Indexed OCR Text

Pages 241-260

الجزء الاول
٢٤١
سورة البقرة
وشرطتها ان تصعدا بي الى السماء فعلت . فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان ثم صعدا بها الى
السماء، فلما انتهیا الى السماء اختطفت منهما وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان .
وفي الارض نبي يدعو بين الجمعتين ، فاذا كان يوم الجمعة أجيب فقالا : لو
أتينا فلانا فسألناه يطلب لنا التوبة . فأتياه فقال: رحمكما اللّه كيف تطلب أهل
الارض لأهل السماء؟ قالا : إنا ابتلينا . قال : ائتياني يوم الجمعة ، فأتياه فقال : ما
أجبت فيكما بشيء ائتياني في الجمعة الثانية ، فأتياه فقال : اختارا فقد خيرتما ان
أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة ، وان أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على
حكم الله. قال أحدهما : الدنيا لم يمض منها الا القليل، وقال الآخر :
ويحك ...! اني قد أطعتك في الأول فأطعني الآن ، وان عذابا يفنى ليس كعذاب
يبقى. قال: اننا يوم القيامة على حكم الله فاخاف ان يعذبنا. قال : لا اني أرجو
أن علم اللّه أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما اللّه علينا .
قال فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من
نار ، أعاليهما أسافلهما قال ابن كثير : إسناده جيد ، وهو أثبت وأصح اسنادا من
رواية معاوية بن صالح عن نافع .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان
عن ابن عباس قال : لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر
باللّه، قالت الملائكة في السماء : رب هذا العالم الذي انما خلقتهم لعبادتك
وطاعتك ، وقد وقعوا فيما وقعوا فيه ، وركبوا الكفر، وقتل النفس ، وأكل مال
الحرام ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم .
فقيل : انهم في غيب فلم يعذروهم . فقيل لهم : اختاروا منكم من أفضلكم ملكين
آمرهما وأنهاهما ، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا الى الارض ، وجعل لهما شهوات
بني آدم ، وأمرهما أن يعبداه ولا يشركا به شيئاً ، ونهاهما عن قتل النفس الحرام ،
وأكل مال الحرام ، وعن الزنا ، وشرب الخمر ، فلبثا في الارض زمانا يحكمان بين
الناس بالحق ، وذلك في زمان ادريس ، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء
كحسن الزهرة في سائر الكواكب ، وانهما أتيا عليها فخضعا لها في القول ، وأراداها
عن نفسها فأبت الا أن يكونا على أمرها ودينها ، فسألاها عن دينها فأخرجت لهما
صنما ، فقالت : هذا أعبده. فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا .
الدر المنثورم ١٥ ج ١

الجزء الاول
٢٤٢
سورة البقرة
فذهبا فغبرا ما شاء اللّه ، ثم أتيا عليها فأراداها عن نفسها ، ففعلت مثل ذلك ،
فذهبا ثم أتيا عليها فاراداها على نفسها ، فلما رأت انهما أبيا ان يعبدا الصنم قالت
لهما : اختارا احد الخلال الثلاث . اما أن تعبدا هذا الصنم ، واما ان تقتلا هذا.
النفس ، وإما أن تشربا هذا الخمر ، فقالا : كل هذا لا ينبغي وأهون الثلاثة شرب
الخمر. فأخذت منهما فواقعا المرأة ، فخشيا أن يخبر الانسان عنهما فقتلاه ، فلما
ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعد الى السماء فلم
يستطيعا ، وحيل بينهما وبين ذلك وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء ،
فنظرت الملائكة الى ما وقعا فيه فعجبوا كل العجب ، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو
أقل خشية ، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض ، فنزل في ذلك ( والملائكة
يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض )(١) .
فقيل لهما : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ؟ فقالا : أما عذاب الدنيا
فانه ينقطع ويذهب ، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له ، فاختارا عذاب الدنيا
فجعلا ببابل فهما يعذبان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ان أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل
الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي ، فقالوا : يا رب أهل الأرض يعملون بالمعاصي !
فقال اللّه: أنتم معي وهم غُيُبٌ عني . فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة : فاختاروا
منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض يحكمون بين أهل الأرض وجعل فيهم شهوة
الآدميين ، فأمروا أن لا يشربوا خمراً ، ولا يقتلوا نفساً ، ولا يزنوا ، ولا يسجدوا
لوثن . فاستقال منهم واحد فأقيل فاهبط اثنان الى الارض ، فأتتهما امرأة من أحسن
الناس يقال لها أناهيلة فهوياها جميعاً ، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها فاراداها ،
فقالت لهما : لا حتى تشربا خمري ، وتقتلا ابن جاري ، وتسجدا لوثني . فقالا : لا
نسجد. ثم شربا من الخمر ، ثم قتلا ، ثم سجدا ، فأشرف أهل السماء عليهما ،
وقالت لهما : أخبراني بالكلمة التي اذا قلتماها طرتما ، فأخبراها فطارت فمسخت جمرة
وهي هذه الزهرة ، واما هما فأرسل اليهما سليمان بن داود ، فخیرهما بین عذاب الدنيا .
وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، فهما مناطان بين السماء والأرض .
(١) الشوري الآية ٥ .

الجزء الاول
٢٤٣
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود وابن عباس
قالا : لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال : ربنا لا
تمهلهم . فأوحى الله إلى الملائكة : اني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ، ولو
تركتكم لفعلتم أيضاً. قال : فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا لعصموا ، فاوحى الله
اليهم : ان اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت فاهبطا الى
الارض ، وأنزلت الزهرة اليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيدخت .
قال : فواقعاها بالخطيئة ، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ، فلما وقعا
بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ،
فاختارا عذاب الدنيا .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن
عبيد اللّه بن عبدالله في هذه الآية. كانا ملكين من الملائكة فاهبطا ليحكما بين
الناس ، وذلك ان الملائكة سخروا من حكام بني آدم ، فحاكمت اليهما امرأة فخافا
لها ، ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك ، وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب
الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا .
وأخرج سعيد بن منصور عن خصيف قال : كنت مع مجاهد ، فمر بنا رجل من
قريش فقال له مجاهد : حدثنا ما سمعت من أبيك ؟ قال : حدثني أبي : أن
الملائكة حين جعلوا ينظرون الى أعمال بني آدم وما يركبون من المعاصي الخبيثة وليس
يستر الناس من الملائكة شيء ، فجعل بعضهم يقول لبعض : انظروا الى بني آدم
كيف يعملون كذا وكذا ما أجرأهم على اللّه ، يعيبونهم بذلك! فقال الله لهم : لقد
سمعت الذي تقولون في بني آدم ، فاختاروا منكم ملكين أهبطهما الى الارض ،
واجعل فيهما شهوة بني آدم ، فاختاروا هاروت وماروت ، فقالوا : يا رب ليس فينا
مثلهما . فأهبطا الى الارض ، وجعلت فيهما شهوة بني آدم ، ومثلت لهما الزهرة في
صورة امرأة ، فلما نظرا اليها لم يتمالكا ان تناولا ما اللّه أعلم به ، وأخذت الشهوة
بأسماعهما وأبصارهما ، فلما أراد أن يطيرا الى السماء لم يستطيعا ، فأتاهما ملك فقال :
انكما قد فعلتما ما فعلتما ، فاختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . فقال أحدهما
للآخر : ماذا ترى ؟! قال : أرى ان أعذب في الدنيا ثم أعذب أحبّ اليّ من أن
أعذب ساعة واحدة في الآخرة ، فهما معلقان منكسان في السلاسل وجعلا فتنة .

الجزء الاول
٢٤٤
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : ان الله أفرج السماء الى ملائكته ينظرون
الى أعمال بني آدم ، فلما أبصروهم يعملون بالخطايا قالوا : يا رب هؤلاء بنو آدم الذي
خلقت بيدك ، وأسجدت له ملائكتك ، وعلمته أسماء كل شيء ، يعملون
بالخطايا . قال : اما انكم لوكنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم . قالوا : سبحانك ما
كان ينبغي لنا ، فأمِروا أن يختاروا من يهبط الى الارض ، فاختاروا هاروت وماروت
وأهبطا الى الارض ، واحل لهما ما فيها من شيء غير انهما لا يشركا باللّه شيئاً ، ولا
يسرقا ، ولا يزنيا ، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق ،
فعرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن يقال لها بيذخت ، فلما أبصراها أراداها
قالت: لا، الا أن تشركا باللّه، وتشرب الخمر، وتقتلا النفس ، وتسجدا لهذا
الصنم. فقالا : ما كنا لنشرك بالله شيئاً! فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها .
فقالت : لا ، الا ان تشربا الخمر ، فشربا حتى ثملا ، ودخل عليهما سائل فقتلاه ،
فلما وقعا فيما وقعا فيه أفرج الله السماء لملائكته ، فقالوا : سبحانك ...! أنت أعلم .
فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا
عذاب الدنيا ، فكبلا من أكعبهما الى أعناقهما يمثل أعناق البخت ، وجعلا ببابل .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء
قال: قال رسول اللّه ◌َ له ((احذروا الدنيا فانها اأسحر من هاروت وماروت)).
وأخرج الخطيب في رواية مالك عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه عَ لَه ((قال
أخي عيسى : معاشر الحواريين احذروا الدنيا لا تسحركم ، لهي والله أشد سحراً من
هاروت وماروت ، واعلموا ان الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة ، وان لكل واحدة منهما
بنين فكونوا من أبناء الآخرة دون بني الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغداً
الحساب ولا عمل))
.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبدالله بن بسر المازني قال : قال
رسول اللّه عَِّ ((اتقوا الدنيا، فوالذي نفسي بيده انها لأسحر من هاروت
وماروت)) .
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من
المعاصي والكفر باللّه قالت الملائكة في السماء : أي رب هذا العالم انما خلقتهم
لعبادتك وطاعتك وقد ركبوا الكفر، وقتل النفس الحرام ، وأكل المال الحرام ،
۔۔۔

الجزء الاول
٢٤٥
سورة البقرة .
والسرقة ، والزنا ، وشرب الخمر ، فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم . فقيل لهم :
انهم في غيب فلم يعذروهم ، فقيل لهم : اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري وأنهاهما
عن معصيتي. فاختاروا هاروت وماروت ، فأهبطا الى الارض وجعل بهما شهوات
بني اسرائيل ، وأمرا ان يعبدا اللّه وان لا يشركا به شيئاً، ونهيأ عن قتل النفس
الحرام، وأكل المال الحرام ، والسرقة ، والزنا ، وشرب الخمر، فلبثا على ذلك في
الأرض زماناً یحکمان بين الناس بالحق وذلك في زمان ادريس .
وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب ،
وانها أبت عليهما فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها، وانها أبت الا أن يكونا على
أمرها ودينها ، وانهما سألاها عن دينها الذي هي عليه ، فأخرجت لهما صنماً
فقالت : هذا أعبده. فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا ، فذهبا فصبرا ما شاء الله
ثم أتيا عليها ، فخضعا لها ما شاء اللّه بالقول وأراداها على نفسها ، فقالت : لا ، الا
أن تكونا على ما أنا عليه . فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا .
فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما : اختارا احدى الخلال الثلاث .
اما أن تعبدا الصنم ، أو تقتلا النفس ، أو تشربا هذا الخمر ، فقالا : كل هذا لا
ينبغي وأهون الثلاثة شرب الخمر. وسقتهما الخمر حتى اذا أخذت الخمرة فيهما، وقعا
بها ، فمر بهما انسان وهما في ذلك ، فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه .
فلما أن ذهب عنهما السكر عرفًا ما قد وقعا فيه من الخطيئة ، وأرادا أن يصعد الى
السماء فلم يستطيعا ، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء ، فنظرت الملائكة الى
ما قد وقعا فيه من الذنوب ، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد
ذلك يستغفرون لمن في الارض ، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة قيل لها : اختارا
عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، فقالا : أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب ، وأما
عذاب الآخرة فلا انقطاع له ، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا بيابل فهما يعذبان)) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ان هاروت وماروت أهبطا الى
الارض ، فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي ، وقالا له : انما نحن فتنة فلا
تكفر . وذلك انهما علم الخير والشر والكفر والايمان ، فعرفا أن السحر من الكفر ،
فاذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا ، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه ، فان
تعلمه خرج منه النور، فينظر اليه ساطعاً في السماء .

