Indexed OCR Text
Pages 221-240
- الواقعة - فيه حَذْفَ اسم ((لا)) وخبرِها. قال الشيخ(١): ((ولا يجوز)) ولا ينبغي(٢)؛ فإن القائلَ بذلك مثلُ سعيدٍ بنِ جُبير تلميذِ حَبْرِ القرآنِ وبحرِهِ عبدِ اللهِ ابن عباس رضي الله عنهما، ويَبْعُدُ أَنْ يقولَه سعيدٌ إلَّ بتوقيف. الثاني: أنها زائدةٌ للتوكيدِ، مِثْلُها في قولِه تعالى: ((لئلا يَعْلَمَ))(٣) والتقدير: فَأَقْسِمُ، وليَعْلَمَ، وكقولِهِ(٤). ٤٢٢٤- فلا وأَبي أعدائِها لاأَخُوْنُها الثالث: أنَّها لامُ الابتداءِ. والأصلُ: فَلُقْسِمُ فَأُشْبِعَتْ الفتحةُ فتولّد منها ألفٌ، كقوله(٥) : ٤٢٢٥ - أَعوذُ باللَّهِ من العَقْرابِ قاله الشيخُ(٦)، واستشهدَ بقراءةِ هشام ((أَفْئِيْدَة))(٧). قلت: وهذا ضعيفٌ جداً، واستند أيضاً لقراءةٍ (٨) الحسن وعيسى/ ((فَلَأَقْسِمُ)) بلام [١/٨٤٠] واحدةٍ. قلت: وفي هذه القراءةِ تخريجان أحدُهما: أنَّ اللامَ لامُ الابتداءِ، (١) البحر ٢١٣/٨. (٢) أي لا ينبغي الأخذ بهذا التضعيف. (٣) الآية ٢٩ من الحديد. (٤) لم أهتد إلى تمامه وقائله وهو في المحرر ٣٨٤/١٥، والبحر ٢١٣/٨. (٥) تقدم برقم ١٤٦٢. (٦) البحر ٢١٣/٨. (٧) الآية ٣٧ من إبراهيم. وانظر: الدر ١١٢/٧. (٨) المحتسب ٣٠٩/٢، والبحر ٢١٣/٨، والقرطبي ١٢٣/١٧. ٢٢١ - الواقعة - وبعدها مبتدأُ محذوفٌ، والفعلُ خبرُه، فلمَّا حُذِفَ المبتدأُ اتصلَتْ اللَامُ بخبرِهِ وتقديرُه: فلَأَنا أُقْسِمُ نحو: لَزِيدٌ منطلقٌ، قاله الزمخشري(١) وابن جني(٢). والثاني: أنها لامُ القسمِ دخَلَتْ على الفعل الحالي. ويجوزُ أَنْ يكونَ القسم جواباً للقسم كقوله: ((ولَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا)»(٣) فنفسُ (يَحْلِفُنَّ)) قسمٌ جوابُهُ ((إِنْ أَرَدْنَا)) وهو جوابٌ لقسم مقدرٍ، كذلك هذا، وهو قولُ الكوفيين: يُجيزون أَنْ يُقْسَم على فعلِ الحالِ. والبصرِيُّون يَأْبَوْنه ويُخَرِّجون ما يُوهم ذلك على إضمار مبتدأ فيعود القسم على جملةٍ اسمية. ومنع الزمخشري(٤) أن تكونَ لامَ القسم قال: («لأمرَيْن، أحدهما: أنَّ حَقَّهَا أَنْ تُقْرَنَ بالنونِ المؤكدةِ، والإِخلالُ بها ضعيفٌ قبيحٌ. والثاني: أنَّ لأفعلنَّ في جواب القسم للاستقبالِ، وفعلُ القسمِ يجب أَنْ يكونَ للحال)) وهذا كما تقدَّم أنه يرى مذهبَ البَصْريين، ومعنى قوله: ((وفعلُ القَسَمِ يجبُ أنْ يكونَ للحال)) يعني أنَّ فِعْلَ القسم إنشاءٌ والإِنشاءُ حالٌ. وأمَّا قولُه: ((أَنْ يُقْرِن بها النونُ)) هذا مذهبُ البصريين. وأمَّا الكوفيون فيجيزون التعاقبَ بين اللام والنونِ نحو: واللَّهِ لِأَضْرِبُ زيداً كقوله(٥) : ٤٢٢٦- لَئِن تَكُ قد ضاقَتْ عليكم بیوتُكمْ لَيَعْلَمُ ربِّي أَنَّ بيتيَ وَاسِعُ وواللَّهِ اضربَنَّ زيداً كقولِه(٦): (١) الكشاف ٥٨/٤. (٢) المحتسب ٣٠٩/٢. (٣) الآية ١٠٧ من التوبة. (٤) الكشاف ٥٨/٤ . (٥) تقدم برقم ٦٦٣. (٦) تمامه : ٢٢٢ - الواقعة - ٤٢٢٧- وقتيلُ مُرَّةً أَثَرَنَّ وقد تقدَّم قريبٌ من هذه الآية في قولِه تعالى: ((فلا وربِّك لا يُؤْمنون حتى يُحَكِّموك)»(١) ولكن هناك ما لا يُمكن القولُ به هنا كما أنَّ هنا ما لا يمكن القولُ به هناك، وسيأتي قريبٌ منه في القيامةِ في قراءةِ ابن كثير ((لأُقْسِمُ بيوم القيامة))(٢). وقرأ العامَّة ((بمواقع)) جمعاً، والأخَوان(٣) ((بموقع)) مفرداً بمعنى الجمع لأنَّه مصدرٌ فؤُخِّدَ. ومواقعُها: مَساقِطُها ومَغارِبُها. وقيل: سُقوطُها يوم تَنْكَدِرُ. وقيل: النجومُ للقرآن، ويؤيِّدُه ((وإنَّه لَقَسَمٌ))، و((إِنَّه لقرآنٌ كريم)) والمُقْسَمُ عليه قولُه: ((إنه لقرآنٌ كريمٌ)) وعلى هذا فيكونُ في الكلام