Indexed OCR Text

Pages 701-720

- التكوير -
وقرأ ابنُ كثير (١) في روايةٍ ((عُطِلت)) بتخفيفِ الطاءِ. قال الرازي:
(هو غَلَطُ، إنما هو ((عَطَلَتْ)) بفتحتَيَنْ بمعنى تَعَطَّلَتْ؛ لأنَّ التشديدَ فيه
للتعدي. يُقال: عَطَّلْتُ الشيءَ وَأَعْطَلْتُه فَعَطَلَ)).
والوحوش: ما لم يَتَأَّسْ من حيوانِ البَرِّ. والوَحْشُ أيضاً: المكانُ
الذي لا أُنْسَ فيه، ومنه لَقِيْتُه بوَحْشِ إصْمِتَ(٢)، أي: ببلدٍ قَفْر.
والوحشُ: الذي يَبيت جوفُه خالياً من الطعام، وجمعُه أَوْحاش، ويُسَمَّى
المنسوبُ إلى المكانِ الوَحْشِ: وَحْشِيّ. وعَبَّر بالوَحْشِيِّ عن الجانبِ الذي
يُضادُّ الإِنسيَّ، والإِنسيُّ ما يُقْبَلُ من الإِنسان(٣)، وعلى هذا وحشيُّ
الفَرَس(٤) وإنْسِيُّه. وقرأ(٥) الحسن وابن ميمون(٦) بتشديد الشينٍ مِنْ
حُشْرَتَّ.
آ. (٦) قوله: ﴿سُجّرَتْ﴾: قرأ(٧) ابن كثير وأبو عمروٍ
((سُجِرَتْ)) بتخفيف الجيم، والباقون بتثقيلِها على المبالغةِ والتكثيرِ.
وتقدَّم(٨) اشتقاقُ هذه المادةِ.
(١) البحر ٤٣٢/٨، والشواذ ١٦٩.
(٢) انظر: المفردات ٥١٥.
(٣) في المفردات: ((ما يُقْبِل منهما على الإنسان)).
(٤) في المفردات: ((القوس)).
(٥) البحر ٤٣٢/٨، والشواذ ١٦٩.
(٦) وهو عمرو بن ميمون أبو عثمان الكوفي، أخذ عن حمزة، ولم تُذكر وفاته،
انظر: طبقات القراء ٦٠٣/١، وترجم الذهبي في سير الأعلام ١٥٨/٤
لعمرو بن ميمون الأودي أبي عبد الله، قدم الشام مع معاذ بن جبل، وحدَّث عن
عمر وعلي توفي سنة ٧٥.
(٧) السبعة ٦٧٣، والنشر ٣٩٨/٢، القرطبي ٢٣١/١٩، والتيسير ٢٢٠، والبحر
٤٣٢/٨، والحجة ٧٥٠. (٨) انظر إعرابه للآية ٧٢ من غافر، ٦ من الطور.
٧٠١

- التكوير -
آ. (٧) قوله: ﴿زُوَّجَتْ﴾: العامَّةُ على تشديد الواوِ مِنْ
التزويجٍ، ورُوي عن عاصمٍ(١) (زُؤْوِجَتْ)) على فُوْعِلَتْ. قال الشيخ(٢).
(والمُفَاعَلَةُ تكون بين اثنين)) انتهى. قلت: وهي قراءةٌ مُشْكِلَةٌ: لأنه ينبغي
أَنْ يُلفَظَ بواوِ ساكنةٍ ثُم أخرى مكسورةٍ. وقد تقدَّمَ لكِ أنَّه اجتمع مِثْلان،
وسَكنَ أوَّلُهما وَجَبَ الإِدغام حتى في كلمتين، ففي كلمةٍ واحدةٍ بطريقٍ
الأولى.
آ. (٨) قوله: ﴿المَوْءُوْدة﴾: هي البنتُ تُدْفَنُ حيةً مِنْ الوَأْدِ،
وهو الثّقَلُ؛ لأنَّها تُنْقَلُ بالترابِ والجَنْدَل. يقال: وَأَدَه بَبِّدُهُ كَوَعَدَه يَعِدُه.
وقال الزمخشري(٣): ((وَأَدَ يَبِّدُ، مقلوبٌ مِنْ آَد يَؤُوْد إذا أَثْقَلَ. قال اللَّهُ
تعالى: ((ولا يَؤُوْدُه حِفْظهما))(٤) لأنه إثْقالٌ بالتراب)). قال الشيخ (٥):
((ولا يُدَّعىُ ذلك؛ لأنَّ كلاً منهما كاملُ التصرُّفِ في الماضي والأمْرِ
والمضارعِ والمصدرِ واسم الفاعلِ واسم المفعولِ، وليس فيه شيءٌ مِنْ
مُسَوِّغاتَ ادِّعاءِ القَلْبِ. والذي يُعْلَمُ به الأصالةُ مِنْ القَلْب: أَنْ يكونَ أحدُ
النَّظْمَيْن فيه حُكْمٌ يَشْهَدُ له بالأصالةِ، والآخرُ ليس كذلك أو كونُه مجرداً
من حروف الزيادة والآخر فيه مزيداً، وكونُه أكثرَ تصرفاً والآخر ليس
كذلك، أو أكثرَ استعمالاً من الآخرِ، وهذا على ما قُرِّرَ وأُحْكِمَ في علمٍ
التصريفِ. فالأول: كِيَئِس وأيِسَ. والثاني: كَطَأْمَنْ واطمأنَّ. والثالث:
(١) البحر ٨/ ٤٣٣.
(٢) البحر ٤٣٣/٨.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٢٢.
(٤) الآية ٢٥٥ من البقرة.
(٥) البحر ٤٣٣/٨ .
٧٠٢