الجزء الاول
٢٤٦
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة
أنها قالت: قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول اللّه عَ ل بعد موته
حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به . قالت : كان لي
زوج غاب عني ، فدخلت على عجوز فشكوت اليها ، فقالت : ان فعلت ما آمرك
فأجعله يأتيك ، فلما كان الليل جاءتني بكلبين اسودين ، فركبت أحدهما وركبت
الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل ، فاذا أنا برجلين معلقين بأرجلها ،
فقالا : ما جاء بك ؟ فقلت : أتعلم السحر. فقالا : أما نحن فتنة فلا تكفري
وارجعي . فأبيت وقلت : لا . قالا : فاذهبي الى ذلك التنور فبولي فيه ثم اثتي ،
فذهبت ، فاقشعر جلدي وخفت ، ثم رجعت اليهما فقلت : قد فعلت . فقالا : ما
رأيت ؟ فقلت : لم أرشيئاً . فقالا : كذبت ، لم تفعلي ارجعي إلى بلادك ولا تكفري
فانك على رأس أمرك ، فأبيت .
فقالا اذهبي الى ذلك التنور فبولي فيه وذهبت قبلت فيه ، فرأيت فارساً مقنعاً
بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى ما أراه ، وجئتهما فقلت :
قد فعلت . فقالا : فما رأيت ؟ فقلت : رأيت فارساً مقنعاً خرج مني فذهب في
السماء حتى ما أراه. قالا : صدقت ، ذلك ايمانك خرج منك اذهبي . فقلت
للمرأة: والله ما أعلم شيئاً ولا قالا لي شيئاً. فقالت: لا، لم تريدي شيئاً إلا كان خذي
هذا القمح فابذري ، فبذرت وقلت اطلعي فاطلعت ، وقلت احقلي فاحقلت ، ثم
قلت افركي فأفركت ، ثم قلت ايبسي فأيبست ، ثم قلت اطحني فأطحنت ، ثم قلت
اخبزي فأخبزت ، فلما رأيت اني لا أريد شيئاً الا كان سقط في يدي ، وندمت والله
يا أم المؤمنين ما فعلت شيئاً ولا أفعله أبداً، فسألت أصحاب رسول اللّه عَليه وهم
يومئذ متوافرون ، فما دروا ما يقولون لها ، وكلهم خاف أن يفتيها بما لا يعلمه ، الا أنه
قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده ، لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا
يكفيانك .
وأخرج ابن المنذر من طريق الاوزاعي عن هارون بن رباب قال : دخلت على
عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة وهو متكىء عليها ، فقالوا : هذا
قد لقي هاروت وماروت . فقلت: هذا ...! قالوا : نعم. فقلت حدثنا رحمك الله .
فأنشأ يحدث فلم يتمالك من الدموع فقال : كنت غلاماً حدثاً ولم أدرك أبي ، وكانت

الجزء الاول
٢٤٧
سورة البقرة
أمي تعطيني من المال حاجتي فانفقه وافسده وأبذره ولا تسألني أمي عنه ، فلما طال
ذلك وكبرت أحببت أن أعلم من أين لأمي هذه الأموال ، فقلت لها يوماً : من أين
لك هذه الأموال؟ فقالت : يا بني كل وتنعم ولا تسأل فهو خير لك ، فألححت عليها
فقالت : ان أباك كان ساحراً ، فلم أزل أسألها وألح ، فأدخلتني بيتاً فيه أموال كثيرة
فقالت : يا بني هذا كله لك فكل وتنعم ولا تسأل عنه . فقلت : لا بد من أن أعلم
من أين هذا .
قال : فقالت : يا بني كل وتنعم ولا تسأل فهو خير لك . قال : فألححت عليها
فقالت : أن أباك كان ساحراً وجمع هذه الأموال من السحر. قال : فأكلت ما
أكلت ومضى ما مضى ، ثم تفكرت قلت : يوشك ان يذهب هذا المال ويفنى ،
فينبغي أن أتعلم السحر فأجمع كما جمع أبي ، فقلت لأمي : من كان خاصة أبي
وصديقه من أهل الأرض ؟ قالت : فلان لرجل في مكانٍ ما . فتجهزت فأتيته
فسلمت عليه ، فقال : من الرجل ؟ قلت : فلان بن فلان صديقك . قال : نعم
مرحباً ، ما جاء بك فقد ترك أبوك من المال ما لا يحتاج الى أحد ؟ قال : فقلت :
جئت لأتعلم السحر. قال : يا بني لا تريده لا خير فيه. قلت : لا بد من أن
أتعلمه . قال : فناشدني وألح علي أن لا أطلبه ولا أريده. فقلت : لا بد من أن
أتعلمه
قال : أما اذا أبيت فاذهب فاذا كان يوم كذا وكذا فوافني ههنا . قال : ففعلت
فوافيته قال : فأخذ يناشدني أيضاً وينهاني ويقول : لا تريد السحر لا خير فيه . فأبيت
عليه ، فلما رآني قد أبيت قال : فاني أدخلك موضعاً فاياك أن تذكر الله فيه ...!
قال : فأدخلني في سرب تحت الارض. قال: فجعلت أدخل ثلثمائة وكذا مرقاة ولا
أنكر من ضوء النهار شيئاً ، قال : فلما بلغت أسفله اذا أنا بهاروت وماروت معلقان
بالسلاسل في الهواء ، قال : فاذا أعينهما كالترسة ، ورؤوسهما ذكر شيئاً لا أحفظه ،
ولهما أجنحة ، فلما نظرت اليهما قلت : لا اله الا الله قال : فضربا بأجنحتها ضربا
شديداً وصاحا صياحاً شديداً ساعة ثم سكتا ، ثم قلت : أيضا لا اله إلا الله ، ففعلا
مثل ذلك ، ثم قلت الثالثة ففعلا مثل ذلك أيضا، ثم سكتا وسكت ، فنظرا الي
فقالا لي : آدمي ... ؟ فقلت: نعم. قال: قلت ما بالكما حين ذكرت اللّه فعلتما ما
فعلتما ...! قالا : ان ذلك اسم لم نسمعه من حين خرجنا من تحت العرش .

الجزء الاول
٢٤٨
سورة البقرة
قالا : من أمة من؟ قلت: من أمة محمد عَّةٍ . قالا: أو قد بعث ؟ قلت :
نعم. قالا : اجتمع الناس على رجل واحد أو هم مختلفون ؟ قلت : قد اجتمعوا على
رجل واحد. قال : فساءهما ذلك فقالا : كيف ذات بينهم ؟ قلت : سيىء.
فسرهما ذلك فقالا : هل بلغ البنيان بحيرة الطبرية؟ قلت : لا . فساءهما ذلك
فسكتا .
فقلت لهما : ما بالكما حين أخبرتكما باجتماع الناس على رجل واحد ساءكما
ذلك ؟ فقالا : ان الساعة لم تقرب ما دام الناس على رجل واحد. قلت : فما
بالكما سركما حين أخبرتكما بفساد ذات البين ؟ قالا : لأنا رجونا اقتراب الساعة .
قال : قلت : فما بالكما ساء كما ان البنيان لم يبلغ بحيرة الطبرية ؟ قالا : لان الساعة لا
تقوم أبدا حتى يبلغ البنيان بحيرة الطبرية . قال : قلت لهما : أوصياني . قالا : ان
قدرت ان لا تنام فافعل فان الأمر جد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : وأما شأن هاروت وماروت
فان الملائكة عجبت من ظلم بني آدم ، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات ، فقال
لهم ربهم : اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الارض بين بني آدم ، فاختاروا فلم
يألوا بهاروت وماروت ، فقال لهما حين أنزلهما : أعجبتما من بني آدم ومن ظلمهم
ومعصيتهم وانما تأتيهم الرسل والكتب من وراء بوراء ، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول
فافعلا كذا وكذا ودعا كذا وكذا ، فأمرهما بأمر وتهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد
۔۔
للّه أطوع منهما ، فحكما فعدلا فكانا يحكمان النهار یین بنى آدم ، فاذا أمسيا عرجا وكانا
مع الملائكة ، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان حتى أنزلت عليهما الزهرة في
أحسن صورة امرأة تخاصم فقضيا عليها .
فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه فقال أحدهما لصاحبه : وجدت مثل ما
وجدت ؟ قال : نعم. فبعثا اليها ان اثتينا نقض لك . فلما رجعت قضيا لها ، وقالا
لها : ائتينا فاتتهما فكشفا لها عن عورتهما ، وانما كانت شهوتهما في أنفسهما ولم يكونا
كبني آدم في شهوة النساء ولذتها ، فلما بلغا ذلك واستحلاه وافتتنا طارت الزهرة
فرجعت حيث كانت ، فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما ولم تحملهما أجنحتهما ،
فاستغاثا برجل من بني آدم فأتياه فقالا : ادع لنا ربك . فقال : كيف يشفع أهل
الارض لأهل السماء ؟ قالا : سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء . فوعدهما يوما وعدا

الجزء الاول
٢٤٩
سورة البقرة
يدعو لهما ، فدعا لهما فاستجيب له فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فنظر
أحدهما الى صاحبه فقالا : نعلم ان أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد []
نعم ، ومع الدنيا سبع مرات مثلها ، فأمرا أن ينزلا ببابل فثم عذابهما ، وزعم أنهما
معلقان في الحديد مطويان يصطفقان باجنحتهما .
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات وابن مردويه والديلمي عن علي ((أن النبي
عَّةٍ سئل عن المسوخ فقال: هم ثلاثة عشر. الفيل ، والدب ، والخنزير،
والقرد ، والجريث ، والضب ، والوطواط، والعقرب ، والدعموص ،
والعنكبوت، والارنب، وسهيل ، والزهرة ، فقيل: يا رسول اللّه وما سبب
مسخهن ؟ فقال : أما الفيل فكان رجلا جبارا لوطيا لا يدع رطبا ولا يابسا ، وأما
الدب فكان مؤنثا يدعو الناس إلى نفسه ، وأما الخنزير فكان من النصارى الذين
سألوا المائدة فلما نزلت كفروا ، وأما القردة فيهود اعتدوا في السبت ، وأما الجريث
فكان ديوثا يدعو الرجال الى حليلته ، وأما الضب فكان اعرابيا يسرق الحاج
بمحجنه ، وأما الوطواط فكان رجلا يسرق الثمار من رؤوس النخل، وأما العقرب
فكان رجلا لا يسلم أحد من لسانه، وأما الدعموص فكان نماما يفرق بين الأحبة ،
وأما العنكبوت فامرأة سحرت زوجها ، وأما الأرنب فامرأة كانت لا تطهر من
حيض ، وأما سهيل فكان عشارا باليمن ، وأما الزهرة فكانت بنتا لبعض ملوك بني
اسرائيل افتتن بها هاروت وماروت)).
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال: جاء جبريل إلى النبي عَّ في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه ، فقام اليه
رسول اللّه عَ ل فقال (( يا جبريل ما لي أراك متغير اللون؟! فقال: ما جئتك حتى أمر
اللّه بمفاتيح النار. فقال رسول اللّه عَ له: يا جبريل صف لي النار وانعت لي جهنم.
فقال جبريل : ان الله تبارك وتعالى أمر بجهنم فاوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ، ثم
أمر فاوقد عليها ألف عام حتى احمرت ، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت ،
فهي سوداء مظلمة لا يضيء شررها ولا يعطفأ لهبها ، والذي بعثك بالحق لو ان ثقب
ابرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعا من حره ، والذي بعثك بالحق لو
ان ثوبا من ثياب الكفار علق بين السماء والارض لمات من في الأرض جميعا من
حره ، والذي بعثك بالحق لو ان خازنا من خزنة جهم برز الى أهل الدنيا فنظروا اليه

