Indexed OCR Text
Pages 561-580
سورة القيامة بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿لا أُقْسِمُ﴾: العامَّةُ على ((لا)) النافيةِ. واختلفوا حينئذٍ فيها على أوجهٍ، أحدُها: أنها نافيةٌ لكلام متقدِّم، كأنَّ الكفارَ ذَكروا شيئاً. فقيل لهم: لا، ثم ابتدأ اللَّهُ تعالى قَسَماً. الثاني: أنها مزيدةٌ. قال الزمخشري (١): ((وقالوا إنها مزيدةٌ، مِثْلُها في: ((لئلّ يعلمَ أهلُ الكتابِ))(٢) وفي قوله(٣): ٤٤٠٢- في بِشْرٍ لاحُورٍ سَرَى وما شَعَرْ واعترضوا عليه: بأنها إنما تُزاد في وسط الكلام لا في أولِه. وأجابوا: بأنَّ القرآنَ في حُكْمِ سورةٍ واحدةٍ متصلٍ بعضُه ببعضٍ. والاعتراضُ صحيحٌ؛ لأنها لم تقَعْ مزيدةً إلَّ في وسط الكلامِ، لكن الجوابَ غيرُ سديدٍ. ألا ترى إلى امرىء القيس كيف زادَها في مستهلٌ قصيدتِه؟ قلت: يعني قولَه(٤): (١) الكشاف ١٨٩/٤. (٢) الآية ٢٩ من الحديد. (٣) البيت للعجاج وهو في ديوانه ٢٠، ومعاني القرآن للفراء ٨/١، وابن يعيش ١٣٦/٨، والخزانة ٩٥/٢، والخصائص ٤٧٧/٢. والحور: النقص. (٤) ديوانه ١٥٤ وتمامه: ٥٦١ = القيامة - ٤٤٠٣- لا وأبيكِ ابنةَ العـامريّ ي . . كما سيأتي، وهذا الوجهُ والاعتراضُ عليه والجوابُ نقله مكي(١) وغيرُه. الوجه الثالث: قال الزمخشري(٢): ((إدخالُ)) ((لا)) النافية على فعلِ القسم مستفيضٌ في كلامِهم وأشعارِهم. قال امرؤ القيس: - لا وأبيك ابنةً العامرِيْ يٍ لا يَدَّعِي القومُ أَنِّي أفِرْ وقال غُوَيَّةُ بن سُلْميٌ (٣) : ٤٤٠٤- ألا نادَتْ أُمَامةُ باحتمالِ لِتَحْزُنَنِي فلابِك ما أُبالي وفائدتُها توكيدُ القسم)) ثم قال - بعد أَنْ حكى وجهَ الزيادةِ والاعتراضَ والجوابَ كما تقدَّمَ -: ((والوَجْهُ أَنْ يُقال: هي للنفي، والمعنى في ذلك: أنه لا يُقْسِمُ بالشيءٍ إلَّ إعظاماً له يَدُلُّكَ عليه قولُه تعالى: ((فلا أُقْسِم بمواقع النجوم، وإنَّه لَقَسَمٌ لو تعلمون عظيمٌ))(٤) فكأنه بإدخالِ حرفِ النفي يقول: إنَّ إعظامي له بإقسامي به كلا إعظامٍ، يعني أنه يَسْتَأْهِلُ فوق ذلك. وقيل: إنَّ ((لا)) نفيٌ لكلام وَرَدَ قبل ذلك)) انتهى. لا يدَّعي القومُ أني أفِرْ وحذف حركةً من التفعيلة الأولى، ورواية المغني ٣٢٩ ((فلا)). (١) إعراب المشكل ٤٢٨/٢. (٢) الكشاف ١٨٩/٤. (٣) البيت في الحماسة ٤٩٧/١، ورصف المباني ١٤٦، والخصائص ١٩/٢، واللسان طلل، وابن يعيش ١٠١/٩، والاحتمال: الارتحال. (٤) الآيتان ٧٥ - ٧٦ من الواقعة. ٥٦٢ - القيامة - فقولُه: ((والوجهُ أَنْ يُقال)) إلى قوله: ((يعني أنه يستأهِلُ فوق ذلك)) تقريرٌ لقولِه: ((إدخالُ ((لا)) النافيةِ على فعلِ / القسم مستفيضٌ)) إلى آخره. [٨٨٧/أ] وحاصلُ كلامِهِ يَرْجِعُ إلى أَنَّها نافيةٌ، وأنَّ النفيَ مُتَسَلِّطٌ على فعل القسم بالمعنى الذي شَرَحَه، وليس فيه مَنْعٌ لفظاً ولا معنىّ ثم قال: فإن قلتَ: قولُه تعالى: ((فلا وربِّك لا يُؤْمنون))(١) والأبياتُ التي أَنْشَدْتُها المُفْسَمُ عليه فيها منفيٍّ، فهلا زَعَمْتَ أنَّ ((لا)) التي قبلَ القسمِ زِيْدَتْ موطنةً للنفىِ بعدَه ومؤكِّدةً له، وقَدَّرْتَ المقسم عليه المحذوفَ ههنا منفيَّاً، كقولك: لا أُقْسم بيوم القيامةِ لا تُتركون سُدى؟ قلت: لو قَصَروا الأمرَ على النفي دونَ الإِثباتِ لكان لهذا القول مَسائغٌ، ولكنه لم يُقْصَرْ. ألا ترى كيف لُّقِيَّ (لا أُقْسم بهذا البلدِ))(٢) بقولِه: ((لقد خَلَقْنَا الإِنسانَ)) وكذلك قولُه: ((فلا أُقْسِمُ بمواقع النجوم)» (٣) بقوله: ((إِنَّه لَقرآنٌ كريمٌ)) وهذا من محاسنِ كلامِهِ فتأمَّلْه. وقدَ تقدَّم الكلامُ على هذا النحوِ في سورة النساءِ(٤)، وفي آخر الواقعة(٥)، ولكنْ هنا مزيدُ هذه الفوائدِ. وقرأ(٦) قنبل والبزي بخلافٍ عنه («لَأُقْسِمُ بيوم)» بلامٍ بعدَها همزةٌ دونَ ألفٍ. وفيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها جوابٌ لقسم مقدرٍ، تقديرُه: واللَّهِ لَأُقْسِمُ، والفعلُ للحالِ؛ فلذلك لم تَأْتِ نونُ التوكيدِ، وهذا