Indexed OCR Text

Pages 641-660

- المرسلات -
قاله أبو البقاء(١)، والأولُ قولُ الثُّحاةِ. وأمَّا جِمالات فيجوزُ أَنْ يكونَ
جمعاً لـ ((جمالة)» هذه، وأَنْ يكونَ جمعاً لـ جِمال، فيكون جمعَ الجمعِ.
ويجوزُ أَنْ يكونَ جمعاً لـ جَمَّل المفردِ كقولهم: ((رِجالات قريش)) كذا
قالوه. وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم نَصُّوا على أنَّ الأسماءَ الجامدةَ غيرَ العاقلةِ
لا تُجْمَعُ بالألفِ والتاءِ، إلَّ إذا لم تُكَسَّرْ. فإنْ كُسِّرَتْ لَم تُجْمَعْ. قالوا:
ولذلك لُخِّن المتنبيُّ في قوله(٢):
٤٤٥٩- إذا كان بعضُ الناس سَيْقاً لدولةٍ
ففي الناس بُوقاتٌ لها وطُبولُ
فجمع (بُوقاً)) على ((بُوقات)) مع قولهم: ((أَبْواق))، فكذلك جمالات
مع قولهم: جَمَل وجِمال. على أنَّ بعضَهم لا يُجيزُ ذلك، ويَجْعَلُ نحو:
حَمَّامات وسِجِلَّت شاذًّا، وإنْ لم يُكَسَّرْ.
وقرأ ابنُ عباس والحسنُ وابن جبير وقتادةُ وأبو رجاء، بخلافٍ
عنهم، كذلك، إلاَّ أنَّهم ضَمُّوا الجيمَ (٣) وهي حِبالُ السفنِ. وقيل:
قُلوس (٤) الجسورِ، الواحدةِ ((جُمْلة)) لاشتمالِها على طاقاتِ الحِبال. وفيها
وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ ((جُمالات)) جمعَ جُمال، وجُمال جَمْعَ
جُمْلة، كذا قال الشيخ(٥)، ويَحْتَاجُ في إثباتِ أنَّ جُمالاً بالضمّ جمعُ جُمْلة
بالضمّ إلى نَقْلِ. والثاني: أنَّ ((جُمالات)) جمعُ جُمالة قاله الزمخشري(٦)،
(١) الإملاء ٢٧٨/٢.
(٢) تقدم برقم ٢٨١٠.
(٣) (جمالات)).
(٤) القلس: حبل غليظ من حبال السفن.
(٥) البحر ٨/ ٤٠٧.
(٦) الكشاف ٤/ ٢٠٤.
٦٤١

- المرسلات -
وهو ظاهرٌ. وقرأ أبنُ عباس والشُّلَمِيُّ وأبو حيوةَ ((جُمالة)) بضمِّ الجيم،
وهي دالَّةٌ لِما قاله الزمخشريُّ آنِفاً.
قوله: ((صُفْرٌ) صفةٌ لجِمالات أو لِجمالة؛ لأنَّه: إمَّا جمعٌ أو اسمُ
جمعٍ. والعامَّة على سكونِ الفاءِ جمعَ صَفْراء. والحسنُ بضمِّها، وكأنَّه
إِثْباتٌ. ووَقَعَ التشبيهُ هنا في غايةِ الفصاحةِ. قال الزمخشريُّ(١): ((وقيل ::
صُفْرٌ سُؤْدٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفرة. وفي شعرِ عمرانَ بنِ حِطّانَ الخارجيّ(٢):
٤٤٦٠ - دَعَتْهُمْ بأعلى صوتِها ورَمَتْهُمُ
بمثل الجِمال الصفر نَزَّاعةِ الشَّوى
وقال أبو العلاء المعري(٣):
٤٤٦١- حمراءُ سَاطِعَةُ الذوائب في الدُّجّى
تَرْمسي بكل شَرارةٍ كِطِرافٍ
[٨٩٨/ب]
فشبَّهها/ بالطُّراف، وهو بيت الأُدَمِ(٤) في العِظَمِ والحُمْرَةِ، وكأنه
قَصَدَ بِخُبْئِهِ أَنْ يزيدَ على تشبيهِ القرآن. ولتبجّحه بما سُوِّل له مِنْ تَوَهُّم
الزيادة جاءَ في صَدْرِ بيتِه بقولِه: ((حمراءُ» توطئةً لها ومناداةً عليها، وتَنْبِيهاً.
للسامِعين على مكانِها. ولقد عَمِيَ - جمع الله له عَمىُ الدَّارَيْن - عن قولِه
عزَّ وجلَّ: ((كأنه جِمالةٌ صُفْرٌ)) فإنه بمنزلةٍ قولِه كبيتٍ أحمر. وعلى أنَّ في
(١) الكشاف ٤/ ٢٠٤:
(٢) الكشاف ٢٠٤/٤، يصف جهنم ودعاءها الكفار إلى قعرها. والشوى: الأطراف
أو الجوارح.
(٣) سقط الزند ١٣٠٧، والمعنى أن نيرانهم عظيمة فشَرارها على مقدار عظمها.
(٤) بيت من أدم: من بيوت الأعراب.
٦٤٢٠