الجزء الاول
٢٥٠
سورة البقرة
لمات من في الارض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه ، والذي بعثك بالحق لو ان
حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت اللّه في كتابه وضعت على جبال الدنيا
لارفضت وما تقارت حتى تنتهي الى الارض السفلى. فقال رسول اللّه عز لته («حسبي
يا جبريل، فنظر رسول اللّه ◌َي الى جبريل وهو يبكي فقال : تبكي يا جبريل وأنت
من اللّه بالمكان الذي أنت به ؟ فقال : ومالي لا أبكي انا أحق بالبكاء ، لعلي اكون
في علم اللّه على غير الحال التي أنا عليها ، وما أدري لعلي ابتلى بما ابتلي به ابليس فقد
كان من الملائكة ، وما أدري لعلي ابتلى بما ابتلي به هاروت وماروت ، فبكى رسول
اللّه ◌َ له وبكى جبريل، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد ان الله
قد أمنكما أن تعصياه)).
وأما قوله تعالى: ﴿ وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة ﴾
أخرج ابن جرير عن الحسين وقتادة قالا : كانا يعلمان السحر ، فأخذ عليهما أن لا
يعلم أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ﴿انما نحن فتنة﴾ قال : بلاء .
وأما قوله تعالى : ﴿ فلا تکفر ﴾
أخرج البزار والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود قال : من أتى كاهناً أو
ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد .
وأخرج البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللّه عَ ◌ّه(( ليس منا من
تطير أو تطير له ، أو تكهن أو تكهن له ، أو سحر أو سحر له ، ومن عقد عقدة ،
ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد )).
وأخرج عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول اللّه عَ ◌ّه (( من تعلم
شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً كان آخر عهده من اللّه )) .
وأما قوله تعالى: ﴿ فيتعلمون منهما ﴾ الآية
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿ فيتعلمون منهما ما يفرقون به
بين المرء وزوجه﴾ قال : يؤخرون أحدهما عن صاحبه ، ويبغضون أحدهما الى
صاحبه .
وأخرج ابن جرير عن سفيان في قوله ﴿ الا باذن الله﴾ قال: بقضاء الله.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ﴿ولقد علموا﴾ قال : لقد علم أهل

الجزء الاول
٢٥١
سورة البقرة
الكتاب فيما يقرؤون من كتاب اللّه وفيما عهد لهم ان الساحر لا خلاق له عند الله يوم
القيامة .
وأخرج مسلم عن جابر بن عبدالله عن النبي ◌َّ قال ((ان الشيطان يضع عرشه
على الماء ثم يبعث سراياه في الناس ، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة ،
فيقول : ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا . فيقول ابليس : لا والله ما
صنعت شيئا ، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله ، فيقربه
ويدنيه ويلتزمه ويقول: " نعم أنت)).
· وأخرج أبو الفرج الاصبهاني في الاغاني عن عمرو بن دينار قال : قال الحسن بن
علي بن أبي طالب لذريح أبي قيس : أخل لك ان فرقت بين نفس وبيني ، أما
سمعت عمر بن الخطاب يقول : ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته أو مشيت اليهما
بالسيف .
وأخرج ابن ماجة عن أبي رهم قال: قال رسول اللّه مَ ◌ّل (( من أفضل الشفاعة
أن يشفع بين اثنين في النكاح)) .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ قال :
قوام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ ما له في الآخرة من خلاق
قال : من نصيب .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الازرق قال له : أخبرني
عن قوله عز وجل ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ قال: من نصيب. قال : وهل
تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول :
يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم الا سرابيل من قطر واغلال
وأخرج ابن جرير عن مجاهد﴿ ما له في الآخرة من خلاق﴾ قال: من نصيب .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن ﴿ ما له في الآخرة من خلاق
قال : ليس له دین .
وأما قوله تعالى: ﴿ ولبئس ما شروا﴾ الآية
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ﴿ ولبئس ما شروا ﴾ قال :
باعوا .

الجزء الاول
٢٥٢
سورة البقرة
وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَآَتَّقَوْ اْ لَمَّتُوبَةٌ مِنْ عِنْدِاللَّهِ خَيْرٌ لَوْكَانُواْ
قوله تعالى :
يَعْلَمُونَ
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كل شيء في القرآن لو فانه
لا يكون أبداً .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿المثوبة ﴾ قال : ثواب .
يَّكَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا نَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ أَنظُرُنَا
قوله تعالى :
وَأَسْمَعُواْ وَلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
أخرج ابن المبارك في الزهد وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور في سننه
وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الايمان عن ابن
عباس . ان رجلاً أتاه فقال: اعهد إلي. فقال: اذا سمعت اللّه يقول ﴿ يا أيها الذين
آمنوا ﴾ فأوعها سمعك ، فانه خير يامر به أو شرينهى عنه .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم
وأبو نعيم في الحلية عن خيثمة قال: ما تقرؤون في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا﴾ فانه
في التوراة يا أيها المساكين .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن خيثمة قال : ما كان في القرآن ﴿ يا أيها
الذين آمنوا﴾ فهو في التوراة والانجيل يا أيها المساكين .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال ﴿ راعنا ﴾ بلسان اليهود السب
القبيح ، فكان اليهود يقولون لرسول اللّه ◌َج سراً، فلما سمعوا أصحابه يقولون أعلنوا
بها ، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم ، فانزل اللّه الآية .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله ﴿ لا تقولوا راعنا﴾ وذلك
انها سبة بلغة اليهود. فقال تعالى ﴿قولوا انظرنا﴾ يريد اسمعنا، فقال المؤمنون
بعدها : من سمعتموه يقولها فاضربوا عنقه ، فانتهت اليهود بعد ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله ﴿ لا تقولوا
راعنا﴾ قال: كانوا يقولون للنبي عَ ◌ّ ارعنا سمعك، وانما راعنا كقولك اعطنا.

