Indexed OCR Text

Pages 141-160

سورة تَبَّتْ
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿تَبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ﴾: أي: خَسِرَتْ،
وتقدَّم تفسيرُ هذه المادةِ في سورة غافر في قوله: ((إلَّ فِي تَبَابٍ))(١)،
وأسند الفعلَ إلى اليدَيْنِ مجازاً لأنَّ أكثرَ الأفعالِ تُزاوَلُ بهما، وإنْ كانَ
المرادُ جملةَ المَدْعُوُّ عليه. وقوله: ((تَبَّتْ)) دعاءٌ، و((تَبَّ)) إخبارٌ، أي: قد
وقع ما دُعِيَ به عليه. كقول الشاعر(٢):
٤٦٦٨- جَزاني جَزاء اللَّهُ شرَّ جَزائِه
جزاءَ الكِلابِ العاوياتِ وقد فَعَلْ
الآية ٢٧ من غافر.
(١)
(٢) البيت بهذا الصدر لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ٢٩٦/٤، والبحر
٥٢٥/٨، ولأبي الأسود الدؤلي:
جزاءَ الكلابِ العاويات وقد فَعَلْ
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم
والنابغة:
جزاءَ الكلاب العاویات وقد فعل
جزى اللَّهُ عَبْساً عبسَ آلِ بُغَيُّضٍ
انظر: الخزانة ١٣٤/١، وابن يعيش ٧٦/١.
١٤١

- المسدف
ويؤيّده قراءةُ عبد الله (١) ((وقد تَبَّ)) والظاهرُ أنَّ كليهما دعاءٌ، ويكونُ
في هذا شَبَهٌ مِنْ مجيءٍ العامّ بعد الخاصِ؛ لأنَّ الْيَدَيْن بعضٌ، وإن كان
حقيقةُ اليدَيْنِ غيرَ مرادٍ، وإنما عَبَّر باليدَيْنِ؛ لأن الأعمال غالباً تُزاوَلُ
بهما .
وقرأ العامة (لَهَبِ)) بفتح الهاء. وابنُ كثيرٍ (٢) بإسكانِها. فقيل: لغتان
بمعنىّ، نحو النَّهْر والنَّهَر، والشَّعْرِ والشَّعَر، والنَّفَرِ والنَّفْر (٣)، والضَّجْر
والضَّجْر. وقال الز مخشري(٤): ((وهو مِنْ تغييرِ الأعلام كقوله: ((شُمْسَ
ابن مالك)» بالضم، يعني أنَّ الأصلَ شَمْسٍ بفتح الشين فَغُّيُّرَتْ إلى الضَمِّ،
ويُشير بذلك لقولِ الشاعر (٥):
٤٦٦٩- وإِنِّي لَمُهْدٍ مِنْ ثَنَائِي فَقاصِدٌ بِهِ
لابنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسٍ بِنِ مِالكِ
وجَوَّزَ الشيخُ(٦) في ((شُمْس)) أَنْ يكونَ منقولاً مِنْ ((شُمْس)) الجمع
مِنْ قوله: ((أذنابُ خيلِ شُمْس)»(٧) فلا يكونُ من التغيير في شيءٍ. وكَنَّى
(١) القرطبي ٢٣٤/٢٠، ومعاني القرآن للفراء ٢٩٨/٣.
(٢) السبعة ٧٠٠، والنشر ٤٠٤/٢، والقرطبي ٢٣٧/٢٠، والحجة ٧٧٦، والبحر
٨/ ٥٢٥، والتيسير ٢٢٥.
(٣) نَفَر الناس مِنْ مِنِى نَفْراً ونَفَراً.
(٤) الكشاف ٢٩٦/٤.
(٥) البيت لتأبط شراً، وهو في الحماسة ٧٥/١، والخزانة ٩٧/١، والبحر ٥٢٥/٨.
(٦) البحر ٥٢٥/٨
(٧) حديث شريف: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسِ)) جمع
شموس وهو النفور من الدواب .. والحديث رواه مسلم في ٤ - كتاب الصلاة
برقم ١١٩، ٣٢٢/١، وابن حنبل ٨٦/٥.
١٤٢