- التكوير -
كشوايع وشواعِي(١). والرابع: كلَعَمْري ورَعَمْلي)).
وقرأ العامَّةُ: ((المَوْمُؤْدَة)) بهمزةٍ بينَ واوَيْن ساكنتَيْن كالمَوْعودة.
وقرأ(٢) البزيُّ في روايةٍ (٣) بهمزةٍ مضمومةٍ ثم واوٍ ساكنةٍ. وفيها وجهان،
أحدُهما: أَنْ تكونَ كقراءةِ الجماعة ثم نَقَلَ حركةَ الهمزةِ إلى الواوِ قبلها،
وحُذِفَتِ الهمزةُ، فصار اللفظُ المَؤُوْدَةِ: واوٌ مضمومةٌ ثم أخرى ساكنةٌ،
فقُلبت الواوُ المضمومةُ همزةً نحو: ((أُجوه) في وُجوه، فصار اللفظُ كما
ترى، ووزنُها الآن المَفُؤْلة؛ لأنَّ المحذوفَ عينُ الكلمةِ. والثاني: أَنْ
تكونَ الكلمةُ اسمَ مفعولٍ مِنْ آدَه يَؤُوده مثلَ: قاده يَقُوده. والأصلُ:
مَأْوُودة، مثلَ مَقْوُودة، ثم حَذَفَ إحدى الواوين على الخلافِ المشهورِ في
الحَذْفِ مِنْ نحوٍ: مَقُوْل ومَصُوْن (٤) فوزنُها الآن: إمَّا مَفْعْلَة إنْ قلنا: إنَّ
المحذوفَ الواوَ الزائدةُ، وإمَّا مَفُولة إنْ قُلْنا: إنَّ المحذوفَ عينُ الكلمةِ،
وهذا يُظْهِرُ فَضْلَ عِلْمِ التصريفِ.
وقُرِىءَ ((المَؤُؤْدة) بضمُّ الواو الأولى على أنه نَقَل حركةَ الهمزةِ بعد
خَذْفِها ولمَ يَقْلِبَ الواوَ همزةٌ. وقرأ الأعمش ((المَوْدَة)) بزنةِ المَوْزَة.
وتوجيهُه: أنه حَذَفَ الهمزةَ اعتباطاً، فالتقى ساكنان، فحَذَفَ ثانيهما،
(١) جاءت الخيل شوائِعَ، أي: متفرقة، وعلى القلب: شواعي. انظر: الممتع
٦١٥، واللسان ((شيع)).
(٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥٩١/٢، البحر ٤٣٣/٨.
(٣) ((المَؤُوْدَة)).
(٤) يحذف سيبويه الثانية دون الأولى مِنْ نحو مَقُول التي أصلها مَقْؤُوْل وأصبحت
بالنقل مَقُؤول، ويحذف الأخفش الساكن الأول. انظر: الكتاب ٣٤٨/١، وشرح
الشافية ١٤٧/٣، ومعجم مفردات الإعلال ٧٥.
٧٠٣

- التكوير -
ووزنُها المَفْلَة؛ لأنَّ الهمزةَ عينُ الكلمةِ، وقد حُذِفَتْ. وقال مكي(١): ((بل
هو تخفيفٌ قياسِيٍّ؛ وذلك أنَّه لمَّا نَقَل حركةَ الهمزةِ إلى الواوِ لم يَهْمِزْها،
فاستثقلَ الضمَّةَ عليها، فسَكَّنها، فالتقى ساكنان فحَذَفَ الثاني، وهذا كلُّه
خروجٌ عن الظاهرِ، وإنما يظهر في ذلك ما نَقَله القُرَّاء في وقفِ حمزةَ:
أنه يقفُ عليها كالمَوْزَة. قالوا: لأجل الخطِّ لأنها رُسِمَتْ كذلك، والرسمُ
سُنَّةٌ مُتَبَعَةٌ.
والعامَّةُ على ((سُئِلت)) مبنياً للمفعولِ مضمومَ السين. والحسنُ(٢)
بكسرِها(٣) مِنْ سال يَسال كما تقدَّم. وقرأ أبو جعفر ((قُتِلَتْ)) (٤) بتشديد
التاءِ على التكثيرِ؛ لأنَّ المرادَ اسمُ الجنسِ، فناسبَه التكثيرُ.
وقرأ عليٍّ وابن مسعود وابن عباس ((سَأَلَتْ)) مبنياً للفاعل، ((قُتِلْتُ))
بضمِّ التاءِ الأخيرة التي للمتكلم حكايةً لكلامِها. وعن أُبَيّ وابن مسعود
أيضاً وابن يعمرَ ((سَأَلَتْ)) مبنياً للفاعل، ((قُتِلَتْ)) بتاءِ التأنيث الساكنةِ كقراءةِ
العامة .
آ. (١٠) قوله: ﴿نُشِرَتْ﴾: قرأ (٥) الأخَوان وابن كثير
(١) انظر: التبصرة له ١٥٨.
(٢) انظر في قراءاتها: البحر ٤٣٣/٨، والإتحاف ٥٩١/٢، والقرطبي ٢٣٣/١٩،
والشواذ ١٦٩ .
(٣) سِيْلَتْ.
(٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥٩٢/٢، والبحر ٤٣٣/٨، والقرطبي ٣٣٤/١٩،
والنشر ٣٩٨/٢.
(٥) السبعة ٦٧٢، والحجة ٧٥١، والنشر ٣٩٨/٢، والبحر ٤٣٤/٨، القرطبي
٢٣٥/١٩.
٧٠٤

