Indexed OCR Text

Pages 181-200

الجزء الاول
١٨١
سورة البقرة
ذهب به من كان قبلنا من الانبياء والاتباع . فقال له الشيخ : لاتحزن فانه قد بقي
نبي ليس من نبي بأفضل تبعاً منه ، وهذا زمانه الذي يخرج فيه ولا أراني أدركه ،
وأما أنت فشاب فلعلك ان تدركه ، وهو يخرج في أرض العرب فان أدركته فآمن به
واتبعه .
قال له سلمان : فاخبرني عن علامته بشيء. قال : نعم ، وهو مختوم في ظهره
بخاتم النبوة وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد
فناداهما فقال : يا سيد الرهبان ارحمني رحمك الله فعطف إليه حماره فأخذ بيده
فرفعه فضرب به الارض ودعا له ، وقال : قم باذن الله . فقام صحيحاً يشتد ،
فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر اليه ، وسار الراهب فغيب عن سلمان ولا يعلم سلمان .
ثم ان سلمان فزع بطلب الراهب ، فلقيه رجلان من العرب من كلب ، فسألهما
هل رأيتما الراهب ؟ فاناخ أحدهما راحلته قال : نعم [ ] راعي الصرمة هذا ، فحمله
فانطلق به إلى المدينة قال سلمان : فاصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط ،
فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم ، هذا يوما
وهذا يوما ، وكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد عَ ةٍ. فبينما هو يوما يرعى
اذ أتاه صاحبه بعقبة فقال له : أشعرت أنه قد قدم المدينة اليوم رجل يزعم أنه
نبي ؟! فقال له سلمان : أقم في الغنم حتى آتيك .
فهبط سلمان الى المدينة فنظر إلى النبي عليه ودار حوله، فلما رآه النبي عَّه عرف
ما يريد ، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه ، فلما رآه أتاه وكلمه ، ثم انطلق فاشترى
بدينار ببعضه شاة فشواها وببعضه خبزا ، ثم أتاه به فقال ((ما هذه ؟ قال سلمان :
هذه صدقة . قال : لا حاجة لي بها فأخرجها فليأ كلها المسلمون . ثم انطلق فاشترى
بدينار آخر خبزاً ولحما ، ثم أتى به النبي عَّه فقال: ما هذا؟ قال : هذه هدية .
قال : فاقعد فكل . فقعد فأكلا منها جميعا.
فبينما هو يحدثه اذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم ، فقال : كانوا يصلون ويصومون
ويؤمنون بك ، ويشهدون انك ستبعث نبياً ، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له
نبي الله ﴾﴾ : «یا سلمان هم من أهل النار)) فاشتد ذلك علی سلمان وقد کان قال له
سلمان: لو أدركوك صدقوك واتبعوك . فأنزل الله هذه الآية ﴿ان الذين آمنوا والذين
هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾ .

الجزء الاول
١٨٢
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال ((سأل سلمان الفارسي النبي ◌َّ عن أولئك
النصارى ، وما رأى من أعمالهم ، قال : لم يموتوا على الاسلام. قال سلمان :
فاظلمت عليَّ الارض وذكرت اجتهادهم ، فنزلت هذه الآية ﴿ ان الذين آمنوا
والذين هادوا﴾ فدعا سلمان فقال : نزلت هذه الآية في أصحابك ، ثم قال : من
مات على دين عيسى قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن سمع بي ولم يؤمن فقد
هلك)) .
وأخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس
في قوله ﴿ان الذين آمنوا والذين هادوا ... ) الآية. قال: فأنزل الله بعد هذا
( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبدالله بن نجى عن علي قال : انما
سميت اليهود لأنهم قالوا : إنا هدنا اليك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن مسعود قال : نحن أعلم الناس من أين
تسمت اليهود باليهودية ، بكلمة موسى عليه السلام إناهدنا اليك ، ولم تسمت
النصارى بالنصرانية ، من كلمة عيسى عليه السلام كونوا أنصار الله .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال : نحن أعلم الناس من أين تسمت اليهود
باليهودية ، والنصارى بالنصرانية ، انما تسمت اليهود باليهودية بكلمة قالها موسى
إنا إهدنا اليك، فلما مات قالوا هذه الكلمة كانت تعجبه فتسموا باليهود ، وانما تسمت
النصارى بالنصرانية لكلمة قالها عيسى من أنصاري الى الله؟ قال الحواريون : نحن
أنصار الله فتسموا بالنصرانية .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : انما سموا نصارى بقرية يقال لها ناصرة ينزلها
عيسى بن مريم ، فهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به .
وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن جرير عن ابن عباس قال : انما سميت النصارى
لان قرية عيسى كانت تسمى ناصرة .
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد
قال : الصابئون قوم بين اليهود والمجوس والنصارى ليس لهم دين .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى ، هم قوم
من المشركين لا كتاب لهم .