۔ المرسلات -
التشبيهِ بالقَصْر وهو الحِصْنُ تشبيهاً مِنْ جهتَينِ: مِنْ جهةِ الْعِظَمِ، ومن
جهةِ الطولِ في الهواءِ، وفي التشبيه بالجِمالات - وهي القُلُوسُ - تشبيهٌ
مِنْ ثلاثٍ جهاتٍ: الطُّلِ والعِظَم والصُّفْرةِ) انتهى. وكان قد قال قبلَ ذلك
بقليلٍ: ((شُبِّهَتْ بالقُصورِ ثم بالجِمالِ لبيانِ التشبيهِ، ألا ترى أنَّهم يُشَبَّهون
الإِبلَّ بالأَفْدان)» قلت: الأَفْدانُ: القصورُ، وكأنه يُشيرُ إلى قولٍ عنترة(١):
٤٤٦٢- فوقَفْتُ فيها ناقتي وكأنَّها
فَدَنْ لَأَقْضِيَ حاجةَ المُتَلَوِّمِ
آ. (٣٥) قوله: ﴿هذا يومٌ لا يَنْطِقُون﴾: العامَّةُ على رفع
(يومُ)) خبراً لـ ((هذا)). وزيد بنُ عليّ (٢) والأعرجُ والأعمشُ وأبو حيوةً
وعاصمٌ في بعضٍ طرقِه بالفتح. وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الفتحةِ فتحةُ
بناءٍ وهو خبرٌ لـ ((هذا)) كما تقدَّم. والثاني: أنَّه منصوبٌ على الظرفِ واقعاً
خبراً لـ ((هذا)) على أَنْ يُشارَ به لِما تقدَّم من الوعيدِ كأنه قيل: هذا العذابُ
المذكورُ كائنٌ يومَ لا يَنْطِقون. وقد تقدَّم آخِرَ المائدة ما يُشْبه هذا في
قوله: ((هذا يومُ يَنْفع))(٣) إلاَّ أنَّ النصبَ هناك متواترٌ.
آ. (٣٦) قوله: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾: العامَّةُ على عَدَمِ تَسْمِيَةٍ
الفاعلِ. وحكى الأهوازِيُّ عن زيدِ بن علي(٤) ((ولا يَأَذَنُ)) سَمَّىْ الفاعلِ،
وهو اللَّهُ تعالى. ((فيعتذرون)) في رفعِه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنفٌ
(١) ديوانه ١٨٤، وشرح القصائد السبع ٢٩٧. المتلوّم: المتمكّث.
(٢) الإتحاف ٥٨٢/٢، والبحر ٤٠٧/٨، والقرطبي ١٦٦/١٩.
(٣) انظر: الدر ٥٢٠/٤.
(٤) البحر ٤٠٨/٨.
٦٤٣

- المرسلات -
أي: فهم يَعْتَذِرون. قال أبو البقاء(١): ((ويكون المعنى: أنَّهم لا يَنْطِقُونِ
نُطْقاً ينفَعُهم، أو يَنْطقون في بعضِ المواقفِ ولا يَنْطِقُون في بعضها)).
والثاني: أنه معطوفٌ على ((يُؤْذن)) فيكونُ مَنْفِيًّا، ولو نُصِبَ لكان مُتَّسَبَباً.
عنه)). وقال ابن عطية (٢): ((ولم يُنْصَبْ في جوابٍ النفي لتشابُهِ رؤوسٍ
الآي، والوجهان جائزان)). انتهى فقد جَعَل امتناعَ النصبِ مجردَ المناسبةِ.
اللفظيةِ، وظاهرُ هذا مع قوله: ((والوجهان جائزان)) أنهما بمعنىّ واحدٍ،
وليس كذلك، بل المرفوعُ له معنىّ غيرُ معنى المنصوبِ. وإلى مثلِ هذا
ذهبَ الأعلمُ فيُرفع الفعلُ، ويكونُ معناه النصبَ. ورَدَّ عليه ابنُ عصفور.
آ. (٤١) قوله: ﴿في ظِلالٍ﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ، جمعُ ظِلّ.
والأعمش (٣) (ظُلَلِ)) جمعُ ظُلَّة. وتقدَّم في يس (٤) مثلُه، إلاّ أنهما
متواترتان.
آ. (٤٣) قوله: ﴿كُلُوا﴾: معمولاً (٥) لقولٍ، ذلك القولُ.
منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ المستكنُّ في الظرفِ أي: كائِنِيْن في
ظلال، مَقُولاً لهم ذلك، وكذلك ((كُلُوا وتَمَتَّعوا قليلاً)» فإنْ كان ذلك
مقولاً لهم في الدنيا فواضحٌ، وإن كان مَقولاً في الآخرة فيكون تذكيراً
بحالهم أي: هم أحِقَّاءُ بأَنْ يُقالَ لهم في دنياهم كذا. ومثله(٦):
(١) الإملاء ٢٧٩/٢.
(٢) المحرر ٢٠٣/١٦.
(٣) الإتحاف ٥٨٢/٢، والبحر ٤٠٨/٨، والقرطبي ١٦٧/١٩.
(٤) الآية ٥٦ .
(٥) حال من فعل مقدر بنحو: جاء.
(٦) البيت من المديد؛ لفاطمة بنت الأحجم الخزاعية، وهو في الكشاف ٤/ ٢٠٥،
والحماسة ٤٤٦.
٦٤٤

- المرسلات -
٤٤٦٣- إخْوَتي لا تَبْعَدُوا أبداً
وبَلَىْ واللَّهِ قد بَعِدُوا
أي: هم أهلٌ أَنْ يُدَّعَى لهم بذلك.
آ. (٥٠) قوله: ﴿فبأيِّ حديثٍ﴾: متعلقٌ بقوله: ((يُؤمنون))
أي: إنْ لم يُؤمنوا بهذا القرآنِ فبأيِّ شيءٍ يُؤْمنون؟ والعامَّةُ على الغَيْبة.
وقرأ(١) ابن عامر في روايةٍ ويعقوبُ بالخطاب على الالتفات أو على
الانتقال.
[تمَّت بعونه تعالى سورة والمرسلات]
(١) البحر ٤٠٨/٨.
٦٤٥