- التكوير -
وأبو عمرو بالتثقيل. والباقون بالتخفيف. ونافعٌ(١) وحفصٌ وابنُ ذكوانَ/ [١/٩٠٦]
((سُعِّرَتْ)) بالتثقيل، والباقون بالتخفيف.
آ. (١٤) قوله: ﴿عَلِمَتْ﴾: هذا جوابُ ((إذا)) أولَ السورةِ
وما عُطِفَ عليها.
قوله: (كُشِطَتْ))(٢)، أي: قُشِرَتْ، مِنْ قولهم: كَشَطَ جِلْدَ الشاةِ،
أي: سَلَخَها. وقرأ (٣) عبد الله ((قُشِطَتْ)) بالقاف، وقد تقدَّم أنهما يَتعقبان
كثيراً، وأنه قُرِىء ((قافوراً)(٤) و((كافوراً) في ((هل أتى على الإِنسان)).
آ. (١٥) قوله: ﴿بالخُنَّس﴾: جمعُ خانِس، والخُنُوس:
الانقباضُ. يقال: خَنَسَ من القوم وانْخَنَسَ. وفي الحديث(٥):
(فانْخَنَسْتُ))، أي: اسْتَخْفَيْتُ. والخَنَسُ: تأخّرُ الأَنْفِ عن الشَّفَة مع ارتفاع
الأَرْنَبَةِ قليلاً. ويقال: رجلٌ أَخْتَسُ وامرأةُ خَشْساءُ. ومنه الخَنساءُ
الشاعرة(٦). والخُنَّسُ في القرآن قيل: كواكبُ سبعةٌ: القمران وزُحَلُ
والزهرةُ والمُشْتري والمَرِّيخ وعُطارِد. والكُنَّسُ: الدَّاخلة في الكِناس وهو
(١) السبعة ٦٧٣، والنشر ٣٩٨/٢، والتيسير ٢٢٠، والحجة ٧٥١، والقرطبي
٢٣٥/١٩، والبحر ٨/ ٤٣٤.
(٢) عاد إلى الآية ١١.
(٣) القرطبي ٢٣٥/١٩، والبحر ٤٣٤/٨.
(٤) وهي الآية ٥ من الإِنسان، قراءة ابن مسعود كما في البحر ٣٩٥.
(٥) من حديث رواه البخاري في ٥ من كتاب الغسل، ٢٣ باب عَرَق الجنب. الفتح
٣٩٠/١.
(٦) تماضر بنت عمرو السُّلمية من بني سُليم شاعرة مخضرمة. توفيت سنة ٢٤هـ.
خزانة الأدب ٢٠٨/١.
٧٠٥

بـ التكوير -
بيتُ الوحشِ. والجواري: جمعُ جارية. وقيل: هي بَقَرُ الوحِشِ؛ لأنَّ
هذه صفتُها وقيل: الظُّباء، قالوا: لأنَّ الخَنَسَ يكون فيها.
آ. (١٧) قوله: ﴿عَسْعَسَ﴾: يقال: عَسْعَسَ وسُعْسَعَ أقبل.
(١) .
قال العَجَّاجِ(١):
٤٥١٢- حتى إذا الصُّبْحُ لها تَنَفَّسا
وانْجابَ عنها ليلُها وعَسْعَسْا.
أي (٢): أَدْبَرَ(٣). وقيل(٤): هو لهما على طريق الاشتراك. وقيل:
أَدْبَرَ بلغة قريشٍ خاصةً. وقيل: أقبل ظلامُه، ويُرَجِّحُه مقابلتُه بقولِه
((والصُّبح إذا تنفّسَ)) وهذا هو قريبٌ من إدباره.
آ. (٢٠) قوله: ﴿عند ذي العَرْشِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً
لـ ((رسولٍ))، وأن يكونَ حالاً مِنْ ((مَكين»، وأصلُه الوصفُ، فلمَّا قُدُمُ
نُصِبّ حالاً.
آ. (٢١) قوله: ﴿ثَمَّ أَمِينِ﴾: العامَّةُ على فَتْح الثاءِ؛ لأنَّه
ظرفُ مكانٍ للبعيدِ. والعاملُ فيه ((مُطَاعٍ)). وأبو البرهسم(٥) وأبو جعفر
(١) ورد البيت الأول في ديوانه ١٩٨/١ ولم يرد الثاني، ومجاز القرآن ٢٨٧/٢
منسوباً إلى علقمة بن قُرْط، والقرطبي ٢٣٦/١٩، والماوردي ٤١١/٤.
(٢) قوله: «أي» في الأصل وعارف ((وقيل)).
(٣) قال الفراء: ((اجتمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، وكان بعض
أصحابنا يزعم أن عسعس: دنا من أوله وأظلم)» معاني الفراء ٢٤٢/٢، وأورد
الأنباري في الأضداد ٣٢ عسعس من الأضداد: أقبل وأدبر.
(٤) سقط قوله ((وقيل)) من الأصل ..
(٥) البحر ٨/ ٤٣٤.
٧٠٦

۔ التكوير -
وأبو حيوة بضمِّها جعلوها عاطفةً، والتراخي هنا في الرتبةِ؛ لأنَّ الثانية
أعظمُ من الأولى.
آ. (٢٤) قوله: ﴿بِضَنِين﴾: قرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو
والكسائي بالظاء بمعنى مُثَّهم، مِنْ ظنَّ بمعنى انَّهم فيتعذَّى لواحدٍ. وقيل:
معناه بضعيفِ القوةِ عن التبليغ مِنْ قولهم: ((بئرٌ ظَنُوْنٌ))، أي: قليلةُ الماءِ .
وفي مصحفِ عبد الله كذلك، والباقون بالضاد بمعنى: ببخيلٍ بما يأتيه من
قِبَلِ ربِّه، إلاَّ أنَّ الطبريّ(٢) تَقَلَ أنَّ الضادَ خطوطُ المصاحفِ كلِّها، وليس
كذلك لِما مرَّ، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها(٣)، وهذا
دليلٌ على التمييز بين الحرفين، خلافاً لمَنْ يقول: إنه لو وقع أحدُهما
مَوْقِعَ الآخرِ لجاز، لِعُسْرِ معرفتِه. وقد شَنَّعَ الزمخشري (٤) على مَنْ يقول
ذلك، وذكر بعضَ المخارج وبعضَ الصفاتِ، بما لا يَليق التطويلُ فيه.
و ((على الغيب)) متعلقٌ بـ ((ظَنِين)) أو ((بضَنِين)).
آ. (٢٦) قوله: ﴿فأين تَذْهبون﴾: ((أين)) منصوبٌ
بـ «تَذْهبون)) لأنه ظرفٌ مُبْهَمٌ. وقال أبو البقاء(٥): ((أي: إلى أين، فحذف
حرفَ الجر كقولك: ذهبتُ الشامَ. ويجوزُ أَنْ يُحْمَلَ على المعنى كأنه
قال: أين تؤمنون)). يعني أنه على الحذفِ، أو على التضمين. وإليه نحا
(١) السبعة ٦٧٣، والنشر ٣٩٨/٢، والقرطبي ٢٤٢/١٩، والبحر ٤٣٥/٨، والتيسير
٢٢٠.
(٢) تفسير الطبري ٨٣/٣٠.
(٣) في الأصل وعارف ((بهما))، وكذا في الكشاف ٢٢٥/٤.
(٤) الكشاف ٢٢٥/٤.
(٥) الإملاء ٢٨٢/٢.
٧٠٧