الجزء الاول
١٨٣
سورة البقرة
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال : سئل ابن عباس عن الصابئين ؟ فقال :
هم قوم بين اليهود والنصارى والمجوس ، لا تحل ذبائحهم ولا مناكحهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : الصابئون منزلة
بين النصرانية والمجوسية . ولفظ ابن أبي حاتم : منزلة بين اليهود والنصارى .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال : ذهبت الصابئون الى اليهود
فقالوا : ما أمركم ؟ قالوا : نبينا موسى جاءنا بكذا وكذا ونهانا عن كذا وكذا ، وهذه
التوراة فمن تابعنا دخل الجنة ، ثم أتوا النصارى فقالوا في عيسى ما قالت اليهود في
موسى ، وقالوا هذا الانجيل فمن تابعنا دخل الجنة ، فقالت الصابئون هؤلاء يقولون
نحن ومن اتبعنا في الجنة ، واليهود يقولون نحن ومن اتبعنا في الجنة ، فنحن به لا
.ندين ، فسماهم اللّه الصابئين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : الصابئون فرقة من أهل
الکتاب يقرؤون الزبور .
وأخرج وكيع عن السدي قال الصابئون طائفة من أهل الكتاب .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : الصابئون قوم
يعبدون الملائكة ، ويصلون الى غير القبلة ، ويقرؤون الزبور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال : الصابىء: الذي يعرف اللّه
وحده ، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الزناد قال : الصابئون قوم مما يلي العراق ، وهم
بکوثی يؤمنون بالنبيين كلهم .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : يقولون الصابئون : وما الصابئون []
الصابئون ويقولون : الخاطئون وما الخاطئون الخاطئون .
قوله تعالى: وَإِذْ أَخْذُنَا مِيتَقَكُمُ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْتُوَرَ خُذُ واْمَآءَ
انَْكُم بِقُوَّقٍ وَأَذْكُرُواْ مَافِهِ لَعَلَّكْ تَّنَّفُونَ ( ثُمَّوَلَّيْتُمْ فِرْبَعْدِ ذَلِكٌ
فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنُمِنَالْخَذِينَ *

الجزء الاول
١٨٤
سورة البقرة
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا
فوقكم الطور﴾ قال: جبل نزلوا بأصله فَرُفِعَ فوقهم ، فقال: لتأخذن أمري أو
لأرمینکم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الطور الجبل الذي أنزلت عليه التوراة ،
وكان بنو اسرائيل أسفل منه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : الطور ما
أنبت من الجبال ، وما لم ينبت فليس بطور.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
مجاهد قال : الطور الجيل بالسريانية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : النبط يسمون الجبل الطور.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوّة﴾ قال :
بجد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿واذكروا ما فيه﴾ يقول:
اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به .
وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ قال :
لعلكم تتزعون عما أنتم عليه .
قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِيْهُمُ الَّذِيْرََّعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَالَهُمْ
كُونُواْقِرَدَةً خَسِينَ ﴾ ◌َلْنَهَا تَكَلاَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً
لِلْمِنَّقِينَ ﴾
أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ولقد علمتم﴾ قال : عرفتم، وهذا تحذير لهم
من المعصية يقول : احذروا ان يصيبكم ما اصاب اصحاب السبت اذ عصوني
اعتدوا يقول : اجترؤوا في السبت بصيد السمك فقلنا لهم ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾
فسخهم الله قردة بمعصيتهم ، ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم
يشرب ولم ينسل .

الجزء الاول
١٨٥
سورة البقرة
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : انما كان الذين اعتدوا في السبت
فجعلوا قردة فواقا ، ثم هلكوا ما كان للمسخ نسل .
وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس قال : القردة والخنازير من نسل
الذين مسخوا .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال : انقطع ذلك النسل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ﴿ فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾
قال : مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه اللّه لهم مثل الحمار يحمل
اسفاراً . .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : احلت لهم الحيتان
وحرمت عليهم يوم السبت ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ، فكان القوم فيهم ثلاثة
أصناف . فاما صنف فامسك ونهى عن المعصية ، وأما صنف فامسك عن حرمة.
اللّه، وأما صنف فانتهك المعصية ومرن على المعصية ، فلما أبوا الاعتوا عما نهاهم الله
عنه ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ وصار القوم قرودا تعاوى لها الذئاب بعد ما كانوا
رجالا ونساء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ خاسئين﴾ قال : ذليلين .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ﴿خاسئين﴾ قال : صاغرين .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فجعلناها نكالا لما بين
يديها﴾ من الذنوب ﴿وما خلفها﴾ من القرى ﴿وموعظة للمتقين﴾ الذين من
بعدهم الى يوم القيامة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فجعلناها ﴾ يعني الحيتان ﴿ نكالا لما بين
يديها وما خلفها﴾ من الذنوب التي عملوا قبل وبعد .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فجعلناها ﴾ قال : فجعلنا تلك العقوبة
وهي المسخة ﴿ نكالا﴾ عقوبة ﴿ لما بين يديها﴾ يقول: ليحذر من بعدهم عقوبتي
وما خلفها﴾ يقول: للذين بقوا معهم ﴿وموعظة﴾ تذكرة وعبرة للمتقين.
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان في قوله ﴿ نكالا لما بين يديها وما خلفها
قال : من الذنوب ﴿ وموعظة للمتقين﴾ قال: لامة محمد عليه السلام.

