Indexed OCR Text
Pages 181-200
- الرحمن - آ. (٥٦) قوله: ﴿فيهنَّ قاصِراتُ﴾: اختُلِفَ في هذا الضمير، فقيل: يعود على الجنات، فيقال: كيف تَقَدَّمَ تثنيةٌ ثم أُتِي بضمير جَمْع؟ فالجوابُ: أنَّ أقلَّ الجمع اثنان على قولٍ، وله شواهدُ قد تقدَّم أكثرُها. وإمَّا أن يقالَ: عائدٌ على الجنات المدلولِ عليها بالجنتيْن، وإمَّا أَنْ يقالَ: إنَّ كل فردٍ فردٍ له جنتان فصَحَّ أنها جناتٌ كثيرة، وإمَّا أنَّ الجنةَ تشتمل على مجالسَ وقصورٍ ومنازلَ فأطلقَ على كلِّ واحدٍ منها جنة. وقيل: يعودُ على الفُرُش. وهذا قولٌ حَسَنٌ قليلُ الكُلْفَةِ. وقال الزمخشري(١): ((فيهِنَّ: في هذه الآلاءِ المعدودة من الجنَّتَيْن والعينَيْن والفاكهةِ والفُرُشِ والجَنَى)). قال الشيخ(٢): ((وفيه بُعْدٌ)) وكان قد اسْتَحْسَن الوجهَ الذي قبله (٣). وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاستعمالَ أَنْ يُقال: على الفِراش كذا، ولا يقال: في الفراش كذا إلاَّ بتكلُّف؛ فلذلك جَمَعَ الزمخشريُّ مع الفُرُش غيرَها حتى صَحَّ له أَنْ يقولَ: ((فيهن)» بحرف الظرفيَّة، ولأن الحقيقةَ أنَّ الفُرُشَ يكون الإِنسانُ عليها؛ لأنه مُستَعْلٍ عليها. وأمَّا كونُه فيها فلا يقال إلَّ بمجازٍ. وقال الفراء (٤): ((كلُّ موضع في الجنةِ جنةٌ، فلذلك صَحَّ أَنْ يُقالَ: فيهِنَّ. والقاصِراتُ: الحابساتُ الطرفِ، أي: أعينُهُنَّ عن غيرِ أَزْواجهن. ومعناه: قَصَرْنَ ألحاظَهُنَّ على أزواجِهِنَّ. قال امرؤ القيس(٥). (١) الكشاف ٤/ ٤٩. (٢) البحر ٨/ ١٩٨. وهو عود الضمير على الفرش. (٣) (٤) لم يرد في ((معاني القرآن)). (٥) تقدم برقم ١٥٨٥ . ١٨١ - الرحمن - ٤١٩١- مِن القاصِرَاتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحوِلٌ من الذَّرُ فوق الإِتْبِ منها لِأَثَّرا وقاصراتُ الطرفِ: مِنْ إضافةِ اسمِ الفاعلِ لمنصوبِه تخفيفاً إذ يقال: قَصَرَ طَرْفَه على كذا. وحُذِف متعلَّقُ القَصْرِ للعلمِ به، أي: على أزواجِهِنَّ، كما تقدَّم تقريرُه. وقيل: المعنى: قاصراتٌ طَرْفَ غيرِهن عليهنَّ، أي: إذا رآهن أحدٌ لم يتجاوَزْ طرفُه إلى غيرِهنَّ. قوله: ((لم يَطْمِثْهِنَّ» هذه الجملةُ يجوز أَنْ تكونَ نعتاً لقاصِرات؛ لأن إضافتها لفظيةٌ، كقوله ((هذا عارضٌ مُمْطِرُنا))(١) و[وقوله](٢): ٤١٩٢- يا رُبَّ غابطِنا لو كان يَطْلُبُكُمْ وأَنْ تكونَ حالاً لتخصُّصِ النكرةِ بالإِضافة. واخْتُلِفَ في هذا الحرفِ والذي بعدَه عن الكسائيِّ(٣): فنُقِل عنه أَنَّه كان يُخَيِّرُ - في ضَمِّ أَيُّهما(٤) شاءَ - القارىءَ. ونَقَل عنه الدُّوريُّ ضمَّ الأولِ فقط ونَقَل عنه أبو الحارث ضمَّ الثاني فقط، وهما لغتان. يُقال: طَمَثَها يَطْمِنُها ويَطْمُُها إذا جامَعَها. وأصلُ الطَّمْثِ: الجماعُ المؤدِّي إلى خروجِ دمِ البِكْرِ، ثم أُطْلِقَ على كلِّ جِماع: طَمْثٌ، وإنْ لم يَكُنْ معه دمٌّ. وقيل: الطَمْثُ دَمُ الخَيْضِ أو دُمُ الجِماع. وقيل: الطَّمْثُ المَُّ الخاص. وقرأ الجحدري ((يَطْمَثْهُنَّ)) بفتح الآية ٢٤ من الأحقاف. (١). (٢) تقدم برقم ١٨١٠. السبعة ٦٢١، والنشر ٣٨١/٢، والبحر ١٩٨/٨، والحجة ٦٩٤، والتيسير (٣) ٢٠٧، والقرطبي ١٨١/١٧. (٤) الموضع الثاني في الآية ٧٤. ٠٠ ١٨٢ - الرحمن - الميم في الحرفَيْن، وهو شاذٌّ إذ ليسَتُ عينُه ولا لامُه حرفَ حَلْقٍ . والضميرُ في ((قبلَهُمْ)) عائدٌ على الأزواجِ الدالِّ عليهم قولُه («قاصراتُ الطَّرْفِ)) أو الدالٌ عليه ((مُتَّكثين)). آ. (٥٨) قوله: ﴿كأنَّهُنَّ الياقوتُ﴾: هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكون نعتاً لقاصِرات، وأن تكونَ حالاً منها. ولم يَذْكُرْ مكيٍّ (١) غيرَه. والمَرْجان تقدَّم ما هو؟