- التكوير -
مكي(١) أيضاً، ولا حاجة إلى ذلك البتة؛ لأنه ظرفُ مكانٍ مبهمٌ
لا مُخْتَصِّ.
آ. (٢٨) قوله: ﴿لِمَنْ شاء﴾: بدلٌ مِنْ ((العالمين)» بإعادةٍ
العاملِ، وعلى هذا فقولُه ((أن يَسْتقيمَ)) مفعولُ ((شاء)»، أي: لَمَنْ شَاء
الاستقامة، ويجوزُ أَنْ يكونَ ((لمَنْ شاء)» خبراً مقدماً، ومفعول ((شاء)»
محذوفٌ، و((أَنْ يَسْتَقِيم)) مبتدأ. وقد مَرَّ له نظيرٌ.
آ. (٢٩) قوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يَشاءَ﴾: أي: إلَّ وقتَ مشيئة الله،
وقال مكي (٢): ((وأنْ في موضع خفضٍ بإضمارِ الباءِ، أو في موضعِ نصبٍ
بحذفِ الخافضِ» يعني أنَّ الأصلَ: إِلَّ بأَنْ، وحينئذٍ تكونُ للمصاحِبَة.
[تمَّت بعونه تعالى سورة التكوير]
(١) إعراب المشكل ٢/ ٤٦٠.
(٢) إعراب المشكل ٢/ ٤٦٠.
٧٠٨

سورة الانفطار
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٣) قوله: ﴿فُجِّرَتْ﴾: العامَّةُ على بنائِه للمفعول مثقَّلاً.
وقر(١) مجاهد مبنياً للفاعل مخففاً، من الفُجور، نظراً إلى قولِه: ((بينهما
بَرْزَخٌ لا يَبْغِيان))،(٢) فلمَّا زال البَرْزَغُ بَغَيا. وقرأ مجاهد أيضاً والربيع ابن
خُثَيْم (٣) والزعفرانيُّ والثوري مبنياً للمفعول مخففاً.
آ. (٤) قوله: ﴿بُعْثِرَت﴾: أي: قُلِبَتْ. يقال: بَعْثَرَه وبَحْثَرَه
بالعين والحاء. قال الزمخشري(٤): ((وهما مركبان من البَعْث والبحث
مضموماً إليهما راءٌ)) يعني: أنهما ممَّا اتَّفق معناهما (٥)؛ لأنَّ (٦) الراءَ مزيدةٌ
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٤٣٦/٨، والشواذ ١٧٠.
(٢) الآية ٢٠ من الرحمن.
(٣) الربيع بن خُثيم الثوري الكوفي - روى عن أبي أيوب الأنصاري، وعنه
الشعبي. توفي سنة ٦٥. انظر: سير الأعلام ٢٥٨/٤.
(٤) الكشاف ٢٢٧/٤.
(٥) الأصل وعارف: معناه.
(٦) الأصل وعارف: ((إلاَّ أنَّه والأوضح للسياق: لا أنَّ.
٧٠٩

- الانفطار -
فيهما إذا لَيَسْتِ مِنْ حروفِ الزيادةِ، وهذا كـ ((دَمِث ودِمَثْرٍ (١)، وسَبِطَ
وسِبَطْرَ. و ((عَلِمَتْ)) جوابُ ((إذا)).
أ. (٦) قوله: ﴿مَا غَرَّكَ﴾: العامَّةُ على ((غَرَّك)) ثلاثياً و ((ما))
استفهاميةٌ في محلٌ رفع بالابتداء. وقرأ(٢) ابن جبير والأعمش (ما أَغَرَّك))
فاحتمل أَنْ تكونَ استفهاميةٌ، وأن تكونَ تعجبيةً. ومعنى أغرَّه: أدخله في
الغِرَّة أو جعله غارًّاً.
آ. (٧) قوله: ﴿الذي خَلَقَك﴾: يحتمل الإِتباعَ على البدلِ:
والبيان والنعتِ، والقطعَ إلى الرفع أو النصبِ.
[٩٠٦/ ب].
قوله: ((فَعَدَلَكَ)) قرأ (٣) الكوفيون ((عَدَلَك)) مخففاً. والباقون/ مثقلاً.
فالتثقيل بمعنى: جَّعَلكَ متناسِبَ الأطرافِ، فلم يجعَلْ إحدى يَدَيْكَ.
أو رِجْلَيْكَ أطولَ، ولا إحدى عينَيْك أَوْسَعَ، فهو من التَّعْدِيلِ. وقراءةٌ
التخفيفِ تحتمل هذا، أي: عَدَلَ بعضَ أعضائِك ببعضٍ. وتحتمل أَنْ
تكونَ من العُدولِ، أي: صَرَفَك إلى ما شاء من الهيئاتِ والأشكالِ
والأشباهِ.
آ. (٨) قوله: ﴿في أيِّ صُورَةٍ﴾: يجوز فيه أوجهٌ، أحدُها:
أَنْ يتعلَّقَ بـ ((رَكَّبَكَ)) و((ما)) مزيدةٌ على هذا، و ((شاءَ)) صفةٌ لـ ((صورةٍ))،
(١) مكان دَمِثٌ: لَيِّن المَوْطِىء، وأرض دِمَثْر: سهلة.
(٢) المحتسب ٣٥٣/٢، والبحر ٤٣٦/٨.
(٣) السبعة ٦٧٤، والتيسير ٢٢٠، والحجة ٧٥٣، والبحر ٤٣٧/٨، والقرطبي
٢٤٦/١٩، والنشر ٣٩٩/٢.
٧١٠