الجزء الاول
١٨٦
سورة البقرة
قوله تعالى: وَإِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَنْتَذْ بَحُواْ بَقَرَةً
قَالْوَاْأَتَتَّخِذْنَا هُزُوا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْأَكُونَ مِنْ الْجَهِلِينَ*
أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن ابن عباس قال :
كانت مدينتان في بني اسرائيل . واحداهما حصينة ولها أبواب ، والاخرى خربة .
فكان أهل المدينة الحصينة اذا امسوا أغلقوا أبوابها ، فاذا اصبحوا قاموا على سور
المدينة فنظروا هل حدث فيما حولها حادث ، فاصبحوا يوماً فاذا شيخ قتيل مطروح
بأصل مدينتهم ، فاقبل أهل المدينة الخربة فقالوا : قتلتم صاحبنا وابن أخ له شاب
يبكي عليه ويقول : قتلتم عمي . قالوا : والله ما فتحنا مدينتنا منذ اغلقناها ، وما
لدينا من دم صاحبكم هذا! فاتوا موسى ، فاوحى الله الى موسى (ان الله يأمركم
أن تذبحوا بقرة﴾ الى قوله ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ .
قال : وكان في بني اسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له ، وكان له أب شيخ
كبير، فاقبل رجل من بلد آخر يطلب سلعة له عنده فاعطاه بها ثمنا ، فانطلق معه
ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب والمفتاح مع أبيه ، فاذا أبوه نائم في ظل الحانوت
فقال : أيقظه . قال ابنه : انه نائم وأنا أكره أن أروّعه من نومته . فانصرفا فاعطاه
ضعف ما أعطاه على أن يوقظه فأبى ، فذهب طالب السلعة . فاستيقظ الشيخ فقال
له ابنه : يا أبت والله لقد جاء ههنا رجل يطلب سلعة كذا ، فاعطى بها من الثمن
كذا وكذا ، فكرهت أن أروعك من نومك فلامه الشيخ ، فعوّضه الله من بره بوالده
ان نتجت من بقر تلك البقرة التي يطلبها بنو اسرائيل ، فأتوه فقالوا له : بعناها
فقال : لا . قالوا : اذن نأخذ منك . فاتوا موسى فقال : اذهبوا فارضوه من سلعته .
قالوا : حكمك ؟ قال : حكمي ان تضعوا البقرة في كفة الميزان وتضعوا ذهباً صامتاً في
الكفة الأخرى ، فاذا مال الذهب أخذته ففعلوا ، وأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها الى
قبر الشيخ ، واجتمع أهل المدينتين فذبحوها ، فضرب ببضعة من لحمها القبر، فقام
الشيخ ينفض رأسه يقول : قتلني ابن أخي طال عليه عمري وأراد أخذ مالي ومات .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن
عبيدة السلماني قال : کان رجل من بني اسرائیل عقیما لا يولد له ، وكان له مال

الجزء الاول
١٨٧
سورة البقرة
كثير، وكان ابن أخيه وارثه ، فقتله ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم ، ثم
أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض ، فقال ذوو الرأي منهم :
علام يقتل بعضكم بعضاً وهذا رسول الله فيكم ؟ فاتوا موسى فذكروا ذلك له فقال
﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا: أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من
الجاهلين﴾ قال : فلو لم يعترضوا لاجزأت عنهم أدنى بقرة ولكنهم شددوا فشدد
عليهم ، حتى انتهوا الى البقرة التي أمروا بذبحها ، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة
غيرها فقال : والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً ، فذبحوها فضربوه ببعضها
فقام ، فقالوا : من قتلك ؟ فقال : هذا لابن أخيه ثم مال ميتا ، فلم يعط من ماله
شيئا ولم يورث قاتل بعد .
وأخرج عبد الرزاق عن عبيدة قال : أوّل ما قضي انه لا يرث القاتل في صاحب
بني اسرائيل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : أوّل ما منع القاتل الميراث لكان
صاحب البقرة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : ان شيخاً من بني اسرائيل على عهد
موسى كان مكثراً من المال ، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم ، وكان الشيخ لا ولد
له ، وكان بنو أخيه ورثته فقالوا : ليت عمنا قد مات فورثنا ماله ، وانه لما تطاول
عليهم أن لا يموت أتاهم الشيطان فقال : هل لكم الى أن تقتلوا عمكم وتغرموا أهل
المدينة التي لستم بها ديته، وذلك انهما كانتا مدينتين كانوا في احداهما، وكان القتيل
اذا قتل فطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما كانت أقرب اليه
غرمت الدية ، وانهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك عمدوا اليه فقتلوه ، ثم طرحوه على
باب المدينة التي ليسوا بها ، فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ فقالوا : عمنا
قتل على باب مدينتكم ، فوالله لتغرمنَّ لَنا ديته. قال : أهل المدينة نقسم بالله ما
قتلنا ، ولا علمنا قاتلا ، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا ، فعمدوا إلى
موسى ، فجاءه جبريل فقال: قل لهم ﴿ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ فتضربوه
ببعضها .
وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة قال : كان لبني اسرائيل مسجد له اثنا عشر
باباً ، لكل سبط منهم باب يدخلون منه ويخرجون ، فوجد قتيل على باب سبط من

الجزء الاول
١٨٨
سورة البقرة
الاسباط قتل على باب سبط وجر إلى باب سبط آخر، فاختصم فيه أهل السبطين .
فقال هؤلاء : أنتم قتلتم هذا ، وقال الآخرون : بل أنتم قتلتموه ، ثم جررتموه الينا .
فاختصموا الى موسى فقال ﴿ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ... ) الآية. ﴿ قالوا
ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين
ذلك﴾ قال : فذهبوا يطلبونها فكأنها تعذرت عليهم ، فرجعوا الى موسى فقالوا
﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ... وإنا ان شاء اللّه لمهتدون﴾ ولولا أنهم قالوا: ان
شاء اللّه ما وجدوها ﴿ قال: انه يقول انها بقرة لا ذلول﴾ ألا وانما كانت البقرة
يومئذ بثلاثة دنانير ، ولو أنهم أخذوا أدنى بقرهم فذبحوها كفتهم ولكنهم شددوا فشدد
الله عليهم.
فذهبوا يطلبونها فيجدون هذه الصفة عند رجل فقالوا : تبيعنا هذه البقرة ؟
قال : أبيعها . قالوا : بكم تبيعها ؟ قال : بمائه دينار. فقالوا : انها بقرة بثلاثة
دنانير ! فابوا أن يأخذوها ، فرجعوا إلى موسى فقالوا : وجدناها عند رجل فقال لا
أنقصكم من مائة دينار ، وانها بقرة بثلاثة دنانير. قال: هو أعلم هو صاحبها ، ان شاء
باع وان شاء لم يبع ، فرجعوا إلى الرجل فقالوا : قد أخذناها بمائة دينار. فقال : لا
أنقصها عن مائتي دينار. فقالوا ، سبحان الله ...! قد بعتنا بمائة دينار ورضيت فقد
أخذناها . قال : ليس انقصها من مائتي دينار. فتركوها ورجعوا إلى موسى فقالوا
له : قد أعطاناها بمائة دينار، فلما رجعنا اليه قال : لا أنقصها من مائتي دينار.
قال : هو أعلم ان شاء باعها وان شاء لم يبعها ، فعادوا اليه فقالوا : قد أخذناها بمائتي
دينار. فقال : لا أنقصها من أربعمائة دينار. قالوا : قد كنت أعطيتناها بمائتي دينار
فقد أخذناها ! فقال : ليس أنقصها من أربعمائة دينار، فتركوها وعادوا الى موسى
فقالوا : قد أعطيناه مائتي دينار، فابى أن يأخذها وقال : لا أنقصها من أربعمائة
دينار. فقال : هو أعلم هو صاحبها ان شاء باع وان شاء لم يبع ، فرجعوا اليه فقالوا :
قد أخذناها باربعمائة دينار فقال : لا أنقصها من ثمانمائة دينار. فلم يزالوا يعودون الى
موسى ويعودون عليه ، فكلما عادوا اليه أضعف عليهم الثمن حتى قال : ليس أبيعها
الا بملء مسكها ، فاخذوها فذبحوها فقال : اضربوه ببعضها ، فضربوه بفخذها
فعاش . فقال : قتلني فلان .
فاذا هو رجل كان له عم ، وكان لعمه مال كثير، وكان له ابنة فقال : أقتل

الجزء الاول
١٨٩
سورة البقرة
عمي هذا وأرث ماله وأتزوج ابنته ، فقتل عمه فلم يرث شيئا ولم يورث قاتل منذ
ذلك شيئا، قال موسى : ان لهذه البقرة لشأنا ادعوا اليَّ صاحبها، فدعوه فقال :
أخبرني عن هذه البقرة وعن شأنها؟ قال: نعم. كنت رجلاً أبيع في السوق وأشتري ،
فسامني رجل ببضاعة عندي فبعته اياها ، وكنت قد أشرفت منها على فضل كبير ،
فذهبت لآتيه بما قد بعته ، فوجدت المفتاح تحت رأس والدتي ، فكرهت أن أوقظها
من نومها ، ورجعت الى الرجل فقلت : ليس بيني وبينك بيع ، فذهب ثم رجعت
فنتجت لي هذه البقرة ، فالقى الله عليها مني محبة فلم يكن عندي شيء أحب إليَّ
منها ، فقيل له انما أصبت هذا بيّ والدتك .
قوله تعالى: قَالُوا أَدْعْ لَنَا رَبَّكَ يُبِيِّنْ لَّنَامَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقْرَّةٌ
لَّافَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَاْرٌ بَيْنَ ذَلِكٌّ فَفْعَلُواْمَا تُؤْمُرُونَ ثَ قَالُوا أَذْعُ لّنَا
رَبِّكَ يُبَّيِّنْ لَنَا مَالَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا تَفْرَةٌ صَفْرَآءُ فَائٌِلَوْنُهَا
تَسْتُ النََّظِرِينَ ﴾ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَّامَا هِىَ إِنَ الْبَقَرَ تَشَابَ عَلَيْنَا وَإِنَّا
إِنْشَآءَ اَللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ نُشِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَقِى
اْحَرْثَ مُسَلَّةٌ لَّ ◌ِشِيَّةَ فِيهَّا قَالُواْ الْفَنَ جِئْثَ بِالْحُّ فَذَبُجُوهَا وَمَا كَادُ واْيَفْعَلُونَ
أخرج البزار عن أبي هريرة عن النبي عَّه قال : ان بني اسرائيل لو أخذوا أدنى
بقرة لاجزاهم ذلك أو لأجزأت عنهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه عليه
((لولا ان بني اسرائيل قالوا ﴿وانا ان شاء اللّه لمهتدون﴾ ما اعطوا أبدا، ولو أنهم
اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم)).
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة يبلغ به النبي عليه
((فقال لوان بني اسرائيل أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا ،
ولولا أنهم قالوا ﴿ انا ان شاء اللّه لمهتدون﴾ ما وجدوها)).

الجزء الاول
١٩٠
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال رسول اللّه مَ ◌ّله ((انما أمروا بادنى
بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم ، ولو لم يستثنوا ما بينت لهم آخر
الابد)) .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا ان نبي اللّه ◌ُمَ ◌ّه كان يقول: ((انما أمر
القوم بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم ، والذي نفس محمد بيده
لو لم يستثنوا ما بينت لهم)).
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال : لو أخذوا أدنى
بقرة فذبحوها لأجزات عنهم ولكنهم شددوا وتعنتوا موسی فشدد الله عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله
﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ قال: الفارض الهرمة ، والبكر الصغيرة ،
والعوان النصف .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الازرق قال له : أخبرني
عن قوله عز وجل ﴿ لا فارض) قال: الكبيرة الهرمة . قال: وهل تعرف العرب
ذلك ؟ قال : نعم ، اما سمعت الشاعر وهو يقول ؟ :
تساق اليه ما تقوم على رجل
لعمري لقد اعطيت ضيفك فارضا
قال : اخبرني عن قوله ﴿صفراء فاقع لونها﴾ قال : الفاقع الصافي اللون من
الصفرة قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، اما سمعت لبيد بن ربيعة وهو
يقول ؟ :
من بين اصفر فاقع ودفان
سدما قليلا عهده بانيسه
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : الفارض الكبيرة ، والبكر الصغيرة ، والعوان
النصف .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير. انه كان يستحب ان يسكت على
بكر ، ثم يقول : عوان بين ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ عوان بین ذلك
قال : بين الصغيرة والكبيرة ، وهي أقوى ما يكون واحسنه .
:
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿صفراء فاقع لونها ﴾
قال : شديدة الصفرة ، تكاد من صفرتها تبيض .