سورة عم يتساءلون
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿عَمَّ﴾: قد تقدَّم أن البزيَّ(١) يُدخل هاءَ السكتِ
عوضاً من ألف ((ما)) الاستفهاميةِ في الوقف. ونُقِلَ عن ابن كثير أنه يقرأ
(عَمَّه)) بالهاء وَضْلاً، أجرى الوصل مُجرى الوقف. وقرأ عبد الله
وأُبَيّ وعكرمة (عَمَّا)) بإثبات الألفِ. وقد تقدَّم أنه يجوزُ ضرورةً أو في
قليلٍ من الكلام. ومنه(٢):
٤٤٦٤- على ما قامَ يَشْتِمُني لَئِيمٌ
كخِتْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمادِ
/ وتقدم أنَّ الزمخشريَّ جَعَلَ منه ((بما غَفَر لى ربِّي)) في يس(٣). [١/٨٩٩]
و (عَمَّ)) فيه قولان، أحدُهما : - وهو الظاهرُ - أنَّه متعلِّقٌ بـ ((يتساءلون))
هذا الظاهرِ. قال أبو إسحاق(٤): ((الكلامُ تامٌّ في قوله: (عَمَّ يتساءلون))،
(١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٤٧/٢، والبحر ٤١٠/٨، الإتحاف ٥٨٣/٢،
والنشر ٢/ ١٣٤.
(٢) تقدم برقم ٦١٦.
(٣) الآية ٢٧ من يس.
(٤) لم يرد هذا النص في مطبوعة ((معاني القرآن)) للزجاج، وانظر: البحر ٤١١/٨،
والمحرر ٢٠٧/١٦.
٦٤٧

- النبأ -
ثم كان مقتضى القول أن يُجيبَ مُجيبٌ، فيقولَ: يتساءلون عن النبأ
العظيم، فاقتضى إيجازُ القرآنِ وبلاغتُهُ أَنْ يبادِرَ المحتَجُّ بالجوابِ الذي
تقتضيه الحالُ والمحاورةُ اقتضاباً للحُجَّة، وإِسراعاً إلى مَوْضِعِ قَطْعِهِم)).
والثاني: أنَّه متعلُّقٌ بفعلِ مقدرٍ ويتعلَّقُ ((عن النبأ العظيم)» بهذا الفعلِ
الظاهرِ. قال الزمخشري(١): ((وعن ابن كثيرٍ أنه قرأ ((عَمَّهْ)) بهاءِ السَّكْتِ.
ولا يَخْلو: إمَّا أَنْ يجريَ الوصلُ مَجْرى الوقفِ، وإمَّا أَنْ يقفَ ويَبْتَدِىءَ
((يتساءلون عن النبأ العظيم)» على أَنْ يُضْمَرَ ((يتساءلون))؛ لأنَّ ما بعده :
يُفَسِّرُه كِشيءٍ يُبْهَمُ ثم يُفَسَّرُ)).
آ. (٢) قوله: ﴿عن النبأ﴾: يجوزُ فيه ما جازَ في قوله ((لأيّ
يوم أُجِّلَتْ(٢) )) في البدليةِ والتعلُّقِ بفعلٍ مقدَّرٍ. ويَزيد عليه هنا أنَّه يتعلَّقُ
بالفعل الظاهرِ، ويتعلَّقُ ما قبلَه بمضمرٍ، كما تقدَّم عن الزمخشريُّ. وقال
ابن عطية(٣): ((قال أكثرُ النحاة: قوله: ((عن النبأ العظيم)) متعلِّقٌ
بـ ((يتساءلون)) الظاهرِ، كأنَّه قال: لِمَ يتساءلون عن النبأ)»؟ وقوله: ((عَمَّ)) هو
استفهامُ تفخيمٍ وتعظيمِ.
آ. (٣) قوله: ﴿الذي هم مُخْتلفون﴾: ((مُخْتلفون)) خبرُ
((هم) والجارُّ متعلِّقٌ به. والموصولُ يحتملُ الحركاتِ الثلاثَ إتباعاً وقَطْعاً
رفعاً ونصباً .
(١) الكشاف ٠٢٠٦/٤.
(٢) الآية ١٢ من المرسلات.
(٣) المحرر ٢٠٧/١٦.
٦٤٨

- النبأ -
آ. (٤) قوله: ﴿كلَّ سَيَعْلَمون، ثم كلا سيعلمون﴾:
التكرارُ للتوكيد. وقد زَعَمَ الشيخُ جمالُ الدين ابنُ مالك(١) أنَّه مِنْ بابِ
التوكيدِ اللفظيُّ. ولا يَضُرُّ توسُّطُ حرفِ العطفِ. والنَّحْوِيُّون يَأَبَوْن هذا.
ولا يُسَقُّونه إلَّ عَطْفاً، وإنْ أفادَ التأكيدَ. والعامَّةُ على الغَيْبة في الفعلَيْن.
والحسنُ(٢) وابنُ دينار وابن عامر(٣) بخلافٍ عنه بتاءِ الخطاب فيهما.
والضحاك: الأولُ كالحسن، والثاني كالعامَّةِ. والغَيْبَةُ والخطابُ واضحان.
آ. (٦) قوله: ﴿مِهاداً﴾: مفعولٌ ثانٍ لأنَّ الجَعْلَ بمعنىُ
التصييرٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى الخَلْقِ، فيكونَ ((مِهادا)» حالاً مقدرة،
و((أوتاداً) كذلك ولا بُدَّ مِنْ تأويلِها بمشتق أيضاً، أي: مُثَّاتٍ. وأمَّا
((سُباتاً)) فالظاهر كونُه مفعولاً ثانياً. و ((لباساً)) فيه استعارةٌ حسنةٌ وعليه
قولُه(٤):
٤٤٦٥ _ وكم لِظَلامِ الليلِ عندك مِنْ يدٍ
تُخَبِرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وقرأ العامَّةُ ((مِهاداً))، ومجاهد(٥) وعيسى وبعضُ الكوفيين ((مَهْداً»
(١) شرح التسهيل ٣٠٥/٣.
(٢) السبعة ٦٦٨، والبحر ٤١١/٨، والمحرر ٢٠٧/١٦.
(٣) ابن ذكوان عنه بالتاء، وهشام عنه بالياء.
(٤) البيت للمتنبي. وهو في ديوانه ١٧٨/١، والكشاف ٢٠٧/٤، وتزعم المانوية
أن الخير منسوب إلى النور والشر إلى الظلام، فكذَّبهم أبو الطيب بأن نعمته
حَصَلَتْ من الظلام، وبَّين تلك النعمة بقوله:
وزارك فيه ذو الدلال المحجَّبِ
وقاك رَدَى الأعداءِ تَسْري إليهم
(٥) القرطبي ١٧/١٩، والبحر ٤١١/٨، والمحرر ٢٠٧/١٦.
٦٤٩

- النبأ -
وقد تقدَّم هاتان القراءاتان في سورة طه (١)، وأنَّ الكوفيين قَرؤوا ((مَهْداً))
في طه والزخرف(٢) فقط. وتقدَّم الفرقُ بينهما ثَمَّةً.
آ. (١٣) قوله: ﴿وَهَّاجاً﴾: الوَهَّاجُ: المُضِيءُ المُتلألىءُ، مِنْ
قولِهِم: وَهَجَ الجَوْهَرُ، أي: تلألأ. ويُقال: وَهِجَ يَوْهَجُ كَوَجِلَ يَوْجَلُ،
ووَهَجَ يَهِجُ كَوَعَدَ يَعِدُ.
آ. (١٤) قوله: ﴿مِنَ المُعْصِرات﴾: يجوزُ في ((مِنْ)) أَنْ
تكونَ على بابِها مِن ابتداءِ الغايةِ، وأَنْ تكونَ للسببية. ويَدُلُّ قراءةٌ (٣)
عبدِ الله بنِ يزيد وعكرمة وقتادة ((بالمُعْصِرات)) بالباءِ بدلَ ((مِنْ)) وهذا على:
خلافٍ في ((المُعْصِرات)) ما المرادُ بها؟ فقيل: السحاب. يقال: أَعْصَرَتْ.
السَّحائِبُ(٤)، أي: شارَفَتْ أَنْ تُعْصِرَها الرياحُ فتُمْطِرَ كقولك: ((أُجَزَّ
الزرعُ)) إذا حان له أن يُجَزَّ. ومنه ((أَعْصَرَتِ الجارِيَةُ)) إذا حان لها أَنْ
تحيضَ. قاله الزمخشريُّ . وأنشد ابنُ قتيبة (٥) لأبي النجم(٦):
٤٤٦٦- تَمْشِي الهُوَيْنَى ساقِطاً خِمارُها
قد أَعْصَرَتْ أو قَدْ دَنَا إِعْصارُها
(١) الآية ٥٣.
(٢) الآية ١٠.
(٣) القرطبي ١٧٤/١٩، المحتسب ٣٤٧/٢، البحر ٤١١/٨.
(٤) الأصل ((السحاب)). والمؤلف ينقل عن الكشاف ٢٠٧/٤، والتصحيح منه.
(٥) لم يرد في تفسير الغريب وتأويل المشكل.
(٦) البيت لمنصور بن مرثد الأسدي. وهو في اللسان ((عصر))، وليس في ديوان
أبي النجم. وفي الأصل ((بلا)) بدلاً من ((ساقطاً)) والتصحيح من اللبسان وفي
رواية ((مائلاً)).
٦٥٠

- النبأ -
قلت: ولولا تأويلُ ((أَعْصَرَتْ)» بذلك لكان ينبغي أنْ تكونَ
المُعْصَرات بفتح الصادِ اسمَ مفعول؛ لأنَّ الرياحَ تُعْصِرُها.
وقال الزمخشري(١): ((وقرأ عكرمةُ ((بالمُعْصِرات)). وفيه وجهان: أَنْ
يُراد الرياحُ التي حانَ لها أَنْ تُعْصِرَ السحابَ، وأَنْ يُرادَ السحائبُ؛ لأنَّه
إذا كان الإِنزالُ منها فهو بها/ كما تقول: أَعْطى مِنْ يدِه درهماً، وأَعْطى [٨٩٩/ب]
بيدِهِ. وعن مجاهد: المُعْصِرات: الرياحُ ذواتُ الأعاصيرِ. وعن الحسن
وقتادة: هي السمواتُ. وتأويلُه: أنَّ الماءَ يَنْزِلَ من السماءِ إلى السحاب
فكأنَّ السمواتِ يَعْصِرْنَ، أي: يَحْمِلْنَ على العَصْرِ ويُمَكِّنَّ منه. فإنْ قلتَ:
فما وَجْهُ مَنْ قرأ ((من المُعْصِرات)) وفسَّرها بالرياح ذواتِ الأعاصيرِ،
والمطرُ لا يَنْزِلُ من الرياح؟ قلت: الرياحُ هي التي تُنْشِىءُ السحابَ وتَدِرُّ
أخلافَهِ (٢)، فيَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ مَبْداً للإنزال. وقد جاء: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الرياحَ
فتحملُ الماءَ من السماء، فإنْ صَحَّ ذلك فالإِنْزالُ منها ظاهرٌ. فإن قلت:
ذكر ابن كَيْسانَ: أنه جَعَلَ المُعْصِرات بمعنى المُغِيثات، والعاصِرُ هو
المُغيث لا المُعْصِر. يقال: عَصَرَهُ فاعْتَصَرَ. قلت: وَجْهُه أَنْ يُرادَ: اللاتي
أَعْصَرْن، أي: حان لها أَنْ تُعْصِرَ، أي: تُغيث)). قلت: يعني أنَّ (عَصَرَ))
بمعنى الإِغاثةِ ثلاثيٌّ، فكيف قيل هنا: مُعْصِرات بهذا المعنى، وهو من
الرُّباعي؟ فأجاب عنه بما تقدَّم، يعني أنَّ الهمزةَ بمعنىُ الدُّخولِ في
الشيء.
قوله: (ثَجَّاجا)) الثَّتُّ: الانصِبابُ بكثرةٍ وشِدَّةٍ. وفي الحديث(٣):
(١) الكشاف ٢٠٧/٤.
(٢) الخِلْف: ضرع الناقة، الجمع أخلاف.
(٣) رواه ابن ماجة في كتاب المناسك ٦.
٦٥١

- النبأ -
(أَحَبُّ العملِ إلى اللَّهِ العَجُّ والفَّجُ)). فالعَجُّ: رَفْعُ الصوتِ بالتلبيةِ، والشَّجُّ:
إراقةُ دماءِ الْهَذْي. يقال: ثَجَّ الماءُ بنفسِه، أي: انصَبَّ وثَجَجْتُه أنا، أي:
صَبَيْتُه ثَجّاً وتُجوَجاً، فيكونُ لازماً ومتعدياً. وقال الشاعر(١):
٤٤٦٧- إذا رَجَفَتْ فيها رَحَىّ مُرْجَحِنَّةٌ
تَبَعَّجَّ ثَجَاجاً غَزِيرَ الحوافِلِ.
وقرأ(٢) الأعرج ((نجَّاحاً)) بالحاءِ المهملةِ أخيراً. وقال
الزمخشري(٣): ((ومَتاجِحُ الماءِ مَصابُّه، والماءُ يَنْشَجِحُ في الوادي».
آ. (١٦) قوله: ﴿أَلْفافاً﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه لا واحدَ
له. قال الزمخشري(٤): ((ألفافاً: ملتقَّةٌ لا واحدَ له كالأوْزَاع
والأَخْيافِ))(٥). والثاني: أنه جمعُ ((لِفّ)) بكسرِ اللام، فيكونُ نحو: سِزّ
وأسرار. وأنشد أبو علي الطوسي(٦):
٤٤٦٨- جَنَّةٌ لِفِّ وعَيْشٌ مُغْدِقُ
ونَدامىُ كلُّهم بِنْضِ زُهُرْ:
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللغة. الثالث: أنه جمعُ لفيف، قاله الكسائي.
(١) البيت للنابغة، وهو في ديوانة ٦٦، واللسان ((رجحن)). ومرجحنة: ثقيلة كثيفة
الغيم. وتبعَّج: تشقق. الحوافل: السحاب الكثير الماء. ورحى الغيث: معظمه.
ورجفت: اضطربت. والشاعر يصف الغيث.
(٢) الشواذ ١٦٧، والبحر ٤١٢/٨ .
(٣) الكشاف ١٢٠٨/٤
(٤) الكشاف ٤/ ٢٠٨.
(٥) الأخياف من الناس: الضروب المختلفة الأخلاق والأشكال. وكذلك الأوزاع.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ٢٠٨/٤، والبحر ٤١٢/٨.
٦٥٢

- النبا -
ومثلُه: شريف وأَشْراف، وشهيد وأشهاد. وقال الشاعر(١):
٤٤٦٩- أحابِيْشُ أَلْفافٌ تبايَنَ فَرْعُهُمْ
وجِذْمُهُمُ عن نسبةِ المتعرّفِ
الرابع: أنه جمعُ الجمع؛ وذلك أنَّ الأصلَ («ألَفُّ)) في المذكر،
و ((لَقَّاءُ)» في المؤنث كَأْحمر وحَمراء، ثم جُمِعا على لُفّ كحُمْر، ثم جُمِع
لُفّ على أَلْفاف، إذا صار لُفِّ بزنة قُفْلٍ فَجُمِع جَمْعَه، قاله ابن قتيبة(٢).
إلا أن الزمخشري(٣)، قال: ((وما أظنُّه واجداً له نظيراً(٤) مِن نحو: خُضْر
وأَخْضار، وحُمْر وأَحْمار)». قلت كأنّه يَسْتَبْعِدُ هذا القولَ من حيث إن
نَظَائِرَه لا تُجْمَعُ على أَفْعال؛ إذ لا يُقال: خُضْر وأخْضار، ولا حُمْر
وأَحْمار، وإن كانا جمعَيْنِ لَأَخْضَر وخَضْراء، وأَخْمر وحَمْراء. وهذا غيرُ
لازمٍ؛ لأنَّ جمعَ الجمع لا يَنْقَاسُ، ويكفي أَنْ يكونَ له نظيرٌ في المفردات
كما رأيتَ مِنْ أنَّ لُفّاً صارَ يضارِعُ قُفْلاً؛ ولهذا امتنعوا مِنْ تكسيرِ مَفاعل
ومَفاعيل لعدم نظيرٍ في المفرداتِ يُحْمَلان عليه. الخامس: قال
الزمخشري(٥): ((ولو قيل: هو جمعُ مُلْتَفَّة بتقدير حَذْفِ الزوائد لكان قولاً
وجيهاً». قلت: وفيه تكلُّفُ لا حاجةَ إليه، وأيضاً فغالبُ عباراتِ النحاة
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في المحرر ٢٠٩/١٦، وفيه ((المتقرب)) بدلاً من
المتعرف».
(٢) تفسير غريب القرآن ٥٠٩.
(٣) الكشاف ٢٠٨/٤.
(٤) الأصل («نظير)) وهو سهو.
(٥) الكشاف ٢٠٨/٤.
٦٥٣

- النبأ -
في حَذْف الزوائد إنما هو في التصغير. تقول: تصغيرُ الترخيم بحذفٍ
الزوائد، وفي المصادر يقولون: هذا المصدرُ على حَذْفِ الزوائد(١).
آ. (١٨) قوله: ﴿يومَ يُنْفَخُ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «يومَ
الفَصْل)) أو عطفَ بيانٍ له، أو منصوباً بإضمار ((أعني)) و((أفْواجاً)) حالٌ مِنْ
فاعل (تَأْتون)). وتقدَّمَ ((فُراتا))(٢). و ((فُتِحَتْ))(٣) بالتخفيف والتشديد في
الزُّمَر.
آ. (٢٢) قوله: ﴿الطَّاغين﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً لِمْرصاداً،
وأنْ يكونَ حالاً مِنْ «مآبا)» كان صفتَه فلَّما تقدَّم نُصِب على الحال. وعلى
هذَيْن الوجهَيْنِ فِيتعلَّقِ بمحذوفٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ متعلقاً بنفس
(مِرْصاداً) أو بنفس ((مآباً)) لأنه بمعنىُ مَرْجِع. وقرأ(٤) ابن يَعمر وأبو عمرو
المنقري ((أنَّ جهنَمَ)) بفتح ((أنَّ)). قال الزمخشري(٥): ((على تعليل قيامٍ
السّاعةِ بأنَّ جهنمَ كانت مِرْصاداً للطاغين، كأنه قيل: كان ذلك لإقامةِ
الجزاءِ)). قلت: يعني أنَّه علةٌ لقولِه ((يومَ يُنْفَخُ)) إلى آخره.
وقرأ(٦) أبو عياض ((في الصُّوَر))(٧) بفتح الواو. وتقدَّمَ مثلُه.
(١) نحو: حُمَيْد في تصغير أحمد، ونبات مصدر أنبت.
(٢) انظر إعرابه للّآية ٥٣ من الفرقان.
(٣) الآية ٧١.
(٤) الشواذ ١٦٧، والبخر ٤١٣/٨.
(٥) الكشاف ٢٠٩/٤.
(٦) البحر ٤١٢/٨. وأبو عياض لعله عمرو بن الأسود الحمضي، حَدَّثَ عن عمر
وابن مسعود، وعنه مجاهد. توفي في خلافة عبد الملك. انظر: سير الأعلام
٤ /٧٩.
(٧) عاد إلى الآية ١٨.
٦٥٤

- النبأ -
/ آ. (٢٣) قوله: ﴿لا بِثِيْنَ﴾: منصوبٌ على الحالِ من [٩٠٠/أ]
الضميرِ المستترِ في (للطّاغِين)) وهي حالٌ مقدرةٌ. وقرأً(١) حمزةُ (لَيِثِيْنَ))
دونَ ألفٍ، والباقون ((لا بِثين)) بها. وضَعَّفَ مكيّ(٢) قراءةَ حمزةَ، قال:
(ومَنْ قرأ ((لِثين))، شَبَّهه بما هو خِلْقَةٌ في الإِنسان نحو: حَذِر وفَرِق،
وهو بعيدٌ؛ لأنَّ اللُّبْثَ ليس مِمَّا يكونُ خِلْقَةً في الإِنسان، وبابُ فَعِل إنما
هو لِما يكونُ خِلْقَةً في الإِنسانِ، وليس اللُّبْثُ بِخِلْقَةٍ)). وَرَجَّح
الزمخشريُّ(٣) قراءةَ حمزةَ فقال: ((قُرِىءَ: لا بِثين ولَبِئِين. والَِّثُ أَقْوى؛
لأنَّ اللابِثَ يُقَال لِمَنْ وجِدَ منه الُلُبْثُ، ولا يُقال: لِبثٌ إلَّ لمَنْ شأنُه
اُلِبْثُ كالذي يَجْثُمُ بالمكانِ، لا يكاد يَنْفَكُّ منه)». قلت: وما قاله
الزمخشريُّ أَصْوَبُ. وأمَّا قولُ مكيّ: الُلِبْثُ ليس خِلْقَةً فمُسَلَّمٌ؛ لكنه بُوْلِغَ
في ذلك فجُعِلَ بمنزلةِ الأشياءِ الخِلْقِيَّة .
قوله: ((أَحْقاباً)) منصوبٌ على الظرفِ، وناصبهُ ((لا بثين))، هذا هو
المشهورُ. وقيل: هو منصوبٌ بقولِه ((لا يَذُوقون)) وهذا عند مَنْ يرى
تقديمَ معمولِ ما بعد ((لا)) عليها، وهو أحدُ الأوجه، وقد تقدَّم هذا
مستوفىّ في أواخر الفاتحة (٤). وجَوَّز الزمخشريُّ (٥) أَنْ ينتصِبَ على
الحالِ، قال: ((وفيه وجهٌ آخر: وهو أَنْ يكونَ مِنْ حَقِبَ عامُنا: إذا قَلَّ
(١) السبعة ٦٦٨، والتيسير ٢١٩، والنشر ٣٩٧/٢، والحجة ٧٤٥، والبحر
٤١٣/٨، القرطبي ١٧٨/١٩.
(٢) إعراب المشكل ٤٥١/٢.
(٣) الكشاف ٢٠٩/٤.
(٤) انظر: الدر المصون ٧٤/١.
(٥) الكشاف ٤/ ٢٠٩.
٦٥٥