- الانفطار -
ولم يَعْطِفْ ((رَكَّبَكَ)) على ما قبله بالفاءِ، كما عَطَفَ ما قبلَه بها؛ لأنه بيانٌ
لقوله: ((فَعَدَلَكَ)). والتقدير: فَعَدَلَكَ: رَكَّبك في أيِّ صورةٍ من الصورِ
العجيبةِ الحسنةِ التي شاءها. والمعنى: وَضَعَكَ في صورةٍ اقتضَتْها مَّشيئتُه:
مِنْ حُسْنٍ وقُبْحِ وطُولٍ وقِصَرٍ وذُكورةٍ وأُنوثةٍ. الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ
على أنه حالٌ، أي: رَكَّبك حاصلاً في بعض الصور. الثالث: أنه يتعلَّقُ
بعَدَلَكَ، نقله الشيخ(١) عن بعض المتأوِّلين، ولم يَعْتَرِضْ عليه، وهو
مُعْتَرَضٌ: بأنَّ في ((أيّ)) معنى الاستفهام، فلها صدرُ الكلام فكيف يعمل
فيها ما تقدَّمَها؟
وكأنَّ الزمخشري(٢) استشعر هذا فقال: ((ويكونُ في ((أَيّ)) معنى
التعجبٍ، أي: فَعَدَلَكَ في أيِّ(٣) صورةٍ عجيبةٍ)). وهذا لا يَحْسُنُ أَنْ يكونَ
مُجَوِّزاً لِتَقَدُّمِ العاملِ على اسمِ الاستفهامِ، وإِنْ دَخَله معنى التعجب. ألا
ترى أنَّ كيفَ وأَنَّى وإِنْ دَخَلَهَما معنى التعجبِ لا يتقدَّم عاملُهما عليهما.
وقد اختلف النحويون في اسم الاستفهام إذا قُصِدَ به الاستثباتُ (٤): هل
يجوزُ تقديمُ عامِلِه أم لا؟ والصحيح أنه لا يجوزُ، وكذلك لا يجوز أن
يتقدَّمَ عاملُ ((كم)) الخبريةِ عليها لشَبَهِها في اللفظ بالاستفهاميةِ فهذا أَوْلَى،
وعلى تعلُّقِها بـ((عَدَلَكَ)) تكون ((ما)) منصوبةً بـ ((شاء))، أي: رَكَّبَكَ ما شاءَ
من التركيبٍ، أي: تركيباً حَسَناً، قاله الزمخشري(٥)، فظاهرُه أنها منصوبةٌ
على المصدر.
(١) البحر ٨/ ٤٣٧ قال: ((أي: فعدلك في صورة أي صورة)).
(٢) الكشاف ٢٢٨/٤ وبدأ كلامه بقوله: ((ويجوز أن يتعلق بـ عدلك ... )).
(٣) سقط قوله ((أي)) من الكشاف.
(٤) (ش ): الاستئناف.
(٥) الكشاف ٢٢٨/٤.
٧١١

- الانفطار -
وقال أبو البقاء(١): ((ويجوز أَنْ تكونَ ((ما)) زائدةً، وأَنْ تكونَ
شرطيةً، وعلى الأمرَيْن: الجملةُ نعتٌ لـ ((صورة))، والعائدُ محذوفٌ، أي:
رَكَّبك عليها. و((في)) تتعلَّقُ بـ ((رَكَّبك)). وقيل: لا موضعَ للجملةِ؛ لأن
(في)) تتعلَّقُ بأحد الفعلَيْن، والجميعُ كلامٌ واحدٌ، وإنما تقدُّمُ الاستفهامِ
على ((ما)) هو حَقُّه قوله: ((بأحد الفعلَيْنِ)) يعني: شاءَ ورَكَّبك. وتَحَصَّل
في ((ما)) ثلاثةُ أوجهٍ: الزيادةُ، وكونُها شرطيَّةً، وحينئذٍ جوابُها: محذوفٌ،
والنصبُ على المصدريةِ، أي: واقعةٌ موقعَ مصدرٍ .
آ. (٩) والعامَّةُ: ((يُكَذِّبُون)» خطاباً. والحسن(٢) وأبو جعفر وشَيْبَةُ
بياء الغَيْبة .
آ. (١٠) قوله: ﴿وإنَّ عليكم﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ
حالاً مِنْ فاعل تُكَذِّبون، أي: تُكَذِّبُون والحالةُ هذه، ويجوز أَنْ تكونَ
مستأنفةً، أخبرهم بذلك لینزَجِروا.
: آ. (١٢) قوله: ﴿يَعْلَمُوْن﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً، وأَنْ يكُونَ
حالاً من ضمير ((كاتبين))، وأَنْ يكونَ نعتاً لـ ((جحيم))، وأَنْ يكونَ.
مستأنفاً.
آ. (١٥) قوله: ﴿يَصْلَوْنَها﴾: يجوزُ فيه أَنْ يكونَ حالاً من
الضمير في الجارِّ لوقوعِه خبراً، وأَنْ يكونَ مستأنفاً. وقرأ العامَّةُ:
(١) الإملاء ٢٨٢/٢.
(٢) النشر ٣٩٩/٢، والإتحاف ٥٩٤/٢، والبحر ٤٣٧/٨.
٧١٢

