Indexed OCR Text
Pages 541-560
- المدثر - وتَسْليتِهِم. ويجوز أن يُراد: عسيرٌ لا يُرْجَى أن يَرْجِعَ يسيراً، كما يُرْجى تيسيرُ العسيرِ من أمورِ الدنيا». وقوله: ((ثُقِر في الناقورِ)) أي صُوَّتَ يقال: نَقَرْتُ الرجلَ إذا صَوَّثَّ له بلسانِك وذلك بأَنْ تُلْصِقَ لسانك بنُقْرَة حَنكِكَ. ونَقَرْتُ الرجلَ: إذا خَصَصْتَه بالدعوة، كأنك نَقَرْتَ له بلسانِك مُشيراً إليه، وتلك الدعوةُ يقال لها النَّقَرى، وهي ضدُّ الدعوةِ الجَفَلَىُ. قال الشاعر(١): ٤٣٨٤- نحن في المَشْتاةِ نَدْعُو الجَفَلَىُ لا تَرَى الْآَدِبَ فينا يَنْتَقِرْ / وقال امرؤ القيس(٢): [٨٨٤/أ] ٤٣٨٥- أنا ابنُ ماوِيَّةَ إذْ جَدَّ الثُّقُرْ يريد: «النَّقْرُ))(٣) أي: الصوتُ. وقال أيضاً (٤): ٤٣٨٦- أُخَفِّضُه بالنَّقْرِ لَمَّا عَلَوْتُه ويَرْفَعُ طَرْفاً غيرَ جافٍ غَضِيضٍ والنَّاقُور: فاعُوْل منه كالجاسوس مِنَ التَجَسُّسِ، وهو الشيءُ (١) البيت لطرفة وهو في ديوانه ٦٥. والجفلى: العامة. (٢) تقدم برقم ٣٨٠. ونسبته لامرىء القيس فيها نظر. لأنه لعبد الله بن ماوِيَّة الطائي أو فدكى بن عبد الله المنقري. (٣) قال في اللسان (نقر) أراد النَّقْر، فلما وقف نقل حركة الراء إلى القاف وهي لغة لبعض العرب تقول: «هذا بگر)». (٤) ديوانه ٧٥. يصف فرسه، فقد أبدى شدة الحركة والنشاط فجعلت أسكنه بهذا الصوت، وهو لا يجفو نظره عن شخص ولا يغضُّه عنه. ٥٤١ - المدثر - المُصَوَّتُ فيه: وفي التفسير: إنَّه الصُّورُ الذي يَنْفَخُ فيه المَلَكُ. والنَّقْرُ أيضاً: قَرْعُ الشيءِ الصُّلْبٍ. والمِنْقارُ: الحَديدةُ التي يُنْقَرُ بها .. ونَقَرْتُ عنه: بَحَثْتُ عن أخبارِهِ، استعارةً من ذلك. ونَقَرْتُه: أَعَبْتُه، ومنه قولُ امرأةٍ لِزَوْجِها(١): ((مُرَّ بي على بني نَظَرٍ، ولا تَمرَّ بي على بِنَاتِ نَقَرٍ » أرادت ببني نَظَرِ الرجالُ؛ لأنهم ينظرون إليها، وببنات نَقَرِ النساءَ لأنهنَّ يُعِبْنِها ويَنْقُرْنَ عن أحوالِها . آ. (١١) قوله: ﴿ومَنْ خَلَقْتُ﴾: كقوله: ((والمكذِّبِيْن))(٢) في الوجهَيْنِ المتقدمَيْنِ في السورةِ قبلها . قوله: ((وحيداً)) فيه أوجه، أحدها: أنه حالٌ من الياء في ((ذَرْني)) أي: ذَرْنِي وَحْدي معه فأنا أَكْفِيْكَ في الانتقامِ منه. الثاني: أنه حالٌ مِنَ التاء في ((خَلَقْتُ)) أي: خَلَقْتُهُ وَحْدي لم يُشْرِكْني في خَلْقِه أحدٌ، فأنا أَمْلِكُه. الثالث: أنَّه حالٌ مِنْ (مَنْ)). الرابع: أنه حالٌ من عائدِ المحذوفِ أي: خَلَقْتُه وحيداً. الخامس: أن ينتصِبَ على الذمِّ. و ((وحيد)) كان لَقَباً للوليدِ بن المُغِيرة. ومعنى ((وحيداً»: ذليلاً قليلاً. وقيل: كان يَزْعُمُ أنه وحيدٌ فِي فَضْلِه ومالِهِ. وليس في ذلك ما يَقْتَضي صِدْقَ مقالتِه؛ لأنَّ هذا لَقَبٌ له شُهِر به، وقدٍ يُلَقَّبُ الإِنسانُ بما لا يَتَّصِفُ به، وإذا كان لَقَباً تَعَيَّنَ نصبُه على الذمِّ. آ. (١٦) قوله: ﴿إِنَّه كان لا ياتِنا عَنِيداً﴾: استئنافٌ، جوابٌ السائلِ سأل: لِمَ لا يزدادُ مالاً؟ وما بالُهُ رُدِعَ عن طَمِعِه في ذلك؟ فأُجيب بقوله: «إنه كان لآياتنا عنيداً)). (١) اللسان (نقر) وروايته: ((بنِي نَظَرَىُ، وبنات نَقَرِىْ)) . (٢) الآية ١١ من المزمِّل: ((وذَرْني والمكذِّبين)). ٥٤٢ - المدثر - آ. (١٨) قوله: ﴿إِنه فَكَّر﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ استئنافَ تعليلِ لقولِه ((سَأُرْهِقُه)». ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((إنه كان لآياتِنا عنيداً». آ. (٢٢) قوله: ﴿ثم عَبَسَ﴾: يُقال: عَبَسَ يَعْبِسُ عَبْساً وعُبُوساً أي: قَطَّبَ وجهَه. والعَبَسُ: ما يَبِسَ في أذنابِ الإِبلِ من البعر والبَوْل. قال أبو النجم(١): ٤٣٨٧- كأن في أَذْنابِهِنَّ الشُّوَّلِ مِنْ عَبَسِ الصَّيْفِ قُرونَ الأُيَّلِ قوله ((وَبَسَرَ)) يُقال: بَسَرَ يَبْسُر بَسْراً وبُسُوراً: إذا قَبَضَ ما بين عَيْنَيْه كراهةً للشَيْءِ، واسْوَدَّ وجهُه مِنْه. يقال: وَجْهٌ باسِرٌ أي: مُنْقَبِضٌ أسودُ. قال(٢): ٤٣٨٨ - صَبَحْنا تميماً غَداةَ الجِفارِ بِشَهْباءَ مَلْمومَةٍ باسِرَةْ وأهل اليمن يقولون: بَسَرَ المَرْكَبُ وأَبْسَر: إذا وَقَفَ. وَأَبْسَرْنا أي: صِرْنا إلى البُسُور. وقال الراغب(٣): ((البَشْرُ: الاستعجالُ بالشيء قبل أَوانِه نحو: بَسَرّ الرجلُ الحاجةَ: طَلَبَها في غيرِ أوانِها، وبَسَرَ الفَحْلُ الناقةَ: ضَرَبها قبل الضَّبَعَةِ(٤). وماء بَسْرٌ: مُتناوَلٌ مِنْ غَدِيرِهِ قبلَ سُكونه، ومنه قيل للذي لم يُدْرَك من الثَّمر: بُشْر. وقولُه تعالى: ((ثم عَسَ وبَسَرَ)) أي: (١) ديوانه ١٩١، واللسان (عبس) والبحر ٣٦٨/٨. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٧٥/١٩، والبحر ٣٦٨/٨. والجفار: اسم موضع. (٣) المفردات ٤٦ . (٤) الضبعة: شدة شهوة الفحل للناقة. ٥٤٣ - المدثر : - أظهرَ العُبوس قبل أَوانِه، وفي غيرٍ وقتِه. فإن قيلَ: فقولُه عَزَّ وجَلَّ: ((وجوهٌ يومَئذٍ باسِرَةٍ))(١) ليس يَفْعلون ذلك قبلَ الوقتِ. وقد قلت: إنَّ ذلك يُقال فيما كان قبلَ وَقْتِه. قلتُ: إنَّ ذلك إشارةٌ إلى حالِهِم قبلَ الانتهاءِ بهم إلى النارِ فخُصَّ لفظُ البُسْرِ تنبيهاً أنَّ ذلك مع ما ينالهم مِنْ بُعْدِ يَجْري مَجْرى التكلُّفِ، ومَجْرى ما يُفْعَلُ قبلَ وَقْتِهِ. ويَدُلُّ على ذلك قولُه: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَّ بها فاقِرَةٌ)) (٢) انتهى كلامُ الراغب. وقد عُطِفَ في هذه الجملِ بحروفٍ مختلفةٍ ولكلٍ منها مناسَبَةٌ. أمّا ما عُطِفَ بـ (ثُمَّ) فلأنَّ بين الأفعالِ مهلةً، وثانياً لأنَّ بين النَّظَر والعُبوس [٨٨٤/ ب] وبين العُبوس والإِدْبَار تراخياً. قال الزمخشري(٣) /: و(ثُمَّ نظر)) عَطْفٌ على ((فَكَّر وَقَدَّر)) والدعاءُ اعتراضٌ بينهما)». قلت: يعني بالدعاءِ قولَه: (فُقُتِلَ)). ثم قال: ((فإنْ قُلْتَ ما معنى (ثم)) الداخلةِ على تكريرِ الدعاء؟ قلت: الدلالة على أنَّ الكرّة الثانية أَبْلَغُ من الأولى، ونحوُه قولُه(٤): ٤٣٨٩- ألا يا اسْلمي ثُمَّ اسْلمي ثُمَّتَ اسْلمي : فإنْ قلت: فما معنى (٥) المتوسّطةِ بين الأفعالِ التي بعدها؟ قلت: للدلالة على أنه تأنَّى في التأمُّل، وتمهَّل، وكان بين الأفعالِ المتناسِقَةِ تراخٍ وبُعْدٌ. فإن قلت: فِلِمَ قال: ((فقال)) بالفاءِ بعد عطفِ ما قبلَه بـ ثم؟ (١) الآية ٢٤ من القيامة. (٢) الآية ٢٥ من القيامة. (٣) الكشاف ١٨٣/٤ . (٤) تقدم برقم ٣٥٦١. (٥) الأصل: ((فمعنى)) وهو سهو والتصحيح من الكشاف. ٥٤٤ - المدثر - قلت: لأنَّ الكلمةَ لَمَّا خَطَرَتْ ببالِهِ بعد التطلُّب لِم يتمالَكْ أَنْ نَطْقَ بها مِنْ غيرِ تَثَبِّتِ. فإنْ قلتَ: فِلِمَ لَمْ يَتَوَسَّطْ حرفُ العطفِ بين الجملتَيْن؟ قلت: لأنَّ الأخرىُ جَرَتْ مِن الأولى مَجْرى التوكيدِ من المؤَّد. آ. (٢٦) قوله: ﴿سأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾: هذا بدلٌ مِنْ قولِه: (سَأُرْهِقُهُ صَعوداً)) قاله الزمخشري(١). فإنْ كان المرادُ بالصَّعودِ المشقةَ فالبدلُ واضحٌ، وإنْ كان المرادُ صخرةً في جهنم، كما جاء في بعض التفاسير، فيَعْسُرُ البدلُ، ويكون فيه شَبَهٌ مِنْ بَدَلِ الاشتمالِ؛ لأنَّ جهنمَ مُشْتَمِلةٌ على تلك الصخرةِ. آ. (٢٨) قوله: ﴿لا تُبْقي﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنها في محلٌّ نصبٍ على الحال(٢)، والعامل فيها معنى التعظيم، قاله أبو البقاء(٣)، يعني أنَّ الاستفهامَ في قولِه ما سَقَرُ؟ للتعظيم فالمعنى: استعظموا سَقَرَ في هذه الحال. ومفعول ((تُبُقي)) و((تَذَرُ)) محذوفٌ، أي: لا تُبْقِي ما أُلْقَي فيها، ولا تَذَرُهُ، بل تُهْلِكُه. وقيل: تقديرُه لا تُبُقي على مَنْ أُلْقي فيها، ولا تَذَرُ غايةَ العذابِ إلَّ وَصَلَتْه إليه. والثاني: أنها مستأنفةٌ . آ. (٢٩) قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ﴾: قرأ العامَّةُ بالرفع خبرَ مبتدأ مضمر، أي: هي لَوَاحَةٌ. وهذه مُقَوِّيةٌ للاستئنافِ في ((لا تُبقي)). وقرأ(٤) الحسن وابنُ أبي عبلة وزيدُ بن علي وعطيةُ العَوْفي بنَصْبِها على الحال، (١) الكشاف ٤/ ١٨٣. (٢) من ((سقر)). (٣) الإملاء ٢٧٣/٢. (٤) البحر ٣٧٥/٨، والقرطبي ٧٧/١٩، والشواذ ١٦٤. ٥٤٥ - المدثر - وفيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها حالٌ مِنْ ((سقرُ والعاملُ معنى التعظيم كما تقدَّم. والثاني: أنها حالٌ مِنْ ((لا تُبُقي)). والثالث: مِنْ «لا تذرُ)). وجَعَلَ الزمخشري(١) نَصْبَها على الاختصاص للتهويل، وجعلها الشيخ(٢) حالاً مؤكدة قال: ((لأنَّ النارَ التي لا تُبُقي ولا تَذَرُ لا تكونُ إلَّ مُغَيِّرةً للإِبشارِ)) ((وَلَوَّاحَةٌ)) بناءُ مبالغةٍ، وفيها معنيان، أحدهما: مِنْ لاح يَلُوح، أي: ظهر، أي: إنها تظهر للبَشَرِ وهم الناسُ، وإليه ذهب الحسن وابن كَيْسان. والثاني : - وإليه ذهبَ جمهورُ الناس - أنها مِنْ لوَحه، أي: غَيَّره وسَوَّده. قال الشاعر(٣) : ٤٣٩٠- وتعجَبُ هندٌ أَنْ رَأَتْنِيَ شاحباً تقول: لَشَيءٌ لَّحَتْه السَّمَائِمُ ويقال: لاحَه يَلُوْحه: إذا غَيَّرَ حِلْيَتَيْه، وأُنْشِد (٤): ٤٣٩١- تقول: ما لاحك يا مسافِرُ. يا بنةَ عمِّي لاحَني الهواجِرُ وقيل: اللَّوحُ شِدَّةُ العَطَشِ. يقال: لاحَه العطشَ ولَوَّجَه، أي: غَيَّره، وأُنْشِدِ (٥) : (١) الكشاف ٤ / ١٨٣. (٢) البحر ٣٧٥. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٨١/١٩، والبحر ٣٦٨/٨. والسمائم: (ج) سموم وهي الريح الحارة. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ١٨٣/٤، والقرطبي ٨١/١٩، ومجاز القرآن ٢٧٥/٢، والبحر ٣٦٨/٨. والهواجر: ج هاجرة وهي شدة الحر في منتصف النهار. (٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٨١/١٩، والبحر ٣٦٩/٨. والرهام: (ج). رِهمة وهي المطرة الضعيفة. ٥٤٦ - المدثر - ٤٣٩٢- سَقَتْني على لَوْحٍ مِنْ الماءِ شَرْبَةً سَقاها به اللَّهُ الرِّهامَ الغَواديا والُّوْحُ بالضمُّ: الهواءُ بين السماءِ والأرضِ، والبَشَرُ: إِمَّا جَمْعُ بَشَرَة، أي: مُغَيِّرة للجُلود، [وإِمَّ المُرادُ به الإِنْسُ](١) واللامُ في (للبَشَرِ)) مُقَوِّيَةٌ كهي في ((للرؤيا تَعْبُرُون))(٢)، وقراءةُ النصبِ في (لَوَّاحَةً)) مقوِّيَةٌ الكونِ ((لا تُبُقي)) في محلِ الحالِ. آ. (٣٠) قوله: ﴿عليها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: هذه الجملةُ فيها وجهان - أعني: الحاليةَ والاستئنافَ - وفي هذه الكلمةِ قراءاتٌ شاذةٌ(٣)، وتوجيهاتٌ تُشاكِلُها. وقرأ أبو جعفر وطلحةُ ((تسعَة عْشَر)) بسكون العين(٤) مِنْ ((عَشر)» تخفيفاً لتوالي خمس حركاتٍ مِنْ جنسٍ واحدٍ / وهذه كقراءةٍ [١/٨٨٥] ((أَحَدَ عْشَرَ كوكباً»(٥)، وقد تقدَّمَتْ. وقرأ أنسٌ وابنُ عباس ((تسعةُ)) بضمُّ التاء، ((عَشَرَ)) بالفتح، وهذه حركةُ بناءٍ، ولا يجوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ كونُها إعراباً؛ إذا لو كانَتْ للإعرابِ لَجُعِلَتْ في الاسمِ الأخيرِ لِتَنَزُّلِ الكلمتَيْن منزلةَ الكلمةِ الواحدةِ، وإنما عُدِل إلى الضمة كراهةَ توالي خمس حركاتٍ. وعن المهدويِّ: ((مَنْ قرأ ((تسعةُ عَشَرَ)) فكأنه من التداخُلِ كأنه أرادَ العطفَ فتركَ التركيبَ ورَفَعَ هَاءَ (١) هذه الزيادة من (ش). (٢) الآية ٤٣ من سورة يوسف. (٣) انظر: المحتسب ٣٣٨/٢، والبحر ٣٧٥/٨، والشواذ ١٦٥، والقرطبي ١٩/ ٨١. (٤) أثبت ابن خالويه في شواذه ١٦٥. همزة وصل ((تسعةَ آغْشَرَ)). (٥) الآية ٤ من يوسف وهي قراءة الحسن. الدر المصون ٤٣٦/٦. ٥٤٧ المدثر - التأنيث، ثم راجَعَ البناءَ وأسكنَ)) انتهى. فَجَعَلَ الحركةَ للإِعرابِ. ويعني بقولِه ((أسكنَ))، أي: أسكنَ راءَ ((عشر)) فإنه في هذه القراءة كذلك(١). وعن أنس أيضاً : ((تسعةُ أَعْشُرَ)) بضم ((تسعةُ)) وأَعْشُرَ بهمزةٍ مفتوحةٍ ثم عينٍ ساكنةٍ ثم شين مضمومة. وفيها وجهان، قال أبو الفضل: («يجوزُ أَنْ يكونَ جَمعَ العَشَرةَ على أَعْشُر ثم أجراه مُجْرى تسعة عشر)). وقال الزمخشري(٢): ((جمع عَشير، مثل يَمين وأَيْمُن. وعن أنس أيضاً ((تسعَةُ وَعْشُرَ)) بضم التاءِ وَسكونِ العينِ وضمِّ الشين وواوٍ مفتوحةٍ بدلَ الهمزةِ. وتخريجُها كتخريج ما قبلَها، إلاَّ أنَّه قَلَبَ الهمزةَ واواً مبالغةً في التخفيفِ، والضمةُ كما تقدَّم للبناءِ لا للإعرابِ. ونقل المهدويُّ أنه قُرِىءَ (٣) ((تسعةُ وَعَشَرْ)) قال: ((فجاء به على الأصلِ قبلَ التركيبِ وعَطَفَ (عشراً على تسعة)) وحَذَفَ التنوينَ لكثرةِ الاستعمالِ، وسَكَّنَ الراءَ مِنْ عشر على نيةِ الوقف. وقرأ سليمان بن قتة بضمِّ التاءِ، وهمزةٍ مفتوحةٍ، وسكونِ العين، وضم الشين وجرِّ الراءِ مِنْ أَعْشُرٍ، والضمةُ على هذا ضمةُ إعرابٍ، لأنه أضاف الاسمَ لِما بعدهِ، فأعربَهما إعرابَ المتضايفَيْنِ، وهي لغةٌ لبعضٍ العربِ يَقُكُّون تركيبَ الأعدادِ ويُعْرِبُونهما كالمتضايفَيْنِ كقول الراجز(٤): ٤٣٩٣ - كُلِّفَ مِنْ عَنائِه وشِقْوَتِه بنتَ ثماني عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ (١) ولكن المؤلف سبق أن ضبط الراء بالفتح. (٢) الکشاف ٤/ ١٨٤ (٣) وهي قراءةٌ مرويّة عن أنس. (٤) تقدم برقم ١٣٤٣٠. ٥٤٨ - المدثر - قال أبو الفضل: ((ويُخْبَرُ على هذه القراءةِ - وهي قراءةُ مَنْ قرأ ((أَعْشُرِ)) مبنياً أو معرباً من حيث هو جمعٌ - أنَّ الملائكةَ الذين هم على سَقَرَ تسعون مَلَكاً. آ. (٣١) قوله: ﴿إِلَّ فِتْنةً﴾: مفعولٌ ثانٍ على حذفِ مضافٍ، أي: إلَّ سببَ فتنةٍ، و((للذين)) صفةٌ لـ ((فِتْنة)) وليسَتْ ((فتنةً)) مفعولاً له. قوله: (لِيَسْتَيِّقِنَ الذين)) متعلّقٌ بـ ((جَعَلْنا)) لا بـ ((فتنة)). وقيل: بفعلٍ مضمرٍ، أي: فَعَلْنا ذلك ليسْتَيْقِنَ. وللزمخشري(١) هنا كلامٌ متعلّقٌ بالإِعرابِ ليجُرَّه إلى غرضِه مِنْ الاعتزال. قوله: ((كذلك)) نعتٌ لمصدرٍ أو حالٍ منه على ما عُرِفَ غيرَ مرةٍ. و(«ذلك)) إشارةٌ إلى ما تقدَّم مِنْ الإِضلالِ والهدى، أي: مثلَ ذلك الإِضلالِ والهدى يُضِلُّ وبَهْدي. و ((مثلاً)) تمييزٌ أو حالٌ. وتسميةُ هذا مثلاً على سبيل الاستعارةِ لغرابتِه. قوله: ((جنودَ ربِّك)) مفعولٌ واجبُ التقديم لحَصْرِ فاعِلِهِ، ولَعَوْدِ الضميرِ على ما اتَّصل بالمفعول. قوله: ((وما هي)) يجوزُ أَنْ يعودَّ الضميرُ على ((سقر))، أي: وما سَقَرُ إلَّ تذكرةٌ. وأَنْ يعودَ على الآياتِ المذكورةِ فيها، أو النارِ لتقدُّمِها أو الجنودِ، أو نارِ الدنيا، وإن لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ أو العُدَّة. و ((للبشر)» مفعولٌ بـ «ذِكْریُ)» واللامُ فیه مزیدٌ. آ. (٣٣ - ٣٤) قوله: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾: قرأ(٢) نافعٌ وحمزةُ (١) الكشاف ٤/ ١٨٤. (٢) السبعة ٦٥٩، والنشر ٣٩٣/٢، والبحر ٣٧٨/٨، والتيسير ٢١٦، والقرطبي ٨٤/١٩، والحجة ٧٣٣. ٥٤٩ ۔ المدثر - وحفصٌ ((إِذ)) ظرفاً لِما مضىُ مِنْ الزمانِ، ((أَدْبَرَ)) بزنةٍ أَكْرَمَ. والباقون ((إذا)) ظرفاً لِما يُسْتقبل، (دَبَرَ) بزنةٍ ضَرَبَ، والرسمُ محتملٌ لكلتَيْهما(١)، فالصورةُ الخطيّةُ لا تختلفُ. واختار أبو عبيد قراءةَ ((إذا)) قال: لأنَّ بعدَه ((إذا أَسْفَرَ)) قال: ((وكذلك هي في حرفِ عبدِ الله)) قلت: يعني أنَّه مكتوبٌ بألفَيْنِ بعد الذالِ أحدُهما ألفُ ((إذا)) والأخرى همزةُ ((أَدْبَرَ)). واختار ابنُ عباس أيضاً ((إذا))(٢) ويُحْكِىُ عنه أَنَّه لَمَّا سَمِعَ ((أدْبَرَ))(٣) قال: ((إنما يُدْبِر ظھرُ البعیر)). -. واختلفوا: هل دبر واَدبَر، بمعنى أم لا ؟ فقيل: هما بمعنیّ واحدٍ / يقال: دَبَر الليلُ والنهارُ وأَذْبَرَ، وقَبَلَ وأَقْبل. ومنه قولُهم ((أمسٌ الدابرُ)» فهذا مِنْ دَبَرَ، وأمسٌّ المُذْبر قال(٤): [٨٨٥/ ب] ٤٣٩٤- ذهبوا کأمس الداير وأَمَّا أَدْبَرَ الراكِبُ وأَقْبل فرباعيٌّ لا غيرُ. هذا قولُ الفراءِ(٥) والزجاج(٦). وقال يونس: ((دَبَرَ انقضىُ، وأَدْبَرَ تَوَلَّى ففرَّق بينهما. وقال الزمخشري (٧): ((ودَبَّرَ بمعنى أَدْبَرَ كَقَبَل بمعنى أَقْبَلَ. قيل: ومنه صاروا كأمس الدابرِ، وقيل: هو من دَبَرَ الليلُ النهارَ إذا خَلَفَهِ)). (١) الأصل: ((لكلتاهما)». (٢) ((إذا دبر)). (٣) الأصل ((دبر)) وهو سهو والتصحيح من الفراء ٢٠٤/٣. (٤) في اللسان ((دير)» لصخر بن عمرو الشريد السُّلمي: ولقد قَتَلْتُكُمُ ثُنساءً ومَوْحَداً وتَرَكْتُ مُرَّةَ مِثْلَ أمسِ الدابِرِ. (٥) معاني القرآن ٢٠٤/٤. (٦) معاني القرآن ٢٤٨/٥. (٧) الكشاف ١٨٦/٤ : ٥٥٠ - المدثر - وقرأ العامَّةُ ((أسْفَرَ)) بالألف، وعيسى بنُ الفضل(١) وابن السَّمَيْفَع (سَفَرَ)) ثلاثياً. والمعنى: طَرَحَ الظلمةَ عن وجهِه، على وجهِ الاستعارةِ. آ. (٣٥) قوله: ﴿إِنَّها﴾: أي: إنَّ النارَ. وقيل: إنَّ قيامَ الساعةِ كذا حكاه الشيخ(٢)، وفيه شيئان: عَوْدُه على غير مذكورٍ، وكونٌ المضافِ اكتسَبَ تأنيئاً. وقيل: إن النِّذارة. وقيل: هيَ ضميرُ القصةِ. وقرأ العامَّةُ الإِحْدى)) بهمزةٍ مفتوحةٍ، وأصلُها واوٌ، من الوَحْدَة. وقرأ(٣) نصرُ بنُ عاصمٍ وابنُ محيصن، - وتُروى عن ابنٍ كثيرٍ - ((لَحْدَى)» بحذفٍ الهمزةِ، وهذا من الشُّذوذِ بحيثُ لا يُقاسُ عليه. وتوجيهُه: أَنْ يكونَ أَبْدلها ألفاً، ثم حُذِفَتِ الألفُ لالتقاءِ الساكنَيْن، وقياسُ تخفيفِ مثلِ هذه بينها وبين الألفِ. ومعنى ((إِحْدَىُ الكُبَرِ))، أي: إحْدَى الدَّواهي قال(٤): ٤٣٩٥- يا بنَ المُعَلَّى نَزَلَتْ إحدى الكُبَرْ داهيةُ الدهرِ وصَمَّاءُ الْغِيَزْ ومثلُه: هو أَحَدُ الرجالِ و[هي](٥) إحدى النساءِ لِمَنْ يَسْتعظمونه. والكُبَرُ: جمعُ كُبْرىُ كالفُضَل جمع فُضْلى. وقال ابن عطية(٦): ((جمع كبيرة)» وأظنُّه وهماً عليه. وفي هذه الجملة وجهان، أحدُهما: أنها جوابُ القسمِ في قوله: ((والقمرِ)). والثاني: أنها تعليلٌ لـ ((كَلَ)) والقسمٌّ معترضٌ (١) القرطبي ٨٤/١٩، والبحر ٣٧٨/٨، ولم أقف على ترجمة عيسى بن الفضل. (٢) البحر ٣٧٨/٨. (٣) السبعة ٦٥٩، والبحر ٣٧٨/٨، والقرطبي ٨٥/١٩. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٨٥/١٩، والماوردي ٣٥١/٤، والبحر ٣٧٨/٨. وغير الدهر: أحداثه المتغيرة. (٥) زيادة من ( ش ). (٦) المحرر ١٦/ ١٦٤. ٥٥١ بـ المدثر - للتوكيدٍ، قاله الزمخشري(١). قلت: وحينئذٍ فيحتاجُ إلى تقديرٍ جوابٍ، وفيه تكَلُّفٌ وخروجٌ عن الظاهر. آ. (٣٦) قوله: ﴿نذيراً﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه تمييزٌ عن ((إحدى)»، كمّا ضُمُّنَتْ معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكُبَر إنذاراً، فـ (نذير)) بمعنى الإِنذارِ كالَّكير بمعنىُ الإِنكار، ومثلُه («هي إحدى النساءِ عَفافاً). الثاني: أنه مصدرٌ بمعنى الإِنذار أيضاً، ولكنه نُصِب بفعلٍ مقدَّرٍ، قاله الفراء (٢). الثالث: أنه فعيلٌ بمعنى مُفْعِل، وهو حالٌ من الضميرِ في: ((إنَّها)) قاله الزجاج(٣). الرابع: أنه حالٌ من الضمير في ((إحدى)) لتأؤُّلُها بمعنى العظيم. الخامس: أنَّه حالٌ من فاعلِ ((قم)) (٤) أول السورةِ. السادس: أنَّه مصدرٌ منصوبٌ بـ أَنْذِرْ أولَ السورةِ. السابع: هو حالٌ مِنْ ((الكُبرَ)). الثامن: حالٌ من ضميرِ الكُبَر. التاسع: هو حالٌ مِنْ ((لإحدى))، قاله ابن عطية(٥). العاشر: أنَّه منصوبٌ بإضمار أَعْني. الحادي عشر: أنَّه: منصوبٌ بـادْعُ مُقَدَّراً؛ إذ المُراد به اللَّهُ تعالى. الثاني عشر: أنَّه منصوبٌ بـ نادٍ: أو بـ بلِّغ؛ إذْ المرادُ به الرسولُ صلى الله عليه وسلم. الثالثَ عَشِرَ: أنه منصوبٌ بما دَلَّتْ عليه الجملةُ، تقديره: عَظُمْتَ نذيراً. الرابعَ عشرَ: هو حالٌ من الضميرِ في ((الكُبَرِ)). الخامسَ عشرَ: أنها حالٌ مِنْ ((هو)» في قولِه وما يعلَمُ جنودَ ربِّك إلَّ هو. السادسَ عشرَ: أنها مفعولٌ مِنْ أجلِه، (١) الكشاف ١٨٦/٤. (٢) معاني القرآن ٢٠٥/٣. (٣) معاني القرآن ٢٤٩/٥. (٤) الآية ٢. (٥) المحرر ١٦٥/١٦. ٥٥٢ - المدثر - الناصبُ لها ما في ((الكُبَرَ)) مِنْ معنى الفعل. قال أبو البقاء (١): ((أو إنَّها الإِحدى الكُبر لإِنذارِ البشر)) فظاهرُ هذا أنه مفعولٌ مِنْ أجلِه. وفيه بُعْدٌ وإذا جُعِلَتْ حالاً مِنْ مؤنثٍ فإنَّما لم تُؤَنَّثْ لأنَّها بمعنى ذاتِ إنذارٍ على معنىُ النَّسَب. قال معناه أبو جعفر(٢). والنصبُ قراءةُ العامَّةِ، وابن أبي عبلة(٣) وأُبَيُّ بنُ كعبٍ بالرفع. فإنْ كان المرادُ النارَ جاز لك وجهان: أَنْ يكونَ خبراً بعد خبر، وأَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي نذيرٌ، والتذكيرُ لِما تقدَّم مِنْ معنى النَّسَبِ، وإنْ كان المرادُ الباريَ تعالى أو رسولَه عليه السلام كان على خبر مبتدأ مضمرٍ ، أي: هو نذيرٌ. ((وللبشر» إمّا صفةٌ. وإمَّا مفعولٌ النذير، واللامُ مزيدةٌ لتقويةِ العامل. آ. (٣٧) قوله: ﴿لَمَنْ شاءَ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ من «للبشر)» بإعادة العامل كقوله: ((لِمَنْ يَكْفُرُ بالرحمنِ لِبيوتِهم)»(٤) و((للذين اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمن))(٥). وأَنْ يتقدَّمَ مفعولُ «شاء)»، أي: نذيرٌ لمَنْ شاءَ التقدُّمَ أو التأخُّرَ، وفيه ذُكِرَ مفعولُ ((شاء)» وقد تقدَّم أنَّه لا يُذْكَرُ إلَّا إذا كان فيه غَرابَةٌ. والثاني: وإليه نحا الزمخشري(٦) - وبه بدأ - أَنْ يكونَ ((لمَنْ شاءَ)) خبراً مقدَّماً، و((أَنْ يتقدَّم)) مبتدأ مؤخراً قال: ((كقولك: لِمَنْ توضَّأَ أَنْ يُصَلِّي، ومعناه مطلقٌ لمَنْ شاء التقدُّمَ أو التأخّرَ أَنْ يتقدَّم (١) الإملاء ٢٧٣/٢. (٢) وهو النحاس في إعراب القرآن ٥٤٨/٣. (٣) القرطبي ٨٦/١٩، والبحر ٣٧٩/٨، ومعاني القرآن للفراء ٢٠١/٣. (٤) الآية ٣٣ من الزخرف. (٥) الآية ٧٥ من الأعراف. (٦) الكشاف ١٨٦/٤. ٥٥٣ - المدثر أو يتأخّرَ)) انتهى. فقوله ((التقدُّمَ والتأخُّرَ)) هو مفعولُ ((شاء)) المقدَّرِ، وقولُه ((أَنْ يتقدَّمَ)) هو المبتدأ. قال الشيخ(١): ((وهو معنىّ لا يتبادَرُ الذِّهْنُ. إلیه وفیه حَذْفٌ». آ. (٣٨) قوله: ﴿رَهينةٌ﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنَّ ((رهينة)) بمعنى ((رَهْن)) كالشتيمة بمعنى الشَّتْمِ. قال الزمخشري(٢): ((ليسَتْ بتأنيثِ [٨٨٦/أ] ((رهين)) في قوله ((كلُّ امرىء)» / لتَأنيثِ النفسِ؛ لأنَّه لو قُصِدَتِ الصفةٌ لقيل: ((رهِين))؛ لأنَّ فَعيلاً بمعنىُ مَفْعول يَسْتَوَيَ فيه المذكرُ والمؤنثُ،. وإنما هي اسمٌّ بمعنى الرَّهْن كالشَّتيمة بمعنى الشَّتْم، كأنَّ قيل: كلُّ نفسٍ بما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومنه بيتُ الحماسة (٣). ٤٣٩٦- أبعدَ الذِي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيَكِبٍ رَهِينةِ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدِلِ كأنه قال: رَهْنِ رَمْسٍ. الثاني: أنَّ الهاءَ للمبالغةِ. والثالث: أنَّ: التأنيثَ لأجلِ اللفظ. واختارَ الشيخُ(٤) أنَّها بمعنى مَفْعول وأنها كالنَّطيحة. قال: ((ويَدُلُّ على ذلك: أنَّه لَمَّا كان خبراً عن المذكر كان بغيرِ هاءٍ، قال تعالى: ((كل امرىءٍ بما كَسَبَ رهينٌ))(٥) فأنت ترى حيث كان خبراً عن (١) البحر ٣٧٩/٨. ٠٠ (٢) الكشاف ١٨٦/٤ . (٣) البيت لِمِسْوَر بن زيادة الحارثي - إسلامي عاش زمن معاوية - وهو في الحماسة ١٣٩/١ وبعده: ◌ُذَكَّرُ بالبُقيا على مَنْ أصابني. وبُقْياي أني جاهدٌ غيرُ مُؤْتَلٍ (٤) البحر ٣٧٩/٨. (٥) الآية ٢١ من الطور. ٥٥٤ - المدثر - المذكرِ أتى بغيرِ تاءٍ، وحيث كان خبراً عن المؤنثِ أتى بالتاء. فأمَّا الذي(١) في البيت فأنْث على معنى النفس)) آ. (٣٩) قوله: ﴿إِلَّ أصحابَ اليمن﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنها استثناءٌ متصلٌ؛ إذ المرادُ بهم المسلمون الخالِصون الصالحون. والثاني: أنه منقطعٌ؛ إذ المرادُ بهم الأطفالُ أو الملائكةُ. آ. (٤٠) قوله: ﴿في جناتٍ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جناتٍ، وأن يكونَ حالاً مِنْ ((أصحابَ اليمين))، وأَنْ يكونَ حالاً من فاعل ((يَتَساءلون)) ذكرهما أبو البقاء(٢). ويجوزُ أَنْ يكونَ ظرفاً لـ ((يتساءلون)) وهو أظهرُ من الحاليةِ مِنْ فاعِله. و ((يتساءلون)) يجوزُ أَنْ يكونَ على بابِهِ، أي: يَسْألون غيرَهم، نحو: دَعَوْتُهُ وتَداعيْتُه. آ. (٤٣) قوله: ﴿لم نَكُ من المُصَلِّين﴾: هذا هو الدالُ على فاعلٍ سَلَكَنا كذا الواقع جواباً لقولِ المؤمنين لهم: ما سلككم؟ التقدير: سَلَكَنا عدمُ صَلاتِنا وكذا وكذا. وقال أبو البقاء (٣): ((هذه الجملةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الفاعلِ وهو جوابُ ما سَلَككم)) ومرادُه ما قَدَّمْتُه، وإنْ كانَ في عبارتِه عُسْرٌ. وأدغم(٤) أبو عمروٍ ((سَلَككم)) وهو نظيرُ ((مناسِكَكم)(٥) وقد تقدَّم (١) الأصل: ((التي)) والتصحيح من البحر. (٢) الإملاء ٢٧٣/٢. (٣) الإملاء ٢٧٣/٢ .. (٤) انظر: الإقناع في القراءات السبع ٢٢٢/١. (٥) الآية ٢٠٠ من البقرة. ٥٥٥ - المدثر - ذلك في البقرة(١). وقوله ((ما سَلَكَكُم)) يجوزُ أَنْ يكونَ على إضمار القولِ، وذلك القولُ في موضع الحال، أي: يتساءلون عنهم، قائلين لهم: ما سلككم؟ وقال الزمخشري (٢): ((فإنْ قلتَ: كيف طابَقَ قولُه (ما سلككُمْ)) وهو سؤالُ المجرمين قولَه ((يتساءلون عن المجرمين)) وهو سؤالٌ عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين ما سلككم؟ قلت: قُولُه ((ما سلككم)) ليس ببيانٍ للتساؤلِ عنهم، وإنما هي حكايةُ قولِ المسؤولين عنهم؛ لأن المسؤولين يُلْقُون إلى السَّائِلِين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون: قلنا لهم ما سلككم؟ آ. (٤٨) قوله: ﴿فما تَنْفَعُهم شفاعةٌ﴾: كقولِه(٣) ٤٣٩٧- على لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بمنَارِهِ في أحدٍ وجهَيْه(٤)، أي: لا شفاعةً لهم، فلا انتفاع بها، ولیس المرادُ أنَّ ثَمَّ شفاعةً غيرَ نافعةٍ كقوله: ((ولا يَشْفَعون إلَّ لِمَنِ ارْتَضَىْ))(٥) .آ. (٤٩) قوله: ﴿مُعْرِضين﴾: حالٌ من الضمير في الجارٌّ. الواقع خبراً عن «ما) الاستفهاميةِ، وقد تقدَّم أنَّ مِثْلَ هذه الحالِ تُسَمَّى. حالاً لازِمَةً وقد تقدَّم فيها بحثٌ حسنٌ. ((وعن التذكرة)) متعلِّقٌ بهِ. آ. (٥٠) قوله: ﴿كأنهم﴾ هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً (١) انظر: الدر المصون ٣٣٧/٢. (٢) الكشاف ١٨٧/٤. (٣) تقدم برقم ١٠٨٨. (٤) انظر: الدر المصون ٦٢٣/٢. (٥) الآية ٢٨ من الأنبياء. ٥٥٦ - المدثر - من الضمير في الجارِّ، وتكون بدلاً مِنْ ((مُعْرِضِيْنَ)) قاله أبو البقاء(١)، يعني أنَّها كالمشتملة عليها، وأَنْ تكونَ حالاً من الضميرِ في ((مُعْرِضِين)) فتكونَ حالاً متداخلةً. وقرأ العامَّةُ ((حُمُرٌ) بضمِّ الميم، والأعمش(٢) بإسكانِها. وقرأ(٣) نافعٌ وابنُ عامر بفتح الفاء مِنْ ((مُسْتَنْفَرة)) على أنه اسمُ مفعولٍ، أي: نَفَّرها القُنَّص. والباقون بالكسرِ بمعنى: نافِرة. يُقال: استنفر ونَفَر بمعنى نحو: عَجِب واستعجب، وسخِر واسْتَشْخر. قال الشاعر(٤): ٤٣٩٨- أَمْسِكْ حِمارَكَ إنَّه مُسْتَنْفِرُ في إِثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لغُرَّبٍ وقال الزمخشري(٥): ((كأنها تطلُبُ النَّار مِنْ نفوسِها في جَمْعِها له وحَمْلِها عليه)) انتهى. فأبقى السينَ على بابِها من الطَّلَبِ، وهو معنى حسن . ورجّحَ بعضُهم الكسرَ لقولِه ((فَرَّتْ)) للتناسُبِ. وحكى محمدُ ابنُ سَلَّم(٦) قال (٧): ((سألتُ أبا سَوَّار الغَنَويَّ وكان عربياً فصيحاً، فقلت: (١) الإملاء ٢٧٣/٢. (٢) البحر ٣٨٠/٨. (٣) السبعة ٦٦٠، والنشر ٣٩٣/٢، والبحر ٣٨٠/٨، والتيسير ٢١٦، والقرطبي ٨٩/١٩، والحجة ٧٣٤. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في معاني القرآن للفراء ٢٠٦/٣، واللسان ((نفر))، والقرطبي ٨٩/١٩. وغُرَّب: جبل لكلب دون الشام. (٥) الكشاف ٤ / ١٨٧. (٦) محمد بن سلَّم الجمحي، إمام في الأدب من أهل البصرة له طبقات الشعراء، توفي سنة ٢٣٢. انظر: إرشاد الأريب ١٣/٧، وتاريخ بغداد ٣٢٧/٥. (٧) انظر: البحر ٣٨٠/٨. ٥٥٧ - المدثر - [٨٨٦/ ب] كأنهم / حُمُرٌ ماذا؟ فقال: مُسْتَنْفَرَة طَرَدَها قَسْورة. فقلت: إنما هو ((فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرة)) فقال: أفرَّتْ؟ قلت: نعم. قال: ((فمُسْتَنْفِرة إذن)) انتهى. يعني أنها مع قولِه ((طَرَدِها)) تُناسِبُ الفتحَ لأنَّها اسمُ مفعولٍ فلما أُخْبر بأنَّ التلاوةَ ((فَرَّتْ مِنْ قَبْورة) رَجَعَ إلى الكسرِ للتناسُبِ، إلاَّ أنَّ (١) بمثلِ هذه الحكاية لا تُرَدُّ القراءةُ المتواترةُ. والقَسْوَرَةُ: قيل: الصائِدُ. وقيل: ظلمةُ الليل. وقيل: الأسد، ومنه. قولُ الشاعر(٢) : ٤٣٩٩- مُضَمَّرٌ تَخْذَرُه الأبطالُ كأنه القَسْوَرَةُ الرِّثْبالُ أي: الأسد، إلاّ أنَّ ابن عباس أنكرَه، وقال: لا أعرفُ القَسْوَرَةَ: الأسدَ في لغة العرب، وإنما القَسْوَرَةُ: عَصَبُ الرجال، وأنشد(٣): ٤٤٠٠- يا بنتُ، كُوني خَيْرَةً لخَيِّرَهْ أخوالُها الجِنُّ وأهلُ القَسْوَرَهْ وقيل: هم الرُّماةُ، وأنشدوا للبيد بن ربيعة (٤): ٤٤٠١- إذا ما هُتَّفْنا هَتْفَةٌ فِي نَدِيِّنا أتانا الرجالُ العانِدون القساورُ (١) اسم أنَّ هنا ضمير الشأن. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٦٩/٨، والمحرر: ٠١٦٨/١٦ والرئبال من أسماء الأسد. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٩٠/١٩، والبحر ٢٩٦/٨. (٤) من زيادات ديوانه ٣٥١ وفيه ((الصائدون)) بدلاً من «العاندون»، وهو في البحر ٣٦٩/٨، والمحرر ١٦٨/١٦. ٥٥٨ ۔ المدثر - والجملةُ مِنْ قولِه ((فَرَّتْ)) يجوزُ أَنْ تكونَ صفةً لـ ((حُمُر)) مثلَ (مُسْتَنْفرة))، وأنْ تكونَ حالاً، قاله أبو البقاء(١). آ. (٥٢) قوله: ﴿مُنَشَّرة﴾: العامَّةُ على التشديد مِنْ نَشَّره)» بالتضعيف. وابن جبير (٢) ((مُنْشَرَة)) بالتخفيف. ونَشَر وأَنْشَرَ مثل: نَزَل وأَنْزَل. والعامَّةُ أيضاً على ضَمِّ الحاءِ مِنْ ((صُحُف))، وابن جبير(٣) على تسكينها. قال الشيخ(٤): ((والمحفوظ في الصحيفة والثوب نَشَرَ مخففاً ثلاثياً)) قلت: وهذا مردودٌ بالقرآن المتواتر. وقال أبو البقاء(٥) في قراءة ابن جُبير: ((مِنْ أَنْشَرْتُ: إمَّا بمعنى أَمَرَ بَشْرِها مثلَ: ((أَلْحَمْتُك عِرْضَ فلانٍ))، أو بمعنى مَنْشورة مثل: أَحْمَدْتُ الرجلَ أو بمعنى: أَنْشَر اللَّهُ الميّتَ، أي: أحياه، فكأنه أحيا ما فيها بذكرِه. آ. (٥٦) قوله: ﴿وما يَذْكُرُون﴾: قرأ(٦) نافعٌ بالخطاب، وهو التفاتٌ من الغَيْبة إلى الخطاب، والباقون بالغَيْبة حَملاً على ما تقدَّم مِنْ قولِه ((كلُّ امرئٌّ منهم))(٧) ولم يُؤْثِروا الالتفاتَ، والهاءُ في («إنَّه)) للقرآن أو للوعيد. قوله: ((إلاَّ أَنْ يشاءَ)) بمعنى: إلَّ وقتَ مشيئِتِه لا على أنَّ ((أنْ)) تنوبُ عن الزمانِ بل على حَذْفٍ مضاف. [تمَّت بعونه تعالى سورة المدثر] (١) الإملاء ٢٧٣/٢. (٢) والبحر ٣٨١/٨، القرطبي ٩٠/١٩. (٣) المحتسب ٣٤٠/٢، والبحر ٣٨١/٨. (٤) البحر ٣٨١/٨. (٥) الإملاء ٢٧٣/٢ . (٦) السبعة ٦٦٠، والقرطبي ٩٠/١٩، والبحر ٣٨١/٨، والتيسير ٢١٦، (٧) الآية ٥٢. والحجة ٧٣٥، والنشر ٣٩٣/٢. ٥٥٩