- المسد -
بذلك: إمَّا لالتهابٍ وجنَتَيْه، وكان مُشْرِقَ الوجهِ أحمرَه، وإمَّا لِما يَؤُول
إليه مِنْ لَهَبٍ جهنمَ، كقولهم: أبو الخيرِ وأبو الشَّرِّ لصُدورِهما منه، وإمَّا
لأنَّ الكُنيةَ أغلبُ من الاسم، أو لأنَّها أَنْقَصُ منه، ولذلك ذكرَ الأنبياءَ
بأسمائِهم دون كُناهم، أو لُقْبح اسمِه، فإنَّ اسمَهِ («عبد العُزَّى)) فعَدَلَ إلى
الكُنْية. وقال الزمخشري(١): ((فإنْ قلتَ: لِمَ كَناه والكُنيةُ تَكْرُمَةٌ؟ ثم ذكَرَ
ثلاثةَ أجوبةٍ: إمَّا لِشُهْرَتِهِ بِكُنْيته، وإِمَّا لقُبْح اسمِه كما تقدَّم، وإمَّا لأنَّ
مآَلَه إلى لهبٍ جهنم)). انتهى. وهذا يقتضي أنَّ الكنيةً أشرفُ وأكملُ
لا أنقصُ، وهو عكسُ قولٍ تقدَّمَ آنفاً.
وقُرىء(٢): ((يدا أبو لَهَبٍ)) بالواوِ في مكانِ الجرّ. قال
الزمخشري (٣): ((كما قيل: عليُّ بن أبو طالب، ومعاويةُ بنُ أبو سفيان، لئلا
يتغيَّرَ منه شيءٌ فيُشْكِلَ على السامعِ ولـ فَلِيْتَةَ بنِ قاسم (٤) أميرٍ مكة ابنان،
أحدُهما: عبدِ الله بالجرِّ /، والآخرُ عبدَ الله بالنصب)). ولم يَختلف القُرَّاءُ [١/٩٣٢]
في قوله: ((ذاتَ لَهَب)) أنها بالفتح. والفرقُ أنها فاصلةٌ فلو سَكَنَتْ زال
التَّشاكلُ.
آ. (٢) قوله: ﴿ما أَغْنِى﴾(٥): يجوزُ في ((ما)» النفيُّ
والاستفهامُ، وعلى الثاني تكون منصوبةً المحلِّ بما بعدَها التقدير: أيُّ
شيء أغنى المالُ؟ وقُدِّم لكونِه له صَدْرُ الكلامِ.
(١) الكشاف ٢٩٦/٤.
(٢) الشواذ ١٨٢ وقال: حكاه أبو معاذ، والكشاف ٢٩٦/٤.
(٣) الكشاف ٢٩٦/٤.
(٤) فليتة بن القاسم شريف حَسَني من أمراء مكة استمر في ولاية مكة إلى أن توفي
٥٢٧. أنظر: الأعلام ١٥٦/٥.
(٥) عاد إلى الآية ٢.
١٤٣

- المسدد
قوله: ((وما كسَبَ)) يجوز في ((ما)) هذه أَنْ تكونَ بمعنى الذي،
فالعائد محذوفٌ، وأَنْ تكونَ مصدريةً، أي: وكَسْبُه، وأَنْ تكونَ استفهاميةً
يعني: وأيَّ شيءٍ كَسَبَ؟ أي: لم يَكْسَبْ شيئاً، قاله الشيخُ(١)، فجعل
الاستفهامَ بمعنى النفي، فعلى هذا يجوزُ أَنْ تكونَ نافيةٌ، ويكونَ المعنى
على ما ذَكَرَ، وهو غيرُ ظاهرٍ. وقرأ عبد الله (٢): ((وما اكْتَسَبَ)).
آ. (٣) قوله: ﴿سَيَصْلَى﴾: العامَّةُ على فتح الياءِ وإسكانٍ
الصادِ وتخفيفِ اللام، أي: يَصْلَى هو بنفسِه. وأبو حيوةً(٣) وابنُ مقسم
وعباسٌ(٤) في اختيارِهِ بالضمِّ والفتح والتشديدِ. والحسن وابنُ أبي إسحاق .
بالضمّ والسكون.
آ. (٤) قوله: ﴿وامرأتُه حَمَّالَةَ الحَطَبِ﴾: قراءةُ العامَّةِ
بالرفع على أنهما جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبرٍ سِيْقَتْ للإِخبار بذلك. وقيل
(وامرأتُه)) عطفُ على الضميرِ في ((سَيَصْلَى))، سَوَّغَه الفصلُ بالمفعولِ.
و((حَمَّالةُ الحطبِ)) على هذا فيه أوجهٌ: كونُها نعتاً لـ ((امرأتُه)). وجاز ذلك
لأن الإضافةَ حقيقيةٌ؛ إذ المرادُ المضيُّ، أو كونُها بياناً أو كونُها بدلاً لأنها
قريبٌ مِنْ الجوامدِ لِتَمَخُّضِ إضافتِها، أو كونُها خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أي:
هي حَمَّالَةُ. وقرأ(٥) ابنُ عباس ((ومُرِّيَّتُهُ) و((مْرَيْئَتَّهُ)) على التصغير، إلاَّ أنَّه
(١) البحر ٥٢٥/٨.
(٢) القرطبي ٢٣٨/٢٠، والبحر ٥٢٥/٨.
انظر في قراءاته: القرطبي ٢٣٨/٢٠، والبحر ٥٢٥/٨.
(٣)
(٤) لعله العباس بن الفضل المتوفى سنة ١٨٦ انظر تراجم العباس في طبقات القراء
.
٣٥٣/١.
(٥) البحر ٥٢٥/٨، والمحتسب ٣٧٥/٢ منسوبة لابن مسعود.
١٤٤