الجزء الاول
٢٥٣
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال (( كان رجلان من اليهود مالك بن
الصيف ورفاعة بن زيد اذا لقيا النبي ◌َّةٍ قالا له وهما يكلمانه : راعنا سمعك واسمع
غير مسمع ، فظن المسلمون ان هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم ،
فقالوا للنبي عَّ ذلك، فانزل الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ... ﴾
الآية )).
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صخر قال ((كان رسول اللّه عَ ل اذا
أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين ، فقالوا : ارعنا سمعك فاعظم الله رسوله
ان يقال له ذلك ، وأمرهم ان يقولوا انظرنا ليعززوا رسوله ويوقروه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن قتادة في قوله ﴿ لا
تقولوا راعنا﴾ قال: قولا كانت اليهود تقوله استهزاء فكرهه اللّه للمؤمنين ان يقولوا
كقولهم .
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عطية في قوله ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾
قال : كان اناس من اليهود يقولون : راعنا سمعك حتى قالها اناس من المسلمين ،
فكره اللّه لهم ما قالت اليهود .
وأخرج ابن جرير وابن اسحاق عن ابن عباس في قوله ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ أي
ارعنا سمعك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ قال :
خلافا .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿ لا تقولوا راعنا﴾ لا تقولوا اسمع منا
ونسمع منك ﴿وقولوا انظرنا﴾ أفهمنا، بين لنا .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال : ان مشركي العرب كانوا اذا حدث
بعضهم بعضاً يقول أحدهم لصاحبه : ارعني سمعك . فنهوا عن ذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن عطاء في قوله ﴿ لا
تقولوا راعنا﴾ قال : كانت لغة في الانصار في الجاهلية ونهاهم اللّه ان يقولوها ،
وقال ﴿ قولوا انظرنا واسمعوا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن انه قرأ : راعناً ، وقال : الراعن من القول
السخري منه .

الجزء الاول
٢٥٤
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ﴿ واسمعوا ﴾ قال : اسمعوا ما يقال لكم .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه عَ ◌ّهِ (( ما أنزل الله
آية فيها ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الا وعليّ رأسها وأميرها. قال أبو نعيم: لم نكتبه
مرفوعاً الا من حديث ابن أبي خيثمة ، والناس رأوه موقوفا )).
قوله تعالى : ◌َّا يَوَذُّ الَّذِّيْنَ كَفَرُواْمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَلَا
الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ عِنْ خَيْرِمِن ◌َتِكُمْ وَاللّهُ يَخْصُ بِرَحْمَيِِ
مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
١٠٥
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿والله يختص برحمته من يشاء﴾ قال :
القرآن والسلام .
ه تعالى: ﴿ مَا نَسَخْ مِنَّءَايَةٍ أَوْنُنِهَا تَأْنِ مِخَيْرِفِتْهَا أَوْ مِثْلِهًّا
أَزْتَعْلَمْ أَنَّاللَّهَ عَلَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِبْهِ أَلَتَعَلَمْ أَنْ اللَّهَلَهُ، مُلْكُ السَّمَوَانِ
وَالْأَرْضِ وَمَالَكُمْ مِنْ دُونِاللَّهِمِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ(*)
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس
قال (( كان مما ينزل على النبي عَّ الوحي بالليل وينساه بالنهار، فانزل اللّه ﴿ ما
ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾ .
وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال : قرأ رجلان من الانصار سورة أقرأها رسول
اللّه عَّه وكانا يقرآن بها ، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف ،
فأصبحا غاديين على رسول اللّه عَّل فقال: انها مما نسخ أو نسي فالهوا عنه ، فكان
الزهري يقرؤها ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ بضم النون خفيفة)).
وأخرج البخاري والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم والبيهقي في
الدلائل عن ابن عباس قال : قال عمر: اقرؤنا أبي ، واقضانا علي ، وانا لندع شيئاً

الاجزء الاول
٢٥٥
سورة البقرة
من قراءة أبي، وذلك ان ابيا يقول: لا ادع شيئاً سمعته من رسول اللّه عَ لَه، وقد
قال الله ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابنه في المصاحف
والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي
وقاص أنه قرأ ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) فقيل له : ان سعيد بن المسيب يقرأ
﴿ ننسها﴾ قال سعد: ان القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب ، قال الله
(سنقرئك فلا تنسى)(١) . (واذكر ربك اذا نسيت)(٢).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الاسماء والصفات عن
ابن عباس في قوله ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) يقول : ما نبدل من آية أو نتركها
لا نبدلها ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ يقول: خير لكم في المنفعة وارفق بكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : خطبنا عمر فقال : يقول الله تعالى
( ما ننسخ من آية أو ننساها ) أي نؤخرها .
وأخرج ابن الانباري عن مجاهد ، أنه قرأ ( أو ننساها ) .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن مجاهد قال في قراءة أبي (( ما ننسخ من آية أو ننسك))
وأخرج آدم بن أبي اياس وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي
في الاسماء والصفات عن مجاهد عن أصحاب ابن مسعود في قوله ﴿ ما ننسخ من
آية﴾ قال : نثبت خطها ونبدل حكمها (أو ننساها ) قال : تؤخرها عندنا .
وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي عن عبيد بن عمير الليثي في قوله ﴿ ما ننسخ من
آية أو ننساها﴾ يقول : أو نتركها ، نرفعها من عندهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك قال : في قراءة ابن مسعود(( ما
نفسك من آية أو ننسخها)).
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة قال : كانت
الآية تنسخ الآية ، وكان نبي الله يقرأ الآية والسورة وما شاء اللّه من السورة ثم ترفع
فينسيها اللّه نبيه ، فقال الله يقص على نبيه ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها
أو مثلها ﴾ يقول : فيها تخفيف ، فيها رخصة ، فيها أمر ، فيها نهي .
(١) الاعلى الآية ٦ .
(٢) الكهف الآية ٢٤ .