(٢) والياقوتُ: جوهرٌ نفيسٌ. يُقال: إن النارَ لم تُؤَثِّرْ فيه، ولذلك قال الحريري(٣). ٤١٩٣- وطالما أُصْلِيَ الياقوتُ جَمْرَ غَضَا ثم انْطفا الجمرُ والياقوتُ باقوتُ أي: باقٍ على حالهِ لم يتأثَّرْ بها. ووجهُ التشبيهِ كما قال الحَسَنُ: في صفاءِ الياقوتِ/ وبياضِ المَرْجان. وهذا على القول بأنه أبيضُ وقد [٨٣٥/أ] تقدَّم، وقيل: الوجهُ في(٤) ... ونفاسَتِهما ولذلك سَمَّوْا بمَرْجانة ودُرَّة وشبه ذلك. آ. (٦٠) وقرأ ابن أبي إسحاق(٥) «إلَّ الحِسانُ))، أي: إلاَّ الحُورُ الحسان . آ. (٦٢) قوله: ﴿ومِنْ دُوْنِهما﴾: أي: مِنْ دونِ تَيْنَكَ (١) إعراب المشكل ٣٤٦/٢. انظر: الورقة ٨٣٣ (أ). (٢) البيت في البحر ١٨٦/٨. (٣) (٤) كلمة لم أتبيَّنْها. الشواذ ١٥٠، والبحر ١٩٨/٨. (٥) ١٨٣ - الرحمن - الجَنَّتَيْن المتقدِّمتين: جَنَّان في المنزلةِ وحُسْنِ المنظرِ. وهذا على الظاهر مِنْ أَنَّ الْأُوْلَيَيْنِ أفضلُ من الأَخْرَيَيْنِ، وقيل بالعكس، وَرَجَّحه الزمخشري(١). آ. (٦٦) والنَّضْخُ: فوق النَّضْح بالحاءِ، لأنَّ النَّضْحَ بالحاءِ: الرَّشُّ والرَّشْحُ، والنَّضْخُ بالخاء: فَوَرانُ الماء. والادْهِيْمَامُ: السَّوادُ وشِدَةُ الخضرة، جُعِلا مُدْهامَّتيْن لشدَّة رِيُّهما، وهذا مُشاهَدٌ بالنظر، ولذلك قالوا: ((سوادُ العراق)» لكثرةِ شَجَره وزروعِه. آ. (٦٨) قوله: ﴿ونَخْلٌ ورُمَّانٌ﴾: استدلَّ بعضُهم بها على أنهما ليسا من الفاكهة لاقتضاءِ العطفِ المغايرة. فلو حَلَفَ: («لا يأكلُ فاكهةً)) لم يَحْنَثْ بأَكْلهما. وبعضُهم يقول: هو من باب ذِكْر الخاص بعد العام تفصيلاً له كقوله: ((وملائكتِه))(٢) ثم قال: (وجبريلَ وميكَالْ)) وهو تَجَؤُّزٌ؛ لأنَّ فاكهة ليس عامَّاً؛ لأنه نكرةٌ في سياقِ الإِثْبات، وإنما هو مُطْلَقٌ، ولكنْ لَمَّا كان صادقاً على النخل والرمَّان قيل فيه ذلك. آ. (٧٠) قوله: ﴿خَيْراتٌ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه جمعُ (خَيْرَة)). بزِنةٍ فَعْلَة بسكونِ العين. يقال: امرأةٌ خَيْرَةٌ وأخرىٍ شَرَّةٌ. والثاني: أنه جمعُ خَيْرة المخففة مِنْ خَيِّرة. ويَدُلُّ على ذلك قراءةٌ (٣) ابن مقسم واليزيدي وبكر بن حبيب ((خَيِّرات)) تشديد الياء. وقرأ أبو عمروٍ(٤) (خَيَرات)) بفتح الياء جمع «خَيْرَة)) وهي شاذّةٌ؛ لأنَّ العينَ (١) الكشاف ٤ / ٥٠. (٢) الآية ٩٧ من البقرة: انظر في قراءاتها: المحرر ٣٤٩/١٥، والقرطبي ١٨٧/١٧، والبحر ١٩٨/٨. (٣) (٤) في رواية عنه. ١٨٤ - الرحمن - معتلةٌ، إلاَّ أن بني هُذَيلٍ تُعامِله معاملةَ الصحيح فيقولون: جَوَزات وبَيَضات وأُنْشِد (١). ٤١٩٤- أخو بَيَضاتٍ رائِحٌ مُتَأَوِّبُ رفيقٌ بِمَسْحِ المَنْكِيَّيْنِ سَبُوعُ آ. (٧٢) ومَقْصورات، أي: مَحْبوسات، ومنه ((القَصْر)) لأنه يَخْبِسُ مَنْ فيه، ومنه قولُ النحاة ((المقصور)) لأنه حُبِس عن المدِّ أو حُبس عن الإِعراب، أو حُبِس الإِعرابُ فيه، والنساء تُمْدَحُ بملازَمَتِهِنَّ البيوتَ كما قال [أبو] قيس بن الأسلت(٢). ٤١٩٥ - وتكْسَلُ عن جيرانِها فيَزُرْنَها وتَعْتَلُّ عن إِثْيَانِهِنَّ فَتُعْذَرُ ويقال: امرأةٌ مَقْصورة وقَصيرة وقَصورة، بمعنى واحد. قال كثير عزة (٣): ٤١٩٦- وأنتِ التي حَبَّيْتِ كلَّ قصيرةٍ إليَّ ولم تَعْلَمْ بذاك القَصائِرُ عَنَيْتُ قصيراتِ الحِجالِ ولم أُرِد قِصارَ الخُطَا شَرُّ النساءِ البَحاتِرُ والخِيام: جمعُ خَيْمة وهي تكونُ مِنْ نَمَّام وسائرِ الحَشيش، فإنْ (١) تقدم برقم ٣٤٤٣. المحرر ٣٤٩/١٥، والبحر ١٩٩/٨. (٢) (٣) ديوانه ٣٦٩، واللسان (قصر). وقصيرات الحجال: النساء المقصورات في الخدر. والبحاتر: ج بحتر وهو القصير. ١٨٥ - الرحمن - كانَتْ مِنْ شَعْرٍ فَلا يُقال لها: خَيْمةُ بل بَيْتُ. وقال جرير (١). : ٤١٩٧- متى كان الخيامُ بذي