اعتراضان، أحدُهما: الاعتراضُ بقوله: ((وإنه لَقَسَمٌ)) بين القسمِ والمُفْسَم عليه، والثاني: الاعتراضُ بقوله: ((لو تعلمون)) بين الصفةِ والموصوفِ. وأبىُ ابنُ عطية (٤) أَنْ يُجْعَلَ قولُه: ((وإِنَّه لَقَسَمٌ)) اعتراضاً فقال: ((وإنه لَقَسَمٌ)) تأكيدٌ للأمرِ وتنبيهُ المُقْسَم به، وليس هذا باعتراضٍ بين الكلامَيْن، فإنه فَرْعُ وإِنَّ أخاكمُ لم يُثْأَرِ = وهو لعامر بن الطفيل في المفضليات ٣٦٤، والأصمعيات ٢٥٢، والخزانة ٢١٦/٤، وشرح الشافية الكافية ٨٣٨. وقتيل مرة: أخوه. فرغ: هدر وباطل. (١) الآية ٦٥ من النساء. (٢) الآية ١ من القيامة. وانظر: السبعة ٦٦١. (٣) السبعة ٦٢٤، والبحر ٢١٣/٨، والنشر ٣٨٣/٢، والتيسير ٢٠٧، والقرطبي ٢٢٤/١٧، والحجة ٦٩٧ . (٤) المحرر ٣٨٥/١٥. ٢٢٣ - الواقعة - بل هذا معنَى قُصِدَ الثَّهَمُّمُ به، وإنما الاعتراضُ قولُه: ((لو تعلمون)). قلت: وكونُه تأكيداً ومُنَبِّهاً على تعظيم المُفْسَم به لا يُنافي الاعتراضَ بل هذا معنى الاعتراض وفائدتُه. آ. (٧٩) قوله: ﴿لا يمَسُّه﴾: في ((لا)) هذه وجهان، أحدهما: أنها نافيةٌ فالضمةُ في ((لا يَمَثُّه)) ضمةُ إعرابٍ، وعلى هذا القولِ ففي الجملةِ وجهان، أحدهما: أنَّ محلّها الجرّ صفةً لـ ((كتاب)) والمرادُ بـ (كتاب)): إمَّا اللوحُ المحفوظُ، والمُطهَّرون حينئذِ الملائكةُ أو المرادُ به المصاحف، والمرادُ بالمُطهَّرين المكلَّفون كلُّهم. والثاني: أن محلّها الرفعُ صفةٌ لقرآن، والمرادُ بالمطهّرين الملائكةُ فقط أي: لا يَطَّع عليه أو لا يَمَنُ لَوْحَه. لا بُدَّ من أحد هَذَيْن التجوُّزَيْن؛ لأن نسبةَ المسِّ إلى المعاني حقيقةً متعذّرٌ. ويؤيِّد كونَ هذه نفياً قراءةُ عبد الله(١) (ما يَمَشُّه)) بـ ((ما ) النافية . والثاني من الوجهين الأوَّلَيْن: أنها ناهيةٌ، والفعلُ بعدها مجزومٌ؛ لأنه لو فُكَّ عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقولِه: ((لم يَمْسَسْهم سوءٌ)) (٢). ولكنه أُدْغم، ولَمَّا أُذْغِم حُرِّك آخرُه بالضمِّ لأجلِ هاء ضميرِ المذكرِ : الغائبٍ، ولم يَحْفَظْ سيبويه(٣) في نحوِ هذا إلَّ الضمَّ. وفي الحديث(٤): ((إنَّا : (١) انظر: المحرر الوجيز ٣٨٨/١٥. (٢) الآية ١٧٤ من آل عمران. (٣) مذهب سيبويه أنه يحرك بحركة أقرب حرف إليه. قال: ((ألا ترى أن المضاعف : إذا أدغم في موضع الجزم حُرِّك آخر الحرفين لأنه لا يلتقي ساكنان، وجُعِل حركته كحركة أقرب المتحركات منه وذلك قولك لم يَرُدُّ، ولم يرتَدَّ، ولم يَقِرِّ» الکتاب ١/ ٣٤٠. (٤) رواه البخاري. انظر: الفتح ٣٨/٤، (٢٨ كتاب جزاء الصيد، ٦ باب إذا أهدي للمحرم). وروايته بفتح الدال. ٢٢٤ - الواقعة - لم نَرُدُّه عليك إلاّ أننا حُرُمٌ)) وإن كان القياسُ يَقْتضي جوازَ فَتْحِه تخفيفاً، وبهذا الذي ذكرْتُه يظهر فسادُ رَدُّ / مَنْ رَدَّ: بأنَّ هذا لو كان نَهْياً لكان [٨٤٠/ب] يُقال: ((لا يَمَسَّه)» بالفتح؛ لأنه خَفي عليه جوازُ ضَمِّ ما قبل الهاءِ في هذا النحوِ، لا سيما على رأي سيبويه فإنه لا يُجيز غيرَه. وقد ضَعَّفَ ابنُ عطية(١) كونَه نهياً: بأنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفةِ، وقولُه بعد ذلك ((تنزيلٌ)) صفةٌ فإذا جعلناه(٢) نَهْياً كان أجنبياً معترضاً بين الصفاتِ وذلك لا يَحْسُن في رَصْفِ الكلامِ فتدبَّرْه. وفي حرف ابن مسعود «ما یمشُه)) انتهى. وليس فيما ذكرَه ضَعْفٌ لهذا القول؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ ((تنزيل)) صفةٌ، بل هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو تنزيلٌ فلا يَلْزَم ما ذَكرَه من الاعتراضٍ. ولَئِنْ سَلَّمْنَا