- المسد -
أقَرَّ الهمزةَ تارةً وأبدلَها ياءً، وأدغم فيها أخرى.
وقرأ العامةُ ((حَمَّالَةُ)) بالرفع. وعاصمٌ(١) بالنصبِ فقيل: على الشَّتْم،
وقد أتى بجميلٍ مَنْ سَبَّ أَمَّ جميل. قاله الزمخشري (٢)، وكانت تُكْنَى بأمّ
جميل. وقيل: نصبٌ على الحالِ مِنْ ((امرأتُه)) إذا جَعَلْناها مرفوعةٌ بالعطفِ
على الضَّميرِ، ويَضْعُفُ جَعْلُها حالاً عند الجمهور من الضميرِ في الجارِّ
بعدها إذا جَعَلْناه خبراً لـ ((امرأتُه)»، لتقدُّمها على العاملِ المعنويِّ.
واستشكل بعضُهم الحاليةَ لِما تقدَّم من أنَّ المرادَ به المُضِيُّ، فيتعرَّفُ
بالإِضافةِ، فَكيف يكونُ حالاً عند الجمهور؟ ثم أجابَ بأنَّ المرادَ
الاستقبالُ(٣) لأنَّه وَرَدَ في التفسير: أنها تحملُ يومَ القيامةِ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ
النار، كما كانت تحملُ الحطبَ في الدنيا.
وفي قوله: (حَمَّالةَ الحَطَبِ)) قولان. أحدُهما: هو حقيقةٌ.
والثاني: أنه مجازٌ عن المَشْىِ بالنميمةِ ورَمْىِ الفِتَنِ بين الناس. قال
الشاعر(٤):
٤٦٧٠- إنَّ بني الأَذْرَمِ حَمَّالو الحَطَبْ
هُمُ الوشاةُ في الرِّضا وفي الغضب
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٧٠٠، والنشر ٤٠٤/٢، والحجة ٧٧٧، والبحر
٥٢٦/٨، والتيسير ٢٢٥، والمحتسب ٣٧٥/٢، والقرطبي ٢٣٨/٢٠.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٩٧.
(٣) أي: فتصبح إضافته لفظية، والإضافة اللفظية نكرة.
(٤) لم أهتد إلى قائله. وهو في البحر ٥٢٦/٨، والقرطبي ٢٣٩/٢٠، والماوردي
٤/ ٥٤٢.
١٤٥

وقال آخر(١):
- المسند
٤٦٧١- مِنْ البِيْضِ لم تُصْطَدْ على ظَهْرِ لَأُمَةٍ
ولم تَمْشٍ بين الحَيِّ بالحطبِ الرَّطْبِ.
جَعَلَهِ رَطْباً تنبيهاً على تَدْخِينه، وهو قريبٌ مِنْ ترشيح المجازِ. وقرأ
أبو قلابة «حاملةَ الخطبِ))(٢) على وزن فاعِلَة. وهي محتملَةٌ لقرأةِ العامَّةِ.
وعباس ((حَمَّالَةٍ للخطَّبِ)) بالتنوين وجَرِّ المفعولِ بلامٍ زائدةٍ تقويةً للعاملِ،
كقوله تعالى: ((فَعَّالٌ لِما يُريدُ)) (٣) وأبو عمروٍ(٤) في روايةٍ ((وامرأتُه))
باختلاس الهاءِ دونَ إشباعٍ.
آ. (٥) قوله: ﴿فِي جِيْدِها حَبْلٌ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ «في
جيدِها)» خبراً لـ ((امرأتُه)(٥) و((حبلٌ)) فاعلٌ به، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ
((امرأتُه)) على كونِها فاعلة (٦). و((حبلٌ)) مرفوعٌ به أيضاً، وأَنْ يكونَ خبراً.
مقدَّماً. و((حَبْلٌ)) مبتدأٌ مؤخرٌ، والجملةُ حاليةٌ أو خبر ثانٍ، والجِيْدُ:
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ٢٩٧/٤، والبحر ٥٢٦/٨، والقرطبي
٢٣٩/٢٠، والماوردي ٥٤٢/٤، واللأمة: أداة الحرب، أي: لم تقع في
السبي.
(٢) ضبطها ابن خالوية حاملةٌ، ولم تضبطها المظانِّ الأخرى.
(٣)
الآية ١٠٧ من هود.
(٤) البحر ٥٢٦/٨.
(٥)
على قراءة ((حمالة)؛ فمن أوجه «امرأته)) الابتداء.
(٦) أي: وامرأته استقرَّ حبْلٌ في جيدها. فالفعل استقرَّ خبر لـ امرأته، وهو الذي
رفع «حبلٌ)) بالفاعلية كذا في الأصل، ولعله سهو، لأن امرأته لا تكون فاعلاً
بأي وجه، لأنها إمَّا مبتدأ أو معطوفة.
١٤٦

- المسد -
العُنُقِ، ويُجْمع على أجيادُ. قال امرؤ القيس(١):
٤٦٧٢- وجِيْدٍ كَجِيْدِ الرِّثْمِ ليس بفاحِشٍ
إذا هي نَصَّتْهُ ولا بمُعَطَّلِ
و (مِنْ مَسَدٍ)) صفةٌ لـ ((حَبْل)). والمَسَدُ: لِيْفُ المُقْلِ. وقيل: اللِيفُ
مطلقاً. وقيل: هو لِحاءُ شَجَرٍ باليمن. قال النابغة (٢):
٤٦٧٣- مَقْذُوْفَةٌ بِدَخِيْسِ النَّحْضِ بَازِلُها
له صريفٌ صَريفُ القَعْرِ بِالمَسَدِ
وقد يكونُ مِنْ جلود الإِبل وأَوْبارِها. وأنشد(٣).
٤٦٧٤- ومَسَدٍ أُمِرَّ مِنْ أَيانِقِ
ويقال: رجلٌ / مَمْسود الخَلْق، أي: شديدُه.
[٩٣٢/ب]
[تمت بعونه تعالى سورة المسد]
(١) برقم ٨١١.
(٢) ديوانه ٦. مقذوفة: مرمَّة باللحم. والدخيس: الذي أُدمج بعضه في بعض من
كثرته وصلابته. والنحص: اللحم. بازلها: سِنُّها الذي انشق، والناب ينشق في
السنة الثامنة. صريف: صرير. القَعْو: البكرة.
(٣) البيت لعمارة بن طارق أو عقبة الهجيمي، وهو في اللسان (مسد) ومجاز القرآن
٣١٥/٢، والقرطبي ٢٤١/٢٠. وأمرَّ الحبل: فتله فتلاً شديداً. والأيانق:
(ج ) ناقة. وبعده:
صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتٍ مُخِّ زاهِقٍ
١٤٧