طُلوحِ سُقِيْتِ الغَيْثَ أيتها الخيامُ آ. (٧٦) قوله: ﴿رَفْرَف﴾: الرَّفْرَفُ جمع رَفْرَفَة فهو اسمُ جنسٍ. وقيل: بل هو اسمُ جمع، نقلهما معاً مكيٌّ(٢)، وهي ما تَدَلَّى من الأسِرَّة مِنْ عالي الثياب. وقالَ الجوهريُّ(٣): ((ثيابٌ خُضْرٌ يُتَّخَذُ منها المجالِسُ(٤)، الواحدةُ رَفْرَفِة)» واشتقاقُه مِنْ رَفَّ الطائرُ: أي: ارتفع في الهواء. ورَفْرَفَ بجناحَيْه: إذا نَشَرهما للطيران ورَفْرَفُ السَّحابِ هُبوبُه، ويَدُلُّ على كونه جمعاً وصفُه بالجمع. وقال الراغب(٥): ((رفيفُ الشجر: انتشارُ أغصانِهِ. ورَفَّ الطائرُ: نَشَرَ جناحَه يَرِفُّ بالكسرِ. وَرَفَّ فَرْشَه يَرُقُّه بالضم تَفَقَّده، ثم اسْتُعير للتفَقُّدِ. ومنه ماله جافٌّ ولا رافٌّ))، أي: مالَه مَنْ يَحُفُّه ويتفقَّدُه. والرَّفْرَفُ: المنتشِرُ من الأوراقِ. وقولُه «علىّ رَفْرَفٍ خُضْرٍ)): ضَرْبٌ من الثياب مُشَبَّه بالرياض. وقيل: الرَّفْرَفُ طرفُ الفُسْطَاطِ والخِياءِ الواقعِ على الأرض دونَ الأَطْنابِ والأوتادِ. وذكر الحسن أنه المَخاذُّ) انتهى. وقال ابن جُبير: ((رياضُ الجنَّة، مِنْ رَفَّ البيتُ إذا تَنَعَّمَ وحَسُن. وعن ابن عُبَيْنة هي الزَّرابِيُّ. ونُعِت هنا بخُضْر لأنَّ اسمَ الجنس يُنْعَتُ بالجمعِ كقوله: ((والنخلَ باسِقاتٍ)»(٦) وبالمفردِ. وحَسَّنَ جَمْعَه هَنَا (١) ديوانه ٥١٢. (٢) إعراب المشكل ٣٤٧/٢. الصحاح (رفف) ١٣٦٦/٤. (٣) (٤) الصحاح: ((المحابس)). المفردات ١٩٩ . (٥) (٦) الآية ١٠ من ق. ١٨٦ - الرحمن - جَمْعُ حِسان. وقرأ العامَّةُ ((رَفْرَفٍ)) وقرأ (١) عثمان بن عفان ونصر ابن عاصم وعاصم والجحدري والفرقبي وغيرهم ((رَفارِفَ خُضْرٍ)) بالجمع وسكونِ الضاد. وعنهم أيضاً ((خُضُرٍ)) بضم الضاد وهو إتباعٌ للخاء. وقيل: هي لغةٌ في جمع أَفْعَلَ الصفةِ. وأُنْشد لطرفة (٢). ٤١٩٨- أيها الفتيانُ في مَجْلِسِنا جَرِّدُوا منها وِراداً وشُقُر وقال آخر (٣). ٤١٩٩- وما انْتَمَيْتُ إلى خُورٍ ولا كُسُف ولا لتامٍ غداةَ الرَّوْعِ أَوْزاع وقرؤوا(٤) (عباقِرِيَّ)) بكسر القاف وفتحِها وتشديد الياءِ مفتوحةً} [٨٣٥/ ب] على مَنْعِ الصرفِ. وهي مُشْكِلَةٌ؛ إذ لا مانعَ من تنوينِ ياءَيْ السَبِ، وكأنَّ هذا القارِىءَ تَوَهَّمَ كَوْنَها في مَفاعِل فمنعَها من الصرفِ. وقد رَوَى عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وجماعةٍ ((وعباقِيٌّ)» منوناً ابنُ خالويه(٥) ورُوِي عن عاصمِ ((رَفارِفٍ)) بالصرف. وقد يُقال في مَنْ مَنَعَ «عباقِرِيَّ)»: إنَّه لما جاوزَ ((رفارِفَ)) الممتنعَ امتنع مُشاكلةً. وفي مَنْ صَرَفَ رفارِفَ: (١) القرطبي ١٩١/١٧، والإتحاف ٥١٣/٢، والبحر ١٩٩/٨، والمحتسب ٣٠٥/٢. (٢) ديوانه ٦٩، والبحر ١٩٩/٨، جَرِّدوا: ألقوا عنها جلالها. لم أهتد إلى قائله. وهو في البحر ١٩٩/٨، والخوَّار من الرماح: ما ليس (٣) بصلب، والخُور من النساء الفاسدات ضعيفات العقول. وكسف الرجل: إذا نَكَّس طَرْفَه. والأوزاع: الجماعات المتفرقة. (٤) الإتحاف ٥١٣/٢، والبحر ١٩٩/٨، والمحتسب ٣٠٥/٢. (٥) الشواذ ١٥٠. ١٨٧ - الرحمن - إِنَّه لما جاوَزَ عباقِرِيَّاً المنصرفَ صَرَفَه للتناسب كـ ((سَلاسلاً وَأَغْلالاً))(١) كما سيأتي. وقرأ أبو محمد المروزي(٢) وكان نَحْوياً ((خَضَّارِ))(٣) كضَرَّاب بالتشديد. وأَفْعَلُ وفَغَّالٌ لا يُعْرَفُ. والجمهورُ ((وغَيْقَرِيُّ) منسوب إلى عَبْقَر، تَزْعُم العربُ أنه بلدُ الجن فكلُّ ما عَظَّموه وتعجَّبوا منه قالوا: هذا عَبْقريٌّ. وفي الحديث(٤): ((فلم أَرَ عَبْقَرَّاً يَقْرِي فَرِيَّه)) والمرادُ به هنا قيل: البُسُطِ التي فيها صُوَرٌ وتماثيلُ. وقيل: هي الزَّرابِيُّ وقيل: الطَّنافِسُ. وقيل: الدِّيباج. وعَبْقْريّ جمع عَبْقَريَّة، يعني