- الانفطار -
(يَصْلَوْنَها)) مخففاً مبنياً للفاعل. وابن مقسم(١) مشدّداً مبنياً للمفعولِ،
وتقدَّم مثلُه.
آ. (١٩) قوله: ﴿يومَ لا تَمْلِكُ﴾: قرأ(٢) ابن كثير وأبو عمرو
برفع ((يوم)) على أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هو يومُ. وجَوَّز
الزمخشري (٣) أَنْ يكونَ بدلاً مِمَّا قبلَه، يعني قولَه: ((يومَ الدين)). وقرأ
أبو عمروٍ في روايةٍ ((يومٌ)) مرفوعاً منوناً على قَطْعِه عن الإِضافة، وجَعَلَ
الجملةَ نعتاً له، والعائدُ محذوفٌ، أي: لا يَمْلِكُ فيه. وقرأ الباقون ((يومَ»
بالفتح. وقيل: هي فتحةُ إعرابٍ، ونصبُه بإضمار أعني أو يتجاوزون،
أو بإضمار اذكُرْ، فيكونُ مفعولاً به، وعلى رأي الكوفيين(٤) يكون خبراً
لمبتدأ مضمر، وإنما بُني لإضافتِه للفعل، وإن كان معرباً، كقولِه ((هذا
يوم ينفع))(٥) وقد تقدَّم.
[تمّت بعونه تعالى سورة الانفطار]
(١) البحر ٤٣٧/٨.
(٢) السبعة ٦٧٤، والنشر ٣٩٩/٢، والحجة ٧٥٣، والبحر ٤٣٧/٨، والقرطبي
٢٤٩/١٩، والتيسير ٢٢٠. وفي نسخة عارف (ابن كثير وأبو جعفر)).
(٣) الکشاف ٢٢٩/٤.
(٤) انظر: الدر المصون ٤/ ٥٢٠، والارتشاف ٥٥٢/٢.
(٥) الآية ١١٩ من المائدة.
٧١٣

سورة التطفيف
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿وَيْلٌ﴾: مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به كونُه دعاءً.
ولو نُصِبَ لجاز. وقال مكي(١): ((والمختارُ في ((وَيْل)) وشبهِه إذا كان غيرَ
مضافٍ الرفعُ. ويجوزُ النصبُ، فإنْ كانَ مضافاً أو مُعَرَّفاً كان الاختيارُ/ [٩٠٧/أ]
فيه النصبَ نحو: ((وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا))(٢). و((للمُطَفِّفين)) خبرُه.
والمُطَفِّفُ: المُنَقِّصُ. وحقيقتُه: الأَخْذُ في كيلِ، أو وَزْنٍ، شيئاً
طفيفاً، أي: نَزْراً حقيراً، ومنه قولُهم: ((دونَ الطَّفيف))، أي: الشيء التّافِه
لقلَّتِهِ.
آ. (٢) قوله: ﴿على الناس﴾: فيه أوجهٌ: أحدها: أنَّه متعلَّقٌ
بـ ((اكْتالوا)) و((على)) و((مِنْ)) تَعْتَقِبان هنا. قال الفراء (٣): ((يقال: اكْتَلْتُ
على الناس: اسْتَوْفَيْتُ منهم، واكْتَلْتُ منهم: أَخَذْتُ ما عليهم)) وقيل:
(١) إعراب المشكل ٢/ ٤٦٢.
(٢) الآية ٦١ من طه.
(٣) معاني القرآن ٢٤٦/٣. وسقط قول الفراء كله من نسخة الأصل.
٧١٥

- التطفيف -
(على)) بمعنى (مِنْ)). يقال: اكْتَلْتُ عليه ومنه، بمعنىَ، والأولُ أوضحُ(١).
وقيل: ((على) تتعلَّقُ بـ ((يَسْتَوْفُون)). قال الزمخشري(٢): ((لَمَّا كان اكْتِيالُهم
اكتيالاً يَضُرُّهُمْ ويُتَحَامَلُ فيه عليهم أبدلَ ((على)) مكانَ (مِنْ)) للدلالة على
ذلك. ويجوزُ أن تَعلَّقَ بـ ((يَسْتَوْفون))، وقدَّم المفعولَ على الفعل الإِفادةِ
الخصوصيةِ، أي: يَسْتَوْفون على الناس خاصةً، فأمَّا أنفسُهم فَيَسْتَوْفون
لها» انتهى. وهو حسنٌ.
آ. (٣) قوله: ﴿كالُؤْهم أو وَزَنُؤْهم﴾: رُسِمتا في
المصحفِ بغير ألفٍ بعد الواوِ في الفعلَيْن، فمِنْ ثَمَّ اختلفَ الناسُ في
(هم)) على وجهين، أحدُهما: هو ضميرُ نصبٍ، فيكونُ مفعولاً به، ويعودُ
على الناس، أي: وإذا كالُوا الناسَ، أو وَزَنوا الناسَ. وعلى هذا فالأصلُ
في هذَيْن الفعلَيْن التعدِّي لاثنين، لأحدِهما بنفسِه بلا خِلافٍ، وللآخرِ
بحرفِ الجرِّ، ويجوزُ حَذْفُه. وهل كلٌّ منهما أصلٌ بنفسِه، أو أحدُهما.
أصلٌ للآخر؟ خلافٌ مشهورٌ. والتقدير: وإذا كالوا لهم طعاماً أو وَزَنُوهُ
لهم، فَحُذِف الحرفُ(٣) والمفعولُ المُسَرَّح(٤). وأنشد الزمخشريُّ(٥):
٤٥١٣ _ ولقد جَنَيْنُكَ أَكْمُؤْاً وعَساقِلاً
ولقد نَهَيِّئُك عَن بناتِ الأَوْبَرِ
٠ :
(١) عارف: ((أصح))
(٢) الكشاف ٢٣٠/٤
(٣) أي: اللام.
(٤) أي: طعاماً.
(٥) الكشاف ٢٣٠/٤. والبيت لا يُعْرف قائله. وهو في المقتضب ٤٨/٤،
والخصائص ٥٨/٣، والإنصاف ٣١٩، وابن يعيش ٧١/٥.
٧١٦

