Indexed OCR Text
Pages 161-180
- الرحمن - آ. (١٣) قوله: ﴿فبأيِّ﴾: متعلقٌ بـ (تُكذِّبان)» والعامَّةُ على إضافة ((أيّ)) إلى الآلاء. وقُرِىء(١) في جميع السورة بتنوينٍ ((أَيّ)) وتخريجُها: على أنه قَطَع أيََّ عن الإِضافة إلى شيء مقدر، ثم أَبْدَل منه ((آلاء ربّما)) بدلَ معرفةٍ مِنْ نكرةٍ. وتقدَّم الكلامُ(٢) في ((الآلاء)) وما مفردُها في الأعراف ولله الحمد. والخطابُ في ((رَبَّكما)) قيل: للَّقَلَيْن من الإِنس والجنِّ؛ لأنَّ الأنامَ يتضمَّنُهما على القول المشهور. وقيل: للذكر والأنثى. وقيل: هو مثَّى مُرادٌ به الواحدُ، كقولِه تعالى: ((أَلْقيا في جهنم))(٣) وقولِ الخبيث الثقفي: ((يا حَرَسيُّ(٤) اضْربا عُنُقَه)) وقد تقدَّم ما فيه. و((كالفَخَّارِ)) نعتٌ لصَلْصال وتقدَّم تفسیرُه. آ. (١٥) والجانُّ قيل: هو اسم جنس كالإنسان. وقيل: هو أبو الجنِّ إبليسُ. وقيل: هو أبوهم وليس بإبليسَ. قوله: ((مِنْ مارِجٍ مِنْ نار)) ((مِنْ)) الأولى لابتداء الغاية. وفي الثانيةِ وجهان، أحدهما: أنها للبيانِ. والثاني: أنها للتبعيض. والمارِجُ قيل: ما اخْتَلَطَ مِنْ أحمرَ وأصفَر وأخضرَ، وهذا مُشاهَدٌ في النار، تُرى الألوانُ الثلاثةُ مختلِطاً بعضُها ببعض. وقيل: الخالِصُ. وقيل: الأحمرُ. وقيل: الحُمْرَةُ في طرفِ النار. وقيل: المختلطُ بسواد. وقيل: الخالصُ. وقيل: اللهبُ المضطربُ. و((مِنْ نار)) نعتٌ لـ ((مارج)). وقوله: ((فبأيّ)) إلى آخره (١) نسبها ابن خالويه في شواذه ١٤٩ إلى أبي الدنيان الأعرابي، وذكرها في البحر ٨/ ١٩٠ مِنْ دونِ نسبة. (٢) انظر: الدر المصون ٣٦٠/٥. (٣) الآية ٢٤ من قّ. (٤) الحَرَسِيُّ: واحد الحُرَّاس. ١٦١ - الرحمن - توكيدٌ وتكريرٌ، كما تقدَّم في قوله: ((ولقد يَسَّرْنا القرآن)»(١) وکقوله فيما سيأتي: ((ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين)»(٢). وذهبَ جماعةٌ منهم ابنُ قتيبة (٣) إلى أنَّ التكريرَ لاختلافِ النِّعَم، فلذلك كَرَّر التوقيفَ مع واحدةٍ واحدةٍ. آ. (١٧) قوله: ﴿رَبُّ المشرقَيْن﴾: العامَّةُ على رَفْعِه. وفيه [٨٣٢/ ب] وجهان(٤)، أحدهما: أنه مبتدأ، خبرُه ((مَرَج البحرَيْن)) وما بينهما / اعتراضٌ. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هوَ رَبُّ أي: ذلك الذي فَعَلَ هذه الأشياء. والثالث: أنه بدلٌ من الضمير في ((خَلَق)). وابن أبي عبلة(٥) ((ربِّ)) بالجر بدلاً أو بياناً لـ ((ربكما)). قال مكي(٦): ((ويجوزُ في الكلام الخفضُ على البدلِ مِنْ ((ربِّكما)) كأنَّه لم يَطَّلع على أنها قراءةٌ منقولةٌ والمَشْرقان، قيل: مَشرِقُ الشتاءِ والصيفِ ومَغْرباهما. وقيل: مَشْرقا الشمس والقمر ومَغْرباهما. وقيل: مَشرقا الشمس فقط ومَغْرباها. قال الشيخ(٧): ((وعن ابن عباس: للشمس مَشْرِقٌ في الصيفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشتاءِ مُنْحَدٌ، تنتقل فيهما مُصْعِدةً ومُنحَدرة)). قال الشيخ: ((فالمشرقان والمغربان للشمس)» قلت: وهذا هو القولُ الذي يقول: مَشْرِقُ الصيفِ ومَشْرِقُ الشتاء فإنه إنَّما يعني بهما شُروق الشمس والقمرِ فيهما، أو شروق الشمس وحدَها فيهما، فهو داخلٌ في أحدِ القولَيْنَ المذكورَيْن ضرورةً. (١) الآية ١٧ من القمر. (٢) الآية ١٥ من المرسلات. (٣) انظر: تأويل مشكل القرآن له ٢٣٩. (٤) سوف يذكر ثلاثة أوجه. البحر ١٩١/٨. (٥) (٦) إعراب المشكل ٣٤٣/٢. (٧) البحر ١٩١/٨. ١٦٢ - الرحمن - آ. (١٩ - ٢٠) قوله: ﴿يَلْتَقيان﴾: حالٌ من ((البحرَيْنِ)) وهي قريبةٌ من الحال المقدرةِ. ويجوز بتجوُّزٍ أَنْ تكونَ مقارِنَةً. و «بينهما بَرْزَخٌ)) يجوز أن تكونَ جملةً مستأنفةً، وأَنْ تكونَ حالاً، وأَنْ يكونَ الظرفُ وحدَه هو الحالَ. والبَرْزَخ: فاعلٌ به وهو أحسنُ لقُرْبه من المفرد. وفي صاحبِ الحال وجهان، أحدُهما: هو ((البحرَيْن))، والثاني: هو فاعلُ ((يَلْتقيان)) ولا ((يَبْغِيان)) حالٌ أخرى كالتي قبلَها أي: مَرَجَهما غيرَ باغيَّيْن، أو يلتقيان غيرَ باغيين، أو بينهما بَرْزَخٌ في حالِ عَدَم بَغْيهما. وهذه الحالُ في قوة التعليل؛ إذ المعنى: لئلا يَبْغِيا. وقد تَمَخَّل بعضُهم وقال: أصلُ ذلك لئلا يَبْغِيا، ثم حَذَفَ حرفَ العلة، وهو مُطَّرِدٌ مع ((أَنْ))(١) و((أَنَّ)(٢)، ثم حُذِفَتْ ((أَنْ)) أيضاً وهو حَذْفٌ مُطَّرِد كقولِه تعالى(٣). ((ومن آياتِهِ يُريكم)) فلمَّا حُذِفَتْ ((أَنْ)) ارتفع الفعلُ، وهذا غيرُ ممنوعٍ، إلّ أنه يتكرَّرُ فيه الحَذْفُ، وله أَنْ يقولَ: قد جاء الحَذْفُ أكثرَ مِنْ ذلكَ فيما هو أَخْفَىْ من هذا، كما تقدَّم في ((قابَ قوسَيْن))(٤)، وكما سيأتي في قوله: ((وتَجْعَلون من رِزْقَكم))(٥). آ. (٢٢) قوله: ﴿يَخْرُجُ﴾: قرأ(٦) نافع وأبو عمرو ((يُخْرَج» مبنياً للمفعول. والباقون مبنياً للفاعل على المجاز. قالوا: وثَمَّ مضافٌ (١) كقوله تعالى: ﴿أو عَجِبْتُمْ أَنْ جاءكم ذكر ... ﴾ الأعراف الآية: ٦٣. (٢) كقوله تعالى: ﴿شهد الله أنَّه لا إله إلاَّ هو ... ﴾ آل عمران الآية: ١٨. (٣) الآية ٢٤ من الروم. (٤) الآية ٩ من النجم. (٥) الآية ٨٢ من الواقعة. انظر في قراءاتها: السبعة ٦١٩، والنشر ٢/ ٣٨٠، والحجة ٦٩١، والتيسير (٦) ٢٠٦، والبحر ١٩١/٨، والقرطبي ١٧/ ١٦٣. ١٦٣ - الرحمن - محذوفٌ أي: مِنْ أحدِهما؛ لأنَّ ذلك لم يُؤْخَذْ من البحرِ العَذْبِ، حتى عابُوا قولَه(١): ٤١٧١- فجاءَ بها ما شِئْتَ مِنْ لَطَمِيَّةٍ على وَجْهِها مِاءُ الفُراتِ يموجُ قال مكي (٢): ((كما قال تعالى: ((على رجلٍ من القَريَتْن))(٣) أي: مِنْ إحدى القريَتَيْن، وحَذْفُ المضافِ كثيرٌ شائعٌ)) وقيل: هو كقوله: ((نَسِياحُوْتَهما))(٤) وإنما الناسِي فتاه، ويُعْزَى هذا لأبي عبيدة(٥). وقيل: يَخْرُجُ من أحدِهما اللؤلؤ، ومن الآخر المَرْجانُ. وقيل: بل يَخْرجان منهما جميعاً، ثم ذكروا تأويلَ منها: أنهما يَخْرُ جان من المِلْحِ في الموضعِ الذي يقع فيه العَذْبُ، وهذا مشاهَدٌ عند الغوَّاصين، وهو قولُ الجمهورِ فناسَبَ ذلك إسنادَه إليهما. ومنها قولُ ابنِ عباس: تكون هذه الأشياءُ في البحرِ بنزول