Indexed OCR Text
Pages 661-680
- النبأ - (لالتقاءِ الإِحصاء والكَتْبٍ في معنى الضَّبْطِ والتحصيل)). الثالث: أَنْ يكونَ منصوباً على الحالِ بمعنى: مكتوباً في اللوح. آ. (٣٢) قوله: ﴿حدائقَ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((مَفازاً» بدلَ اشتمال، أو بدلَ كل مِنْ كل مبالغةً: في أَنْ جُعِلَتْ نفسُ هذه الأشياء مفازاً. ويجوز أَنْ يكونَ منصوباً بإضمار (أَعْني)». وقيل: ((مَفازاً) بمعنى الفوز فيقدَّرُ مضافٌ، أي: فوز حدائق. آ. (٣٣) قوله: ﴿وكواعِبَ﴾: الكواعب: جمع كاعِب، وهي مَنْ كَعَبَ ثَدْيُها، أي: استدارَ. قال(١): ٤٤٧٥_ وكان مِجَنِّي دونَ مَنْ كَنْتُ أَّقي ثلاثُ شُخوصٍ كاعِبانِ ومُعْصِرُ وقال قيس بن عاصم المِنْقَري (٢) : ٤٤٧٦- وكم مِنْ حَصانٍ قد حَوَيْنا کَریمةٍ ومِنْ كاعبٍ لم تَذْرِما البؤسُ مُعْصِرٍ والأتراب تقدَّم ذكرُهن(٣): (١) تقدم برقم ٢١٣٥. (٢) شاعر مخضرم، سيد قومه في الجاهلية وهو ممن حرَّم الخمر على نفسه. قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا سيد أهل الوبر)). انظر في ترجمته: الإصابة ٤٨٣/٥. والبيت في القرطبي ١٨٤/١٩، والبحر ٤٠٩/٨. (٣) انظر إعرابه للآية ٥٢ من ص. ٦٦١ - النبأ - آ. (٣٤) قوله: ﴿دِهاقا﴾: صفةٌ لـ كأس. والدُّهاقُ: المَلَّى المُتْرَعَةُ. قيل: هو مأخوذٌ مِنْ دَهَقَه، أي: ضَغَطَهُ وشَدَّه بيدِهِ، كأنه ملأ اليدَ فانضغطَ. قال الشاعر(١): ٤٤٧٧ - لأَنْتِ إلى الفؤادِ أحَبُّ قُرْباً من الصَّادي إلى الكأس الدهاق / وقيل: الدِّهاقُ: المتتابعة. وأُنْشِد (٢): [٩٠١/ أ] -٠ ٤٤٧٨ - أتانا عامِرٌ يَبْغي قِراناً فأتْرَغْنا له كأساً دِهاقا آ. (٣٥) قوله: ﴿ولا كِذَّاباً﴾: الكسائيُّ(٣) بالتخفيف. والباقون بالتثقيلِ، وإنما وافق الكسائيُّ الجماعةَ في الأولِ للتصريح بفعلِه المشدَّدِ المقتضي لعدم التخفيفِ في ((كِذَّابا)» وهذا ما تقدَّم في قولِه «فتُفَجِّرَ الأنهارَ))(٤) حيث لم يُخْتَلَفْ فيه، للتصريح معه بفعلهِ، بخلافِ الأول. وقال مكيٌّ(٥) ((مَنْ شَدَّد جَعَله مصدرَ ((كَذَّبَ)) زِيْدَتْ فيه الألفُ كما زِيْدَتْ في ((إكراماً)، وقولُهم ((تَكْذيباً)) جعلوا التاءَ عوضاً مِنْ تشديدِ العينِ، والياءَ (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ١٨٤/١٩، والبحر ٤٠٩/٨، والصادي: العطشان. (٢) البيت لخداش بن زهير، وهو في اللسان ((دهق))، والبحر ٤٠٩/٨، والقرطيي ١٩/ ١٨٤. (٣) السبعة ٦٦٩، والنشر ٣٩٧/٢، والتيسير ٢١٩، والقرطبي ١٨٤/١٩، والحجة ٧٤٦، والبحر ٤١٥/٨. (٤) الآية ٩١ من الإِسراء. (٥) إعراب المشكل ٢/ ٤٥٢ . ٦٦٢ - النبأ - بدلاً من الألف، غيّروا أوَّلَه كما غيَّروا آخره. وأصلُ مصدرِ الرباعيِّ أَنْ يأتيَ على عَدَدِ حروفِ الماضي بزيادة ألفٍ، مع تغييرِ الحركات. وقد قالوا (تَكَلُّما)) فأتى المصدرُ على عددِ حروفِ الماضي بغير زيادةِ ألفٍ؛ لكثرة حروفِه، وضُمَّت اللامُ، ولم تُكْسَرْ لأَنَّه ليسَ اسمٌ على تَفَعِّل، ولم تُفْتَحْ لئلا يَشْتَبِهَ بالماضي)» وقراءةُ الكسائيِّ ((كِذاباً) بالتخفيفِ، جعله مصدرَ: كَذَّب ◌ِذاباً. وقيل: هو مصدرُ ((كَذَب)) كقولك: كَتَبَ كِتاباً. آ. (٣٦) قوله: ﴿جَزاءً﴾: مصدرٌ مؤكِّدٌ منصوبٌ بمعنى: إنَّ للمتقين مَفازاً، كأنه قيل: جازى المتقين بمَفازٍ. قوله: (عَطاءً)) بدلٌ مِنْ ((جَزاءً)) وهو اسمُ مصدرٍ. قال(١): ٤٤٧٩- وبعدَ عَطائِك المِئةَ الرِّتاعا وجعله الزمخشريُّ (٢) منصوباً بـ ((جزاءً)) نَصْبَ المفعولِ به. ورَدَّه الشيخُ(٣): بأنَّه جَعَلَ ((جزاءً)) مصدراً مؤكداً لمضمونِ الجملةِ التي هي ((إنَّ للمتقين [مفازاً])). قال: ((والمصدرُ المؤكِّد لا