما جاء إلى أيوب لم يصبر
الرجل حتى ذكر له ذلك ، فقال أيوب : لا أدري ما تقول ، غير أن الله يعلم أني

الجزء السابع عشر
٦٦٠
سورة الأنبياء
كنت أمر بالرجلين يتباعدان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فاؤلف بينهما كراهة أن يذكر
اللّه لا في حق . وكان يخرج لحاجته فاذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى
يبلغ ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن ( اركض
برجلك هذا مغتسل بارد وشراب )(١) فاستبطأته فأتته فأقبل عليها قد أذهب الله ما به
من البلاء وهو أحسن ما كان ، فلما رأته قالت : أي بارك الله فيك ، هل رأيت نبي
اللّه المبتلى؟ والله على ذاك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً . قال : فإني
أنا هو. قال : وكان له اندران ، اندر للقمح وأندر للشعير ، فبعث الله سحابتين فلما
كانت إحداهما على اندر القمح ، أفرغت فيه الذهب حتى فاض ، وأفرغت الأخرى
في أندر الشعير الورق حتى فاض .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك ، عن ابن
عباس قال: سألت النبي ◌ٍَّ عن قوله ﴿ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قال:
رد الله امرأته إليه وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ذكرا ، وأهبط الله إليه
ملكاً فقال : يا أيوب ، ربك يقرئك السلام بصبرك على البلاء ، فاخرج إلى
اندرك . فبعث الله سحابة حمراء فهبطت عليه بجراد الذهب والملك قائم يجمعه ،
فكانت الجراد تذهب فيتبعها حتى يردها في أندره . قال الملك : يا أيوب ، أو ما
تشبع من الداخل حتى تتبع الخارج؟ فقال : ان هذه بركة من بركات ربي ولست
أشبع منها .
وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي في الاسماء والصفات ، عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّم قال: (( بينا أيوب يغتسل عريانا خرّ عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب
يحثي في ثوبه فناداه ربه: ((يا أيوب، ألم أكن اغنيتك عما ترى ؟ قال: بلى
وعزتك ، ولكن لا غنى لي عن بركتك)).
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه ، عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّ قال: ((لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب ، فجعل يأخذه
بيده ويجعله في ثوبه ، فقيل له : يا أيوب ، أما تشبع ؟ قال : ومن يشبع من فضلك
ورحمتك ؟ )).
(١) ص ، آية ٤٢ .