- النبأ -
مطرُهُ وخيرُه، وحَقِبَ فلانٌ: إذا أَخْطَأَهُ الرِّزْقُ فهوِ حَقِبٌ، وجمعهُ
أَحْقاب، فينتصِبُ حالاً عنهم بمعنى: لا بثين فيها حَقِبین جَحِدین)». وقد
تقدَّم الكلامُ على ((الحُقُب))، وما قيل فيه في سورة الكهف(١).
آ. (٢٤) قوله: ﴿لا يَذُوْقُون﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه
مستأنفٌ أخبر عنهم بذلك. الثاني: أنه حالٌ من الضمير في ((لابثین))،
أي: لابِثِينَ غيرَ ذائقين، فهي حالٌ متداخلةٌ. الثالث: أنه صفةٌ لَأَحْقاب.
قال مكي (٢): ((واحتمل الضميرَ لأنه فِعْلٌ، فلم يجب إظهارُه، وإن كان قد.
جَرَى صفةٌ على غيرِ مَنْ هُوَ له، وإنما جاز أَنْ يكونَ نعتاً لـ((أحقاب»
لأجْل الضميرِ العائدِ على الأَحْقاب في ((فيها)) ولو كان في موضع
(يَذُوقون)) اسمُ فاعلٍ لكان لا بُدَّ مِنْ إظهارِ الضميرِ إذا جَعَلْتَه وصفاً
الأحْقاب)). الرابع: أنه تفسيرٌ لقولِه («أحقاباً) إذا جَعَلْتَه منصوباً على الحالِ
بالتأويلِ الذي تقدَّم ذِكْرُه عن الزمخشريِّ(٣) فإنه قال: ((وقولُه: لا يذوقون
فيها بَرْداً ولا شَراباً تفسيرٌ له. الخامس: أنه حالٌ أخرىُ مِنْ ((لِلطَّاغين))
كـ ((لا بثين)»
آ. (٢٥) قوله: ﴿إِلَّ جَمِيماً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ استثناءً
متصلاً من قولِه (شَراباً)) وهذا واضِحٌ. والثاني: أنَّه منقطعٌ. قال
الزمخشري (٤): ((يعني لا يذُوقون فيها بَرْداً ولا رَوْحاً يُنَفُس عنهم حَرَّ
النّارِ، ولا شَراباً يُسَكِّن مِنْ عَطَشِهم، ولكنْ يَذُوقون فيها حميماً وغَسَّاقاً».
(١) انظر: الدر المصون ٥١٩/٧.
(٢) إعراب المشكل ٤ /٤٥١.
(٣) الكشاف ٢٠٩/٤.
(٤) الكشاف ٢٠٩/٤.
٦٥٦

- النبأ -
قلت: ومكيٍّ لَمَّا جَعَله منقطعاً جعل البَرْدَ عبارةً عن النوم، قال(١): ((فإن
جَعَلْتَه النومَ كان «حميماً» استثناءً ليس من الأول)». وإنما الذي حَمَلَ
الزمخشريُّ على الانقطاع مع صِدْقِ اسم الشرابِ على الحميمِ والغَسَّاقِ
وَصْفُه له بقولِهِ ((ولا شَراباً يُسَكِّنُ مِنْ عَطَشِهِمْ)) فبهذا القَيْدِ صار الحميمُ
ليس من جنس هذا الشرابِ. وإطلاقُ البَرْدِ على النوم لغةُ هُذَيْلٍ.
وأنشد (٢) :
٤٤٧٠ - فإن شِئْتٍ حَرَّمْتُ النِّساءَ سواكمُ
وإِنْ شِئْتٍ لم أَطْعَمْ نُفَاخاً ولا بَرْدا
وفي كلام بعضٍ الأعراب ((مَنَعَ الْبَرْدُ البَرْدَ)) قيل: وسُمِّي بذلك لأنه
يقطعُ سَوْرةَ العَطشِ. والذَّوْقُ على هذين القولين - أعني كونَه رَوْحاً
يُنَفِّسُ عنهم الحَرَّ، وكونَه النومَ - مجازٌ. وأمَّا على قولٍ مَنْ جعله اسماً
للشرابِ الباردِ المُسْتَلَّذُّ، ويُعْزَى لابنِ عباس، وأنشد قولَ حَسَّانَ رضي الله
عنه (٣):
٤٤٧١- يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عليهِمُ
بَرْداً يُصَفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقول الآخر (٤):
٤٤٧٢- أَمَانِيُّ مِنْ سُعْدَى حِسانٌ كأنَّما
سَقَتكَ بها سُعْدى على ظَمَأْ بَرْدا
(١) إعراب المشكل ٤٥١/٢.
(٢) تقدم برقم ١٠٢٤. وانظر: لغات القبائل لأبي عبيد ٣٠٨.
(٣) تقدم برقم ٣٤٩١، وئمة رواية ثانية ((بَرَدى)).
(٤) البيت لابن ميادة وهو في ديوانه ٢٤٥، والمحرر ٢١٢/١٦، والبحر ٤١٤/٨.
٦٥٧

- النبأ-
فالذَّوْقُ حقيقةٌ، إلاّ أنه يَصیر فیه تكرارٌ بقولِه بعد ذلك:
((ولا شراباً».
الثالث: أنه بدلٌ مِنْ قولِه ((ولا شرابً»، وهو الأحسنُ لأنَّ الكلامَ
غيرُ موجَبٍ. وتقدَّم خلافُ القُراء في ((غَشَّاقا))(١) تخفيفاً وتثقيلاً، والكلامُ
عليه وعلى حميم (٢).
[٩٠٠/ ب]
آ. (٢٦) قوله: ﴿جزاءً﴾: منصوبٌ على المصدر/ وعاملُه:
إمَّا قولُه ((لا يذوقون)) إلى آخرِه: لأنَّه في قوةٍ: جُوزوا بذلك، وإمَّا
محذوفٌ. ووٍفاقاً نعتٌ له على المبالغةِ، أو على حَذْفِ مضافٍ، أي:
ذا موافقة. وقرأ أبو خيوة(٣) وابنُ أبي عبلة بتشديد الفاء مِنْ وقَّقه لكذا ..
آ. (٢٨) قوله: ﴿كِذَّاباً﴾: قرأ العامَّةُ كِذَّاباً بتشديدِ الذَّالِ.
وكان مِنْ حَقِّ مصدرٍ فَعَّل أَنْ يأتيَ على التفعيل نحو: صَرَّف تَصْرِيفاً. قال
الزمخشري(٤): ((وفِعَّال في باب فَثَّلَ كلِّهِ فاشٍ في كلامِ فصحاءَ مِنْ
العرب، لا يقولون غيرَه. وسَمِعَني بعضُهم أُفَسِّرُ آية، فقال: ((لقد فَسَّرْتَها
فِسَّاراً ما سُمِعَ بمثِلهِ)). قال غيرُهُ(٥): وهي لغةُ بعضِ العرب يمانيةٌ،
وأنشد (٦) :
(١) انظر إعرابه للآية ٥٧ من ص.
(٢) وردت في الآية ٧٠ من الأنعام و ٤ من يونس، ولم يتحدث عنها في الدر
المصون .
(٣) البحر ٤١٤/٨.
(٤) الكشاف ٢٠٩/٤.
(٥) وهو قول ابن عطية في المحرر ٢١٣/١٦.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني الفراء ٢٢٩/٣، واللسان ((قضي))، والبحر
٤١٤/٨، والمحرر ٢١٤/١٦.
٦٥٨
٠٠