يعملُ؛ لأنه لا ينحلُّ لحرفٍ مصدريٍ والفعلِ، ولا نعلَمُ في ذلك خلافاً». قوله: ((حساباً) صفةٌ لـ «عطاءً)) والمعنى: كافياً، فهو مصدرٌ أقيم مُقامَ الوصفِ، أو بُؤْلغ فيه، أو على حَذْفِ مضافٍ مِنْ قولِهم: أَحْسَبَنِي (١) تقدم برقم ٣١٧. (٢) الكشاف ٤/ ٢١٠. (٣) البحر ٤١٥/٨. ٦٦٣ :- النبأ - الشيءُ، أي: كفاني. وقرأ (١) أبو البرهسم وشُرَيْح بن يزيد الحمصي (٢) بتشديد السينِ مع بقاءِ الحاءِ على كسرِها (٣). وتخريجُها أنه مصدرٌ مثلُ كِذَّاب، أقيم مُقامَ الوصفِ، أي: عطاءً مُحْسِباً، أي: كافياً. وابن قطيب كذلك إلاّ أنَّه فتح الحاءَ، قال أبو الفتح (٤): ((بنىُ فَعَّالاً مِنْ أَفْعَل كدَرَّاك مِنْ أَدْرَك)) يعني أنه صفةُ مبالغةٍ، مِنْ أَحْسَبَ بمعنى كافي كذا. وابنُ . عباس (حَسَنَا)) بالنونُ من الحُسن. وسِراج(٥) ((حَسْباً)) بفتح الحاء وسكونٍ: السينِ والباءِ الموخَّدة، أي: عطاءً كافياً، مِنْ قولِك: حَشَّبُك كذا، أي: كافيك . آ. (٣٧) قوله: ﴿رَبِّ السموات﴾: قرأ(٦) نافع وابن كثير وأبو عمروٍ برفع ((ربُّ السمواتِ)) و((الرحمنُ)). وابن عامر وعاصم بخفضِها، والأخَوان بخفض الأولِ ورَفْع الثاني. فأمَّا رَفْعُهما فيجوزُ مِنْ أوجهٍ، أحدها: أَنْ يكونَ «ربُّ)) خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هو ربُّ. و ((الرحمنُ)) كذلك، أو مبتدأُ خبرُه ((لا يَمْلِكون)). الثاني: أَنْ يُجْعَلَ ((رِبُّ)» : (١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٤٩/٢، البحر ٤١٥/٨، والقرطبي ١٨٥/١٩، والشواذ ١٦٨ . (٢) وهو أبو حيوة المتوفي سنة ٢٠٣ وتقدَّمَتْ ترجمته. انظر: طبقات القراء ٣٢٥/١. (٣) ((حِشَّاباً». (٤) المحتسب ٣٤٩/٢. (٥) لعله محمد بن إسحاق أبو العباس الثقفي الثقة، وحدَّث عنه البخاري ومسلم، توفي سنة ٣١٣. انظر: سير أعلام النبلاء ٣٨٨/١٤. (٦) السبعة ٦٦٩، والنشر ٣٩٧/٢، والحجة ٧٤٧، والتيسير ٢١٩، والبحر ٨/ ٤١٥، القرطبي ١٨٥/١٩. ٦٦٤ - النبأ - مبتدأٌ، و((الرحمنُ)) خبرُه، و((لا يَمْلِكون)) خبرٌ ثانٍ، أو مستأنفٌ. الثالث: أَنْ يكونَ ((ربُّ)) مبتدأً أيضاً و ((الرحمنُ)) نعتُه، و((لا يَمْلِكون)) خبرُ «رَبُّ)). الرابع: أنْ يكونَ ((رَبُّ)) مبتدأ، و ((الرحمنُ)) مبتدأٌ ثانٍ، و ((لا يَمْلِكون)) خبرُه، والجملةُ خبرُ الأولِ. وحَصَلَ الرَّبْطُ بتكريرِ المبتدأ بمعناه، وهو رأيُ الأخفش. ويجوزُ أَنْ يكونَ ((لا يَمْلكون)» حالاً، وتكونُ لازمةً. وأمَّا جَرُّهما فعلى البدل، أو البيانِ، أو النعتِ، كلاهما للأول، إلاَّ أنَّ تكريرَ البدلِ فيه نظرٌ، وقد نَبَّهْتُ على ذلك(١) في أواخر هذا الموضوع، آخرِ الفاتحةِ، أو يُجْعَلُ «ربِّ السمواتِ)) تابعاً للأولِ، و ((الرحمن)) تابعاً للثاني على ما تقدَّم. وأمَّا جَرُّ الأولِ فعلى التبعيَّةِ للأولِ، ورفعُ الثاني فعلى الابتداءِ، والخبرُ الجملةُ الفعليةُ، أو على أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، و((لا يَمْلِكون)) على ما تقدَّم من الاستئنافِ، أو الخبرِ الثاني، أو الحالِ اللازمةِ. آ. (٣٨) قوله: ﴿يومَ تقومُ﴾: منصوبٌ: إمَّا بـ ((لا يتكلَّمون» بعدَه، وإمَّا بـ((لا يَمْلِكون)) و((صَفَّاً)) حالٌ، أي: مُصْطَفِّيْنَ، و ((لا يتكلَّمون)): إمَّا حالٌ وإمَّا مستأنفٌ. قوله: ((إلَّ مَنْ أَذِنَ)) يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ واو ((يتكلمون)»، وهو الأَرْجَحُ لكونِه غيرَ موجَبٍ، وأَنْ يكونَ منصوباً على أصلِ الاستثناء. آ. (٤٠) قوله: ﴿يومَ يَنْظُرُ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ/ بدلاً مِنْ [٩٠١/ب] ((يومَ» قبلَه، وأنْ يكونَ منصوباً بـ «عذاباً»، أي: العذابُ واقعٌ في ذلك (١) انظر: الدر المصون ٧٤/١. وقوله ((في أواخر هذا الموضوع)) لعله مقحم. ٦٦٥ - النبأ - اليوم. وجَوَّزَ أبو البقاء(١) أَنْ يكونَ نعتاً لـ ((قريباً))، ولو جعله نعتاً لـ ((عذاباً)) لكان أَوْلِى. والعامَّةُ بفتح ميم («المَرْءُ»، وهي العاليةُ. وابنُ. أبي إسحاق(٢) بضَمِّها وهي لغةٌ: يُتْبِعون الفاءَ اللامَ. وخَطَّأ أبو حاتم هذه القراءةَ، وليس بصوابٍ لثبوتِها لغةً. قوله: ((ما قَدَّمَتْ)) يجوزُ أَنْ تكونَ استفهاميةٌ مُعلِّقَةٌ لـ ((يَنْظُرُ) على أنَّه من النظر، فتكونُ الجملةُ في موضع نصبٍ على إسقاط الخافضِ، وأَنْ تكونَ موصولةً مفعولاً بها، والنظرُ بمعنى الانتظار، أي: ينتظرُ الذي قَدَّمَتْه يداه. والعامَّةُ لا يُذْغِمون تاءَ ((كنتُ)) في «تُراباً» قالوا: لأنَّ الفاعلَ لا يُحْذَفُ، والإِدغامُ يُشْبه الحذفَ. وفي قولِه «ويقولُ الكافرُ» وَضْعُ ظاهرٍ موضعَ مضمرٍ شهادةٌ عليه بذلك. [تمَّت بعونه تعالى سورة عم يتساءلون] (١) الإملاء ٢٨٠/٢٪ (٢) البحر ٨/ ٤١٦. ٦٦٦ سورة والنازعات بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿غَرْقاً﴾: يجوزُ فيه أَنْ يكونَ مصدراً على حَذْفِ الزوائد بمعنى: إغْراقاً، وانتصابُه بما قبلَه لملاقاتِه له في المعنى، وإمَّا(١) على الحالِ، أي: ذواتَ إِغْراقٍ. يُقال: أَغْرَقَ في الشيءِ يُغْرِقُ فيه إذا أَوْغَلَ وبَلَغَ أقصىُ غايتِهِ. ومنه: أغرقَ النازِعُ في القَوْسِ، أي: بلغَ غايةَ المَدِّ. آ. (٢ - ٤) ونَشْطاً وسَبْحاً وسَبْقاً كلُّها مصادرُ. والنَّشْطُ: الرَّبْطُ، والإِنشاطُ: الحَلُّ. يقال: نَشَطَ البعيرَ: رَبَطه، وأَنْشَطَه: حَلَّه، ومنه: ((كأنما أنشط مِنْ عقال)) فالهمزةُ السَّلْبِ. ونَشِطَ: ذَهَبَ بسُرْعَةٍ. ومنه قيل لبقر الوَحْش: نَواشِط. قال هِمْيان بن قُحافةٍ (٢): ٤٤٨٠- أرى همومي تَنْشِطُ المَناشِطا الشَّامَ بِي طَوْراً وطَوْراً واسِطا (١) الأنسب للسياق أن يقول: ((أو). (٢) مجاز القرآن ٢٨٤/٢، واللسان (نشط)، والقرطبي ١٩٢/١٩، والمحرر ٢١٩/١٦. والشاعر راجز إسلامي من بني عامر. ترجمته في المؤتلف ١٩٧. ٦٦٧ - النازعات - ونَشَطْتُ الحَبْلَ أَنْشِطُه أُنْشُوْطَةٍ: عَقَدْتُه، وأَنْشَطْتُه مَدَدْتُه، ونَشَطَ كَأَنْشَط. قال الزمخشري(١): «تُنْشِطُ الأرواحَ، أي: تُخْرِجُها، مِنْ نَشَطَ الدَّلْوَ مِنْ البئرِ إذا أَخْرِجَها)» . و ((أَمْراً)) مفعولٌ بالمُدَبِّراتِ. وقيل: حال: تُدَيِّرُهُ مَأْموراتٍ، وهو بعيدٌ. والمرادُ بهؤلاء: إمَّا طوائِفُ الملائكةِ، وإمَّا طوائِفُ خَيْلِ الغُزاةِ، وإمَّا النجومُ، وإمَّا المنايا، وإمَّا بَقَرُ الوَحْشِ، وما جَرَى مَجْراها لِسُرْعَتِها، وإمَّا أرواحُ المؤمنين. آ. (٦) قوله: ﴿يومَ تَرْجُفُ﴾: منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، هو جوابُ القسم تقديره: لَتُبْعَثُنَّ، لدلالةِ ما بعدَه عليه، قال الزمخشري (٢): ((فإِنْ قلتَ: كيف جَعَلْتَ ((يومَ تَرْجُفُ)) ظرفاً للمُضْمرِ الذي هو لَتُبْعَثُنَّ، ولا يُبْعَثُون عند النَّفْخَةِ الأولى؟ قلت: المعنى: لتُبْعَثُنَّ في الوقتِ الواسعِ الذي تقع فيه النَّفْخِتَان، وهم يُبْعَثُون في بعض ذلك الوقتِ الواسع، وهو وقتُ النَّفْخَةِ الأخرى(٣)، ودلَّ على ذلك أنَّ قولَه: ((تَتَّبَعُها الرَّادِفَةُ)) جُعِل حالاً عن «الراجفة)). وقيل: العاملُ مقدَّرٌ غيرُ جوابٍ، أي: اذكُرْ يومَ. تَرْجُفُ. وفي الجوابِ على هذا أوجهٌ، أحدُها: أنَّه قولُه: ((إنَّ في ذلك لَعِبْرَة)»(٤). واستقبحهِ أبو بكر بن الأنباريِّ لطولِ الفَصْل. الثاني: أنه قولُه: ((هل أَتَاك حديثُ موسى))(٥) لأنَّ ((هل)) بمعنى ((قد)). وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّه كما .. - (١) الكشاف ٢١٢/٤. (٢) الكشاف ٤/ ٢١٢. (٣) كذا في ((الكشاف))، وتحتمل في الأصل كذلك وتحتمل ((الأولى)). (٤) الآية ٢٦. (٥) الآية ١٥. ٦٦٨ - النازعات - قدَّمْتُ لك في ((هل أتى))(١) أنها لا تكونُ بمعنى «قد»، إلَّ في الاستفهام، على ما قال الزمخشري. الثالث: أنَّ الجواب ((تَتْبَعُها))(٢) وإنما حُذِفَتِ اللامُ، والأصلُ: لَيَوْمَ تَرْجُفُ الراجفةُ تَتْبَعُها، فحُذِفَتِ اللامُ، ولم تَدْخُلْ نونُ التوكيدِ على ((تَبَعُها)) للفَصْلِ بين اللامِ المقدَّرَةِ وبين الفعلِ المُقْسَمِ عليه بالظرفِ. ومثلُه ((لإِلى اللَّهِ تُحْشَرون))(٣). وقيل: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: يومَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ تَتْبَعُها الرادِفَةُ والنازعاتِ. وقال أبو حاتم: ((هو على التقديم والتأخيرِ كأنه قال: فإذا هُمْ بالسَّاهِرَةِ والتَّزعاتِ)). قال ابن الأنباري: ((هذا خطأٌ؛ لأنَّ الفاءَ لا يُفْتَتَحُ بها الكلامُ)). وقيل: ((يومَ)) منصوبٌ بما دَلَّ عليه ((واجِفَةٌ))، أي: يومَ تَرْجُفُ وَجِفَت. وقيل: بما دَلَّ عليه خاشع، أي: يومَ تَرْجُفُ خَشَعَتْ. آ. (٧) قوله: ﴿تَتْبَعُها الرادِفَةُ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً مِن الراجفة، وأَنْ تكونَ مستأنفةً. آ. (٨) قوله: ﴿قلوبٌ﴾: مبتدأ، و ((يومئذٍ)) منصوبٌ بـ ((واجفةٌ))، وواجفة صفةُ القلوبِ، وهو المُسَوِّغُ للابتداءِ بالنكرةِ و((أَنْصارُها)) مبتدأٌ ثانٍ، و((خاشِعة)) خبرُه، وهو وخبرُهُ خبرُ الأولِ. وفي الكلام حَذْفُ مُضافٍ تقديرُه: أبصارُ أصحابِ القلوب. وقال ابنُ عطية (٤): ((وجاز ذلك، أي: الابتداءُ بقلوب لأنَّها تخصَّصَتْ بقولِه: ((يومئذٍ)). ورَدَّ (١) الآية ١ من الإنسان. (٢) الآية ٧. (٣) الآية ١٥٨ من آل عمران ((ولئن مُثُمْ أو قُتِلْتُم لإلى اللَّهِ تُحْشَرون)). (٤) المحرر ٢٢٠/١٦. ٦٦٩ - النازعات - عليه الشيخُ(١): بأنَّ ظرفَ الزمانِ لا يُخَصِّصُ الجثثَ(٢)، يعني لا تُوصف به الجثثُ. والواجفةُ: الخائفةُ. يقال: وَجَفَ يَجِفُ وَجيفاً، وأصلُه اضطرابُ القَلْبِ وقَلَغُهِ. قال قيسُ بن الخطيم(٣) : ٤٤٨١- إنَّ بني جَحْجَبَى وَأُسْرَتَهُمْ أكبادُنا مِنْ ورائِهِمْ تَجِفُ / وعن ابن عباس: واجِفَةٌ: خائفةٌ، بلغة هَمْدان(٤). ويُقال: وَجَبَ وَجيباً، بالباءِ الموحدةِ بدلَ الفاءِ. [١/٩٠٢] ۔۔ آ. (١٠) قوله: ﴿في الحافِرَةِ﴾: الحافِرَة: الطريقةُ التي يَرْجِعُ الإِنسانُ فيها من حيث جاء. يقال: رَجَعَ في حافرتِه، وعلى حافرته. ثم. يُعَبَّرُ بها عن الرجوعِ بالأحوال مِنْ آخرِ الأمرِ إلى أوَّلِه. قال(٥): : ٤٤٨٢- أحافِزَةٌ على صَلَعِ وشَيْبٍ معَاذَ اللَّهِ مِنْ سَفَهِ وعَارٍ وأصلُه: أنَّ الإِنسان إذا رَجَعَ في طريقِه أثَّرَتْ قدماه فيها حَفْراً. وقال الراغب (٦): ((وقولُه في الحافرة مَثَلٌ لَمَنْ يُرَةُ مِنْ حيث جاء، أي: (١) البحر ٤٢٠/٨. (٢) قال: ((وإنما تخصصت بقوله واجفة)). (٣) ديوانه ٦٤، والبحر ٤٢٠/٨، والمحرر ٢٢٠/١٦، وجحجبى: حي من الأنصار. والبيت من المنسرح وصدره في الديوان: إنَّا ولو قَدَّموا التي عَلِموا. (٤) انظر: لغات القبائل لأبي عبيد ٣١٠. (٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (حفر)، والبحر ٤١٧/٨، والمحرر ٢٢١/١٦. (٦) المفردات ١٢٤. ٦٧٠ - النازعات - أنَحْيا بعد أن نموتَ؟ وقيل: الحافرةُ: الأرضُ التي [جُعِلَتْ](١) قبورُهم فيها ومعناه: أنَّا لَمَرْدُودون ونحن في الحافِرة؟ أي: في القبور. وقولُه: ((في الحافرة)) على هذا في موضع الحال. وقيل: رَجَع فلانٌ على حافِرَتِه(٢)، ورَجَع الشيخُ إلى حافرته، أي: هَرِمَ، كقوله: ((ومِنْكم مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العُمْرِ))(٣). وقولُهم (٤): ((النَّقْدُ عند الحافِرة)) لِما يُباعِ نَقْداً. وأصلُه في الفرس إذا بِيْع، فيُقال: لا يَزُول حافِرُه أو يُنْقَدَ ثمنُه. والحَفْرُ: تَأَكُّلُ الأسنانِ. وقد حَفَر فُوه، وقد أَحْفَرِ المُهْرُ للإِثْناءِ والإِزباع، أي: دنا لأن يكونَ ثَنِيّاً أو رُباعياً) انتهى. والحافِرَةُ قيل: فاعِلَة بمعنىْ مَفْعُولة. وقيل: على النَّسَب، أي: ذات حَفْرٍ، والمرادُ: الأرضُ. والمعنى: إنَّا المَرْدُودون في قبورنا أحياءً. وقيل: الحافرة: جَمْعُ حافِرٍ بمعنى القَدَم، أي: نمشي أحياءً على أقدامِنا، ونَطَأُ بها الأرضَ. وقيل: هي أولُ الأمرِ . وتقولُ التجَّار: ((النَّقْدُ في الحافِرة))، أي: أوَّلُ السَّوْمِ. وقال الشاعر (٥): ٤٤٨٣- آلَيْثُ لا أَنْساكُمُ فاعْلَموا حتى تُرَدَّ الناسُ في الحافِرَةْ وقرأ(٦) أبو حيوة وابن أبي عبلة ((في الحَفِرَة)) بدون ألف. فقيل: هما بمعنى. وقيل: هي الأرض التي تَغَيَّرَتْ وأنْتَنَتْ بموتاها وأجسادِهم، (١) من المفردات. (٢) انظر: مجمع الأمثال ٣٠٨/١. (٣) الآية ٧٠ من النحل. (٤) انظر: مجمع الأمثال ٣٣٧/٢. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٨/ ٤٢٠، والقرطبي ١٩/ ١٩٧. (٦) البحر ٨/ ٤٢٠، والقرطبي ١٩٧/١٩، والمحتسب ٣٥٠/٢. ٦٧١ - النازعات - مِنْ قولِهِم: حَفِرت أسنانُه، أي: تَأَّلَتْ وتَغَيَّرَتْ. وقد تقدَّم خلافُ القراءِ في هذَيْن الاستفهامَيْنِ في سورةِ الرعد (١). وقوله: ((في الحافِرَة)» يجوزُ تعلُّقُه بِمَرْدُوْدون، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ كما تقدَّم. آ. (١١) قوله: ﴿نَخِرَة﴾: قرأ(٢) الأخَوان وأبو بكر «ناخِرَة» بألفٍ، والباقون (نَخِرَة) بدونِها وهما كحاذِرِ وَحَذِر، فاعِل لمَنْ صَدرَ منه الفِعْلُ، وفَعِل لِمَنْ كان فيه غَريزةً، أو كالغَريزة. وقيل: ناخِرة ونَخِرة بمعنى بالية. وقيل: ناخِرَة، أي: صارَتِ الريحُ تَنْخِرُ فيها، أي: تُصَوِّتُ، ونَخِرَة، أي: تَنْخِرُ فيها دائماً. وقيل: ناخِرَة: بالِية، ونَخِرَة: متآكلة. وعن أبي عمروٍ: الناخِرة: التي لم تَنْخَرْ بعدُ، والنَّخِرَةُ: الباليةِ. وقيل: الناخِرَةُ: المُصَوَّتَةُ فيها الريحُ، والنَّخِرةُ: الباليةُ التي تَعَفَّنَتْ. قال الزمخشري (٣): ((يُقال: نَخِرِ العظمُ، فهو نَخِرٌ وناخِرٌ، كقولِك: طَمِعَ فهو طَمِعٌ وطامِعٌ، وفَعِلٍ أَبْلَغُ مِنْ فاعِل، وقد قُرِىء بهما، وهو البالي الأجوفُ الذي تَمُرُّ فيه الرِّيحُ فِيُسْمَعُ له نَخِير». قلت: ومنه قولُه(٤): ٤٤٨٤- وأَخْلَيْتُها مِنْ مُخِّها فكأنَّها قواريرُ في أجوافِها الريحُ تَنْخِرُ وقال الراجزُ لِفَرَسه(٥) : (١) انظر: الدر ٧ / ١٧. (٢) السبعة ٦٧٠، والنشر ٣٩٧/٢، والبحر ٨/ ٤٢٠، والتيسير ٢١٩، والقرطبي ١٩٧/١٩، والحجة ٧٤٨. (٣) الكشاف ٢١٣/٤. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في المحرر ٢٢١/١٦، والبحر ٤١٧/٨. (٥) نسبه في اللسان (نخر) إلى الهمداني يوم القادسية، وهو في البحر ٤١٧/٨. ونجاح: اسم فرسه. ٦٧٢ - النازعات - ٤٤٨٥- أَقْدِمْ نَجاحُ إنها الأَساورَةْ ولا يَهُوْلَنَّكَ رَحْلٌ نادِرَةْ فإنما قَصْرُك تُرْبُ السَّاهِرَة ثم تعودُ بعدها في الحافِرَة مِنْ بعدٍ ما كنتَ عِظاماً ناخِرَهْ ونُخْرَةُ الرِّيْح بضمِّ النون: شِدَّةُ هبوبِها، والنُّخْرَةُ أيضاً: مُقَدَّمُ أَنْفٍ الفَرَس والحمارِ والخِنْزير. يقال: هَشَم نُخْرَتَه، أي: مُقَدَّمَ أَنْفِه. و ((إذا)) منصوبٌ بمضمرٍ، أي: إذا كُنَّا كذا نُرَدُّ ونُبْعَثُ . آ. (١٢) قوله: ﴿تلك﴾: مبتدأُ مُشارٌ بها إلى الرَّجْفة والرَّدَّة في الحافِرة. و((كَرَّةٌ) خبرُها. و((خاسِرَةٌ)) صفةٌ، أي: ذاتُ خُسْرانٍ، أو أُسْنِدَ إليها الخَسارُ، والمرادُ: أصحابُها، مجازاً. والمعنى: إنْ كان رجوعُنا إلى القيامةِ حَقَّاً فتلك الرَّجْعَةُ رَجْعَةٌ خاسِرَةٌ، وهذا أفادَتْه ((إذَنْ)) فإنها حرفُ جوابٍ وجزاءٍ عند الجمهور. وقيل: قد لا تكونُ جواباً. وعن الحسنِ: إِنَّ ((خاسرة)) بمعنى كاذبة. آ. (١٣) قوله: ﴿فإنَّما هي﴾: ((هي)) ضميرُ الكَرَّة، أي: لا تَحْسَبوا تلك الكرَّةَ صعبةً على اللَّهِ تعالى. وقال الزمخشري(١): «فإنْ قلتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قولُه ((فإنماهي)»؟ قلت: بمحذوفٍ معناه: لا تَسْتَصْعِبوها، فإنما هي زَجْرَةٌ)). قلت: يعني بالتعلُّقِ من حيث المعنى، وهو العطفُ. آ. (١٤) قوله: ﴿فإذا هم﴾: المفاجأةُ والتَّسَبُبُ هنا واضحان والسَّاهرة قيل: وجهُ الأرضِ، والفَلاةُ، وُصِفَتْ بما يقع فيها، وهو الشَّهَرُ (١) الكشاف ٤/ ٢١٣. ٦٧٣ - النازعات - لأجلِ الخوفِ. وقيل: لأنَّ السَّرابَ يَجْري فيها، مِنْ قولِهِم: عَيْنُ ساهِرَةٌ. قال الزمخشري(١): ((والشَّاهرةُ: الأرضُ البيضاءُ المستويةُ، سُمِّيَتْ بذلك؛ [٩٠٢/ ب] لأنَّ السَّرابَ يجري فيها، مِنْ قولهم/ عينٌ ساهِرَةٌ جارِيةُ الماءِ، وفي ضِدِّها نائمةٌ. قال الأشعت بن قيس(٢): ٤٤٨٦- وساهِزَةٍ يُضْحِي السَّرابُ مُجَلِّلاً لأَقْطارِها قد جُبْتُها مُتَلَكِّما : أو لأنَّ ساكنَها لا ينامُ، خَوْفَ الهَلَكَة)) انتهى. وقال أمية (٣): ٤٤٨٧- وفيها ◌َلَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٍ وما فاهوا لهمْ فيها مُقيمُ يريد: لحمُ حيوانٍ أرضٍ ساهرةٍ. وقال أبو كبير الهذلي (٤). ٤٤٨٨_ يَرْتَذْنَ ساهِرَةٌ كأنَّ جَمیمَها وعَمِيْمَها أسْدافُ ليلٍ مُظْلِمٍ قال الراغب(٥): ((هي وَجْهُ الأرضِ. وقيل: أرضُ القيامةِ. وحقيقَتُها (١) الكشاف ٤/ ٢١٣. (٢) الكشاف ٢١٣/٤. ومجللاً: مغطياً. (٣) ديوانه ٤٧٥، واللسان (سهر). (٤) ديوان الهذليين ١١١/٢، واللسان (سهر). والجميم: النبت الذي لم يتم، والعميم: التام. (٥) المفردات ٢٤٥. ٦٧٤ - النازعات - التي يَكْثُرُ الوَطْءُ بها، كأنَّا سَهِرَتْ مِنْ ذلك، إشارةً إلى نحوِ قولِ الشاعر(١): ٤٤٨٩- تَحَرَّكَ يَقْظانُ الترابِ ونائِمُهْ والأَسْهَران: عِرْقان في الأنفِ) انتهى. والسَّاهُوْر: غلافُ القَمَرِ الذي يَدْخُل فيه عند كُسوِفِه. قال(٢): ٤٤٩٠- أو شُقَّةٌ أُخْرِجَتْ مِنْ بَطْنِ ساهُوْرٍ أي: هذه المرأةُ بمنزلةِ قطعةِ القمرِ. وقال أميّةُ(٣): ٤٤٩١_ قَمَرٌ وساهُوْرٌ يُسَلُّ ويُغْمَدُ (١) صدره: إذا نحن سِرْنا بين شرقٍ ومَغْربٍ وهو لحريث بن عناب الطائي. والبيت في أساس البلاغة (يقظ) والحماسة البصرية ٨/١، والمفردات ٢٤٥. (٢) لم أهتد إلى قائله، وأورد في اللسان (سهر) بيتين فيهما هذا العجز، الصدر الأول : كأنَّها عِزْقُ سامٍ عند ضارِهِ والصدر الثاني: كأنها بُهْئَةٌ تَرْعَى بِأَقَرِبَةٍ والبيت الأول في القرطبي ١٩٩/١٩. والبهثة: البقرة. (٣) ليس في ديوانه، وصدره: لا نَقْصَ فيه غيرَ أنَّ خَبِيْئَه وهو في القرطبي ١٩٩/١٩ . ٦٧٥ - النازعات - آ. (١٦) قوله: ﴿إِذ ناداه﴾: ((إذ) منصوبٌ بـ ((حديثُ)) لا بـ «أتاك)) لاختلافٍ وقتَيْهما. وتقدَّم الكلامُ في ((طُوى)) في طه(١). آ. (١٧) قوله: ﴿اذْهَبْ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ تفسيراً للنداءِ. ويجوزُ أن يكونَ على إضمارِ القولِ. وقيل: هو على حَذْفِ ((أَنْ))، أي: أَنْ اذهَبْ. ويَدُلُّ له قراءةُ عبد الله(٢): ((أَنْ اذْهَبْ)). و((أَنْ)) هذه الظاهرةُ أو المقدرةُ يُحتمل أنْ تكونَ تفسيريةً، وأَنْ تكونَ مصدريةً، أي: ناداه بکذا. آ. (١٨) قوله: ﴿هَلْ لك﴾: خبرُ مبتدأ مضمرٍ. و "إلى أَنْ)) متعلقٌ بذلك المبتدأ، وهو حَذْفٌ شائعٌ. والتقدير: هل لك سبيلٌ إلى التزكية ومثله: ((هل لك في الخير)) يريدون: هل لك رغبةٌ في الخير. وقال الشاعر (٣): ٤٤٩٢- فهل لكمُ فيها إليَّ فإنَّني بَصيرٌ بما أَعْيا النِّطَاسِيَّ حِذْيَما وقال أبو البقاء (٤): ((لَمَّا كان المعنى: أَدْعوك جاء بـ إلى)). وهذا لا يُفيدُ شيئاً في الإِعراب. وقرأ(٥) نافعٌ وابنُ كثير بتشديدِ الزاي مِنْ (١) انظر إعرابه للآية ١٢ من طه. (٢) الكشاف ٤ / ٢١٣. (٣) البيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ١١١ واللسان (نطس). والنِّطاسِيُّ: الحاذق بالطب والأمور. (٤) الإملاء ٢/ ٢٨٠. (٥) السبعة ٦٧١، والبحر ٤٢١/٨، والتيسير ٢١٩، والقرطبي ٢٠١/١٩، والحجة. ٧٤٩. ٦٧٦ - النازعات - (تَزَّكَّى)) والصادِ مِنْ ((تَصَّدَّى)) في السورةِ تحتها(١). والأصلُ: تتزَكَّى وتتصَدَّى، فالحَرَمِيَّان أدغما، والباقون حَذَفُوا نحو: ((تَنَزَّلُ))(٢). وتقدَّم الخلافُ في أيَِّهما المحذوفةِ. آ. (٢٣) قوله: ﴿فَحْشَرَ فنادى﴾: لم يُذْكَرْ مفعولاهما؛ إذ المرادُ فَعَلَ ذلك، أو يكونُ التقدير: فَحَشَرَ قومَه فناداهم. وقوله ((فقال) تفسیرٌ للنداء. آ. (٢٥) قوله: ﴿نَكالَ الآخرةِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً لـ «أَخَذَ»، والتجوُّزُ: إمَّا في الفعل، أي: نَكَّل بالأَخْذِ نَكالَ الآخرةِ، وإمّا في المصدر، أي: أَخَذَه أَخْذَ نَكالٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً له، أي: لأجل نكالِه. ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً لتعريفِهِ، وتأويلُه كتأويلٍ جَهْدَك وطاقَتَك غيرُ مَقيس. ويجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً مؤكّداً لمضمونِ الجملةِ المتقدِّمةِ، أي: نَكَّل الله به نَكالَ الآخرةِ، قاله الزمخشري(٣)، وجعله كـ ((وَعْدَ اللَّهِ»(٤) و((صِبْغَةَ اللّهِ))(٥). والنَّكالُ: بمنزلةِ التّتكيل، كالسَّلام بمعنى التَّسْليم. والآخرةُ والأولى: إمَّا الداران، وإمّا الكلمتان. فالآخرةُ قولُه: ((أنا ربُّكم الأعلى))(٦)، والأولى: ((ما عَلِمْتُ لكم مِنْ إلهٍ غيري))(٧) فحُذِفَ الموصوفُ للعِلْم به. (١) وهي الآية ٦ من سورة عبس التي تتلو هذه السورة. وانظر: السبعة ٦٧٢ . (٧) الآية ٣٨ من القصص. (٢) الآية ٤ من القدر. (٣) الكشاف ٤/ ٢١٤. (٤) الآية ١٢٢ من النساء. (٥) الآية ١٣٨ من البقرة. (٦) الآية ٢٤ من النازعات. ٦٧٧ - النازعات - آ. (٢٧) قوله: ﴿أم السَّمَاءُ﴾: عطفٌ على ((أنتم)) وقوله: ((بناها)) بيانٌ لكيفيةِ خَلْقِه إياها. فالوقفُ على ((السماء)»، والابتداءُ بما بعدَها. ونظيرُه ما مرَّ في الزخرف (١) ((أآلهتنا خيرٌ أم هو)). آ. (٢٨) قوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾: جملةٌ مفسِّرةٌ لكيفيةِ البناءِ. والسَّمْكُ: الارتفاعُ. ومعناه في الآيةِ كما قال الزمخشريُّ (٢): ((جَعَلَ مقدارَ ذهابِها في سَمْتِ العُلُوِّ مديداً رفيعاً». وسَمَكْتُ الشيءَ: رَفَعْتُه في الهواءِ. وسَمَك هو، أي: ارتفعَ سُمُوكاً فهو قاصِرٌ ومتعدٍّ. وسَنامٌ سامِكٌ تامِكٌ، أي: عالٍ مرتفعٌ. وسِماكُ البيت ما سَمَكْتُهُ به. والسِّماك: نجمٌ معروفٌ، وهما(٣) اثنان: رامحٌّ وَأَعْزَلُ. قال الشاعر(٤): ٤٤٩٣- إنَّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا بيتاً دعائِمُه أعَزُّ وَأَطْوَلُ آ. (٢٩) قوله: ﴿وَأَغْطَشَ﴾: أي: أظلم بلغةِ أنْمار(٥) وأَشْعر. يقال: غَطِئْ الليلُ وغَطَّئْتُه أنا، وأَغْطَشْتُه قال(٦): ٤٤٩٤- عَقَرْتُ لُهُمْ ناقتي مَوْهِناً فَلَيْلُهُمْ مُدْلَهِمٌ غَطِشْ (١) الآية ٥٨ من الزخرف. (٢) الكشاف ٤/ ٢١٤ . (٣) انظر: اللسان (سمك). (٤) تقدم برقم ٢٢٩١. (٥) انظر: لغات القبائل لأبي عبيد ٣١١. (٦) البيت للأعشى وليس في ديوانه، وهو في القرطبي ٢٠٤/١٩ بروايةٍ قريبة، والماوردي ٣٩٦/٤. ٦٧٨ - النازعات - وليلٌ أغطشُ وليلةٌ غَطْشاءُ. قال الراغب(١): ((وأصلُه من الأَغْطشِ، وهو الذي في عَيْنِه عَمَشٌْ. ومنه فَلاةٌ غَطْشى لا يُهْتدى فيها. والتغاطُشُ: التَّعامي)) انتهى. ويقال: أَغْطِشَ الليلُ، قاصراً كأظلم، فَأَفْعَلَ فيه متعدٍّ/ [٩٠٣/أ] ولازمٌ. وقوله: ((وَأَخْرَجَ ضُحاها)» فيه حَذْفٌ، أي: ضُحى شمسِها، أو أضافَ الليلَ والضُّحى لها للملابسةِ التي بينها وبينهما. آ. (٣٠) قوله: ﴿بعد ذلك﴾: ((بعد)» على بابِها من التأخيرِ. ولا مُعارَضَةَ بينها وبين آيةٍ فُصِّلت(٢)؛ لأنَّه خلق الأرضَ غيرَ مَذْحُوَّةٍ، ثم خَلَق السماءَ، ثم دحا الأرضَ. وقولُ أبي عبيدة(٣): ((إنها بمعنى قَبْل)) مُنكَرٌ عند العلماءِ. ويقال: دحا يَدْحُو دَخْواً ودَحَى يَدْحِي دَحْياً، أي: بَسَط، فهو من ذواتِ الواوِ والياءِ، فيُكتبُ بالألف والياء، ومنه قيل لِعُشِ النَّعامة: أُدْحُوٌّ، وأُذْحِيٌّ، لانبساطِه في الأرض. وقال أمية (٤): ٤٤٩٥ _ وبَثَّ الخَلْقَ فيها إذا دَحاها فهمْ قُطَّانُها حتى التَّادِي وقيل: دحى بمعنى سَوَّى. قال زيد بن نُفَيْل(٥): (١) المفردات ٣٦٢. (٢) الآيات من ٩ - ١٢ (خلق الأرض في يومين ... ثم استوى إلى السماء وهي دخانٌ فقال لها وللأرض انتيا طوعاً أو كرهاً ... فقضاهن سبع سموات)). (٣) لم يرد قوله هذا في كتابه ((مجاز القرآن)). (٤) تقدم برقم ٣٩٣٢. (٥) اللسان (دحا)، والماوردي ٣٩٦/٤، والقرطبي ٢٠٥/١٩. وزيد بن عمرو ابن نفيل القرشي العدوي، حكيم لم يدرك الإسلام، من الحنفاء الذين كرهوا الأوثان. توفي سنة ١٧ قبل الهجرة. انظر: الخزانة ٩٩/٣. ٦٧٩ - النازعات - ٤٤٩٦- وأَسْلَمْتُ وَجْهِيْ لِمَنْ أَسْلَمَتْ له الأرضُ تَحْمِلُ صَخْراً ثقالاً دَحاهاً فلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّها بأَيْدٍ وأَزْسى عليها الجِبالا والعامَّةُ على نصبِ ((الأرض)) و ((الجبال)) على إضمارِ فعلٍ مفسَّرٍ بما بعده، وهو المختارُ لتقدُّم جملةٍ فعليةٍ. وَرَفَعَهما(١) الحسنُ وابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو السَّمَّال وعمرُو بن عبيد، على الابتداء، وعيسىُ برفع ((الأرض) فقط . آ. (٣١) قوله: ﴿أَخْرَجَ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ تفسيراً. والثاني: أَنْ يكونَ حالاً. قال الزمخشري(٢): ((فإن قلتَ: فهلا أَدْخَلَ حرفَ العطفٍ على ((أَخْرَجَ)). قلت: فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ ((دحاها)) بمعنى بَسَطها ومهَّدها للشُّكنى، ثم فَسَر التمهيدَأُ بما لا بُدَّ منه في تأتِّي سُكْناها مِنْ تسويةِ أمرِ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ وإمكانِ القَرارِ عليها. والثاني: أَنْ يكونَ ((أَخْرَجَ)) حالاً بإضمار ((قد)» كقوله: ((أو جاؤُوكم حَصِرَتْ صُدورُهم))(٣). قلت: إضمار ((قد)) هو قولُ الجمهورِ، وخالفَ الكوفيون والأخفش(٩). آ. (٣٣) قوله: ﴿مَتَاعاً﴾: العامَّةُ على النصبِ مفعولاً له، أو مصدراً لعاملٍ مُقدَّرٍ، أي: مَتَّعكم. والمَرْعَىُّ في الأصل: مكانٌ (١) الإتحاف ٥٨٧/٢، والبحر ٤٢٣/٨، والقرطبي ٢٠٥/١٩. (٢) الكشاف ٢١٥/٤. (٣) الآية ٩٠ من النساء. (٤) انظر: الارتشاف ٣٦٤/٢. ٦٨٠