مذهبُ (١) الآية ٦٥ من النساء. (٢) الآية ١ من البلد. (٣) الآية ٧٥ من الواقعة. (٤) انظر: الدر المصون ١٩/٤. (٥) انظر إعرابه للآية ٧٥. (٦) السبعة ٦٦١، والنشر ٢٨٢/٢، والحجة ٧٣٥، والقرطبي ٩٢/١٩، والبحر ٣٨٤/٨، والتيسير ٢١٦. ٥٦٣ ب القيامة - الكوفيين. وأمَّا البصريُّون فلا يُجيزون أَنْ يقعَ فعلُ الحالِ جواباً للقسم، فإِنْ وَرَدَ ما ظاهرُه ذلك جُعل الفعل خبراً لمبتدأ مضمرٍ، فيعودُ الجوابُ جملةٌ اسميةٌ قُدِّرَ أحدُ جزأَيْها، وهذا عند بعضِهم من ذلك، التقديرُ: واللَّهِ لأنا أُقْسِمُ. الثاني: أنه فعلٌ مستقبلٌ، وإنما لم يُؤْتَ بنونِ التوكيدِ؛ لأنَّ أفعالَ اللَّهِ حقٌّ وصدقٌ فهي غنية عن التأكيدِ بخلاف أفعالِ غيره. على أنَّ سيبويهِ(١) حكى حَذْفَ النونِ إلَّ أَنَّهَ قليلٌ، والكوفيون يُجيزون ذلك مِنْ غير قلةٍ إِذْ مِنْ مذهبهم جوازُ تعاقُبِ اللامِ والنونِ فِمِنْ حَذْفٍ اللامِ قولُ الشاعر (٢): ٤٤٠٥- وقتيلِ مُرَّةَ أَثْأَرَنَّ فإنَّه فَرْغٌ وإنَّ أخاكم لم يُثْأْرِ أي: لَأَثْأَرَنَّ. وَمِنْ حَذْفِ النونِ - وهو نظيرُ الآيةِ - قولُه(٣): ٤٤٠٦- لَئِنْ تَكُ قد ضاقَتْ عليكم بيوتُكُمْ لَيَعْلَمُ ربي أَنَّ بيتيَ واسعُ الثالث: أنها لامُ الابتداءِ، وليسَتْ بلام القسم. قال أبو البقاء(٤): (نحو: وإنَّ ربَّك لَيَجْكُمُ))(٥) والمعروفُ أنَّ لَامَ الابتداءِ لا تَذْخُل عَلى المضارع إلَّ في خبر ((إنَّ) نحو: ((وإنَّ ربَّك لَيحكم)) وهذه الآيةُ نظيرُ الآيةِ التي في يونس ((وَأَدْراكم به))(٦) فإنهما قرآها. بقصر الألف، (١) لم أقف على هذه الحكاية في كتابه وإنما نصوصه تفيد وجوب النون. الكتاب ٤٥٥/١. (٢) تقدم برقم ١٤٨٠. (٣) تقدم برقم ٦٦٣. (٤) الإملاء ٢/ ٢٧٤ . (٥) الآية ١٢٤ من النحل. (٦) الآية ١٦ من يونس. وانظر: الدر المصون ١٦٤/٦. ٥٦٤ - القيامة - والكلامُ فيها قد تقدَّم. ولم يُخْتَلَفْ في قوله: ((ولا أُقْسِم)) أنه بألفٍ بعد ((لا))؛ لأنه لم يُرْسَمْ إلَّ كذا، بخلاف الأولِ فإنه رُسِمَ بدون ألفٍ بعد ((لا))، وكذلك في قوله: ((لا أُقْسِم بهذا البَلَد)» لم يُختَلَفْ فيه أنَّه بألفٍ بعد ((لا)» . وجوابُ القسم محذوفٌ تقديرُه: لتُبْعَثُنَّ، دلَّ عليه قولُه: ((أيحسَبُ الإِنسانُ». وقيل: الجوابُ أَيَحْسَبُ. وقيل: هو ((بلى قادِرين)) ويُرْوَى عن الحسن البصري. وقيل: المعنى على نَفْي القسم، والمعنى: إني لا أُقْسِم على شيء، ولكن أسألُك: أيحسَبُ الإِنسانُ. وهذه الأقوالُ شائَّةٌ مُنْكَرَةٌ لا تَصِحُّ عن قائليها لخروجِها عن لسانِ العرب، وإنما ذكرْتُها للتنبيهِ على ضَعْفها كعادتي. آ. (٣) قوله: ﴿أَنْ لَنْ﴾: هذه هي المخففةُ، وحكمُها معروفٌ ممَّا تقدَّم في المائدةِ وغيرِها. و((لن)) وما في حَيِّرُها في موضع الخبرِ(١)، والفاصلُ هنا حرفُ النفي، وهي وما في حَيِّزها سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْ (حَسِبَ)) أو مفعوله على الخلافِ. والعامَّةُ على ((نجمعُ)) بنونِ العظمة / [٨٨٧/ب] و «عظامَه)) نصبٌ مفعولاً به. وقتادة(٢) ((تُجْمع)) بتاءٍ مِنْ فوقُ مضمومةٍ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ((عظامُه)) رفعٌ لقيامِه مَقامَ الفاعلِ. آ. (٤) قوله: ﴿بلىُ﴾ إيجابٌ لِما بعد النفي المنسَحِب عليه الاستفهامُ. والعامَّة على نصبِ ((قادِرين)). وفيه قولان، أشهرُهما: أنَّه منصوبٌ على الحالِ مِنْ فاعلِ الفعلِ المقدَّرِ المدلولِ عليه بحرفٍ الجواب، أي: بلى نجمعُها قادرين، والثاني: أنه منصوبٌ على خبرٍ (١) أي خبر أن المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن. (٢) البحر ٣٨٥/٨. ٥٦٥ - القيامة - ((كان)) مضمرةً أي: بلى كُنَّا قادرين في الابتداءِ، وهذا ليس بواضح. وقرأ(١) ابن أبي عبلة وابن السَّمَيْفَع ((قادرون)) رفعاً على خبر ابتداءٍ مضمر أي: بلی نحن قادرون. آ. (٥) قوله: ﴿بل يُريد﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ (بلى)) لمجردِ الإضراب الانتقالي