فيكونُ اسمَ جنسٍ، كما تقدَّم في رَفْرفَ. وقيل: هو واحدٌ دالٌّ على الجمع، ولذلك وُصِف بحسان. آ. (٧٨) قوله: ﴿ذي الجَلالِ﴾: قرأ(٥) ابن عامر (ذو الْجَلال)) بالواو، وجَعَله تابعاً للاسم، وهكذا هي مرسومةٌ في مصحف الشاميين. والباقون بالياء صفةً للرَّبِّ، فإنه هو الموصوفُ بذلك، وأَجْمَعوا على الواوِ فِي الأول إلَّ مَنْ ذكَرْتُه فيما تقدَّم. [تمَّت بعونه تعالی سورة الرحمن] (١) الآية ٤ من الإِنسان وهي مِنْ قراءة نافع وأبي بكر والكسائي. السبعة ٦٦٣. (٢) لم أقف على ترجمته. (٣) أوردها في الشواذ والبحر غير ضبط، وأثبتنا ضبط المؤلف لها. (٤) رواه البخاري. انظر: ٦٢ كتاب فضائل الصحابة، ٦ باب مناقب عمر (الفتح ٤١/٧) وابن حنبل ٣٩/٢. (٥) السبعة ٦٢١، والحجة ٦٩٤، والبحر ١٩٩/٨، والنشر ٣٨٢/٢، والتيسير ٢٠٧. ١٨٨ سورة الواقعة بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿إذا وَقَعتْ﴾: فيها أوجهٌ أحدها: أنها ظرفٌ مخْضٌ ليس فيه معنى الشرط والعامل فيها ((ليس)). والثاني: أنَّ العاملَ فيها اذْكُر مقدراً. قال الزمخشري(١): ((فإن قلتَ: بم انتصبت ((إذا)»؟ قلت: بليس، كقولك: ((يومَ الجمعة ليس لي شُغْلٌ)) ثم قال: ((أو بإضمارِ اذكُرْ)). قال الشيخ(٢): ((ولا يقول هذا نَحْوِيٌّ، ولا مَنْ شدا شيئاً مِنْ صناعةِ النحوِ)). قال: ((لأن ((لَيْسَ)) مثل «ما)» النافية، فلا حَدَثَ فيها، فكيف يعملُ في الظرف مِنْ غير حَدَثٍ؟ وتَسْمِيتُها فِعْلاً مجازٌ. فإنَّ حَدَّ الفعل غير مُنْطَبِقٍ عليها))، وكَثَّرَ الشيخُ عليه من هذا المعنى. ثم قال: ((وأما المثال الذي نَظَّر به فالظرف ليس معمولاً لـ ((ليس)) بل للخبر، وتقَدَّمَ معمولُ خبرِها (٣) عليها، وهي مسألةُ خلاف)) انتهى. قلت: الظروفُ تعملُ فيها روائحُ الأفعالِ. ومعنى كلامِ الزمخشريُّ: أنَّ النفي المفهومَ مِنْ ((ليس)» هو العاملُ في ((إذا)» كأنه قيل: ينفي كَذِبُ وقوعِها إذا (١) الكشاف ٤/ ٥١. (٢) البحر ٨/ ٢٠٣. (٣) وهو ((يومَ)). ١٨٩ - الواقعة - وَقَعَتْ. ويدلُّ على ما قُلْتُه قولُ أبي البقاء(١): ((والثاني ظرفٌ لِما دَلَّ عليه ((ليس لوَقْعتها كاذبةٌ))، أي: إذا وقعت لم تكذبْ)) فإنْ قيل فَلْيَجُزْ ذلِك في (ما)) النافية أيضاً، فالجواب: أنَّ الفعلَ أقربُ إلى الدلالةِ على الحَدَثِ من الحرفِ. الثالث: أنَّها شرطيةٌ. وجوابُها مقدرٌّ، أي: إذا وقعَتْ كان كيتَ وكيتَ، وهو العاملُ فيها. والرابع: أنها شرطيةٌ، والعاملُ فيها الفعلُ الذي بعدَها ويليها، وهو اختيارُ الشيخ(٢)، وتبَع في ذلك مكيّاً(٣). قال مكي: ((والعاملُ فيها ((وَقَعَتْ)) لأنها (٤) قد يُجازى بها، فعَمِل فيها الفعلُ الذي بعدها كما يَعْمِلِ في ((ما )) و ((مَنْ)) اللتَيْن للشرط في قولك: ما تفعَلْ أَفعَلْ، ومَنْ تُكرِمْ أُكْرِمْ))، ثم ذكر كلاماً كثيراً. الخامس: أنها مبتدأٌ، و ((إذا رُجَّتْ)) خبرُها، وهذا على قولِنا: إنها تَتَصرَّفُ، وقد مَضَىُ القولُ فيه مُحرَّراً، إلَّا أن هذا الوجهَ إنما جَوَّزه الشيخُ، جمالُ الدين ابن مالك وابن جني(٥) وأبو الفضل الرازي على قراءةٍ مَنْ نصب(٦) ((خافضةً رافعةً)) على الحالِ. وحكاه بعضُهم عن الأخفش، ولا أدري اختصاص ذلك بوجه النصب . السادس: أنه ظرفٌ لـ ((خافضة)) أو («رافعة))، قاله أبو البقاء(٧)، أي: (١) الإملاء ٢/ ٢٥٣. (٢) البحر ٢٠٢/٨ - ٢٠٣. (٣) إعراب المشكل ٣٤٨/٢. (٤) أي «إذا». (٥) انظر: المغني ١٢٨. (٦) سوف يشير إلى هذه القراءة بعد قليل. (٧) الإملاء ٢/ ٢٥٣. ١٩٠ - الواقعة - إذا وَقَعَتْ خَفَضَتْ ورفعَتْ. السابع: أَنْ يكونَ ظرفاً لـ ((رُجَّتْ)) ((وإذا)» الثانيةُ على هذا إمَّا بدلٌ من الأولى أو تكريرٌ لها. الثامن: أنَّ العاملَ فيه ما دلّ عليه قوله: ((فأصحابُ المَيْمَنَةِ))، أي: إذا وَقَعَتْ باتَتْ أحوالُ الناس فيها. التاسع: أنَّ جواب الشرطِ قولُه: ((فأصحابُ المَيْمنِ)) إلى آخره. و ((لِوَقْعَتِها)) خبرٌ مقدمٌ و ((كاذبة)) اسم مؤخرٌ. و((كاذبة)) يجوزُ أَنْ يكونَ اسم فاعل وهو الظاهرُ، وهو صفةٌ لمحذوف، فقَدَّره الزمخشريُ (١): ((نفسٌ كاذبةٌ، أي: إنه ذلك اليومَ لا يَكْذِبُ على الله أحدٌ، ولا يُكَذِّبُ بيوم القيامةِ أحد)» ثم قال: ((واللامُ مثلُها في قولِه ((قَدَّمت لحياتي)»(٢) إذ ليس لها نفسُ تُكَذِّبها وتقول: لم تكوني كما لها نفوسٌ كثيرةٌ يُكَذِّبْنَها اليومَ يَقُلْنَ لها: لم(٣) تكوني، أو هو مِنْ قولهم: كَذَّبَتْ فلاناً نفسُه في الخطر العظيم إذا شَجَّعَتْهُ على مباشرته وقالَتْ له: إنَّك تُطيقه وما فوقه فَتَعَرَّضْ له، ولا تبال به على معنى أنها وقعةٌ لا تُطاقُ شدةً وفظاعةً، وأنْ لا نفس حينئذٍ تُحدِّث صاحبَها بما تُحَدِّثه به عند عظائم الأمورِ، وتزيِّن له احتمالها وإطاقتها؛ لأنهم يومئذٍ أضعفُ مِنْ ذلك وأَذِلُّ. ألا ترى إلى قولِه تعالى ((كالفَراش المَبْئوث))(٤) والفَراشُ مَثَلٌ في الضعف)) وقَدَّره ابن عطية(٥): ((حالٌ كاذبةٌ)) قال: ((وَيَخْتمل الكلامُ على هذا معنيين، أحدهما: كاذبة، أي: مكذوبة فيما أَخْبر به عنها فسَمَّاها كاذبةً لهذا، كما تقول: هذه قصةٌ كاذبةٌ، أي: مكذوبٌ فيها. والثاني(٦): (١) الكشاف ٤/ ٥١. (٢) الآية ٢٤ من الفجر. (٣) الكشاف: ((لن)). (٤) الآية ٤ من القارعة. (٥) المحرر ١٥/ ٣٥٥. (٦) قال: والثاني حالة كاذبة أي. ١٩١ - الواقعة - [١/٨٣٦] أي: / لا يَمْضي وقوعُها كقولك: فلانٌ إذا حَلَّ لم يكذِبْ. والثاني: أن كاذبة مصدرٌ بمعنى التكذيب نحو: خائنة الأعين. قال الزمخشري(١): (مِنْ قولِك حَمَلَ فلانٌ على قَرْنِهِ فما كَذَبَ، أي: فما جَبُنَ وَلا تَثْبَّطِ. وحقيقتهُ فما كَذَّب نَفْسَه فيما حَدَّثَتْه به من إطاقتِه له وإقدامِه عليه وأنشد الزهير (٢) : ٤٢٠٠ - لَيْثُ بعَثَّرَ يَصْطادُ الرجالَ إذا ما الليثُ كَذَّب عن أقرانِهِ صَدَقا أي: إذا وَقَعَتْ لم يكن لها رَجْعَةٌ ولا ارْتدادٌ))، انتهى. وهو كلامٌ حسنٌ جداً. ثم لك في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها لا محلَّ لها من الإِعرابِ: إمَّا لأنَّها ابتدائيةٌ ولا سيما على رَأْي الزمخشري، حيث جَعَلَ الظرفَ مُتَعَلِّقاً بها وإمَّا لأنَّها اعتراضيةٌ بين الشرطِ وجوابِه المحذوفِ. والثاني: أنَّ مَحَلَّها النصبُ على الحال، قاله ابن عطية(٣)، ولم يُبَيِّن صاحب الحال ماذا؟ وهو واضحٌ إذا لم يكُنْ هنا إلاَّ الواقعةُ، وقد صَرَّحَ أبو الفضل بذلك. وقرأ العامَّةُ برفع ((خافضةٌ رافعةٌ)) على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، أي: هي خافضةٌ قوماً إلى النارَ ورافعةٌ آخرين إلى الجنةِ، فالمفعولُ محذوفٌ لفَهُم المعنى، أو يكونُ المعنى: أنَّها ذاتُ خَفْضٍ ورَفْعٍ كقوله: ((يُخْبِسي (١) الكشاف ٥١/٤. (٢) تقدم برقم ١٦٨٤. (٣) ليس في محرره إشارة إلى ذلك. ١٩٢ - الواقعة - ويُمِيت))(١) ((وكُلُوا واشْرَبوا))(٢) وقرأ (٣) زيد بن علي وعيسى والحسن وأبو حيوة وابن مقسم واليزيدي بنصِبهما على الحالِ، ويُروى عن الكسائيِّ أنه قال: ((لولا أنَّ اليزيديَّ سَبَقني إليه لقَرَأْتُ به» انتهى. ولا أظنُّ مثلَ هذا يَصِحُ عن مثل هذا. واخْتُلف في ذي الحال، فقال أبو البقاء(٤): ((من الضمير في ((كاذبة)) أو في ((وَقَعَتْ))، وإصلاحُه أن يقولَ: أو فاعل ((وقعَتْ)) إذ لا ضميرَ في ((وقعَتْ)). وقال ابن عطية (٥) وأبو الفضل مِنْ ((الواقعة)»، ثم قَرَّرا مجيءَ الحالِ متعددةً من ذي حالٍ واحدةٍ كما تجيءُ الأخبارُ متعددةً. وقد بَيَّنْتُ لك هذا فيما تقدَّم فاستغْنَيْت