الجزء الاول
٢٥٦
سورة البقرة
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها نأت
بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ ثم قال ( وإذا بدلنا آية مكان
آية)(١) وقال ( يمحو الله ما يشاء ويثبت)(٢).
وأخرج أبو داود وابن جرير عن أبي العالية قال : يقولون ( ما ننسخ من آية أو
ننساها) كان الله أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها. فقال ﴿نأت بخير منها أو
مثلها ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله ﴿أو ننسها﴾ قال: ان نبيكم على أقرىء
قرآناً ثم أنسيه ، فلم يكن شيئا ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن الانباري في المصاحف وأبو ذر الهروي
في فضائله عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ((ان رجلاً كانت معه سورة فقام من
الليل فقام بها فلم يقدر عليها ، وقام آخر بها فلم يقدر عليها ، وقام آخر فلم يقدر عليها ،
فاصبحوا فأتوا رسول اللّه عَ لقل فاجتمعوا عنده فاخبروه ، فقال : انها نسخت
البارحة)) .
وأخرج أبو داود في ناسخه والبيهقي في الدلائلٍ من وجه آخر عن أبي أمامة ((ان
رهطاً من الانصار من أصحاب النبي ◌َّ أخبروه ان رجلاً قام من جوف الليل يريد
ان يفتتح سورة كان قد وعاها ، فلم يقدر منها على شيء الا بسم الله الرحمن الرحيم ،
ووقع ذلك لناس من أصحابه، فاصبحوا فسألوا رسول اللّه ع ئهم عن السورة ،
فسكت ساعة لم يرجع اليهم شيئاً ثم قال : نسخت البارحة فنسخت من صدورهم
ومن كل شيء كانت فيه )) .
وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن الضريس
وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في الدلائل عن أنس قال : أنزل الله في
الذين قتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه حتى نسخ بعد ان بلغوا قومنا انا قد لقينا ربنا
فرضي عنا وأرضانا .
وأخرج مسلم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى
الاشعري قال : كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فانسيتها ، غير اني
(١) النحل الآية ١٠١ .
(٢) الرعد الآية ٣٩ .

الجزء الاول
٢٥٧
سورة البقرة
حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوفه الا
التراب . وكنا نقرأ سورة نشبهها باحدى المسبحات ، أولها سبح لله ما في السموات
فأنسيناها ، غير أني حفظت منها : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فتكتب
شهادة في أعناقكم ، فتسألون عنها يوم القيامة .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي موسى الاشعري قال : نزلت
سورة شديدة نحو براءة في الشدة ثم رفعت ، وحفظت منها : ان اللّه سيؤيد هذا
الدين باقوام لا خلاق لهم .
وأخرج ابن الضريس : ليؤيدن اللّه هذا الدين برجال ما لهم في الآخرة من
خلاق ، ولو ان لابن آدم واديين من مال نتمنى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم الا
التراب ، الا من تاب فيتوب اللّه عليه والله غفور رحيم .
وأخرج أبو عبيد وأحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي
واقد الليثي قال ((كان رسول اللّه مَ ◌ٍّ اذا أوحي اليه أتيناه فعلمنا ما أوحي اليه ،
قال: فجئته ذات يوم فقال : ان اللّه يقول: انا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة ، ولو ان لابن آدم واديًا لأحب ان يكون اليه الثاني ، ولو كان له الثاني
لأحب ان يكون اليهما ثالث ، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ، ويتوب الله على
من تاب)) .
وأخرج أبو داود وأحمد وأبو يعلى والطبراني عن زيد بن أرقم قال : كنا نقرأ على
عهد رسول اللّه عَّل ((لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى الثالث ولا
يملأ بطن ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب)).
وأخرج أبو عبيد وأحمد عن جابر بن عبد الله قال : كنا نقرأ : لو ان لابن آدم
ملء واد مالا لأحب إليه مثله ، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ، ويتوب الله على
من تاب .
وأخرج أبو عبيد والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللّه عت لائم
يقول ((لو ان لابن آدم ملء واد مالا لأحب ان له اليه مثله ، ولا يملأ عين ابن آدم
الا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب . قال ابن عباس : فلا أدري أمن القرآن هو أم
لا)) .
وأخرج البزار وابن الضريس عن بريدة ((سمعت النبي عَّةٍ يقرأ في الصلاة : لو
الدر المشور م ١٦ ج ١

الجزء الاول
٢٥٨
سورة البقرة
ان لابن آدم واديا من ذهب لابتغى اليه ثانيا ، ولو أعطي ثانياً لابتغى ثالثاً ، لا يملأ
جوف ابن آدم الا التراب، ويتوب الله على من تاب)).
وأخرج ابن الانباري عن أبي ذر قال : في قراءة أبي بن كعب : ابن آدم لو
أعطي واديا من مال لابتغى ثانياً ولا لتمس ثالثاً ، ولو أعطي واديين من مال لالتمس
ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ، ويتوب الله على من تاب .
وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال : كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فانه
كفر بكم ، وان كفرا بكم ان ترغبوا عن آبائكم .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر بن الخطاب قال ((ان الله بعث
محمداً بالحق وأنزل معه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فرجم ورجمنا
بعده ، ثم قال : قد كنا نقرأ : ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ان ترغبوا عن
آبائكم )» .
وأخرج الطيالسي وأبو عبيد والطبراني عن عمر بن الخطاب قال : كنا نقرأ فيما
نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم ، ثم قال لزيد بن ثابت : أكذلك يا
زيد؟ قال : نعم .
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق عدي بن عدي بن عمير بن قزوة عن
أبيه عن جده عمير بن قزوة . ان عمر بن الخطاب قال لأبي : أو ليس كنا نقرأ فيما
نقرأ من كتاب الله: ان انتفاء كم من آبائكم كفر بكم ؟ فقال: بلى. ثم قال : أَو
ليس كنا نقرأ: الولد للفراش وللعاهر الحجر. فيما فقدنا من كتاب الله؟ فقال أبي: بلى .
وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الانباري عن المسور بن مخرمة قال : قال
عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما أنزل علينا : ان جاهدوا كما جاهدتم أول
مرة . فانا لا نجدها ؟ قال : أسقطت فيما أسقط من القرآن .
وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الانباري في المصاحف عن ابن عمر قال :
لا یقولن أحدكم قد أخذت القرآن کله ، ما يدريه ما کله ؟ قد ذهب منه قرآن کثیر
ولكن ليقل : قد أخذت ما ظهر منه .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن الانباري والبيهقي في الدلائل عن عبيدة
السلماني قال: القراءة التي عرضت على رسول اللّه عَ ◌ّه في العام الذي قبض فيه هذه
القراءة التي يقرؤها الناس ، التي جمع عثمان الناس عليها .