الجزء الاول
١٩١
سورة البقرة
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله ﴿صفراء﴾ قال: صفراء الظلف
فاقع لونها ﴾ قال : صافي .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فاقع لونها ﴾ قال:
صاف لونها ﴿تسر الناظرين﴾ قال : تعجب الناظرين .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب والديلمي عن ابن عباس قال : من
لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها ، وذلك قوله ﴿ صفراء فاقع لونها
تسر الناظرين ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله
﴿ صفراء فاقع لونها ﴾ قال : سوداء شديدة السواد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة . انه قرأ ﴿ ان الباقر تشابه علينا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن یحیی عن یعمر. انه قرأ ﴿ ان الباقر تشابه علينا
وقال : ان الباقر أكثر من البقر .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءتنا ﴿ ان البقر
متشابه علينا
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ﴿ انها بقرة لا ذلول ﴾ أي لم يذله
العمل ﴿تثير الارض﴾ يعني ليست بذلول فتثير الارض ﴿ولا تسقي الحرث﴾
يقول : ولا تعمل في الحرث ﴿مسلمة﴾ قال: من العيوب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿ لا ذلول تثير الارض ﴾
يقول : ليست بذلول فتفعل ذلك ﴿مسلمة﴾ قال: من الشبه قال ﴿لا شية
فيها ﴾ قال : لا بیاض فيها ولا سواد .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ مسلمة﴾ قال : لا عوار فيها .
وأخرج ابن جرير عن عطية ﴿لا شية فيها﴾ قال : لونها واحد ليس فيها لون
سوی لونها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿ لا ذلول﴾ يعني صنفة
يقول: لم يذلها العمل ﴿مسلمة﴾ قال: من العيوب ﴿لا شية فيها﴾ قال : لا
بياض فيها ﴿ قالوا الآن جئت بالحق) قالوا : الآن بينت لنا ﴿ فذبحوها وما كادوا
يفعلون ﴾ .

الجزء الاول
١٩٢
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون
لغلاء ثمنها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس . ان أصحاب بقرة بني اسرائيل طلبوها
أربعين سنة ، حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت بقرة تعجبه ، فجعلوا يعطونه
بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه بعضو منها ، فقام
تشخب اوداجه دما ، فقالوا له : من قتلك ؟ قال : قتلني فلان .
وأخرج وكيع وابن أبي حاتم عن عطاء قال : الذبح والنحر في البقر سواء ، لأن
الله يقول ﴿ فذبحوها ﴾ .
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.
قال : كان لبني اسرائيل الذبح وأنتم لكم النحر ، ثم قرأ ﴿ فذبحوها ﴾ ( فصل لربك
وانحر)(١)
قوله تعالى: وَإِذْقَُّ نَفْسَا فَاتَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّاكُمْ تَكْفُنَ
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿ واذ قتلتم نفسا فادّا رأتم
فيها﴾ قال : اختلفتم فيها ﴿ والله مخرج ما كنتم تكتمون ﴾ قال : ما تغيبون .
وأما قوله تعالى: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون ﴾
أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن المسيب بن رافع قال : ما
عمل رجل حسنة في سبعة أبيات الا أظهرها اللّه ، وما عمل رجل سيئة في سبعة
أبيات الا اظهرها اللّه، وتصديق ذلك كتاب اللّه ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون ﴾ .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال
رسول اللّه عَ ◌ّ} ((لو ان رجلا عمل عملا في صخرة صماء لا باب فيها ولا كوة خرج
عمله الی الناس كائنا ما كان)) .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن عثمان بن عفان قال : من عمل عملا
کساه الله رداءه ، وان خيرا فخیر وان شرا فشر.
وأخرج البيهقي من وجه آخر عن عثمان قال: قال رسول اللّه عَظلهم ((من كانت له
(١) سورة الكوثر الآية ٢ .

الجزء الاول
١٩٣
سورة البقرة
سريرة صالحة أو سيئة أظهر الله عليه منها رداء يعرف به . قال البيهقي : الموقوف
أصح)) .
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي وضعفه عن أنس قال: قال رسول اللّه عَّم لأصحابه
((من المؤمن ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال: المؤمن الذي لا يموت حتى يملأ الله.
مسامعه مما يحب ، ولو ان عبدا اتقى الله في جوف بيت الى سبعين بيتا على كل بيت
باب من حديد لالبسه اللّه رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون . قالوا :
وكيف يزيدون يا رسول الله ؟ قال: لان التقي لو يستطيع ان يزيد في بره لزاد . ثم قال
رسول اللّه يٍَّ: من الكافر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الكافر الذي لا يموت
حتى يملأ الله مسامعه مما يكره ، ولو ان فاجرا فجر في جوف بيت الى سبعين بيتا على
کل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون .
قالوا : وكيف يزيدون يا رسول الله ؟ قال : لان الفاجر لو يستطيع ان يزيد في فجوره
لزاد» .
٥٠٠
وأخرج ابن عدي عن أنس ان رسول اللّه عَ ل قال ((ان الله مرد كل امرىء رداء
عمله )) .
وأخرج البيهقي عن ثابت قال : كان يقال لو ان ابن آدم عمل بالخير في سبعين
بيتا لکساه اللّه تعالى رداء عمله حتى يعرف به .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال : الناس يعملون اعمالهم
من تحت كنف اللّه ، فإذا أراد الله بعبد فضيحة أخرجه من تحت كنفه فبدت
عورته .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي ادريس الخولاني رفعه قال : لا يهتك
الله عبدا وفيه مثقال حبة من خير.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابراهيم قال : لو ان عبدا اكتتم بالعبادة كما يكتتم
بالفجور لاظهر اللّه ذلك منه .
قوله تعالى: فَقُلْنَا آَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَّا كَذَلِكَ بُحِاللَّهُ الْتَوْثَى وَرِّكُمْمَئِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقِلُونَ ﴿
الدر المشورم ١٢ ج ١