سورة الإخلاص
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿قل هو اللَّهُ أحدٌ﴾: في ((هو)) وجهان،
أحدهما: أنه ضميرٌ عائدٌ على ما يُفْهَمُ من السياقِ، فإنه يُرْوى في
الأسباب(١): أنَّهم قالوا لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم: صِفْ لنا ربَّك
وانْسُبْه. وقيل: قالوا له: أمِنْ نُحاس هو أم مِنْ حديدِ؟ فنزَلَتْ. وحينئذٍ
يجوزُ أَنْ يكونَ ((الله)) مبتدأً، و((أَحَدٌ) خبرُه. والجملةُ خبرُ الأولُ. ويجوزُ
أَنْ يكونَ («اللَّهُ)) بدلاً، و («أحدٌ» الخبرَ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «اللَّهُ» خبراً أوَّلَ،
و((أحدٌ)) خبراً ثانياً. ويجوزُ أَنْ يكونَ («أحدٌ) خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي:
هو أحدٌ. والثاني: أنَّه ضميرُ الشأنِ لأنه موضعُ تعظيم، والجملةُ بعدَه
خبرُهُ مفسِّرَةٌ.
وهمزةُ ((أحد)) بدلٌ من واوٍ، لأَنَّه من الوَحْدة، وإبدالُ الهمزةِ من
الواوِ المفتوحةِ. وقيل: منه ((امرأةٌ أناة)(٢) من الوَنى وهو الفُتورُ. وتقدَّم
الفرقُ بين ((أحد)) هذا و((أحد)) المرادِ به العمومُ، فإنَّ همزةَ ذاك أصلٌ
(١) أسباب النزول. انظر: فتح القدير ٥١٣/٥.
(٢) انظر: الممتع ٣٣٥.
١٤٩

- الإِخلاص -
بنفسِها. ونَقَل أبو البقاءٍ(١) أنَّ همزةَ ((أحد)) هذا غيرُ مقلوبةٍ، بل أصلٌ
بنفسِها كالمرادِ به العمومُ، والمعروفُ الأولُ. وفَرَّق ثعلب(٢) بين ((واحد))
وبين ((أحد)»: بأنَّ الواحدَ يدخُلُه العَدُ (٣) والجمعُ والاثنان، و((أحَد))
لا يَدْخُلُه ذلك. ويقال: اللَّهُ أحدٌ، ولا يقال: زيدٌ أحدٌ؛ لأنَّ اللَّهِ تعالى
هذه الخصوصيةَ، وزَيْدٌ له حالاتٌ شتى. ورَدَّ عليه الشيخُ (٤): بأنَّه يُقال:
أحد وعشرونَ ونحوه فقد دخلَه العددُ» انتهى. وقال مكي(٥): ((إِنَّ أَحَداً
أصلُه وَأَحَد، فأُبْدِلَتِ الواوُ همزةً فاجتمع ألفان، لأنَّ الهمزةَ تُشْبِه الألفَ،
فحُذِفَتْ إحداهما تخفيفاً)).
وقر(٦) عبد الله وأُبَيِّ (اللَّهُ أحدٌ)) دونَ ((قُلْ)). وقرأ النبي صلَّى الله
عليه وسلَّم ((أحدٌ)) بغيرِ ((قل هو)). وقرأ الأعمش: قل هو اللَّهُ
الواحد».
وقرأ العامَّةُ بتنوين ((أحدٌ)) وهو الأصلُ. وزيد بن علي (٧) وأبان
ابن عثمان وابن أبي إسحاق والحسن وأبو السَّمَّالْ وأبو عمروٍ(٨) في روايةٍ
في عددٍ كثيرٍ بحذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله(٩):
الإملاء ٢٩٧/٢ .
(١)
البحر ٥٢٨/٨
(٢)
(٣)
البحر: العدد.
(٤)
البحر ٥٢٨/٨.
(٥)
إعراب المشكل ٢/ ٥١٠.
انظر في هذه الأوجه الشاذة: الشواذ ١٨٢، والكشاف ٢٩٨/٤.
(٦)
السبعة ٧٠١، والبحر ٥٢٨/٨، والقرطبي ٢٤٤/٢٠، ومعاني الفراء ٣٠٠/٣.
(٧)
في رواية الخزاز عن محمد بن يحيى عن عبيد عن هارون عنه كما في السبعة .
(٨)
تقدم برقم ٢٢٦٨ .
(٩)
١٥٠