- النبأ -
٤٤٧٣- لقد طالَ ما نَبَّطْتَني عن صحابتي
وعن حاجةٍ قِضَّاؤُها مِنْ شِفائِيا
يريد: تَقَضِّيْها. والأصلُ على التَّفْعيل، وإنَّما هو مثلُ: زَتَّى تَزْكِية.
وسُمِع(١) بعضُهم يَسْتَقْتِي فِي حَجِّه، فقال: (الحَلْقُ أحَبُّ إليك أم القِصَّار))
يريد التقصير.
وقرأ (٢) علي رضي الله عنه والأعمش وأبو رجاء وعيسى البصرة
بالتخفيف، وهو مصدرٌ: إمَّا لهذا الفعل الظاهرِ على حَذْفِ الزوائِد، وإمّا
لفعلٍ مقدَّرِ كـ ((أَنْبَتَكُم من الأرضِ نَبَاتاً))(٣). قال الزمخشري(٤): وهو مثلُ
قولِه: «أَنْبَتكم من الأرضِ نَباتاً) يعني: وكَذَّبوا بآياتِنا فكَذَبوا كذاباً،
أو تَنْصِبُهُ بـ ((كَذَّبوا))؛ لأَنَّه يتضمَّنُ معنى كَذَبوا؛ لأنَّ كلَّ مُكَذِّبٍ بالحقِ
كاذبٌ، وإنْ جَعَلْتَه بمعنى المكاذَبَةِ فمعناه: وكذَّبوا بآياتِنا فكاذَبوا مُكاذَبَةً،
أو كَذَّبوا بها مُكاذِبين؛ لأنَّهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان
المسلمون عندهم كاذبين، فَبَينهم مكاذَّبَةٌ، أو لأنهم يتكلَّمون بما هو
إفراطٌ في الكذبِ، فِعْلَ مَنْ يغالِبُ في أمرٍ فِيَبْلُغُ فيه أقصىُ جُهْدِه)) ، وقال
أبو الفضل: ((وذلك لغةٌ لليمنِ، وذلك بأَنْ يَجعلوا مصدرَ ((كَذَب)) مخففاً
(كذاباً) بالتخفيف، مثل: كَتَبَ كِتاباً، فصار المصدرُ هنا مِنْ معنى الفِعْلِ
دونَ لفظِه مثلَ: أَعْطَيْتِه عَطاءً. قلت: أَمَّا كَذَبَ كِذاباً بالتخفيف فيهما
(١) انظر الرواية في معاني القرآن للفراء ٢٢٩/٣.
(٢) المحتسب ٣٤٨/٢، والبحر ٤١٤/٨، والقرطبي ١٨١/١٩.
(٣) الآية ١٧ من نوح.
(٤) الكشاف ٢٠٩/٤.
٦٥٩

- النبأ -
فمشهورٌ، ومنه قولُ الأعشئ(١) :.
٤٤٧٤- فَصَدَقْتُهَا وَكَذَبْتُها
والمَرْءُ يَنْفَعُه كِذابُه
وقرأ عمر بن عبد العزيز والماجشون ((كُذَّاباً) بضمِّ الكاف وشدٌ
الذال، وفيها وجهان، أحدُها: أنه جمع كاذِب نحر: ضُرَّاب في ضارب.
وانتصابُه على هذا على الحالِ المؤكِّدة، أي: وكَذَّبوا في حالِ كونِهم
كاذبين. والثاني: أنَّ الكُذَّاب بمعنى الواحدِ البليغ في الكذب. يقال:
رجلٌ كُذَّب كقولِك: ((حُسَّان)) فيُجْعَلُ وصفاً لمصدر كَذَّبوا، أي: تَكْذيباً
كُذَّاباً مُفْرِطاً كَذِبُه، قالهما الزمخشري(٢).
آ. (٢٩) قوله: ﴿وكلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ﴾: العامَّةُ على
النصبِ على الاشتغال، وهذا الراجحُ لتقدُّم جملةٍ فعليةٍ. وقرأ (٣)
أبو السَّمَّال برفعِه على الابتداء وما بعدَه الخبرُ. وَهذه الجملةُ مُعْتَرَضٌ بها
بين السبب والمُسَبَّب؛ لأنَّ الأصل: وكَذَّبوا بآياتنا كِذَّاباً فذوقوا. فقوله
(فذوقوا)) مُتَسَبِّبٌ عن تكذیبھم.
قوله: ((كتاباً» فيه أوجةً، أحدُها: أنه مصدرٌ مِنْ معنى «أَحْصَيْنا»،
أي: إحصاءً. فالتجوُّزُ في نفس المصدرِ. الثاني: أنَّه مصدرٌ لـ ((أَحْصَیْنَا))
لأنَّه في معنى (كَتَبْنا) فالتجوُّزُ في نفسِ الفعلِ. قال الزمخشري(٤):
(١) ليس في ديوانه، وهو في مجاز القرآن ٢٨٣/٢، والكشاف ٢٠٩/٤، والمحرر
٢١٤/١٦، واللسان ((صدق))، والقرطبي ١٨٤/١٩.
(٢) الكشاف ٢٠٩/٤.
(٣) القرطبي ١٨٢/١٩، والبحر ٤١٥/٨.
(٤) الكشاف ٤/ ٢١٠.
٦٦٠