الجزء الاول
١٩٤
سورة البقرة
أخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس
في قوله ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها﴾ قال: ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها ، فلما فعلوا
أحياه الله حتى أنبأهم بقاتله الذي قتله ، وتكلم ثم مات .
وأخرج وكيع وابن جرير عن عكرمة في الآية قال : ضربوه بفخذها فحي ، فما
زاد على أن قال : قتلني فلان ، ثم عاد فمات .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال : ضرب بفخذ البقرة
فقام حيا فقال : قتلني فلان ، ثم عاد في ميتته .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : ضرب بالبضعة التي بين الكتفين .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال : أمرهم موسى ان يأخذوا عظما فيضربوا
به القتيل ، ففعلوا فرجع الله روحه فسمى قاتله ، ثم عاد ميتا كما كان .
وأما قوله تعالى: ﴿ كذلك يحيي الله الموتى ) الآية.
أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال : ان فتى من
بني اسرائيل كان برا بوالدته ، وكان يقوم ثلث الليل يصلي ، ويجلس عند رأس والدته
ثلث الليل ، فیذ کرها بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد ، ويقول : يا أمه ان كنت
ضعفت عن قيام الليل فكبري اللّه وسبحيه وهلليه ، فكان ذلك عملهماً الدهر
كله ، فإذا أصبح أتى الجبل فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله أن
يبيعه ، فيتصدق بثلثه ويبقي لعبادته ثلثا ويعطي الثلث أمه ، وكانت أمه تأكل
النصف وتتصدق بالنصف ، وكان ذلك عملهما الدهر كله .
فلما طال عليها قالت : يا بني اعلم اني قد ورثت من أبيك بقرة وختمت عنقها ،
وتركتها في البقر على اسم اله ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب ، قالت وسأبين لك ما
لونها وهيئتها ، فاذا أتيت البقر فادعها باسم اله ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب فانها
تفعل كما وعدتني ، وقالت : ان علامتها ليست بهرمة ولا فتية ، غير انها بينهما وهي
صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ، اذا نظرت الى جلدها يخيل اليك ان شعاع
الشمس يخرج من جلدها ، وليست بالذلول ، ولا صعبة تثير الارض ، ولا تسقي .
الحرث ، مسلمة لا شية فيها ولونها واحد ، فاذا رأيتها فخذ بعنقها فانها تتبعك باذن
اله اسرائيل .

الجزء الاول
١٩٥
سورة البقرة
فانطلق الفتى وحفظ وصية والدته ، وسار في البرية يومين أو ثلاثا ، حتى اذا كان
صبيحة ذلك اليوم انصرف فصاح بها فقال : باله ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب
الا ما أتيتني ، فاقبلت البقرة اليه وتركت الرعي ، فقامت بين يدي الفتى ، فأخذ
بعنقها فتكلمت البقرة وقالت : يا أيها الفتى البر بوالدته اركبني فانه أهون عليك .
قال الفتى : لم تأمرني والدتي أن أركب عليك ولكنها أمرتني ان أسوقك سوقا فاحب
أن أبلغ قولها . فقالت : باله اسرائيل لو ركبتني ما كنت لتقدر علي ، فانطلق يا أيها
الفتى البر بوالدته ، لو أنك أمرت هذا الجبل ان ينقلع لك من أصله لانقلع لبرك
بوالدتك ولطاعتك الهك .
فانطلق حتى اذا كان من مسيرة يوم من منزله استقبله عدوّ اللّه ابليس ، فتمثل له
على صورة راع من رعاة البقر ، فقال : يا أيها الفتى من أين جئت بهذه البقرة ، ألا
تركبها فاني اراك قد أعييت ؟ أظنك لا تملك من الدنيا مالا غير هذه البقرة ، فاني
أعطيك الأجر ينفعك ولا يضرها ، فاني رجل من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي ،
فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه طعامي وزادي ، حتى اذا بلغت شطر الطريق
أخذني وجع بطني ، فذهبت لاقضي حاجتي فعدا وسط الجبل وتركني وأنا أطلبه
ولست أقدر عليه ، فانا أخشى على نفسي الهلاك وليس معي زاد ولا ماء ، فان رأيت
ان تحملني على بقرتك فتبلغني مراعي وتنجيني من الموت وأعطيك أجرها بقرتين .
قال الفتى : ان بني آدم ليس بالذي يقتلهم اليقين وتهلكهم أنفسهم ، فلو علم
اللّه منك اليقين لبلغك بغير زاد ولا ماء ، ولست براكب أمرا لم أومر به ، إنما أنا عبد
مأمور ولو علم سيدي اني أعصيه في هذه البقرة لأهلكني وعاقبني عقوبة شديدة ، وما
أنا بمؤثر هواك على هوى سيدي ، فانطلق يا أيها الرجل بسلام فقال له ابليس :
أعطيك بكل خطوة تخطوها الى منزلي درهما فذلك مال عظيم وتفدي نفسي من الموت
في هذه البقرة . قال الفتى : ان سيدي له ذهب الارض وفضتها ، فان أعطيتني شيئا
منها علم أنه من ماله ، ولكن أعطني من ذهب السماء وفضتها ، فاقول انه ليس هذا
من مالك فقال ابليس : وهل في السماء ذهب أوفضة ، أو هل يقدر أحد على هذا ؟
قال الفتى : أو هل يستطيع العبد بما لم يأمر به سيده كما لا تستطيع أنت ذهب السماء
وفضتها .
قال له ابليس : أراك أعجز العبيد في أمرك. قال له الفتى : ان العاجز من