- الإخلاص -
٤٦٧٥- عمرُو الذي هَشَمّ الثَّريدَ لقومِه
ورجالُ مكةَ مُسْنِتُون عِجافُ
وقال آخر (١):
٤٦٧٦- فــأَلْفَيْتُه غيرَ مُسْتَغْتِبٍ
ولا ذاكرَ اللَّةَ إلاَّ قليلا
آ. (٢) قوله: ﴿الصَّمَدُ﴾: فَعَل بمعنى مَفْعُول كالقَبَضِ
والنَّقَضِ. وهو السَّيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه في الحوائج، أي: يُقْصَدُ ولا يَقْدِرُ
على قضائِها إلاَّ هو. وأنشد(٢):
٤٦٧٧ - ألا بَكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بني أسدْ
بِعَمْرِو بن مسعودٍ وبالسَّيِّد الصَّمَذْ
وقال الآخر (٣):
٤٦٧٨- عَلَوْتُه بحُسامِ ثم قُلْتُ له
خُذْها حُذَيْفُ فأنتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ
وقيل: الصَّمَدُ: هو الذي لا جَوْفَ له، ومنه قوله(٤).
(١) تقدم برقم ١٥٠٤.
البيت لسبرة بن عمرو الأسدي وهو في اللسان (صمد) ومجاز القرآن ٣١٦/٢،
(٢)
والخزانة ٥٠٩/٤.
لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (صمد) والصحاح (صمد).
(٣)
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٤٥/٢٠، والماوردي ٤/ ٥٤٥.
والشكيم: الحديدة المعترضة في فم الفرس. وفي الماوردي: أنه قول الحسن
وعكرمة وآخرين.
١٥١

- الإخلاص -
٤٦٧٩- شِهابُ حُروبٍ لا تَزال جيادُه
عوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيْمَ المُصَمَّدا
وقال ابن كعب: تفسيرُه ما بعده مِنْ قولِه: ((لم يَلِدْ ولم يُؤْلَدْ)) وهذا
يُشْبِهُ ما قالوه في تفسير الهَلوعُ(١). والأحسنُ في هذه الجملة أَنْ تَكونَ
مستقلةً بفائدةِ هذا الخبرِ. ويجوز أنْ يكونَ ((الصَّمَدُ)) صفةً. والخبرُ في
الجملةِ بعده. كذا قيل: وهو ضعيفٌ، من حيث السّياقُ، فَإنَّ السّياقُ
يَقْتضي الاستقلالَ بأخبارِ كلِّ جملةٍ .
آ. (٤) قوله: ﴿كُفُواً أحَدٌ﴾: في نصبِه وجهان، أحدُهما:
أنه خبرُ ((يكنُ)) و(أحدٌ)) اسمُها و((له)) متعلُّقٌ بالخبر، أي: ولم يكُنْ أحدٌ
كُفُواً له. وقد رَدَّ المبردُ على سيبويهٍ (٢) بهذه الآيةِ، من حيث إنه يزعمُ أنه
إذا تَقَدَّم الظرفُ كان هو الخبرَ، وهنا لم يَجْعَلْه خبراً مع تقدُّمِه .
وقد رُدَّ على المبردِ بوجهَيْن، أحدُهما: أنَّ سيبويهِ لم يُحَتِّمْ ذلكِ بل
جَوَّزه. والثاني: أنَّا لا نُسَلِّم أن الظرفَ هنا ليس بخبرٍ بل هو خبرٌ،
ونصبُ ((كُفُوا)) على الحال على ما سيأتي بيانُه. وقال الزمخشري (٣).
((الكلامُ العربيُّ الفصيحُ أَنْ يؤخَّرَ الظرفُ الذي هو لَغْوٌ غيرُ مستِقِرٌ
ولا يُقَدَّمَ .. وقد نَصَّ سيبويه في ((كتابِهِ)) على ذلك، فما بالُهِ مُقَدَّماً في
أَفْصَحِ كلامٍ وأَغْرَبِهِ؟ قلت: هذا الكلامُ إنما سِيْقَ لنَّفْىِ المكافأةِ عن ذاتِ
(١) من قوله تعالى: ((إنَّ الإنسانَ خُلِقِ هَلوعا. إذا مَسَّه الشرُّ جَزوعاً)). الآية ١٩ من
المعارج.
(٢)
نص سيبويه في الكتاب ٢٧/١.
(٣) الكشاف ٢٩٩/٤.
١٥٢