- التطفيف -
أي: جَنَيْتُ لك. والثاني: أنه ضميرُ رفع مؤكِّدٍ للواو. والضميرُ
عائدٌ على المطففين(١)، ويكونُ على هذا قد حَذَفَ المَكيلَ والمَكيلَ له
والموزونَ والموزونَ لهُ. إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ رَدَّ هذا، فقال(٢): ((ولا يَصِحُّ
أَنْ يكونَ ضميراً مرفوعاً للمطفِّفين؛ لأنَّ الكلامَ يَخْرُجُ به إلى نَظْمِ فاسدٍ،
وذلك أنَّ المعنى: إذا أخذوا من الناس اسْتَوْفُوا، وإذا أعطَوْهم أُخْسَروا.
فإنْ جَعَلْتَ الضميرَ للمطفِّفين انقلبَ إلى قولِك: إذا أخذوا من الناس
اسْتَوْفَوْا، وإذا تَوَلَّوا الكيلَ أو الوزنَ هم على الخصوص أَخْسَروا، وهو
كلامٌ مُتَنَافِرٌ؛ لأنَّ الحديثَ واقعٌ في الفعل لا في المباشر».
قال الشيخ(٣): ((ولا تنافُرَ فيه بوجهٍ، ولا فرقَ بين أَنْ يؤَّد الضميرُ
أو لا يُؤَكَّد، والحديثُ واقعٌ في الفعل. غايةُ ما في هذا أنَّ متعلقَ
الاستيفاء - وهو على الناس - مذكورٌ، وهو في ((كالُوهم أو وَزَنُوهم)»
محذوفٌ للعلم به؛ لأنَّه من المعلوم أنهم لا يُخْسِرون ذلك لأنفسهم)).
قلت: الزمخشريُّ يريدُ أَنْ يُحافظَ على أنَّ المعنى مرتبطٌ بشيئَيْن: إذا
أخذوا مِنْ غيرِهم، وإذا أَعْطَوْا غيرَهم، وهذا إنما يَتِمُّ على تقديرٍ أَنْ
يكونَ الضميرُ منصوباً عائداً على الناس، لا على كونِه ضميرَ رفع عائداً
على المطفِّفين، ولا شكَّ أن هذا المعنى الذي ذكره الزمخشريُّ وأرَادَه أَتَمُّ
وأحسنُ مِنْ المعنى الثاني. ورجّح الأوّلَ سقوطُ الألفِ بعد الواوِ، ولأنه
دالٌّ على اتصالِ الضميرِ، إلاَّ أنَّ الزمخشري (٤) استدركه(٥) فقال: ((والتعلُّقُ
(١) أي: كالوا - هم -، أي: المطففون.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٣٠.
(٣) البحر ٤٣٩/٨.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٣٠.
(٥) الأصل وعارف: اشتركه.
٧١٧

- التطفيف -
في إبطالِه بخطُّ المصحفِ وأنَّ الألفَ التي تُكتب بعد واوِ الجمع غيرُ ثابتةٍ
فيه، ركيكٌ لأنَّ خَطَّ المصحفِ لم يُراعِ في كثيرٍ منه حَدَّ المصطلح عليه
في علمِ الخطّ، على أني رأيْتُ في الكتب المخطوطةِ بأيدي الأئمة
المُتْقِنِينِ هذه الألفَ مرفوضةً لكونِها غيرَ ثابتةٍ في اللفظِ والمعنى جميعاً؛
لأنَّ الواوَ وحدَها مُعْطِيَةٌ معنى الجَمْعِ، وإنما كُتِبِت هذه الألفُ تَفْرِقَةً بين
وارِ الجمعِ وغيرِها في نحو قولك: ((هم [لم] (١) يَدْعُوا))، و ((هو يَدْعُو)»،
فمَنْ لم يُثْبِتْها قال: المعنى كافٍ في التفرقةِ بينهما، وعن عيسى بنِ عِمرَ
وحمزةَ أنَّها يرتكبان ذلك، أي: يجعلان الضميرَيْن للمطففين، ويقفان
عند الواوَيْنِ وُقَيْفَةً يُبَّنان بها ما أرادا».
ولم يَذْكُرْ فعَلَ الوزنِ أولاً؛ بل اقتصر على الكيلِ، فقال: ((إذا
اكْتالوا)» ولم يَقُلْ: أو اثَّزَنوا، كما قال ثانياً: أو وَزَنُوهُمْ. قال
الزمخشري(٢): ((كأنَّ المطفُّفين كانوا لا يأخذون ما يُكال ويُؤْزَنُ إلاّ
بالمكاييلِ دون الموازينِ لتمكّنهم بالاكتيالِ من الاستيفاءِ والسَّرِقَةِ؛ لأنَّهم
[٩٠٧/ ب] يُدَعْدِعُون ويَحْتالون في المَلْء، وإذا أَعْطَوْا/ كالُوا ووزَنوا لتمكُّنِهم من
البَخْسِ في النوعَيْن جميعاً».
قولُه: ((يُخْسِرُون)) جوابُ ((إذا)) وهو مُعَذَّىّ بالهمزة. يقال: خَسِرَ !
الرجلُ، وأَخْسَرْتُه أنا، فمفعولُه محذوفٌ، أي: يُخْسِرون الناسَ مَتَاعَهم.
آ. (٤) قوله: ﴿ألا يَظُنُّ﴾: الظاهرُ أنَّها ((ألا)) التحضيضيةُ،
حَضَّهم على ذلك، ويكونُ الظنُّ بمعنى اليقين. وقيل: هي لا النافيةُ
دخَلَتْ عليها همزةُ الاستفهامِ.
(١) زيادة من الكشاف.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٣١.
٧١٨