الجزء الاول
١٩٦
سورة البقرة
عصى ربه . قال له ابليس : ما لي لا أرى معك زادا ولا ماء ؟ قال الفتى : زادي
التقوى ، وطعامي الحشيش ، وشرابي من عيون الجبال ، قال ابليس : ألا آمرك
بأمر يرشدك؟ قال الفتى : مربه نفسك فاني على رشاد ان شاء الله . قال له ابليس :
ما أراك تقبل نصيحة ! قال له الفتى : الناصح لنفسه من أطاع سيده وأدى الحق
الذي عليه ، فان كنت شيطانا فاعوذ بالله منك ، وان كنت آدميا فاخرج فلا حاجة
لي في صحابتك . فجمد ابليس عند ذلك ثلاث ساعات مكانه ، ولو ركبها له
ابليس ما كان الفتى يقدر عليها ولكن اللّه حبسه عنها .
فبينما الفتى يمشي اذ طار طائر من بين يديه فاختلس البقرة ، ودعاها الفتى
وقال : باله ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب الا ما آتيتني ، فاتت البقرة اليه وقامت
بين يديه ، فقالت : يا أيها الفتى ألم تر الى ذلك الطائر الذي طار من بين يديك؟،
فانه ابليس عدو الله اختلسني ، فلما ناديتني باله اسرائيل جاء ملك من الملائكة
فانتزعني منه فردني اليك لبرك بوالدتك وطاعتك الهك ، فانطلق فلست ببارحتك
حتى تأتي أهلك ان شاء الله .
قال : فدخل الفتى الى أمه يخبرها الخبر، فقالت : يا بني اني أراك تحتطب على
ظهرك الليل والنهار فتشخص ، فاذهب بهذه البقرة فبعها وخذ ثمنها فتقوّ به وودع به
نفسك . قال الفتى : بكم أبيعها ؟ قالت : بثلاثة دنانير على رضا مني . فانطلق
الفتى إلى السوق فبعث اللّه اليه ملكا من الملائكة ليري خلقه قدرته ، فقال للفتى :
بكم تبيع هذه البقرة أيها الفتى ؟ فقال : أبيعها بثلاثة دنانير على رضا من والدتي .
قال : لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك. فقال: لو أعطيتني زنتها لم أبعها حتى
أستأمرها ، فخرج الفتى فاخبر والدته الخبر، فقالت : بعها بستة دنانير على رضا
مني. فانطلق الفتى وأتاه الملك فقال : ما فعلت ؟ فقال : أبيعها بستة دنانير على
رضا من والدتي . قال : فخذ اثني عشر دينارا ولا تستأمرها . قال : لا .
فانطلق الفتى إلى أمه فقالت : يا بني ان الذي ياتيك ملك من الملائكة في صورة
آدمي ، فإذا أتاك فقل له : ان والدتي تقرأ عليك السلام ، وتقول : بكم تامرني ان
أبيع هذه البقرة ؟ قال له الملك : يا أيها الفتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران
لقتيل يقتل من بني اسرائيل ، وله مال كثير ولم يترك أبوه ولدا غيره ، وله أخ له بنون
كثيرون ، فيقولون كيف لنا أن نقتل هذا الغلام وناخذ ماله ، فدعوا الغلام الى منزلهم

الجزء الاول
١٩٧
سورة البقرة
فقتلوه فطرحوه الى جانب دارهم ، فاصبح أهل الدار فاخرجوا الغلام إلى باب
الدار، وجاء بنو عم الغلام فأخذوا أهل الدار، فانطلقوا بهم الى موسى، فلم يدر
موسى كيف يحكم بينهم من أجل أن أهل الدار برآء من الغلام ...! فشق ذلك على
موسى فدعا ربه ، فأوحى الله اليه : أن خذ بقرة صفراء فاقعا لونها فاذبحها ، ثم
اضرب الغلام ببعضها .
فعمدوا الى بقرة الفتى فاشتروها على ان يملؤوا جلدها دنانير، ثم ذبحوها ثم ضربوا
الغلام ببعضها ، فقام يخبرهم فقال : ان بني عمي قتلوني وأهل الدار مني برآء ،
فأخذهم موسى فقالوا : يا موسى أتتخذنا هزوا قد قتل ابن عمنا مظلوما ، وقد علموا
ان سيفضحوا ، فعمدوا الى جلد البقرة فملؤوه دنانير ثم دفعوه الى الفتى ، فعمد الفتى
فتصدق بالثلثين على فقراء بني اسرائيل وتقوّى بالثلث و﴿كذلك يحيي اللّه الموتى
ويريكم آياته لعلكم تعقلون ﴾ .
قوله تعالى : ثُمَّقَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَى كَالْجَارَةِ أَوْأَشَدُ قَسْوَةٌ
وَإِنَّ مِنَ الْجَارَةِلَمَا يَنَفَخَّرُ مِنْهُ الْأَنَّهَزَّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَخْرُجُ مِنْهُ
الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا بَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ وَمَا آللَّهُ بِغَافِلِ عَمَّا تَعْمَلُونَ
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد
ذلك ﴾ قال : من بعد ما أراهم الله من أحياء الموتى ، ومن بعدما أراهم من أمر
القتيل . ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ ثم عذر الله الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم
فقال ﴿وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان
منها لما يهبط من خشية الله ﴾ .
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ وان من
الحجارة ... ) الآية . أي أن من الحجارة لألين من قلوبكم ، لما تدعون اليه من
الحق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : كل حجر يتفجر منه الماء ،
أو يشقق عن ماء أو يتردى من رأس جبل فمن خشية الله ، نزل بذلك القرآن .