- الإِخلاص -
الباري تعالى، وهذا المعنى مَصَبُّه ومَرْكَزُه هو هذا الظرفُ، فكان لذلك
أهمَّ شيءٍ وأَغْناه وأحقُّه بالتقديم وأخراه)».
والثاني(١): أَنْ يُنْصَبَ على الحال مِنْ ((أحد)» لأنَّه كان صفتَه فلمَّا
تقدَّم عليه نُصِب حالاً، و(له)) هو الخبر. قاله مكي (٢) وأبو البقاء (٣)
وغيرُهما. ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الضمير المستكِنُّ في الجارِّ لوقوعِه
خبراً. قال الشيخ(٤) بعد أَنْ حكى كلامَ الزمخشري ومكي: ((وهذه الجملةُ
ليسَتْ/ من هذا البابِ وذلك أنَّ قولَه: ((ولم يكن له كُفُواً أحدٌ)) ليس [٩٣٣/أ]
الجارُّ والمجرورُ فيه تامًّاً، إنما ناقصٌ لا يَصْلُحُ أَنْ يكونَ خبراً لـ ((كان)» بل
هو متعلّقٌ بـ ((كُفُوا)) وقُدِّمَ عليه. التقدير: ولم يكن أحدٌ مكافئاً له، فهو
في معنى المفعولِ متعلّقٌ بـ ((كُفُواً))، وتَقَدَّم على ((كُفُوا)) للاهتمام به، إذ
فيه ضميرُ الباري تعالى، وتوسّطَ الخبرُ وإنْ كان الأصلُ التأخيرَ؛ لأنَّ
تأخيرَ الاسمِ هو فاصلةٌ فحَسُنَ ذلك.
وعلى هذا الذي قَرَّرْناه يَبْطُل إعرابُ مكي وغيرِهِ أنَّ ((له)) الخبرُ،
و(كُفُوا)) حالٌ مِنْ ((أحد)) لأنه ظرفٌ ناقصٌ لا يَصْلُح أَنْ يكونَ خبراً.
وبذلك يَبْطُل سؤالُ الزمخشريِّ وجوابُه. وسيبويه إنما تكلّم في الظرفِ
الذي يَصْلُحُ أَنْ يكونَ خبراً وأنْ لا يكون. قال سيبويه(٥): ((وتقول:
ما كان فيها أحدٌ خيرٌ منك، وما كان [أحدٌ] (٦) مثلُك فيها، وليس أحدٌ
في إعراب «کُفواً».
(١)
إعراب المشكل ٥١٠/٢.
(٢)
الإملاء ٢٩٧/٢.
(٣)
البحر ٥٢٩/٨.
(٤)
الكتاب ٢٧/١.
(٥)
زيادة من الكتاب.
(٦)
١٥٣

- الإخلاص -
فيها خيرٌ منك، إذا جعلت ((فيها)) مستقراً(١)، ولم تجعَلْه على قولك: فيها
زيدٌ قائمٌ أَجْرَيْتَ الصفةَ على الاسم. فإن جَعَلْتَه على ((فيها زيدٌ قَائِمٌ))
نَصَبْتَ فتقول: ما كان فيها أحدٌ خيراً منك، وما كان أحدٌ خيراً منك
فيها، إلاَّ أنَّكَ إذا أَرَدْتَ الإِلْغاءَ فكلما أَخَّرْتَ المُلْغَى فهو أَحْسَنُ، وإذا
أَرَدْتَ أَنْ يكونَ مستقرّاً فكلما قَدَّمْته كان أحسنَ، والتقديمُ والتأخيرُ
والإِلغاءُ والاستقرارُ عربيٌّ جيدٌ كثيرٌ قال تعالى: ((ولم يكُنْ له كُفُواً
أحدٌ». وقال الشاعر(٢):
٤٦٨٠- ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيْلٌ حَيَّاً
انتهى كلامُ سيبويه. قال الشيخ(٣): ((فأنت تَرَىَ كلامَه وتُمثيله
بالظرف الذي يَصْلُح أَنْ يكونَ خبراً. ومعنى قوله ((مستقرًّا)»، أي: خبراً
للمبتدأ أو لكان. فإن قلتَ: فقد مَثَّل بالآية. قلت: هذا الذي أوقَع مكيّاً
والزمخشريَّ وغيرَهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أنَّ الظرفَ التامّ
وهو في قوله:
ما دامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّاً
أُجْري فَضْلَةً لا خبراً كما أنَّ ((له)» في الآية أُجْرِي فَضْلَةٌ فجعلَ
الظرفَ القابلَ أن يكونَ خبراً كالظرفِ الناقصِ في كونِه لم يُستعمل خبراً.
ولا يَشُكُ مَنْ له ذِهْنٌ صحيحٌ أنه لا ينعقدُ كلامٌ مِنْ ((له أحد)» بل لو تأخّرَ
(١)
أي: خبراً.
البيت لابن ميادة، وهو في الكتاب ٢٨/١، والخزانة ٤/ ٦٠، واللسان (جلد).
(٢)
والضمير في ((فيهن)) يعود للإِبل. والفصيل: ولد الناقة، والشاهد تقديم (فيهنَّ!
وهو لغو.
(٣) البحر ٨/ ٥٢٩
١٥٤