الجزء الاول
٢٥٩
سورة البقرة
وأخرج ابن الانباري وابن اشتة في المصاحف عن ابن سيرين قال : كان جبريل
يعارض النبي عَّه كل سنة في شهر رمضان ، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه
مرتين ، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الاخيرة .
وأخرج ابن الانباري عن أبي ظبيان قال : قال لنا ابن عباس : أي القراءتين
تعدون أول؟ قلنا: قراءة عبداللّه وقراءتنا هي الاخيرة. فقال رسول اللّه عَ ل ((كان
يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان ، وأنه عرضه عليه في آخر
سنة مرتين ، فشهد منه عبدالله ما نسخ وما بدل)).
وأخرج ابن الانباري عن مجاهد قال : قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدون
أول؟ قلنا: قراءة عبد الله. قال: فان رسول اللّه ◌َ طل كان يعرض القرآن على جبريل
مرة ، وانه عرضه عليه في آخر سنة مرتين ، فقراءة عبد الله آخرهن .
وأخرج ابن الانباري عن ابن مسعود قال: كان جبريل يعارض النبي عَّ
بالقرآن في كل سنة مرة ، وأنه عارضه بالقرآن في آخر سنة مرتين ، فاخذته من النبي
عَّ ذلك العام .
وأخرج ابن الانباري عن ابن مسعود قال : لو أعلم أحدا أحدث بالعرضة
الاخيرة مني لرحلت اليه .
وأخرج الحاكم وصححه عن سمرة قال: عرض القرآن على رسول اللّه عم ليه
ثلاث عرضات ، فيقولون : ان قراءتنا هذه هي العرضة الاخيرة .
وأخرج أبو جعفر النحاس في ناسخه عن أبي البختري قال : دخل علي بن أبي
طالب المسجد فإذا رجل يخوّف فقال : ما هذا؟! فقالوا : رجل يذكر الناس .
فقال : ليس برجل يذكر الناس ولكنه يقول انا فلان بن فلان فاعرفوني ، فارسل
اليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ فقال : لا . قال : فاخرج من مسجدنا ولا
تذکر فیه .
وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ والمنسوخ والبيهقي في سننه عن أبي
عبد الرحمن السلمي قال : مر علي بن أبي طالب برجل يقص فقال : أعرفت
الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا . قال : هلكت وأهلكت .
وأخرج النحاس والطبراني عن الضحاك بن مزاحم قال : مر ابن عباس بقاص
يقص فركله برجله وقال: أتدري الناسخ والمنسوخ ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت .

الجزء الاول
٢٦٠
سورة البقرة
وأخرج الدرامي في مسنده والنحاس عن حذيفة قال : انما يفتي الناس أحد
ثلاثة ، رجل يعلم ناسخ القرآن من منسوخه وذلك عمر ، ورجل قاض لا يحد من
القضاء بدا، ورجل أحمق متكلف،،فلست بالرجلين الماضيين، فاكره أن أكون الثالث.
قوله تعالى أَمْ تُريدُّ ونَ أَنْ تَشْتَلُواْ رَسُولَكُمْ كُمَا سُبِلَ مُوسَى مِن قَبَلٌ
وَمَنْ بَتَّبَذَلِ الْكُفْرَبِآلْإِبِمَنِ فَقَدْضَلَ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴾ وَذَ كَّتِيْرٌمِنْ
أَهْلِ الْكِتَبٍ لَوَيَرُذُونَكُم مِنْ بَعْدٍ إِعَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدَّامِنْ عِندِ
أَنفُسِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَتَّنَ لَهُمُ الْحَقْ فَاعْفُواْ وَأَصْفَوْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِ ◌ِّ
إِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَى ءٍ قَدِيرٌ ٠ْ وَأَقِيُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْلَّكَوَةُ وَمَا نُقَدِّمُواْ
لِأَنْفُسِكُم مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَبِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ((قال رافع بن
حريملة ووهب بن زيد لرسول اللّه عَ ◌ّ: يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء
نقرؤه ، أو فجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك ، فانزل اللّه في ذلك ﴿ أم تريدون أن
تسألوا رسولكم﴾ الى قوله ﴿ سواء السبيل﴾ وكان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن
أخطب من أشد اليهود حسدا للعرب اذ خصهم الله برسوله ، وكانا جاهدين في رد
الناس عن الاسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيها﴿ودّ كثير من أهل الكتاب ... ) الآية)).
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: قال رجل ((يا رسول الله
لو كانت كفاراتنا ككفارات بني اسرائيل. فقال رسول اللّه عَ ئه: ما أعطيتم خير،
كانت بنو اسرائيل اذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها ،
فان كفرها كانت له خزيا في الدنيا ، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة ، وقد
أعطاكم الله خيراً من ذلك قال ( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه)(١) الآية ،
والصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن. فانزل اللّه ﴿ أم تريدون
أن تسألوا رسولكم ... ) الآية)).
(١) النساء الآية ١١٠.