الجزء الاول
١٩٨
سورة البقرة
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ وان
منها لما يهبط من خشية الله﴾ قال : ان الحجر ليقع على الارض ، ولو اجتمع عليه
كثير من الناس ما استطاعوه ، وانه ليهبط من خشية الله .
قوله تعالى : * أَفَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْلَكُمْ وَقَدْكَانَ فَرِبِقُمِنْهُمْ
يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُقَ بُخْرِفُونَهُ مِنْ بَعَدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَونَ ﴾
أخرج ابن اسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ثم قال اللّه لنبيه ومن
معه من المؤمنين يؤيسهم منهم ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم
يسمعون كلام اللّه﴾ وليس قوله يسمعون التوراة كلهم ، قد سمعها ولكنهم الذين
سألوا موسى رؤية ربهم فاخذتهم الصاعقة فيها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿ أفتطعمون أن يؤمنوا
لكم ... ) الآية . قال : فالذين يحرفونه والذين يكتبونه هم العلماء منهم ، والذين
نبذوا کتاب الله وراء ظهورهم هؤلاء كلهم يهود .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ﴿ يسمعون كلام اللّه﴾ قال : هي التوراة
حرفوها .
وَ إِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوْءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى
قوله تعالى :
بَغْضِ قَالُوا أَتُحُدِّثُونَهُم بِمَا فَتَعَاللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَتْجُوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ
أَوَّلَا يَعْلَمُونَ أََّللَّهُ يَعْلَمُ مَا يُسِزُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾
w
أَفَلا تَغْقِلُونَ
: أخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا
قالوا آمنا﴾ أي بصاحبكم رسول الله ولكنه اليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض
قالوا : لا تحدثوا العرب بهذا ، فانكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم
ليجادلوكم به عند ربكم ﴾ أي يقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ عليكم
الميثاق باتباعه ، وهو يخبرهم انه النبي الذي كان ينتظر ، ونجده في كتابنا اجحدوه
ولا تقروا به .

الجزء الاول
١٩٩
سورة البقرة
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ... ) الآية .
قال : هذه الآية في المنافقين من اليهود . وقوله ﴿ بما فتح الله عليكم ﴾ يعني بما
أکرمکم به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال :
قام النبي ◌ُّ يوم قريظة تحت حصونهم فقال ((يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة
الطاغوت . فقالوا : من أخبر هذا الامر محمدا ، ما خرج هذا الامر الا منكم
أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم﴾ بما حكم الله ليكون لهم حجة عليكم)).
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول اللّه عَ ◌ّه (( لا يدخلن علينا قصبة
المدينة الا مؤمن . فقال رؤساء اليهود : اذهبوا فقولوا آمنا واكفروا اذا رجعتم الينا ،
فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون اليهم بعد العصر، وهو قوله ( وقالت طائفة من
أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره )(١) وكانوا
يقولون: اذا دخلوا المدينة نحن مسلمون ليعلموا خبر رسول اللّه عَ ◌ّم وأمره، فكان
المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون ، فيقولون لهم : أليس قد قال الله لكم في التوراة كذا
وكذا ؟ فيقولون : بلى. فاذا رجعوا الى قومهم قالوا ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله به
عليكم ... ) الآية)).
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : نزلت هذه الآية في ناس
من اليهود آمنوا ثم نافقوا ، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به ، فقال
بعضهم لبعض ﴿ أتحدثونهم بما فتح اللّه به عليكم﴾ من العذاب ليقولوا نحن أحب
الى الله منكم وأكرم على الله منكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ((ان امرأة من اليهود أصابت فاحشة ، فجاؤوا
إلى النبي عَّه يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول اللّه عَ ل عالمهم وهو
ابن صوريا ، فقال له : احكم ... قال : فجبؤه . والتجبئة يحملونه على حمار
ويجعلون على وجهه الى ذنب الحمار. فقال له رسول اللّه عَ له: أبحكم الله حكمت ؟"
قال : لا . ولكن نساءنا كن حسانا ، فاسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم ، وفيه أنزلت
وإذا خلا بعضهم إلى بعض ... ) الآية)).
(١) آل عمران الآية ٧٢ .
٠

الجزء الاول
٢٠٠
سورة البقرة
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾
قالوا : هم اليهود ، وكانوا اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، فصانعوهم بذلك ليرضوا
عنهم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض نهى بعضهم بعضاً ان يحدثوا بما فتح الله
عليهم ، وبين لهم في كتابه من أمر محمد عليه السلام رفعته ونبوته ، وقالوا : انكم اذا
فعلتم ذلك احتجوا عليكم بذلك عند ربكم ﴿ أفلا تعقلون ، أو لا يعلمون ان الله
يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ قال : ما يعلنون من أمرهم وكلامهم اذا لقوا الذين
آمنوا ، وما يسرون اذا خلا بعضهم الى بعض من كفرهم بمحمد ێ وتكذيبهم به ،
وهم يجدونه مکتوبا عندهم .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ﴿ أو لا يعلمون ان الله يعلم ما
يسرون ﴾ يعني من كفرهم بمحمد وتكذيبهم به ﴿ وما يعلنون﴾ حين قالوا للمؤمنين :
آمنا.
قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أَقْتُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْحِكِتَ إِلَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا
يَقُطُونَ ﴾
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الاميون قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله ،
ولا كتاباً أنزله ، فكتبوا كتابا بايديهم ، ثم قالوا لقوم سفلة جهال : هذا من عند الله .
وقال: قد أخبرهم أنهم يكتبون بايديهم ، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله
ورسله .
وأخرج ابن جرير عن ابراهيم النخعي في قوله ﴿ومنهم أميون لا يعلمون
الكتاب ﴾ قال : منهم من لا يحسن ان يكتب .
وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون
الكتاب﴾ قال: لا يدرون ما فيه ﴿وان هم الا يظنون﴾ وهم يجحدون نبّتك
بالظن .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ﴾ قال :
ناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً ، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في
كتاب الله ، ويقولون هو من الكتاب أماني تمنونها .