مِنْ غيرِ عطفٍ، أَضْرَبَ عن الكلامِ الأولِ وأخذ في آخرَ. والثاني: أنها عاطفةٌ. قال الزمخشريُّ(٢): (بل يريد)) عطفٌ على ((أَيَحْسَبُ)) فيجوز أَنْ يكونَ مثلَه استفهاماً، وأن يكونَ إيجاباً على أَنْ يَضْرِبَ عن مُسْتَفْهَم عنه إلى آخرَ، أو يَضْرِبَ عن مستفهم عنه إلى مُؤْجَبٍ)). قال الشيخ(٣) بعد ما حَكَى عن الزمخشري: ((وهذه التقاديرُ الثلاثةُ متكلفةٌ لا تظهر)). قلت: وليس هنا إلاَّ تقديران. : : ومفعولُ ((يريد)) محذوفٌ يَدُلُّ عليه التعليلُ في قوله: ((لِيَفْجُرَ أمامَه)) والتقدير: يريد شَهَواتِه ومعاصِيَه ليمضيَ فيها أبداً دائماً و ((أمامَه)) منصوبٌ على الظرفِ، وأصلُهُ مكانٌ فاسْتُعير هذا للزمان. والضميرُ في ((أمامَه)) الظاهر عَوْدُه على الإِنسان. وقال ابن عباس: ((يعودُ على يوم القيامة بمعنى: أنه يريد شهواتِه لِيَفْجُرَ في تكذيِه بالبعث بين يَدَيْ يومِ القيامة». آ. (٦) قوله: ﴿يَسْأَلُ﴾: هذه جملةٌ مستأنفةٌ. وقال أبو البقاء (٤): ((تفسيرٌ لِيَفْجُرَ)) فيُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ مستأنفاً مُفَسِّراً، وأَنْ يكونَ (١) البحر ٨/ ٣٨٥، والقرطبي ٩٢/١٩. (٢) الكشاف ٤/ ١٩٠. (٣) البحر ٣٨٥/٨. (٤) الإملاء ٢٧٤/٢. ٥٦٦ - القيامة - بدلاً من الجملةِ قبلَها؛ لأنَّ التفسيرَ يكون بالاستئنافِ وبالبدلِ، إلاَّ أنَّ الثاني منع منه رَفْعُ الفعلِ، ولو كان بدلاً لنُصِبَ. وقد يُقال: إنه أبدلَ الجملةَ من الجملةِ لا خصوصيةَ الفعلِ من الفعلِ وحده. وفيه بحثٌ وتقدَّم نظيرُ هذا في الذاريات وغيرها. ا. (٧) قوله: ﴿بَرِقَ﴾: قرأ١) نافِع ((بَرَقَ)) بفتح الراء، والباقون بالكسرِ فقيل: لغتان في التحيُّرِ والدَّهْشة. وقيل: بَرِقَ بالكسر تَحَيَّرَ فَزِعاً. قال الزمخشري(٢): ((وأصلُه مِنْ بَرِقَ الرجلُ: إذا نَظَر إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُه)). قال غيرُه: كما يقال: أَسِدَ وبَقِرَ، إذا رأى أُشْداً وبَقَراً كثيرةٌ فتحيَّر من ذلك. قال ذو الرقّة (٣): ٤٤٠٧- ولو أنَّ لُقْمانَ الحكيمَ تَعَرَّضَتْ لعينَيْهِ مَيٍّ سافِراً كاد يَبْرِقُ وقال الأعشى (٤): ٤٤٠٨- وكنتُ أَرَى في وجهِ مَيَّةَ لَمْحَةً فَأَبْرَقُ مغشِيَّاً عليَّ مكانيا وأنشد الفراء (٥) : (١) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٦١، والحجة ٧٣٦، والبحر ٣٨٥/٨، والتيسير ٢١٦، والشواذ ١٦٥، والنشر ٣٩٣/٢، والقرطبي ٩٥/١٩. (٢) الكشاف ٤ / ١٩٠. (٣) ديوانه ٤٦١، واللسان (برق). (٤) ليس في ديوانه وإنما هو لذي الرمَّة في ديوانه ١٣٠٨، وهو في البحر ٣٨٢/٨، والماوردي ٣٥٨/٤. (٥) معاني القرآن له ٢٠٩/٣، والبيت لطرفة في ديوانه ١٨٢، واللسان (برق). والكلوم: الجروح. ٥٦٧ - القيامة - ٤٤٠٩ - فنَفْسَك فانْعَ ولا تَنْعَنِي وداوِ الكُلـومَ ولا تَبْرَقِ وبَرَق بالفتح مِن البريق أي: لَمَعَ من شدةِ شخوصه. وقرأ أبو السَّمَّال ((بَلَقَ)) باللام. قال أهلُ اللغة إلَّ الفراء: معناه فَتَحَ. يقال: بَلَقْتُ البابَ وَأَبْلَقْتُه أي: فتحتُهُ وفَرِجْتُه. وقال الفراء(١): ((بمعنى أَغْلَقْتُه)). قال ثعلب: ((أخطأ الفراءُ في ذلك)) ثم يجوز أَنْ يكونَ (بَلَقَ)) غيرَ مادةٍ بَرَقَ، ويجوزُ أَنْ يكونَ مادةً واحدةً، أُبْدِل فيها حرفٌ مِنْ آخرَ، وقد جاء إبدالُ اللامِ من الراءِ في أحرف، قالوا: نَثَرَ كِنانته ونَثَلَها. وقالوا: وَجِلَ ووَجِرَ، فيمكن أن يكونَ هذا منه، ويؤيِّدُه أَنَّ بَرَقَ قد أتى بمعنى: شَقَّ عيْنِيْه وفَتَحَها، قاله أبو عبيدة(٢). وأنشد(٣): ٤٤١٠ - لَمَّا أتانِي مِنْ عُمَيْرِ راغباً أَعْطَيْتُه عِيساً صِهاباً فبرَقْ أي: ففتح عينيْه، فهذا مناسِبٌ لـ ((بَلَغَ)) في المعنى. آ. (٨) قوله: ﴿وَخَسَفَ﴾: العامةُ على بنائِه للفاعلِ. وأبو حيوة(٤) وابن أبي عبلة ويزيد بن قطيب ((خُسِفَ)) مبنياً للمفعول؛ وهذا لأن خَسَفَ يُستعمل لازماً ومتعدياً يقال: خَسَفَ القمرُ وخَسَفه الله، وقد اشْتُهر أن الخُسوفَ للقمرِ والكُسوفَ للشمس. وقال بعضهم: بل (١) لم يشر إليها في معاني القرآن وعدَّها في اللسان (بلق) من الأضداد. (٢) مجاز القرآن ٢٧٧/٢. (٣) نسبه في المجاز للكلََّبي وهو في القرطبي ٩٥/١٩. والعيسُ الصهاب: الإِيل التي خالط بياضها حمرة. (٤) البحر ٣٨٦/٨، والقرطبي ٩٦/١٩. ٥٦٨ - القيامة - يكونان فيهما، يُقال: خَسَفَتِ الشمسُ وكَسَفَتْ، وخَسَفَ القمرُ وكَسَفَ. وتأيَّد بعضُهم بالحديث(١): (إنَّ الشمسَ والقمرَ/ آيتان مِنْ آياتِ اللَّهِ [١/٨٨٨] لا يُخْسَفان لموتِ أحدٍ». فاستعملَ الخُسُوْفَ فيهما. وعندي فيه نَظَرٌ؛ لاحتمالِ التغليبِ وهل هما بمعنّى واحدٍ أم لا؟ فقال أبو عبيدٍ وجماعةٌ: هما بمعنىّ واحدٍ. وقال ابن أبي أويس(٢): «الخُسوفُ ذهابُ كلِّ ضَوْئِهما، والكُسوفُ ذهابُ بَعْضِه)). آ. (٩ - ١٠) قوله: ﴿وجُمِع الشمسُ والقمرُ﴾: لم تَلْحَقْ علامةُ تأنيثٍ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. وقيل: لتغليبِ التذكيرِ. وفيه نظرٌّ؛ لو قلت: ((قام هندٌ وزيدٌ)) لم يَجُزْ عند الجمهورِ من العربِ. وقال الكسائيُّ: ((حُمِل على معنى: جُمِعَ «النَّيِّران)). و((يقولُ الإِنسانُ)) جوابُ ((إذا)) مِنْ قولِه: ((فإذا بَرِق البصرُ)). و((أينَ المفرُّ)) منصوبُ المحلِّ بالقولِ. والمَفَرُّ: مصدرٌ بمعنى الفِرار. وهذه هي القراءةُ المشهورة. وقرأ(٣) الحَسَنان ابنا علي رضي الله عنهم وابنُ عباس والحسن ابن زيد (٤) في آخرين بفتح الميم وكسرِ الفاءِ، وهو اسمُ مكانِ الفرارِ أي: أين (١) رواه البخاري في كتاب الكسوف، ٢ باب الصدقة في الكسوف، والفتح ٦١٥/٢. (٢) إسماعيل بن أبي أويس، هو عبد الله بن عبد الله الحافظ، المدني، قرأ على نافع. وحدَّث عنه البخاري ومسلم. توفي سنة ٢٢٦. انظر: سير أعلام النبلاء ٣٩١/١٠، طبقات القراء ١٦٢/١. (٣) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٤١/٢، الإتحاف ٥٧٤/٢، والبحر ٣٨٦/٨، والقرطبي ٩٧/١٩. (٤) الحسن بن زيد من أولاد علي رضي الله عنه توفي سنة ٢٧٠. انظر: سير الأعلام ١٣٦/١٣. ٥٦٩ - القيامة - مكانُ الفِرار؟ وجَوَّزَ الزمخشريُّ(١) أَنْ يكونَ مصدراً. قال: ((كالمَرْجِعِ. وقرأ الحسنُ عكسَ هذا أي: بكسرِ الميم وفَتْح الفاءِ، وهو الرجلُ الكثيرُ . الفِرارِ، وهذا كقولِ امرىءِ القَيْسِ يَصِف ◌َجَوادَها(٢): ٤٤١١- مِكَّرُّ مِفَرٌّ مُقْبِلٍ مُذْبِرٍ معاً كجُلْمودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السيلُ مِنْ عَلِ وأكثرُ استعمالِ هذا الوزنِ في الآلاتِ. آ. (١١) قوله: ﴿كلا لا وَزَرَ﴾: تقدَّم الكلامُ في ((كلا))(٣) وخبرُ ((لا)) محذوفُ أي لا وَزَرَ له. وهل هذه الجملةُ مَحْكِيَّةٌ بقولِ الإِنسان فتكونُ منصوبةَ المحلِّ، أو هي مستأنفةٌ إخباراً من الله تعالى بذلك؟ والوَزَرُ: المَلْجَأ مِنْ حِصْنٍ أو جَبَلٍ أو سلاحٍ. قال (٤). ٤٤١٢ - لَعَمرُكَ ما للفتىْ مِنْ وَزَرْ من الموتِ يُذْرِكُه والكِبَرْ آ. (١٢) قوله: ﴿المُسْتَقَرُ﴾: مبتدأٌ، خبرُه الجارُّ قبلَهُ. ويجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً بمعنى الاستقرارِ، وأَنْ يكونَ مكانَ الاستقرارِ. ((ويومَئِذٍ)) منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ، ولا ينْتَصِبُ بمُسْتقر؛ لأنَّه إنْ كان مصدراً فلتقدُّمِه عليه، وإنْ كان مكاناً فلا عَمَلَ له البتةَ. آ. (١٤) قوله: ﴿بَصيرةٌ﴾: يجوزُ فيها أوجهٌ، أحدُها: أنَّها (١) الكشاف ١٩١/٤. (٢) من معلقته في ديوانه ١٩. (٣) انظر: الدر المصون ٧ /٦٣٧. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٩٧/١٩، والبحر ٣٨٢/٨. ٥٧٠ - القيامة - خبرٌ عن ((الإِنسانُ)) و((على نفسِه)) متعلّقٌ بـ ((بَصيرةٌ)) والمعنى: بل الإِنسانُ بَصيرةٌ على نفسِه، وعلى هذا فلأيِّ شيءٍ أَنَّث الخبرُ؟ وقد اختلف النَّحْويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاءُ فيه للمبالغةِ. وقال الأخفش(١): ((هو كقولك: فلانٌ عِبْرَةٌ وحُبَّةٌ)). وقيل: المرادُ بالإِنسان الجوارِحُ، فكأنَّه قال: بل جوارِحُه بصيرة أي: شاهدةٌ. والثاني: أنها مبتدأٌ، و ((على نفسِهِ)) خبرُها. والجملةُ خبرٌ عن ((الإِنسانُ))، وعلى هذا ففيها تأويلاتٌ أحدُها: أنْ يكونَ ((بصيرةٌ» صفةً لمحذوفٍ أي: عينٌ بصيرةٌ، قاله الفراء(٢). وأنشد (٣): ٤٤١٣- كأن على ذي العقْل عَيْناً بَصيرةٌ بِمَقْعَدِهِ أو مَنْظَرٍ هو ناظرُهْ يُحاذِرُ حتى يَحْسَبَ الناسَ كلَّهِمْ من الخوف لا تَخْفَى عليهمْ سرائِرُهْ الثاني: أنَّ المعنى: جوارح بَصيرة. الثالث: أنَّ المعنى: ملائكةٌ بصيرة، والتاءُ على هذا للتأنيثِ. وقال الزمخشري(٤): (بَصيرة: حُجَّةٌ بَيِّنة، وُصِفَتْ بالبِصارة على المجازِ كما وُصِفَتْ الآياتُ بالإِبصار في قوله: ((فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آيَاتُنا مُبْصِرَةً»(٥). قلت: هذا إذا لم تَجْعَلِ الحُجَّة عبارةً عن الإِنسانِ، أو تَجْعَلْ دخولَ التاءِ للمبالغةِ. أمَّا إذا كانَتْ للمبالغةِ (١) معاني القرآن له ٥١٧/٢. (٢) معاني القرآن له ٢١١/٣. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الفراء ٢١١/٣، والقرطبي ١٠٠/١٩، واللسان (بصر). (٤) الكشاف ٤/ ١٩١ . (٥) الآية ١٣ من النمل. ٥٧١ - القيامة - فنسبةُ الإِبصارِ إليها حقيقةٌ. الثالث من الأوجه السابقة: أَنْ يكونَ الخبرُ الجارّ والمجرورَ، و («بصيرةٌ)) فاعلٌ به، وهو أرجحُ مِمَّا قبلَه لأنَّ الأصلَ في الإِخبارِ الإِفرادُ. آ. (١٥) قوله: ﴿ولو أَلْقَى﴾: هذه الجملةُ حاليةٌ. وقد تقدَّم [٨٨٨/ ب] نظيرُها غيرَ مرةٍ(١). والمعاذير / : جمع مَعْذِرة على غيرِ قياس، كمَلاقيح ومَذاكير جمع لَقْحَة وذَكَر. وللنَّحويين في مثلِ هذا قولان، أحدهما: أنه جمعٌ لملفوظٍ به، وهو لَقْحَة وذَكَر. والثاني: أنه جمعٌ لغيرِ ملفوظٍ به بل لمقدرٍ أي: مَلْقَحَة ومِذْكار. وقال الزمخشري(٢): ((فإن قلتَ: أليسَ قياسُ المَعْذِرَةِ أَنْ يُجْمَعَ مُعاذِرَ لا معاذير؟ قلت: المعاذيرُ ليسَتْ بجمع مَعْذِرة، بل اسمُ جمعٍ لها، ونحوُه: المَناكير في المُنْكِر)). قال الشيخ(٣): ((وليسَ هذا البناءُ من أبنيةِ أسماءِ الجُموع، وإنما هو مِنْ أبنيةِ جموع التكسيرِ». انتهى، وهو صحيحٌّ. وقيل: مَعاذير: جمعُ مِعْذار، وهو السِّتْرُ، فالمعنى: ولو أرخى سُتورَه. والمعاذِيْرُ: السُّتور بلغةِ اليمن، قاله الضحاك والسُّدِّي وأُنشد على ذلك (٤) ٤٤١٤- ولكنَّها ضَنَّتْ بمَنْزلِ ساعةٍ علينا وأَطَّتَ فوقَها بالمعَاذِرِ وقد حَذَفَ الياءَ من ((المعاذير)) ضرورةً. وقال الزمخشري(٥): ((فإنْ (١) انظر: الدر المصون ٤١٧/٢ . (٢) الكشاف ٤/ ١٩١ . (٣) البحر ٣٨٦/٨ - ٣٨٧. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ١٠٠/١٩، والبحر ٣٨٧/٨، والماوردي ٤/ ٣٦٠، وأطَّت بالمعاذر: اعتذرت. (٥) الكشاف ١٩١/٤ ٥٧٢ - القيامة - صَعَّ - يعني أنَّ المعاذير السُّتور - فلأنَّه يَمْنَعُ رؤيةَ المُحْتَجِبِ كما تَمْنَعُ المعذرةُ عقوبةَ المُذْنِبِ)). قلت: هذا القولُ منه يُحتمل أَنْ يكونَ بياناً المعنىُ الجامع بين كَوْنِ المعاذيرِ السُّتورَ، أو الاعتذاراتِ، وأَنْ يكونَ بياناً للعلاقةِ المُسَوِّغةِ في التجوُّز. آ. (١٧) قوله: ﴿وقُرْآنَه﴾: أي: قراءَتَه، فهو مصدرٌ مضافٌ للمفعولِ. وأمَّا الفاعلُ فمحذوف. والأصلُ: وقراءَتَك إياه، والقرآن: مصدرٌ بمعنى القراءة. قال حَسَّان رضي الله عنه(١): ٤٤١٥_ يُقَطِّعُ الليلَ تَسْبيحاً وقُرآناً وقال ابن عطية (٢): ((قال(٣) أبو العالية: ((إنَّ علينا جَمْعَه وقُرَانَه. فإذا قَرَتَه فاتَّبِعْ قُرانَه)) بفتح القافِ والراء والتاءِ، مِنْ غيرِ همزٍ ولا ألفٍ))(٤). قلت: ولم يَذْكُرْ توجيهاً. فأمَّا توجيهُ قولِه: (جَمْعَه وقُرانَه))، وقوله: ((فاتَّبَعْ قُرانَه)) فواضحٌ مِمَّا تقدَّمَ في قراءةِ ابن كثير في البقرة(٥)، وأنه هل هو نَقْلٌ، أو مِنْ مادةٍ قَرَن، وتحقيقُ القولَيْن مذكورٌ ثَمَّةَ فعليك بالالتفاتِ إليه. وأمَّا قولُه: ((بفتح القافِ والراءِ والتّاء)» فيعني في قوله: ((فإذا قَرَتَه)) يُشير إلى أنه قُرىء شاذاً هكذا، وتوجيهُها: أنَّ (١) تقدم برقم ٨٤٧. (٢) المحرر ١٧٦/١٦. (٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥٧٤/٤، والبحر ٣٨٧/٨. (٣) في ابن عطية: ((قرأ)). (٤) أي: في ((قرأته)). (٥) انظر: الدر المصون ٢٨٠/٢. ٥٧٣ - القيامة - الأصلَ: ((قَرَأْتَه)) فعلاً ماضياً مُسْنداً لضمير المخاطبِ أي: فإذا أَرَدْتَ قراءتَهِ، ثم أبدلَ الهمزةَ ألفاً لسكونِها بعد فتحةٍ، ثم حَذَفَ الألفَ تخفيفاً كقولهم: ((ولو تَرَ ما الصبيانَ)) أي: ولو تَرَى الصبيانَ و ((ما)) مزيدة، فصار اللفظُ («قَرَتَه» كما ترى. آ. (٢٠) قوله: ﴿بل تُحِبُّون﴾: قرأ (١) ابن كثير وأبو عمروٍ و (يُحِبُّون) و((يَذَرون)) بياءِ الغَيْبة حملاً على لفظِ الإِنسانِ المذكور. أولاً؛ لأنَّ المرادَ به الجنسُ، والباقون بالخطابِ فيهما: إمَّا خطاباً لكفارِ قريش، وإمَّا التفاتاً عن الإِخيار عن الجنس المتقدِّم والإِقبالِ عليه بالخطاب. آ. (٢٢) قوله: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضِرَةٌ﴾: فيه أوجهٌ أحدُها: أَنْ يكون ((وجوهٌ) مبتدأً، و ((ناضِرةٌ)) نعتٌ له، و ((يومئذٍ)) منصوبٌ بـ ((ناضِرة)) و ((ناظرةٌ) خبرُه، و «إلى ربِّها)) متعلّقٌ بالخبرِ، والمعنى: أنَّ الوجوهَ الحسنة يومَ القيامة ناظرةٌ إلى اللهِ تعالى، وهذا معنىٌ صحيحٌ وتخريجٌ سَهْلٌ. والنَّاضرَةُ: من النُّضْرَةِ وهي: التنقُمُ، ومنه غُصْنٌ ناضِر. الثاني: أَنْ يكونَ «وجوهٌ)) مبتدأَ أيضاً، و((ناضِرَةٌ) خبرُه، و ((يومَئذٍ» منصوبٌ بالخبرِ كما تقدَّم. وسَوَّغَ الابتداءَ هنا بالنكرةِ كَوْنُ الموضعِ موضعَ تفصيلٍ كقولِهِ(٢): ٤٤١٦_ فئوبٌ لَبِسْتُ وثوبٌ أَجُزْ (١) السبعة ٦٦١، والبحر ٣٨٨/٨، والنشر ٣٩٣/٢، والقرطبي ١٠٧/١٩، والتيسير ٢١٧، والحجة ٧٣٦. (٢) تقدم برقم ١٦٧٨ . ٥٧٤ - القيامة - ويكون ((ناظرةٌ) نعتاً لوجوه، أو خبراً ثانياً، أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ. و((إلى ربِّها)) متعلقٌ بـ ((ناظرة)) كما تقدَّم. وقال ابنُ عطية(١): ((وابتدأ بالنكرة / لأنها تخصَّصَتْ بقوله ((يومئذٍ)). وقال أبو البقاء(٢): [٨٨٩/أ] ((وجاز الابتداءُ هنا بالنكرةِ لحصول الفائدةِ)). قلت: أمَّا قولُ ابنِ عطيَّةَ ففيه نظرٌ؛ لأنَّ قوله: ((تخصَّصَتْ بقولِه: ((يومئذٍ)) هذا التخصيصُ: إِمَّا لكونها عاملةً فيه، وهو مُحالٌ؛ لأنها جامدةٌ، وإمَّا لأنَّها موصوفةٌ به وهو مُحال أيضاً؛ لأنَّ الجُثَثَ لا تُوْصَفُ بالزمان كما لا يُخْبَرُ به عنها. وأمَّا قولُ أبي البقاءِ فإنْ أرادَ بحصولِ الفائدةِ ما قدَّمْتُه من التفصيل فصحیحٌ، وإنْ عَنَى ما عناه ابنُ عطيةَ فليس بصحيحِ لِما عَرَفْتَه . الثالث: أَنْ يكونَ ((وجوهُ)) مبتدأً، و ((يومئذٍ)) خبرَه، قاله أبو البقاء(٣). وهذا غَلَطِ مَخْضٌ من حيث المعنى، ومِنْ حيثُ الصناعةُ. أمَّا المعنى فلا فائدةَ في الإِخبارِ عنها بذلك. وأمَّا الصناعةُ فلأنَّه لا يُخْبَرُ بالزمانِ عن الجُثَثِ، وإنْ وَرَدَ ما ظاهرهُ ذلك تُؤُوِّل نحو: «الليلةَ الهلالُ)). الرابع: أَنْ يكونَ ((وجوهً)) مبتدأً و ((ناضرةٌ) خبرَه، و ((إلى ربّها ناظرةٌ)) جملةً في موضع خبرٍ ثانٍ، قاله ابن عطية(٤). وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يَنْعَقِدُ منهما كلامٌ، إذ الظاهرُ تعلُّقُ ((إلى)» بـ «ناظرة)»، اللهمَّ إلَّ أَنْ يعنيَ أنَّ (ناظرةٌ) خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ، أي: هي ناظرةٌ إلى ربِّها، وهذه الجملةُ خبرٌ ثانٍ. وفيه تَعَشُفُ. (١) المحرر ١٧٧/١٦. (٢) الإملاء ٢٧٤/٢ . (٣) لم يقل أبو البقاء هذا وإنما قال: إن الخبر ناضرة أو الخبر محذوف، أي: ثَمّ وجوه» الإملاء ٢٧٤/٢ . (٤) المحرر ١٦/ ١٧٧ . ٥٧٥ - القيامة - الخامس: أَنْ يكونَ الخبرُ لوجوه مقدراً، أي: وجوهٌ يومئذٍ ثَمَّ، و ((ناضرةٌ) صفةٌ، وكذلك ((ناظرةٌ))، قاله أبو البقاء(١). وهو بعيدٌ لعدمِ الحاجة إلى ذلك. ولا أدري ما الذي حَمَلهم على هذا مع ظهورِ الوجهِ الأولِ وخُلُوصِه من هذه التعشُّفاتِ؟ وكونُ ((إلى)) حرفَ جرّ، و ((ربِّها)) مجروراً بها هو المتبادَرُ للذِّهْنِ. وقد خَرَّجه بعضُ المعتزلةِ: على أَنْ تكونَ ((إِلى)) اسماً مفرداً بمعنى النِّعْمَةِ مضافاً إلى الرَّبِّ، ويُجمع على ((آلاء) نحو: ((فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تُكَذِّبان))(٢) وقد تقدَّم أنَّ فيه لغاتٍ أربعاً، و(ربِّها)) خفضٌ بالإِضافةِ، و ((إلى)) مفعولٌ مقدمٌ ناصبُه ((ناظرةٌ)) بمعنى مُنْتَظرة. والتقدير: وجوهٌ ناضِرَةٌ منتظرةٌ نعمةَ ربِّها. وهذا فِرارٌ من إثباتِ النظر للَّهِ تعالى على مُعْتَقَدِهم. والزمخشريُّ (٣) تمخَّل لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهةٍ الصناعةِ النحويةِ فقال - بعد أن جَعَلَ التقديمِ في ((إلى ربها)» مُؤْذِناً بالاختصاص - ((والذي يَصِحُ معه أَنْ يكونَ مِنْ قولِ الناس: ((أنا إلى فلانٍ ناظرٌ ما يَصْنَعُ بي)» يريد معنى التوقعِ والرجاءِ. ومنه قولُ القائل(٤): ٤٤١٧_ وإذا نَظَرْتُ إليك مِنْ ملكِ والبحرُ دونَكِ زِدْتَنِي نِعَما وسمعتُ سَرَوِيَّةٌ(٥) مُسْتجديَةً بمكة وقت الظهرِ حين يُغْلِقُ الناسُ (١) الإملاء ٢٧٤/٢. (٢) الآية ١٣ من سورة الرحمن. (٣) الكشاف ٤/ ١٩٢ . (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ١٩٢/٤ يقول: إذا رجوت عطاءك، والبحر أقل جوداً منك، زدتني عطاءً. (٥) السروية: النسبة إلى بلدةٍ بطبرستان يقال لها: سارية. انظر: القاموس (سري). ٥٧٦ - القيامة - أبوابَهم ويَأْوُون إلى مقايِلهم تقول: ((عُيَيْنتي ناظِرَةٌ إلى اللَّهِ وإليكم)) والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمةَ والكرامةَ إلَّ مِنْ ربِّهم)» قلت: وهذا كالحَوْمِ على قولِ مَنْ يقولُ: إنَّ ((ناظرة)) بمعنى مُنْتظرة. إلاَّ أنَّ مكيََّ(١) قد رَدَّ هذا القولَ فقال: ((ودخولُ ((إلى)) مع النظر يَدُلُّ على أنه نَظَرُ العَيْنِ، وليس من الانتظار، ولو كان من الانتظارِ لم تَدْخُلْ معه ((إلى))؛ ألا ترى أنَّك لا تقول: انتظرتُ إلى زيدٍ، وتقول: نظرْتُ إلى زيد، فـ ((إلى)) تَصْحَبُ نظرَ العينِ ولا تصحَبُ نَظَرَ الانتظار، فَمَنْ قال: إن («ناظرة)) بمعنى مُنتظرة فقد أخطأ في المعنى وفي الإِعراب، ووَضَعَ الكلامَ في غيرِ موضعِه)». والنُّضْرَةُ: طَراوةُ البَشَرةِ وجمالُها، وذلك مِنْ أثرِ الُّعمةِ يُقال: نَصِر وَجْهُه فهو / ناضِرٌ. وقال بعضهم: مُسَلَّمٌ أنه مِنْ نَظَرِ العينِ، إلَّ أنَّ ذلك [٨٨٩, على حَذْفِ مضافٍ، أي: ثوابَ ربِّها، ونحوُه. قال مكي(٢): ((لو جاز هذا لجازَ: نَظَرْتُ إلى زيد، أي: إلى عطاءِ زيدٍ. وفي هذا نَقْضُ لكلام العربٍ وتَخْليطٌ في المعاني)». ونَضَره الله ونَضَّره مخففاً ومثقلاً، أي: حَسَّنه ونَعَّمه، وفي الحديث(٣): ((نضرَ اللَّهُ امرَأَ سَمِع مقالتي فوَعَاها، فأدَّاها كما سَمِعَها)) يُرْوَى بالوجهَيْنِ. وقيل للذهب: ((نُضار)) من ذلك. ويُقال له: النَّضْرُ أيضاً، وأخضرُ ناضِرٌ، كـ أسودُ حالكٌ، وقَدَحٌ نُضارٌ ونُضارٍ، يُرْوَى بالإتباعِ والإِضافة. والعامَّةُ على ((نَاضِرَة)) بألفٍ. وقرأ(٤) زيدُ بن علي ((نَضِرَة)) بدونِها، كَفَرِعَ فهو فَرِحٌ. (١) إعراب المشكل ٤٣١/٢. (٢) إعراب المشكل ٤٣٢/٢. (٣) رواه ابن ماجة في المقدمة ١٨، باب من بلَّغ علماً، ٨٤/١. (٤) البحر ٣٨٨/٨. ٥٧٧ - القيامة - آ. (٢٥) قوله: ﴿فاقِرة﴾: هي الداهيةُ العظيمةُ، سُمِّيَتْ بذلك لأنها تكسِرُ فَقَارَ الظَّهْرِ. قال النابغة (١): ٤٤١٨- أَبَى لِيَ قَبْرٌ لا يزالُ مُقابِليْ وضَرْبَةُ فَأْسِ فوقَ رَأْسِيَ فاقِرَةْ أي: داهِيَةٌ مُؤَثِّرَةٌ، ومنه سُمِّي الفقيرُ لانكسارِ فَقَارِه من القُلُّ(٢). وقد تقدَّم في البقرةِ(٣) . آ. (٢٦) قوله: ﴿التراقِيَ﴾: مفعولُ ((بَلَغَتْ))، والفاعلُ مضمرٌ [يعود] على النفس، وإنْ لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ، كقولِ حاتم(٤): ٤٤١٩- أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عن الفتى إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصدرُ أي: حَشْرَجَتِ النفسُ. وقيل في البيت: إنَّ الدالَّ على النفس ذِكْرُ جُمْلَةِ ما اشتملَ عليها، وهو الغِنى، فكذلك هنا ذِكْرُ الإِنسانِ دالٌّ على النفسِ. والتَّراقِي: جمع تَرْقُوَة، أصلُها تَراقِوُ، قُلِبَتْ واوُها ياءً لانكسار ما قبلها. والتَّرْقُوَة إحدى عِظامِ الصدرِ، كذا قال الشيخ(٥)، والمعروفُ غيرُ ذلك. قال الزمخشري(٦): ((ولكلِّ إنسانٍ تَرْقُوَتان)) فعلى هذا تَكونُ (١) الديوان ٢١٠. (٢) القُلَّ: القِلَّة. (٣) انظر: الدر ٢ / ٦١٧. (٤) تقدم برقم ٢٨١٤. (٥) البحر ٣٨٢/٨ .. (٦) لم ترد هذه الجملة في (الكشاف)) وإنما فيه ((التراقي: العظام المكتنفة الثغرة" النحر عن يمين وشمال)» الكشاف ٤/ ١٩٣. ٥٧٨ - القيامة - مِنْ باب: غليظِ الحواجب وعريضٍ المناكب. والتراقِي: موضِعُ الحَشْرَجَةِ. قال(١): ٤٤٢٠- ورُبَّ عظيمةٍ دافَعتُ عنها وقد بلغَتْ نفوسُهُمُ التراقِيْ وقال الراغب(٢): ((التَّرْقُوَةُ عَظْمٌ وُصِلَ ما بين ثُغْرَةِ النحرِ والعاتِقِ)) انتهى. وقال الزمخشري(٣): «العِظامُ المكتنفةُ لُغْرَةِ النَّحْرِ عن يمينٍ وشِمالٍ)) ووزنها فَعْلُوة، فالتاءُ أصلٌ والواوُ زائدةٌ، يَدُلُّ عليه إدخالُ أهل اللغةِ إياها في مادة ((تَرَق)). وقال أبو البقاء(٤): ((والتراقي: جمع تَرْقُوَة)) وهي فَعْلُوة، وليست تَفْعُلَة، إذ ليس في الكلام ((رقو))(٥)، وقُرِىء (٦) (التراقي)) بسكونِ الياء، وهي كقراءةِ زيدٍ ((تُطْعِمون أهالِيْكم))(٧) وقد تقدَّم توجيهُها . آ. (٢٧) قوله: ﴿مَنْ راقٍ﴾: مبتدأ وخبرٌ. وهذه الجملةُ هي القائمةُ مَقامَ الفاعلِ، وأصولُ البَصْربين تَقْتَضي أَنْ لا تكونَ؛ لأنَّ الفاعلَ عندهم لا يكونُ جملةً؛ بل القائمُ مَقامَه ضميرُ المصدرِ، وقد تقدَّمَ تحقيقُ هذا أولَ البقرة(٨)، وهذا الاستفهامُ يجوزُ أن يكونَ على بابِهِ، وأَنْ يكونَ (١) البيت لدريد بن الصمة، وهو في البحر ٣٨٢/٨. (٢) المفردات ٧٤. (٣) الكشاف ٤/ ١٩٣. (٤) الإملاء ٢٧٤/٢. (٥) في الأصل ((ترق)) وهو تحريف. وهناك رقو ولكن على معنى آخر كما في اللسان (رقا). (٦) لم أقف على هذه القراءة. (٧) الآية ٨٩ من المائدة. وانظر: الدر المصون ٤٠٧/٤. (٨) انظر: الدر المصون ١٣٦/١. ٥٧٩ - القيامة - استبعاداً وإنكاراً. وراقٍ اسمُ فاعلٍ: إمَّا من رَفَى يَرْقَى من الرُّقية وهو كلامٌ مُعَدٌّ للاستشفاءُ، يُرْقَى به المريضُ لِيُشْفَى. وفي الحديث(١): (وما أدراكَ أنها رُقْيَةٌ))؟ يعني الفاتحةَ وهو مِنْ أسمائِها، وإمَّا مِنْ رَقِيَ يَرْقَى؛ من الرُّقِيِّ وهو الصعودُ، أي: إنَّ الملائكةَ لِكراهتِها في رُوْحِه تقول: مَنْ يَصْعَد بهذه الروح؟ يقال: رَقَى بالفتح مِن الرُّقْيَةِ، وبالكسرِ من الرُّقِيِّ. ووقف (٢) حفَص على نون ((مَنْ)) سكتَةً لطيفةً، وتقدَّم هذا في أولِ الكهف(٣) وتحقيقُه. وذكرَ سيبويه(٤) إنَّ النونَ تُدْغَمُ في الراءِ وجوباً بغُنَّةٍ وبغيرِها نحو: مَنْ راشِدٌ. والعاملُ في «إذا بلغَت)) معنى (٥) قوله: ((إلى ربِّك يومئذٍ المَساقُ)»، أي: إذا بلغَتِ الخُلْقَومَ رُفِعَتْ إلى الله)) ويكونُ قولُهُ: ((وقيل: مَنْ راقٍ)) معطوفاً على ((بَلَغَتَ)). والمَساقُ: مَفْعَل من السَّوْقِ وهو اسمُ مصدرٍ . آ. (٣١) قوله: ﴿فلا صَدَّقَ﴾: ((لا)) هنا دَخَلَتْ على الماضي، وهو مُسْتفيضٌ في كلامِهِم بمعنى: لم يُصَدِّق ولم يُصَلِّ. قال(٦): (١) رواه البخاري ٣٧ كتاب الإجارة، ١٦ باب يُعطى في الرقية. الفتح ٥٢٩/٤. (٢) السبعة ٦٦١، والبحر ٣٨٩/٨، والقرطبي ١١٢/١٩، والحجة ٧٣٧. (٣) ((عوجاً، فيما)) الآيتان ١ - ٢، وقف حفص على عوجا، ويسكت سكتة لطيفة. انظر: الدر المصون ٤٣٤/٧. (٤) الكتاب ٢/ ٤١٤ : (٥) قوله: ((معنى)) خير ((والعامل)). (٦) البيت لأبي خراش الهذلي أو أمية بن أبي الصلت، وهو في أمالي = ٥٨٠