- الإِخلاص -
(كُفُو)) وارتفع على الصفةِ وقد جَعَل ((له)) خبراً لم ينعقِدْ منه كلامٌ. بل
أنت ترى أنَّ النفيَ لم يتسلَّطْ إلَّ على الخبرِ الذي هو ((كُفُوا)). والمعنى:
لم يكن أحدٌ مكافِئَه)) انتهى ما قاله الشيخ.
وقوله: ((ولا يَشُكُ أحدٌ)) إلى آخره تَهْوِيلٌ على الناظرِ. وإلاّ فقولُه:
((هذا الظرفُ ناقصٌ)) ممنوعٌ؛ لأنَّ الظرفَ الناقصَ عبارةٌ عَمَّا لم يكُنْ في
الإخبارِ به فائدةٌ، كالمقطوع عن الإِضافة، ونحوِ ((في دارٍ رجلٌ)). وقد
نَقَلَ عن سيبويه الأمثلَةَ المتقدمةَ نحو: ((ما كان فيها أحدٌ خيراً منك))،
وما الفرق بين هذا وبين الآية الكريمة؟ وكيف يقول هذا وقد قال سيبويه
في آخرِ كلامهِ: ((والتقديمُ والتأخيرُ والإلغاء والاستقرارُ عربيٍّ جيدٌ كثيرٌ))؟
وقرأ(١) العامَّةُ بضمِّ الكافِ والفاء. وسَهَّل الهمزةَ الأعرجُ وشيبةُ
ونافعٌ في روايةٍ. وأسكنَ الفاءَ حمزةُ، وأبدل الهمزةَ واواً وقفاً خاصة.
وأبدلها حفصٌ واواً مطلقاً. والباقون بالهمزِ مطلقاً. وقد تقدَّم الكلامُ على
هذا في أوائل البقرة في قوله: ((هُزُوا)(٢).
وقرأ سليمان بن علي(٣) بن عبد الله بن عباس ((كِفاءٌ)) بالكسر والمدِّ،
أي: لا مِثْلَ له. وأُنْشِدَ للنابغة (٤):
(١) انظر في قراءات ((كفواً)): السبعة ٧٠١، والتيسير ٢٢٦، والبحر ٥٢٨/٨،
والنشر ٢١٥/٢، والشواذ ١٨٢، والحجة ٧٧٧، والقرطبي ٢٤٦/٢٠.
(٢) الآية ٦٧ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٤١٨/١.
(٣) الهاشمي. قال في تقريب التهذيب: مقبول. توفي سنة ١٤٢، وهو عم الخليفة
المنصور. انظر: سير الأعلام ٦/ ١٦٢، والتقريب ٢٥٣.
(٤) عجزه :
وإن تَأَنَّفَكَ الأعداءُ بالرِّفَدِ
وهو في ديوانه ٢١. تأثفك: اجتمعوا حولك مثل الأثافيٍّ من القدر. الرفد:
ج رِفْدة وهي الإِعانة.
١٥٥

٤٦٨١- لا تَقْذِفَنُسي برُكْنٍ لا كِفاءَ له
- الإخلاص -
ونافعٌ في رواية ((كِفا» بالكسر وفتح الفاء مِنْ غير مَدّ، كأنه نَفَلَ
حركةَ الهمزةِ وحَذَّفَها. والكُفْءُ: النظيرُ. وهذا كفْءٌ لك، أي: نظيرُكَ.
والاسم الكفاءة بالفتح.
[تمّت بعونه تعالى سورة الإِخلاص]
١٥٦

سورة الفلق
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿الفَلَقِ﴾: هو الصُّبْحُ. وهو فَعَل بمعنى مَفْعُول
كالقَبَضِ، أي: مَفْلوق. وفي الحديث(١): ((الرُّؤْيا مِثْلُ فَلَقِ الصُّبح)). قال
الشاعر(٢):
٤٦٨٢- يا ليلةً لم أَنَمْها بِتُّ مُرْتَقِباً
أَرْعَىْ النجومَ إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ
وقال ذو الرمة (٣).
٤٦٨٣- حتى إذا ما انْجلَىْ عن وَجْهِه فَلَقٌ
هادِيْهِ في أُخْرَياتِ الليلِ مُنْتَصِبُ
وقيل: هو جُبٍّ في جهنَّمَ. وقيل: المطمئِنُّ من الأرض. وجمعُه
فُلْقان. وقيل: كلُّ ما فُلِقَ كالحَبُّ والأرضِ عن النبات.
(١) حديث البخاري: ((فكان لا يرى رؤيا إلَّ جاءت مثل فَلَق الصبح٤ ١ كتاب بدء
الوحي من فتح الباري ٣٠/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٥٤/٢٠، والبحر ٨/ ٥٣٠، والماوردي
٥٤٨/٤.
(٣) ديوانه ٩٢/١ برواية: ((حتى إذا ما جلا))، واللسان (فلق).
١٥٧