- التطفيف -
آ. (٦) قوله: ﴿يومَ يقومُ﴾: يجوزُ نصبُه بـ ((مَبْعُوثون»، قاله
الزمخشري(١)، أو بـ يُبْعَثون)) مقدَّراً، أو على البدلِ مِنْ محلِّ ((يوم))،
أو بإضمارِ ((أَعْني))، أو هو مرفوعُ المحلِّ خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أو مجرورٌ
بدلاً من ((ليومٍ عظيم))، وإنما بُني في هذَيْن الوجهَيْن على الفتحِ لإضافته
للفعل، وإن كان مضارعاً، كما هو رأي الكوفيين(٢)، ويَدُلُّ على صحة
هذَيْن الوجهين قراءةُ زيدٍ بنِ علي(٣) ((يومُ يقومُ)) بالرفع، وما حكاه
أبو معاذٍ القارىءُ ((يوم)) بالجرِّ على ما تقدَّم.
آ. (٧) قوله: ﴿لَفي سِجِّين﴾: اختلفوا في نون ((سِجِّين)).
فقيل: هي أصليةٌ. واشتقاقهُ من السَّجْنِ وهو الحَبْسُ، وهو بناءُ مبالغةٍ،
فسِجِّين من السَّجْنِّ كسِكُّير من السُّكْر. وقيل: بل هي بدلٌ من اللامِ،
والأصلُ: سِجِيْل، مشتقاً من السِّجِلِّ وهو الكتابُ. واختلفوا فيه أيضاً:
هل هو اسمُ موضعٍ، أو اسمُ كتابٍ مخصوصٍ؟ وهل هو صفةٌ أو عَلَمٌ
منقولٌ مِنْ وصفٍ كحَاتِم. وهو مصروفٌ إذ ليس فيه إلَّ سببٌ واحدٌ وهو
الْعَلَمِيَّةُ، وإذا كان اسمَ مكانٍ، فقوله ((كتابٌ مَرْقُوْمٌ)): إمَّا بدلٌ منه،
أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وهو ضميرٌ يعودُ عليه، وعلى التقديرَيْن فهو
مُشْكِلٌ؛ لأنَّ الكتابَ ليس هو المكانَ فقيل: التقدير: هو مَحَلُّ كتابٍ، ثم
حُذِفَ المضافُ. وقيل: التقديرُ: وما أدراك ما كتابُ سِجِّين؟ فالحذفُ:
إمَّا مِنْ الأولِ، وإِمَّا مِنْ الثاني. وأَمَّا إذا قُلْنا: إنه اسمٌ لـ ((كتاب)) فلا
إشكال.
(١) الكشاف ٢٣١/٤.
(٢) انظر: الارتشاف ٢/ ٥٥٢، والدر المصون ٤/ ٥٢٠.
(٣) انظر في قراءاتها: البحر ٨/ ٤٤٠، والشواذ ١٧٠.
٧١٩

- التطفيف -
وقال ابن عطية (١): ((مَنْ قال: إنَّ سِجِيناً موضعٌ فكتابٌ مرفوعٌ،
على أنه خبرُ ((إنّ) والظرفُ الذي هو ((لفي سِجِّين)) مُلْغَى، ومَنْ جعله
عبارةً عن الخَسارة، فكتابٌ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، التقدير: هو كتابٌ،
ويكونُ هذا الكلامُ مُفسِّراً لِسِجِّين ما هو؟)) انتهى، وهذا لا يَصِحُّ البتة؛ إذ
دخولُ اللامِ يُعَيِّنُ كونَه خبراً فلا يكونُ مُلْغى. لا يقال: اللامُ تَدْخُلُ على
معمولِ الخبرِ فهذا منه فيكونُ مُلْغِى؛ لأنه لو فُرِضَ الخبرُ وهو ((كتابٌ))
عاملاً أو صفتُهُ عاملةٌ وهو ((مرقوم))(٢) لامتنعَ ذلك. أمَّا مَنْعُ عملٍ («كِتَابٌ))
فلأنَّه موصوف، والمصدرُ الموصوفُ لا يعمل. وأمَّا امتناعُ عملٍ ((مرقومٌ»
فلأنَّه صفةٌ، ومعمولُ الصفةِ لا يتقدَّمُ على موصوفِها. وأيضاً فاللامُ إنما
تدخُلُ على معمولِ الخبر بشرطِه، وهذا ليس معمولاً للخبرِ، فَتعيَّنَ أَنْ
يكونَ الجارُّ هو الخبرَ، وليس بملغى. وأمَّا قولُه ثانياً ((ويكون هذا الكلامُ
مفسِّراً لسِجِّين ما هو)) فمُشْكِلٌ؛ لأنَّ الكتابَ ليس هو الخسَارَ الذي جُعِلَ
الضمير عائداً علیه مُخِراً عنه بـ ((كتابٌ)).
وقال الزمخشري (٣): ((فإنْ قلتَ: قد أخبر الله تعالى عن كتاب
الفجار بأنَّه في سِجِّين وفَشَّر سِجِيناً بـ ((كتاب مرقوم)) فكأنه قيل: إنَّ
كتابَهم في كتابٍ مرقوم فما معناه؟ قلت: ((سِجِّين)) كتابٌ جامعٌ، هو
ديوانُ الشرِّ دَوَّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفَرَةِ والفَسَقَةِ من الجنِّ
والإِنس، وهو كتابٌ مَسْطورٌ بَيِّنُ الكِتابةِ، أو مَعْلَمٌ يَعْلَمُ مَنْ رَآهُ أنه لا خَيْرَ
فيه فالمعنى: أنَّ ما كُتِبَ مِن أعمالِ الفُجَّارِ مُثْبَتٌ في ذلك الديوانِ،
(١) المحرر ٢٥٣/١٦.
(٢) الأصل وعارف: مرفوع.
(٣) الكشاف ٢٣١/٤.
٧٢٠