أنه صفةٌ فـ ((لا يَمَسُّه)) صفةٌ أيضاً، فيُعْترض علينا: بأنه طلبٌ. فيُجاب: بأنه على إضمارِ القولِ أي: مقولٌ فيه: لا يمسُّه، كما قالوا ذلك في قوله(٣): ((فتنةً لا تصيبَنَّ)) على أنَّ ((لا تصيبنَّ)) نَهْيٌ وهو کقوله (٤). ٤٢٢٨- جاؤوا بمَذْقٍ هل رأيْتَ الذئبَ قطّ وقد تقدَّم تحقيقُه في الأنفال(٥)، وهذه المسألةُ يتعلَّقُ بها خلافُ (١) المحرر ٣٨٨/١٥. (٢) الأصل ((جعلنا»، والتصحيح من ابن عطية. (٣) الآية ٢٥ من الأنفال. (٤) تقدم برقم ٢٤٠١. (٥) انظر: الدر المصون ٥٨٩/٥. ٢٢٥ الواقعة - العلماء في مَسِّ المُحْدِث المصحفَ، وهو مبنيٌّ على هذا، وسيأتي. تحقيقُه(١) بأشبعَ مِنْ هذا في كتاب ((أحكام القرآن)) إن شاء الله تعالى إتمامه . وقرأ العامَّةُ ((المُطَهَّرون)) بتخفيف الطاء وتشديد الهاء مفتوحةً اسمَ مفعول، وعن سلمان الفارسي(٢) كذلك، إلَّ أنه بكسرِ الهاء اسمَ فاعلٍ أي: المُطَهِّرون أنفسَهم، فحذف مفعولَه. ونافع وأبو عمروٍ في رواية عنهما وعيسى بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة اسم مفعول من أطهر(٣). وزيد والحسن وعبد الله بن عون وسلمان أيضاً ((المُطَّهِّرُوْن)) بتشديدٍ(٤) الطاءِ. والهاءِ المكسورةِ، وأصلُه المتطهِّرون فأُدْغِم. وقد قُرىءَ بهذا الأصلِ أيضاً. آ. (٨٠) وقرِىء(٥) ((تنزيلاً)) بالنصب على أنه حال من النكرة(٦). وجاز ذلك لتخصُّصِها بالصفةِ، أو أَنْ يكونَ مصدراً لعاملٍ مقدر أي: نُزِّل تنزيلاً، وغَلَب التنزيلُ على القرآن. و ((من رَبِّ)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ به على الأول(٧) لا الثاني؛ لأن المؤكَّد لا يعملُ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ له، وأمَّا على قراءةِ ((تنزيل)» بالرفعِ فيجوز الوجهان (٨). (١) انظر أقوال العلماء في المحرر الوجيز ٣٨٦/١٥. (٢) انظر في قراءاته: الشواذ ١٥١، والبحر ٢١٤/٨. (٣) («المُطْهَرون)). (٤) الأصل ((بشد» والتصحيح من ( ش). (٥) البحر ٢٥١/٨. (٦) وهي ((كتاب)). (٧) أي على وجه الحال. (٨) أي أن تعلقه بتنزيل أو بصفة منه. ٢٢٦ - الواقعة - آ. (٨١) قوله: ﴿أفبهذا﴾: متعلُّقٌ بالخبر، وجازَ تقديمُه على المبتدأ؛ لأنَّ عامله يجوزُ فيه ذلك. والأصل: أفأنتم مُدْهِنون بهذا الحديث وهو القرآنُ. ومعنى («مُدْهِنون)»: مُتهاوِنون كمن يُدْهِنُ في الأمر أي: يُلَيِّنُ جانبَه ولا يتصلَّب فيه تهاوناً به يقال: أَدْهَن فلانٌ أي: لايَنَ وهاوَدَ فيما لا يُحْمَلُ عند المُذْهَنِ. قال الشاعر(١): ٤٢٢٩ - الحَزْمُ والقُوَّةُ خيرٌ من الْـ إذهانِ والفَهَّةِ والهاعِ وقال الراغب(٢): ((والإِدهانُ في الأصل مثلُ التدهين لكن جُعِل عبارةٌ عن المُداراة والمُلاينة وتَرْكِ الجدِّ، كما جُعِل التقريدُ وهو نَزْعُ القُراد(٣)، عبارةً عن ذلك)). آ. (٨٢) قوله: ﴿وَتَجْعلون رِزْقَكم﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه على التهّم بهم؛ لأنهم وَضَعوا الشيءَ غيرَ موضعِه كقولك: ((شَتَمني حيث أَحْسَنْتُ إليه)) أي: عَكَسَ قضيةَ الإِحسانِ ومنه (٤): ٤٢٣٠- كأن شُكْرَ القَوْمِ عند المِنَنِ كيُّ الصَحيحاتِ وفَقْءُ الأعينِ أي: شُكْرَ رِزْقِكم تكذيبكم. الثاني: أنَّ ثَمَّ مضافَيْنِ محذوفَيْنِ، (١) البيت لأبي قيس بن الأسلمت من قصيدته في المفضليات ٢٨٥، وجمهرة أشعار العرب ٦٦٨، والفهة: العِيُّ. والهاع: شدة الحرص. (٢) المفردات ١٧٣ . (٣) أي: عن البعير. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٢١٥/٨، والمحرر ٣٨٩/١٥. ٢٢٧ - الواقعة - أي: بَدَل شُكْرِ رِزْقِكم ليَصِحَّ المعنى قاله جمال الدين بن مالك(١)، وقد تقدَّم لك في قوله: ((فكان قابَ قوسَيْن))(٢) أكثرُ من هذا. الثالث: أنَّ الرِّزْقَ هو الشُّكْرُ في لغةٍ أزدِ شنوءة: ما رَزَقَ فلانٌ فلاناً أي: ما شكره، فعلى هذا لا حَذْفَ البتةَ، ويُؤَيِّدُهُ قراءةٌ(٣) علي بنِ أبي طالب وتلميذِه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم (٤) ((وتَجْعَلون شُكْرَكم)) مكانَ ((رِزْقَكم). وقرأ العامَّةُ (تُكذِّبون)) من التكذيب. وعلي(٥) رضي الله عنه وعاصمٌ في رواية المفضل عنه ((تَكْذِبون)) مخففاً من الكَذِب. آ. (٨٣) قوله: ﴿فلولا إذا بَلَغَتِ الحُلْقومَ﴾: ترتیبُ [٨٤١/ أ] الآيةِ / الكريمة: فلولا تَرْجِعُونها - أي النفسَ - إذا بلغت الحلقومَ إنْ كنتم غيرَ مَدِيْنين. و ((فلولا)) الثانيةُ مكررةٌ للتوكيدِ. قاله الزمخشريُّ (٦). قلت: فيكونُ التقدير: فلولا فلولا تَرْجِعونها، من باب التوكيد اللفظي، وتكون ((إذا بَلَغَت)) ظرفاً لـ (تَرْجِعونها)) مقدَّماً عليه؛ إذ لا مانعَ مِنْه، أي: فلولا تَرْجِعون النفسَ في وقتِ بُلوغها الحلقومَ. وقوله: ((وأنتم حينئذٍ تَنْظُرون)) جملةٌ حالية مِنْ فاعل بَلَغَتْ، والتنوينُ في ((حينئذٍ)) عِوَضٌ من الجملة المضافِ إليها ((إذا))، أي: إذا بلغَتْ الحلقومَ خلافاً للأخفش حيث زعمَ أن التنوينَ الصَّرْفِ والكسرَ للإِعرابِ، وقد مضى تحقيقُه(٧) (١) شرح الكافية الشافية ٩٧١/٢. (٢) الآية ٩ من النجم. (٣) سقطت التاء سهواً من الأصل. (٤) المحتسب ٣١٠/٢، والقرطبي ٢٢٨/١٧، والبحر ٢١٥/٨. (٥) السبعة ٦٢٤، والقرطبي ٢٣٠/١٧، والبحر ٢١٥/٨. (٦) الكشاف ٤/ ٩٥. (٧) انظر: الدر المصون ٢٤٨/١. ٢٢٨ - الواقعة - آ. (٨٤) وقرأ العامَّةُ بفتح نونِ ((حينئذٍ)) لأنَّه منصوبٌ على الظرفِ ناصبُه (تَنْظُرون)). وعيسى(١) بكسرها، وهي مُشْكِلَةٌ لا تَبْعُدُ عن الغَلَطِ عليه، وخُرِّجَتْ على الإِتباع لحركة الهمزة. ولا غَرْوَ في ذلك فليسَتْ بأبعدَ من قراءةِ ((الحمدِ لله))(٢) بكسر الدال لتلازُمِ المتضايفَيْنِ ولكثرةِ دَوْرِهما على الخصوص. آ. (٨٥) قوله: ﴿ونحنُ أَقْرَبُ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً أي: تَنْظُرون في هذه الحالِ التي تَخْفَى عليكم، وأن تكونَ مستأنفةً، فتكونَ اعتراضاً، والاستدراكُ ظاهرٌ. والبَصَرُ: يجوز أَنْ يكونَ من البصيرة، وأَنْ يكونَ من البَصَرِ أي: لا تَنْظُرُون أعوانَ مَلَكِ الموتِ. آ. (٨٦) و ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: شرطٌ جوابُه محذوفٌ عند البَصْريين الدلالةِ ((فلولا)) عليه أو مقدَّمُ عند مَنْ يرى ذلك، كما تقدَّمَ تقريرُه. والحُلْقُوْمُ (٣): مَجْرى الطعام. و((مَدِيْنين)) أي: مَسُوسين، أو محاسَبين، أو مجازِين. وقد تقدَّم ذلك أولَ الفاتحة(٤) ولله الحمدُ. وهذا ما تلخص في الآية الكريمة محرَّراً. وقال أبو البقاء(٥): ((وتَرْجِعونها جوابُ ((لولا)) الأولى، وأغنى ذلك عن جوابٍ الثانية وقيل عكسُ ذلك. وقيل: لولا الثانيةُ تكريرٌ)) انتهىُ. وتسميةُ مثلِ هذا جواباً ليس بصحيح البتّة؛ لأنَّ هذه تحضيضيةٌ لا جوابَ لها، إنما الجوابُ للامتناعيةِ لوجودٍ نحو: ((ولولا فَضْلُ الله))(٦). (١) البحر ٢١٥/٨، والمحرر ٣٩٠/١٥. (٢) الآية ١ من الفاتحة. وانظر في هذه القراءة الدر ٤١/١. (٣) عاد إلى الآية ٨٣. (٤) انظر: الدر ١/ ٥٣. (٥) الإملاء ٢٥٤/٢. (٦) الآية ٨٣ من النساء. ٢٢٩ - الواقعة - . وقال ابن عطية(١): ((وقولُه: ((تَرْجِعونها)) سَدَّ مَسَدَّ الأجوبةِ والبياناتِ التي تَقْتَضيها التَّخضيضاتُ، و((إذا)) مِنْ قولِه: ((فلولا إذا)) و ((إِنْ)) المكررة، وحَمَلَ بعضُ القولِ بعضاً إيجازاً واقتضاباً)) انتهى. فجعل ((إذا)) شرطيةً. وقولُه: ((الأجوبة)) يعني لـ ((إذا)) ولـ ((إنْ)) ولـ ((إنْ)) في قولِه: ((إنْ كنتم غيرَ مَدينين))؛ ((إنْ كنتم صادقين)). والبياناتُ يعني الأفعالَ التي حَضَّض عليها، وهي عبارةٌ قَلِقَةٌ، ولذلك فَسَّرْتُها. قال الشيخ(٢): ((وإذا ليسَتْ شرطاً؛ بل ظرفاً (٣) يعمل فيها (تَرْجعونها)) المحذوفُ بعد ((لولا)) لدلالةِ ((تَرْجِعونها)) في التحضيض الثاني عليه، فجاء التحضيضُ الأولُ مقيَّداً بوقتٍ بلوغ الحُلْقومِ. وجاء التحضيضُ الثاني مُعَلَّقاً على انتفاء مَرْبُوْبيّتهم وهم لا يَقْدرون على رَجْعِها إذ مَرْبُوبِيَّتُهم موجودةٌ، فهم مقْهورون لا قُدْرَةَ لهم)) انتهى. فجعل (تَرْجِعونها)) المذكورَ لـ (لولا)) الثانية، وهو دالٌّ على محذوفٍ بعد الأولى، وهو أحدُ الأقوالِ التي نَقَلها أبو البقاء(٤) فيما تقدم. آ. (٨٧) قوله: ﴿إِنْ كنتم صادقين﴾: شرطٌ آخرُ، وليس هذا من اعتراضِ الشرطِ على الشرطِ نحو: ((إنْ ركبتِ إنْ لَبِسْتِ فأنتِ طالق)) حتى يجيءَ فيه ما قَدَّمْتُه في هذه المسألةِ؛ لأنَّ المرادَ هنا: إِنْ وُجِد الشرطان كيف كانا فهلا رَجَعْتُمْ بنفسِ الميتِ. قوله: ((فأمَّا إِنْ كان)) قد تقدَّم(٥) الكلامُ في ((أمَّا)) في أولِ هذا (١) المحرر ٣٩١/١٥ (٢) البحر ٢١٥/٨. (٣) الأولى أن يقول: ((بل ظرف)) أي: بل هي ظرف كما ورد في ((البحر)). (٤) الإملاء ٢٥٤/٢. (٥) انظر: الدر المصون ٢٢٦/١. ٢٣٠ - الواقعة - الموضوع مستوفىّ ولله الحمدُ. وهنا أمرٌ زائدٌ(١) وهو وقوعُ شرطٍ آخرَ بعدها. واختلف النحاةُ في الجوابِ المذكورِ بعدها: هل هو لـ ((أمَّا)) أو لـ ((إنْ))، وجوابُ الأخرى محذوفٌ لدلالةِ المنطوقِ عليه، أو الجوابُ لهما معاً؟ ثلاثةُ أقوالٍ، الأولُ لسيبويه(٢) والثاني للفارسيِّ في أحدٍ قولَيْه، وله قولٌ آخرُ كسيبويهِ، والثالث للأخفش، وهذا كما تقدَّم في الجوابِ بعد الشرطَيْن المتواردَيْن. وقال مكي(٣): ((ومعنى ((أمَّا)) عند أبي إسحاقَ الخروجُ مِنْ شيءٍ إلى شيءٍ، أي: دَعْ ما كُنَّا فيه وخُذْ في غيره)). قلت: وعلى هذا فيكونُ الجوابُ لـ ((إنْ)) فقط لأنَّ ((أمَّا)) ليسَتْ شرطاً. ورجّح بعضُهم أنَّ الجوابَ لـ ((أمَّا))؛ لأنَّ(٤) ((إنْ)) كَثُرَ حَذْفُ جوابِها / منفردةَ، [٨٤١/ب] فادِّعاءُ ذلك(٥) مع شرطٍ آخرَ أَوْلَىُ. والضميرُ في ((كان)) و((كان)) للمتوقَّى الدلالةِ قولِه: ((فلولا تَرْجِعُونَها)). آ. (٨٩) والرَّوْحُ: الاستراحةُ، وقد تقدَّم ذلك في يوسف(٦). وقرأ (٧) ابن عباس وعائشة والحسن وقتادة في جماعةٍ كثيرة بضمِّ الراءِ، وتُرْوَى عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. قال الحسن: الرَّوْحُ: الرحمةُ؛ لأنها كالحياة للمرحوم. وعنه أيضاً: رُوحُه تَخْرُج في رَيْحان. وقد تقدَّم (١) الأصل ((زائدة» وهو سهو. (٢) الكتاب ٤٤٢/١. (٣) إعراب المشكل ٣٥٥/٢. (٤) سقطت اللام من ((لأنَّ) في الأصل، والتصويب من (ش). (٥) أي حذف الجواب. (٦) انظر: الدر المصون ٥٤٩/٦. (٧) الإتحاف ٥١٧/٢، والبحر ٢١٥/٨، والنشر ٢٨٣/٢، والقرطبي ٢٣٢/١٧، والمحتسب ٣١٠/٢. ٢٣١ - الواقعة - الكلامُ على ((رَيْحان)) (١) والخلافُ فيه وكيفيةُ تصريفِه في السورةِ قبلها. و [قوله]: ((فَرَوْحٌ)) مبتدأٌ، خبرُه مقدَّر قبلَه أي: فله رَوْحٌ. ويجوزُ أَنْ يُقَدَّر بعدَه لاعتمادِه على فاءِ الجزاءِ. آ. (٩١) قوله: ﴿فَسلامٌ لك﴾: مبتدأ وخبرٌ. و«مِنْ أصحاب)). قال الزمخشري (٢): ((فسلامٌ لك يا صاحبَ اليمين من إخوانك أصحابِ اليمينِ، أي: يُسَلِّمون عليك)). وقال ابن جرير(٣): ((معناه فسلامٌ لكَ أنت مِنْ أصحابٍ)). وهذا يَحْتمل أَنْ يكونَ كقولِ الزمخشريِّ، ويكونَ ((أنت) تأكيداً للكافِ في ((لك))، ويَحْتمل أَنْ يكونَ أراد أنَّ ((أنت)) مبتدأٌ و ((من أصحابٍ)) خبرُه، ويؤيِّدُ هذا ما حكاه قومٌ مِنْ أَنَّ المعنى: فيُقال لهم: سلامٌ لك إنَّك من أصحاب اليمين. وأولُ هذه الأقوالِ هو الواضحُ البيِّن؛ ولذلك لم يُعرِّجْ أبو القاسمِ على غيرِهِ .. آ. (٩٤) قوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ﴾: عطفٌ على ((فُنُزُل)) أي: فله نُزُلٌ وتَصْلِيَةٌ. وقرأ(٤) أبو عمروٍ في روايةِ اللُّؤْلؤي عنه وأحمد بن موسى والمنقري بجرِّ التاءِ عَطْفاً على ((مِنْ حميمٍ)). آ. (٩٥) قوله: ﴿حَقَّ اليقين﴾: فيه وجهان، أحدهما: هو من إضافةِ الموصوفِ لصفتِهِ. والثاني: أنه من باب إضافةِ المترادِفَيْنِ على سَبيلِ المبالغةِ. وسهَّلَ ذلك تخالُفُ لفظِهما. وإذا كانوا فعلوا ذلك في (١) انظر إعرابه للآية ١٢ من الرحمن. (٢) الكشاف ٤ / ٦٠. (٣) تفسير الطبري ٢١٣/٢٧ (٤) القرطبي ٢٣٤/١٧، والبحر ٢١٦/٨. ٢٣٢ - الواقعة - اللفظِ الواحدِ فقالوا: صوابُ الصوابِ، ونفس النفس، مبالغةً فَلَنْ يَفْعلوه عند اختلافِ اللفظِ أَوْلَی. آ. (٩٦) قوله: ﴿باسم ربِّك﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ للحال أي: فسَبِّحْ مُلْتَبِساً باسمٍ ربك على سبيلِ التبزُّكِ كقوله: ((ونحن نُسَبِّحُ بحمدِك))(١)، وأَنْ تكونَ للتعديةِ، على أنَّ ((سَبَّح)) يتعدَّى بنفسه تارةً كقوله: ((سَبِّح اسمَ ربِّك))(٢) وبحرفِ الجرِّ تارةً كهذه الآيةِ، وادعاءُ زيادتها خلافُ الأصلِ. و ((العظيم)) يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً للاسم، وأَنْ يكونَ لربك؛ لأنَّ كلّ منهما مجرورٌ. وقد وُصِفَ كلٌّ منهما في قوله: ((تباركَ اسم ربِّك ذو الجلال)»(٣) و((ذي الجلال)). ولتغايُرِ المتضايفَيْن في الإِعراب ظهر الفرقُ في الوصف. [تمَّت بعونه تعالى سورة الواقعة] (١) الآية ٣٠ من البقرة. (٢) الآية ١ من الأعلى. (٣) الآية ٧٨ من الرحمن. وقراءة ((ذو) لابن عامر. انظر: السبعة ٦٢١. ٢٣٣ سورة الحديد بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿لله﴾: يجوزُ في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها مزيدةٌ كهي في (نَصَحْتُ لزيدٍ)) و((شكرْتُ له)) إذ يقال: سَبَّحْت الله تعالى. قال تعالى: ((ويُسَبِّحونه وله يَسْجدون))(١). والثاني: أَنْ تكونَ للتعليلِ، أي: أَحْدَثَ التسبيحَ لأجلِ الله تعالى. آ. (٢) قوله: ﴿لهُ مُلْكُ﴾: جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. قوله: ((يُحيي ويُميت)) يجوزُ في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها لا مَحَلَّ لها كالتي قبلها. والثاني: أنها خبرُ مبتدأً مضمرٍ، أي: هو له مُلك. والثالث: أنها حالٌ من الضمير في ((له)) فالعامل فيها الاستقرارُ، ولم يُذْكَرْ مفعولا الإِحياءِ والإِمانةِ؛ إذ الغَرَضُ ذِكْرُ الفعلَيْنِ فقط. آ. (٣) قوله: ﴿هو الأولُ والْآخِرِ﴾: قال الزمخشري(٢): ((فإنْ قلتَ: ما معنى الواوِ؟ قلت: الواوُ الأولى معناها الدلالةُ على أنه الجامعُ بين الصفَتَيْن الأوَّليَّةِ والْآخِرِيَّةِ، والثالثةُ على أنه الجامعُ بين (١) الآية ٢٠٦ من الأعراف. (٢) الكشاف ٤/ ٦١. ٢٣٥ بـ الحديد - الظهورِ والخَفاءِ، وأمَّا الوُسْطى فعلى أنه الجامعُ بين مجموع الصِفَتَيْن الأَوْلَيَيْن ومجموع الصفَتَيْن الأُخْرَيين))(١) .. آ. (٥) قوله: ﴿تُرْجَعُ الأمورُ﴾: قد تقدَّم في البقرة (٢) أن الأخَوَين وابنَ عامر يقرؤون بفتح التاء وكسر الجيم مبنياً للفاعل، والباقون . مبنياً للمفعول في جميع القرآن. وقال الشيخ (٣) هنا: ((وقرأ الجمهور ((تُرْجَعُ)) مبنياً للمفعول. والحسن وابن أبي إسحاق والأعرج مبنياً للفاعل)) [٨٤٢/أ] وهذا عجيبٌ منه، وقد وقع له مِثْلُ ذلك كما نَبَّهْتُ علیه. / وقوله: ((يَعْلَمُ ما يَلِجُ)) قد تقدَّم مثلُه في سورة سبأً(٤). آ. (٨) قوله: ﴿ومالكم لا تؤمنون﴾: مبتدأ وخبرٌ، وحالٌ، أي: أيُّ شيءٍ استقر لكم غيرَ مؤمنين؟ وقوله: ((والرسولُ يَدْعوكم)) جملةٌ حاليةٌ من ((يُؤمِنون)). قال الزمخشري(٥): ((فهما حالان متداخلان(٦) و((لِتُؤْمنوا)) متعلِّقٌ بـ((يَذْعو))، أي: يدعوكم للإِيمان كقولك: دَعَوْتُه لكذا. ويجوزُ أَنْ تكونَ اللامُ للعلةِ، أي: يدعوكم إلى الجنةِ وغفرانِ اللهِ لأجلِ الإِيمانِ. وفيه بُعْدٌ. قوله: ((وقد أَخَذَ) حالٌ أيضاً. وقرأ العامَّةُ ((أَخَذَ) مبنياً للفاعلِ، (١) قال: ((فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية». (٢) في الآية ٢١٠. وانظر: الدر المصون ٣٦٥/٢. (٣) البحر ٢١٧/٨. (٤) أنظر إعرابه للآية ٢ من سبأ. (٥) الكشاف ٤/ ٦٢. (٦) الكشاف: ((متداخلتان)» وهو أفصح. ٢٣٦ - الحديد - وهو اللهُ تعالى لتقدُّم ذِكْرِه. وأبو عمرو (١) ((أُخِذ» مبنياً للمفعول، حُذِفَ الفاعلُ العِلْم به. و ((ميثاقَكم)) منصوبٌ في قراءة العامةِ، مرفوعٌ في قراءة أبي عمروٍ، و((إنْ كنتم)) جوابُه محذوفٌ تقديرُه: فما يَمْنَعُكم من الإِيمانِ. وقيل: تقديرُه: إنْ كنتم مؤمنين لموجِبٍ ما، فهذا هو الموجِبُ. وقدَّره ابنُ عطية(٢): ((إنْ كنتم مؤمنين فأنتم في رتبةٍ شريفةٍ)). وقد تقدَّمَتْ قراءتا (يُنَزِّل)) تخفيفاً وتشديداً في البقرة(٣). وزيد بن علي(٤) ((أَنْزَلَ)) ماضياً. آ. (١٠) قوله: ﴿أَنْ لا تُنْفِقوا﴾ كقوله ((وما لنا أَنْ لا نقاتِلَ»(٥) فالأصلُ: في أن لا تُنْفِقُوا، فلمَّا حُذِف حرفُ الجرِّ جَرى الخلافُ المشهورُ. وأبو الحسن(٦) يرى زيادتَها كما تقدَّم تقريرُه في البقرة(٧) . قوله: ((والله ميراثُ)) جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعل الاستقرار ومفعولِه، أي: وأُّ شيءٍ يمنعُكم من الإِنفاقِ في سبيلِ اللهِ والحالُ أنَّ ميراثَ السمواتِ والأرضٍ له، فهذه حالٌ منافيةٌ لبُخْلِكم. قوله: ((لا يَسْتَوي مِنْكُم مَنْ أَنْفق)) في فاعل ((يَسْتوي)) وجهان، (١) السبعة ٦٢٥، والبحر ٢١٨/٨، والتيسير ٢٠٨، والقرطبي ٢٣٨/١٧، والحجة ٦٩٧، والنشر ٣٨٤/٢. (٢) المحرر ٤٠٣/١٥. (٣) انظر: الدر ١/ ٥١١. (٤) البحر ٢١٨/٨. (٥) الآية ٢٤٦ من البقرة. (٦) معاني القرآن له ١/ ١٨٠. (٧) انظر: الدر المصون ٥١٧/٢. ٢٣٧ - الحديد - أظهرُهما: أنه مِنْ أَنْفَق، وعلى هذا فلا بُدَّ مِنْ حذفِ معطوفٍ يتُّ به الكلامُ، فقدَّره الزمخشري(١): ((لا يَسْتوي منكم مَنْ أنفقَ قبلَ فتح مكةً وقوةِ الإِسلام ومَنْ أنفق مِنْ بعدِ الفتح، فَحَذَفَ لوضوحِ الدلالة)» وقَدَّره أبو البقاء (٢) ((ومَنْ لم يُنْفِقِ)) قال: ((ودلَّ على المحذوفِ قولُه: ((مَنْ أَنْفَقَ من قبلِ الفتح» والأول أحسنُ لأنَّ السِّياقَ إنما جيء بالآية ليُفرِّق بين المُنْفِقِين في زمانَيْنِ. والثاني: أنَّ فاعلَه ضميرٌ يعود على الإِنفاقِ، أي: لا يَسْتوي جنسُ الإِنفاقِ إذ منه ما وَفَعَ قبل الفتح، ومنه ما وَفَعَ بعدَه، فهذان النوعان متفاوتان. وعلى هذا فتكون ((مَنْ)) مبتدأ و((أولئك)) مبتدأٌ ثانٍ و((أَعظَمُ)) خبرُه، والجملةُ خبرُ ((مَنْ)) وهذا ينبغي أن لا يجوزَ البتةَ، وكأنَّ هذا المُعْرِبَ غَفَل عن قولِهِ: ((منكم)) ولو أعربَ هذا القائلُ ((منكم)) خبراً مقدماً، و((مَنْ)) مبتدأ مؤخراً. والتقدير: مِنْكم مَنْ أنفق من قبلٍ الفتحِ، ومنكم مَنْ لم يُتْفِقْ قبلَه ولم