- الفلق ـ
آ. (٢) قوله: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾: متعلقٌ بـ («أعوذُ)).
والعامَّةُ على إضافةِ ((شَرٌ)) إلى ((ما)). وقرأ (١) عمرو بن فائد بتنوينه. وقال
ابنُّ عطية (٢): ((عمرُو بن عبيد وبعضُ المعتزلة الذين يَرَوْن أنَّ اللَّهَ لم يَخْلُقِ
الشرَّ: (مِنْ شَرٍ)) بالتنوين ((ما خلقَ)) على النفي، وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيّةٌ
على مذهبٍ باطلٍ)) انتهى. ولا يتعيَّن(٣) أَنْ تكونَ «ما) نافيةً، بل يجوزُ أنْ
تكونَ موصولةً بدلاً مِنْ ((شر» على حذفِ مضافٍ، أي: مِن شَرِ شَرِّ
ما خَلَقَ. عَمَّم أولاً [ثم خَصَّص ثانياً(٤). وقال أبو البقاء(٥): ((وما على
هذا بدلٌ مِنْ ((شرّ)) أو زائدةٌ. ولا يجوزُ أَنْ تكونَ نافيةً؛ لأنَّ النَّافيةَ
لا يتقدَّمُ عليها ما في حَيِِّها. فلذلك لم يَجُزْ أَنْ يكونَ التقدير: ما خَلَقَ
مِنْ شر، ثم هو فاسِدُ المعنى)». قلت: وهو رَدِّ حسنٌ صناعيٌّ. ولا يقال:
إِنَّ ((مِنْ شرّ) متعلقٌ بـ ((أعوذُ). وحُذِفَ مفعولُ (خَلَقَ)) لأنه خلافُ
الأصلِ. وقد أَنْحى مكيّ(٦) على هذا القائلِ، ورَدَّه بما تقدَّم أقبحَ رَدّ:
[و ((ما)) مصدريةٌ، أو بمعنى الذي](٧).
آ. (٣) قوله: ﴿وَقَبَ﴾: وَقَبَ الليلُ: أظلم، والعذابُ: حَلَّ،
[٩٣٣/ ب] والشمسُ: [غَرَبَتْ وقيل: وَقَبَ، أي: دَخَلَ﴾(٨). قال الشاعر(٩): /
(١) البحر ٨/ ٥٣٠
-
المحرر ٣٨٥/١٦ وبدأ بقوله: ((وقرأ ...
(٢)
قوله: ((ولا يتعيَّن)) مخروم في الأصل. أثبتناه من (ش).
(٣)
(٤) .
مخروم في الأصل. اثبتناه من ( ش).
(٥) .
الإملاء ٢٩٧/٢.
(٦). إعراب المشكل ٥١١/٢.
(٧). ما بين معقوفين مخروم في الأصل. أثبتناه من ( ش).
(٨) ما بين معقوفين مخروم في الأصل. أثبتناه من ( ش).
(٩) لعلَّه لأمية وليس في ديوانه. وهو في البحر ٥٢٩/٨، والقرطبي ٢٥٦/٢٠.
١٥٨

- الفلق -
٤٦٨٤- وَقَبَ العذابُ عليهمُ فكأنَّهِمْ
لَحِقَتْهُمُ نَارُ السَّمومِ فأُخْصِدوا
والغاسِقُ قيل: الليلُ. وقيل: القمر. سُمِّي الليلُ غاسِقاً لبُرودته. وقد
تقدَّم الكلامُ على هذه المادةِ في سورة ص(١). واسْتُعيذ من الليل لِما يبيتُ
فيه من الآفاتِ. قال الشاعر (٢):
٤٦٨٥- يا طيفَ هندٍ لقد أَبْقَيْتَ لي أَرَقا
إذ جِئْتُنَا طارقاً والليلُ قد غَسَقا
أي: أظلمَ واعْتَكَرَ. و((إذا) منصوب بـ ((أعوذُ))، أي: أعوذُ باللهِ مِنْ
هذا في وقتٍ كذا.
آ. (٤) قوله: ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾: جمع نَفَّائَة مثالُ مبالغةٍ. من
نَفَثَ، أي: نَفَخَ. واخْتُلِفَ فيه فقال أبو الفضل: شَبَّه النَّفْخَ من الفم في
الرُّقْيَةِ ولا شيءَ معه. فإذا كان بِرِيْقِ فهو التَّفْلُ. وأنشد(٣):
٤٦٨٦- فإنْ يَبْرَأْ فلم أَنْفُتْ عليهِ
وإِنْ يَفْقَدْ فَحَقَّ له الفُفُودُ
وقال الزمخشري(٤): (نَفْعٌ معه رِيْقٌ)). وقرأ(٥) الحسن (النَُّّاثات))
(١) انظر إعرابه للآية ٥٧ .
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٥٦/٢٠، والبحر ٥٣١/٨، والماوردي
٥٤٩/٤.
(٣)
البيت لعنترة. وهو في ديوانه ٢٨٣، والقرطبي ٢٥٧/٢٠، والبحر ٥٣٠/٨.
(٤)
الكشاف ٣٠١/٤.
(٥)
انظر في قراءاتها: الإتحاف ٦٣٨/٢، والبحر ٥٣١/٨، والقرطبي ٢٥٩/٢٠،
والنشر ٤٠٤/٢، والشواذ ١٨٢.
١٥٩

: - الفلق -
بضم النون، وهي اسم كالنُّفَّاخَة. ويعقوب وعبدُ الله بن القاسم (١)
((النافثات)». وهي محتملةٌ لقراءةِ العامة، والحسن أيضاً وأبو الرَّبيع (٢)
((النَّفِئات)) دونَ ألفِ كحاذِر وحَذِر. ونَكَّر غاسِقاً وحاسداً لأنه قد يَتَخَلَّفُ
الضَّرَرُ فيهما. فالتنكيرُ يفيد التبعيضَ. وعَزَّفَ ((النفَّائات)): إمّا للعَهْدِ كمَا
يُرْوَى في التفسير، وإمَّا للمبالغةِ في الشَّرِّ.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الفلق]
(١) عبد الله بن القاسم بن يسار المدني مولى أبي بكر رضي الله عنه. روى عنه .
قرة بن خالد. وأشار إلى هذه القراءة في ترجمته. انظر: طبقات القراء
٤٤١/٢.
(٢) لعله سليمان بن داود أبو الربيع المهري. ثقة إمام. عرض على ورش. توفي
سنة ٢٥٣. انظر: طبقات القراء ٣١٣/٢.
١٦٠