عن كلامِهما. قال أبو الفضل: ((وإذا جُعِلَتْ هذه كلُّها أحوالاً كان العامل في ((إذا وَقَعَتْ)) محذوفاً يَدُلُّ عليه الفحوى، أي: إذا وقعتْ يُحاسبون. آ. (٤) قوله: ﴿إذا رُجَّت﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها أو خبراً لها على أنها مبتدأةٌ كما تقدَّم تحريرُ هذا جميعِه، وأَنْ يكونَ شرطاً، والعامل فيها: إمّا مقدَّرٌ وإمَّا فِعْلُها الذي يليها كما تقدَّم في نظيرتها. وقال الزمخشري(٦): ((ويجوز أَنْ تنتصِب بخافضة رافعة، أي: تَخْفِضُ وترفعُ وقتَ رَجُّ الأرض وبَسِّ الجبالِ، لأنه عند ذلك (١) الآية ١٥٦ من آل عمران. (٢) الآية ١٨٧ من البقرة. (٣) المحتسب ٣٠٧/٢، والقرطبي١٩٦/١٧، والبحر ٢٠٣/٨، والإتحاف ٥١٤/٢، والشواذ ١٥٠. (٤) الإملاء ٢٥٣/٢. (٥) عبارته في المحرر ١٥/ ٣٥٦ ((على الحال بعد الحال التي هي لوقعتها كاذبة ولك أن تتابع الأحوال)). (٦) الكشاف ٤/ ٥٢. ١٩٣ - الواقعة - ينخفضُ ما هو مرتفعٌ ويرتفعُ ما هو منخفضٌ)). قال الشيخ(١): (ولا يجوزُ أَنْ تنتصِبَ بهما معاً بل بأحدِهما، لأنه لا يجتمعُ مؤثِّران على أثرٍ واحد». قلت: معنى كلامِه أنَّ كلاً منهما متسلِّطُ عليه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من التنازع، وحينئذٍ تكون العبارةُ صحيحةً إذ يَصْدُقُ أنَّ كلاً منهما عاملٌ فيه، وإن كان على التعاقُب. والرَّبُّ: التحريكُ الشديدُ بمعنى زُلزلت. ويُسَّت الجبالُ: سُيِّرت مِنْ قولهم: بَسَّ الغنمَ، أي: ساقَها أو بمعنى فُتَتْ كقوله: ((يَشْسِفُها ربي تسَفْاً))(٢) يدلُّ علَيه ((فكانت هباءً مُنْبََّ). وقرأ(٣) زيد بن علي ((رَجَّتْ)) و ((بَسِّتْ)) مبنيين للفاعل على أنّ رجَّ وبَسَّ يكونان لازمَيْن ومُتَعَدِّيَيْن، أي: أُزِيحت وذهَبَتْ. وقرأ(٤) النخعي ((مُنْبَنَّاً)) بنقطتين مِنْ فوق، أي: متقطعاً من البَثِّ. ومعنى الآية يَنْبو عنه. آ. (٨) قوله: ﴿فأصحاب المَيْمنة ما أصحاب الميمنة﴾: ((أصحاب)) الأولى مبتدأ، و((ما)) استفهامٌ فيه تعظيمٌ مبتدأ ثانٍ، و ((أصحاب)) الثاني خبرهُ والجملةُ خبرُ الأولِ، وتكرارُ المبتدأ هنا بلفظِهِ مُغْنٍ عن الضمير ومثلُه ((الحاقَّة ما الحاقَّة))(٥) ((القارعةُ ما القارعةُ))(٦) ولا يكون ذلك إلاّ في مواضع التعظيم. وهنا سؤالٌ: وهو أنَّ (ما)) نكرةٌ وما بعده معرفةٌ، فكان ينبغي أَنْ يقال ((ما )) خبر مقدمٌ، ((وأصحاب)) الثاني (١) البحر ٨/ ٢٠٤. (٢) الآية ١٠٥ من طه. (٣) البحر ٢٠٤/٨. (٤) القرطبي ١٩٧/١٧، والبحر ٢٠٤/٨. (٥) الآية ١ - ٢ من الحاقة. (٦) الآية ١ - ٢ من القارعة. ١٩٤ - الواقعة - وشبهُه مبتدأٌ؛ لأن المعرفة أحقُّ بالابتداء من النكرةِ. وهذا السؤال واردٌ على سيبويه من مثل هذا، وفي قولك: ((كم مالُك)) و ((مَرَرْتُ برجل خيرٌ منه أبوه))(١)، فإنه يُعْرِبُ ما الاستفهامية و((كم)) و ((أَفْعَل)) مبتدأ، وما بعدها خبرُها. والجوابُ: أنه كَثُرَ وقوُ النكرةِ(٢) خبراً عن هذه الأشياء كثرةً متزايدةً، فاطَّردَ البابُ ليجريَ على سَننٍ واحدٍ. هكذا أجابوا، وهذ لا ينهضُ مانعاً مِنْ جوازٍ أَنْ تكونَ ((ما)) و ((كم)» وأفعلُ خبراً مقدماً. ولو قيل به لم يكنْ خطأ بل أقربُ إلى الصواب. والمَيْمَنَّةُ: مَفْعَلَةُ من لفظِ اليُمْن وكذلك المَشْأَمَة من اليدِ الشُّؤْمِى وهي الشِمالُ لتشاؤمِ العربِ بها، أو من الشُّؤْمِ. آ. (١٠) قوله: ﴿والسّابقون السَّابقون﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنهما مبتدأُ وخبرٌ. وفي ذلك تأويلان، أحدهما: أنه بمعنى السابقون، هم الذين اشْتُهِرَتْ حالُهم بذلك كقولهم: أنت أنت، والناسُ الناسُ، وقولِه(٣): ٤٢٠١- أنا أبو النجمِ وشِعْري شِعْري وهذا يُقال في تعظيمِ الأمرِ وتفخيمِهِ، وهو مذهبُ سيبويه(٤). التأويل الثاني: أنَّ مُتَعلَّقَ السَّبْقَتْينِ مختلفٌ، إذ التقدير: والسابقونَ (١) الكتاب ٢٢٩/١ - ٢٣٠. (٢) كذا في الأصل و((ش)). ولعله سهو، والصواب ((المعرفة)). (٣) تقدم برقم ١٧٦٨ . (٤) الكتاب ٣٨١/١ - ٣٨٢. ١٩٥ - الواقعة - [٨٣٦/ ب] إلى الإِيمانِ السابقونَ إلى الجنة، / أو السابقونَ إلى طاعةِ اللَّهِ السابقون إلى رحمتِه، أو السابقون إلى الخيرِ السابقون إلى الجنة. الوجه الثاني: أَنْ يكونَ («السابقون)) الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّاً، و ((أولئك المقرَّبون)) جملةٌ ابتدائيةٌ في موضوع خبرِ الأولِ، والرابطُ اسمُ الإِشارةِ، كقولِه تعالى: ((ولباسُ التقوى ذلك خيرٌ))(١) في قراءة مَنْ قرأ برفع ((لباسُ)) في أحد الأوجه. الثالث: أَنْ يكونَ («السابقون)» نعتاً للأول، والخبرُ الجملةُ المذكورةُ. وهذا ينبغي أَنْ لا يُعَرَّجَ عليه، كيف يُؤْصَفُ الشيءُ بلفظه وأُّ فائدةٍ في ذلك؟ والأقربُ عندي - إنْ وَرَدَتْ هذه العبارةُ مِمَن يُعتبر - أَنْ يكون سَمَّى التأكيدَ صفةً، وقد فعل سيبويه(٢) قريباً من هذا. الرابع: أَنْ يكونَ الوقفُ على قولِه ((والسابقون)) ويكونَ قِولُه ((السابقون، أولئك المقرَّبون)) ابتداءً وخبراً، وهذا يقتضي أن يُعْطَّفَ ((والسابقون)) على ما قبلَه، لكنْ لا يليق عَطْفُه على ما قبلَه ويليه، وإنما يليقُ عطفُه على ((أصحابُ المَيْمنة)) كأنه قيل: وأصحابُ الميمنة ما أصحابُ الميمنة، والسابقون، أي: ما السابقون تعظيماً لهم، فيكون شركاءَ لأصحابِ الميمنة في التعظيم، ويكون قولُه على هذا «وأصحابُ المَشْأمَةِ، ما أصحابُ المشأمة)) اعتراضاً بين المتعاطفَيْن. وفي هذا الوجهِ تكلُّفٌ كثير جداً. آ. (١٢) قوله: ﴿في جناتِ النعيم﴾: يجوز أنْ يكونَ خبراً (١) الآية ٢٦ من الأعراف وهي قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة. انظر: السبعة ٢٨٠. (٢) الكتاب ٣٠١/١. ١٩٦ - الواقعة - ثانياً، وأَنْ يكونَ حالاً من الضمير في ((المقرَّبون)» وأَنْ يكونَ متعلقاً به، أي: قَرُبوا إلى رحمةِ الله في جنات، ويَبْعُدُ أن تكون ((في)) بمعنى ((إلى)). وقرأ(١) طلحة ((في جنة)» بالإِفراد. آ. (١٢) قوله: ﴿ثُلَّةٌ﴾: خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هم. ويجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ خبرُه مضمرٌ، أي: منهم ثُلَّةٌ، أي: من السابقين يعني: أن التقسيمَ وقع في السابقين، وأَنْ يكونَ مبتدأَ خبرهُ ((في جنات النعيم)» أو قولُه (على سُرُر)» فهذه أربعةُ أوجهٍ. والثُّلَّة: الجماعةُ من الناس. وقَيَّدها الزمخشريُّ بالكثيرة وأنشد(٢): ٤٢٠٢- وجاءَتْ إليهم ثُلَّةٌ خِنْدِفِيَّةٌ بجيشٍ كتَيَّارِ مِنْ البحرِ مُزْيِدٍ ولم يُقَيِّدْها غيرُه، بل صَرَّح بأنها الجماعة قلَّت أو كَثُرَتْ. وقال الراغب(٣): ((الثُّلَّةُ قطعةٌ مجتمعةٌ من الصوف، ولذلك قيل للغنم (٤): ثَلَّة. قلت: يعني بفتح الثاء، ومنه قولُه(٥): ٤٢٠٣ - أَمْرَعَتِ الأرضُ لَوَ أَنَّ مالا لَوْ أن نُؤْقاً لك أو جِمالا أو ثَلَّةً مِنْ غنم إمَّا لا (١) البحر ٢٠٥/٨. (٢) الكشاف ٥٢/٤. والبيت لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٠٠/٨، وشرح شواهد الكشاف ٢٨٩/٤. والتيار: الموج. ومزيد: كثير الزبد. (٣) المفردات ٨١. (٤) في مطبوعة الراغب: ((للمقيم)) وهو تحريف. (٥) لم ترد الأبيات في مطبوعة الراغب وهي في اللسان ((مرع))، وعمدة الحفاظ ٨١ وأمرعت الأرض: أعشبت. ١٩٧ - الواقعة - انتهى. ثم قال الراغب: ((ولاعتبار الاجتماع قيل: (ثُلَّة من الأوَّلين، وثُلَّة من الآخِرِين(١)))، أي: جماعة وثَلَّلْتُ كذا: تناوَلْتُ ثُلَّةً منه. وثَلَّ عرشَه: أسقطَ ثُلَّةُ منه. والثَّلَلُ: قِصَرُ الأسنانِ لسُقوط ثُلَّةٍ منها. وأثَلَّ فَمُه سَقَطَتْ أسنانُه. وتَثَلَّلَتِ الرَّكِيَّةُ: تَهَدَّمَتْ)) انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غيرِ قَيَّدٍ بقِلَّة ولا كثرةٍ، والكثرةُ التي فهمها الزمخشريُّ قد تكونُ من السِّياق. و ((مِنْ الأوّلِين)) صفةٌ لكُلَّة، وكذلك ((مِنْ الآخِرِين)) صفةٌ لقليل. آ. (١٥) وقرأ (٢) زيد بن علي وأبو السَّمَّال ((سُرَر)) بفتح الراء الأولى وقد تقدَّم أنّها لغةٌ لبعضٍ كلبٍ وتميم. والمَوْضونة: المَنْسوجة وأصلُه مِنْ: وضَّنْتُ الشيءَ، أي: رَكَّبْتُ بعضَه على بعض. ومنه قيل : للدِّرْعِ: مَوْضونة لتراْكُبِ حِلَقِها. قال الأعشى(٣): ٤٢٠٤- ومِن نَسْجِ داودَ مَوْضُوْنَةً تسيرُ مع الحيِّ عِيْراً فَعِيْرا ومنه أيضاً ((وَضِين الناقة، وهو حِزامُها لتراكُبٍ طاقاته قال الراجز (٤) : ٤٢٠٥- إليك تَعْدُو قِلِقاً وضِيْئُهَا مُعْتَرِضاً في بَطْنِهِا جنينُها مُخالفاً دينَ النَّصارى دينُها (١) الاية ٤٠ من الواقعة. (٢) البحر ٨/ ٢٠٥. (٣) ديوانة ٩٩، واللسان ((وضن))، ومجاز القرآن ٢٤٨/٢. (٤) لم أهتد إلى قائلها. وهي في مجاز القرآن ٢٤٩/٢، واللسان ((وضن)). ١٩٨ - الواقعة - وقال الراغب(١): ((الوَضْنُ: نَسْيجُ الدِّرع. ويُسْتعار لكل نَسْجِ مُحْكَم))، فجعله أصلاً في نَسْجِ الذَّرْعِ. قال الشاعر(٢): ٤٢٠٦ - تقولُ وقد دَرَأْتُ لها وَضِيْني أهذا دينه أبداً ودِيني أي: حِزامي. آ. (١٦) قوله: ﴿مُتَّكئين، مُتقابلين﴾: حالان من الضمير في ((على سُرُر)) ويجوز أَنْ تكونَ حالاً متداخلةً، فيكون ((متقابلين)) حالاً من ضمیر (منکثین)). آ. (١٧) قوله: ﴿يَطُوف﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً، وأنْ يكون استئنافاً . آ. (١٨) و((بأكواب)) متعلقٌ بـ ((يَطُوف)). والأباريق: / جمع [١/٨٣٧] إبْرِيق، وهو مِنْ آنيةِ الخَمْر قال(٣) : ٤٢٠٧- أَفْنى تِلادي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ فَرْعُ القوافيزِ أَقْواهَ الأباريقِ وقال عدي بن زيد (٤): ٤٢٠٨- وتداعَوا إلى الصَّبوح فجاءتْ قَيْنَةٌ في يمينِها إبْرِيقُ وقال آخر (٥): (١) المفردات ٥٢٦. (٢) تقدم برقم ٥٦. (٣) تقدم برقم ١٣٦٠. (٤) ديوان ٧٨ واللسان ((برق)). (٥) البيت لعلقمة بن عبدة وهو في اللسان ((برق))، والفِدام: مِصفاة الإبريق. ١٩٩ - الواقعة - ٤٢٠٩- كأن إبْريقَهم ظبيٍّ على شَرَفٍ مُقَدَّمٍ بسَبا الكَثَّانِ مَلْتُوْمُ ووزنُه إفْعيل الاشتقاقِه مِنْ البَريق والإِبريقُ ما له خُرطومٌ. قال بعضهم: وأُذُنٌ. وتقدَّم تفسيرُ الأكواب(١). آ. (١٩) قوله: ﴿لا يُصَدَّعُون﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفة أخبر عنهم بذلك، وأن تكونَ حالاً من الضمير في ((عليهم(٢) )) ومعنى لا يُصَدَّعون عنها أي: بسببها. قال الزمخشري(٣): ((وحقيقتُهُ: لَا يَصْدُرُ: صُداعُهم عنها)) والصُّداع: هو الداءُ المعروفُ الذي يَلْحَقُ الإِنسانَ فِي رأسِه، والخمر تؤثِّر فيه. قال علقمة بن عبدة في وصف الخمر (٤): ٤٢١٠- تَشْفي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيك صالبُها ولا يخالِطُها في الرأس تدويمُ ولما قرأت هذا الديوان على الشيخ أثير الدين أبي حيان(٥) رحمه الله قال لي: هذه صفةُ خمر الجنة. وقال لي: لَمَّا قرأتُه على الشّيخ أبي جعفر ابن الزبير (٦) قال لي: هذه صفةُ خمر الجنة. وقيل: لا يُصَدَّعون: لا يُفَرَّقون (٧) كما يتفرَّق الشَّربُ عن الشَّراب للعوارض (١) انظر إعرابه للآية ٧١ من الزخرف. (٢) في الآية ١٧ ((يطوف عليهم)). (٣) الکشاف ٤/ ٥٣ - ٥٤ . (٤) تقدم برقم ٠١٠٩ (٥) وهو شيخه صاحب («البحر المحيط)). (٦) انظر: البحر ٢٠٥/٨. (٧) كذا في الأصل وفي الكشاف: ((لا يتفرقون)) (٥٤/٤). ٢٠٠