يقاتِلْ، وحُذِف هذا لدلالةِ الكلام عليه لكان سديداً، ولكنه سها عن لفظة ((منكم)). قوله: ((وكُلّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنى)) قراءةُ العامَّةِ بالنصبِ على أنه مفعولٌ مقدٌ، وهي مرسومةٌ في مصاحفِهم ((وكلاً)) بألفٍ، وابنُ عامر(٣) برفعِه، وفيه وجهان، أظهرُهما: أنه ارتفعَ على الابتداءِ، والجملة بعده خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ، أي: وعده اللّهُ. ومثلُه(٤). (١) الكشاف ٤ / ٦٢. (٢) الإملاء ٢٥٥/٢. (٣) السبعة ٦٢٥، والنشر ٣٨٤/٢، والقرطبي ٢٤١/١٧، والبحر: ٢١٩/٨، والتيسير ٢٠٨، والحجة ٦٩٨. (٤) تقدم برقم ١٧٣٩ ٢٣٨ - الحديد - ٤٢٣١- قد أصبحَتْ أمُ الخِيار تَدَّعِي عليَّ ذَْباً كلُّه لم أَصْنَعِ برفع ((كلُّه))، أي: لم أَصْنَعْه. والبصرِيُّون لا يُجيزون هذا إلاّ في شعرٍ كقوله(١): ٤٢٣٢- وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا بالحقِّ لا يُحمَدُ بالباطلِ وقد نقل ابن مالك (٢) الإِجماعَ من البصريين والكوفيين على جواز ذلك إنْ كان المبتدأ ((كلاً)) أو ما أشبهَها في الافتقار والعموم، وهذا لم أَرَه لغيره. وقد تقدَّم نحوٌ مِنْ ذلك في سورة المائدةِ عند قوله: (أفحُكْمَ الجاهليةِ يَبْغون))(٣) ولم يُرْوَ قولُه: ((كلُّه لم أصنَع)) إلَّ بالرفعِ مع إمكانٍ أَنْ ينصبَه فيقول: ((كلَّه لم أصنع)) مفعولاً مقدَّماً. قال أهل البيان: لأنه قصد عمومَ السلبِ لا سَلْبَ العمَومِ، فإن الأولَ أبلغُ، وجعلوا من ذلك قولَه عليه السلام: ((كل ذلك لم يكنْ))(٤) ولو قال: ((لم يكن كلُّ ذلك)» لكان سَلْباً للعُموم، والمقصودُ عمومُ السَّلْب. والثاني: أن يكونَ ((كل)) خبَرَ مبتدأ محذوفٍ، و((وَعَدَ اللهُ الحُسنى)) صفةٌ لما قبله، والعائدُ محذوف، أي: وأولئك كلٌّ وعدَه اللهُ الحسنى. فإن قيل: الحذفُ موجودٌ أيضاً وقد عُدْتم لِما فَرَرْتُمْ منه. فالجوابُ: أنَّ (١) تقدم برقم ٦٨٤ . (٢) انظر: شرح التسهيل له ٣١٢/١. (٣) الآية ٥٠ من المائدة. وانظر: الدر المصون ٢٩٦/٤. (٤) رواه البخاري في الفتح: الصلاة ٥٦٦/١، ومسلم: المساجد ٤٠٣/١، وأبو داود: الصلاة ١/ ٦١٧. ٢٣٩ - الحديد - حَذْفَ العائدِ من الصفة كثيرٌ بخلاف حَذْفِه من الخبرِ. ومِنْ حَذْفِه من الصفة قولُه(١): ٤٢٣٣- وما أَذْرِي أَغَيِّرهم تَناءِ وطولُ العَهْدِ أم مالٌ أصابوا أي أصابوه، ومثله كثيرٌ. وهي في مصاحفِ الشام مرسومةٌ «وكلٌ)) بدون ألف، فقد وافق كلٌّ مصحفَه. و((الحُسْنى)» مفعولٌ ثانٍ، والأولُ [٨٤٢/ ب] محذوفٌ على قراءةٍ الرفع، وأمَّا النصبُ فالأولُ مقدّمٌ/ على عامِله. آ. (١١) قوله: ﴿مَنْ ذا الذي يُقْرِضُ﴾: قد تقدَّم بحمد الله هذا وما بعده مستوفىٌ، واختلافُ القرَّاءِ فيه في سورة البقرة(٢). وقال: ابن عطية (٣) هنا: ((الرفعُ على العطفِ أو القطعِ والاستئنافِ)). وقرأ عاصم(٤) ((فيضاعِفَه)» بالنصب بالفاء على جواب الاستفهام. وفي ذلك قَلَقٌ، قال أبو علي(٥): ((لأنَّ السؤالَ لم يقَعْ عن القَرْضِ، وإنما وقع عن فاعلِ: القَرْضِ، وإنما تَنْصِبُّ الفاءُ فعلاً مردوداً على فعلٍ مُسْتَفْهَم عنه، لكن هذه الفِرْقَةَ حَمَلَتْ ذلك على المعنى، كأنَّ قولَه ((مَنْ ذا الذي يُقْرِضُ)) بمنزلةِ قولِه أيقرِضُ اللَّهَ أحدٌ)) انتهى. وهذا الذي قالَه أبو علي ممنوعٌ، ألا ترى أنه يُنْصَبُ بعد الفاءِ في جواب الاستفهام بالأسماءِ، وإن لم يتقدَّمْ فِعلٌ (١) تقدم برقم ٤٣٦. (٢) انظر: الدر المصون ٥٠٩/٢. (٣) المحرر ٤٠٦/١٥ : (٤) السبعة ٦٢٥، والتيسير ٨١، والقرطبي ٢٤٣/١٧، والنشر: ٢٢٨/٢، والحجة ٦٩٩، والبحر ٢١٩/٨. (٥) الحجة (خ) ٣٦٨/٤. ٢٤٠