المطر، والصَّدَفُ تفتح أفواهَها للمطر وقد شاهده الناسُ. ومنها: أنَّ العَذْبَ في المِلْحِ كاللِّقاح كما يُقال: الولدُ يخرُجُ من الذَّكر والأنثى. ومنها أنه قيل ((منهما)) من حيث هما نوعٌ واحدٌ، فخروجُ هذه الأشياءِ إنما هي مِنْهما، كما قال تعالى: ((وجَعَلَ القمرَ فيهنَّ نُوراً)(٦) وإنما هو في واحدةٍ منهن. (١) البيت لأبي ذؤيب وهو في ديوان الهذليين ٥٧/١، واللسان (فرت). قال في اللسان: ((ليس هنالك فرات لأن الدر لا يكون في الماء العذب، وإنما يكون في البحر. وقوله: ((بما شئت)) أي كاملة الحسن. والإِبل اللطمية: التي تحمل العطر. (٢) إعراب المشكل ٣٤٤/٢. (٣) الآية ٣١ من الزخرف. الآية ٦١ من الكهف. (٤) (٥) مجاز القرآن ٢٤٤/٢. (٦) الآية ١٦ من نوح. ١٦٤ - الرحمن - وقال الزمخشري(١): ((فإن قلتَ: لِمَ قال ((منهما)) وإنما يَخْرجان من المِلْحِ؟ قلت: لَمَّا الَقَيا وصارا كالشيء الواحدِ جاز أَنْ يُقال: يَخْرجان منهما، كما يقال: يَخْرجان من البحر ولا يَخْرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان مِنْ بعضِه. وتقول: خَرَجْتُ من البلد، وإنما خَرَجْتُ مِنْ مَحَلَّةٍ مِنْ محالٌّه، مِنْ دارٍ واحدة من دُوْره. وقيل: لا يخرجان إلَّ مِنْ ملتقى المِلْحِ والعَذْب)، انتهى. وقال بعضُهم: كلامُ الله أَوْلى بالاعتبارِ من كلامٍ بعض الناس فمن الجائز أنه يَسُوقُها من البحرِ العَذْب إلى المِلْح، واتفق أنهم لم يُخْرجوها إلَّ من المِلْح، وإذا كان في البرِّ أشياءُ تَخْفَى على التجار المتردِّدين القاطعِين للمَفاوُز، فكيف بما في قَعْر البحرِ؟ والجوابُ عن هذا: أنَّ اللَّهَ تعالى لا يُخاطِبُ الناسَ ولا يَمْتَنُّ عليهم إلاّ بما يَأْلَفُون ويشاهِدُون. واللؤلؤ قيل:/ كبارُ الجوهر. والمَرْجانُ صغاره، وقيل بالعكس، [٨٣٣/أ] وأنشدوا قولَ الأعشى(٢). ٤١٧٢- مِنْ كلِّ مَرْجانةٍ في البحرِ أَخْرَزها تَّارُها ووقاها طِيْنَها الصَّدَفُ أراد اللؤلؤةَ الكبيرةَ. وقيل: المَرْجان حجرٌ أحمرُ. وقيل: حجرٌ شديد البياض، والمَرْجانُ أعجميٌّ. قال ابن دريد(٣): ((لم أسمَعْ فيه فعلاً متصرفاً. واللؤلؤ بناءٌ غريبٌ، لم يَرِد على هذه الصيغة إلاَّ خمسةُ ألفاظِ: (١) الكشاف ٤٥/٤. (٢) ديوانه ٣١١ وهو برواية ((أَخْرَجها غوَّاصها)) فالنسوة تتلألأ وجوههن كالمرجانة التي صانتها الأصداف. (٣) جمهرة اللغة ٣٢٤/٣ ورجّح أن يكون مُعَرَّباً. ١٦٥ - الرحمن - اللُّؤْلُؤْ، والجُؤْجُوْ وهو الصَّدْر، والدُّؤْدُؤُ (١)، والْيُؤْيُؤُ لطائر، والبُؤْبؤ(٢). بالموحَّدتين، وهو الأصلُ. واللؤلؤُ بضمتين والهمز هو المشهورُ، وإبدال الهمزة واواً شائعٌ فصيحٌ وقد تقدَّم ذلك. وقرأ(٣) طلحة (اللُّؤْلِىءُ) بكسر اللام الثالثة، وهي لغةٌ محفوظةٌ. ونَقَل عنه أبو الفضلِ ((اللُّؤْلِيْ)) بقَلْبِ الهمزة الأخيرة ياءً ساكنة كأنه لَمَّا كسر ما قبل الهمزة قلبها ياءً استثقالاً. وقرأ (٤) أبو عمرو في رواية(٥). (يُخْرِجُ)) أي الله تعالى. ورُوِي عنه أيضاً وعن ابن مقسم (نُخْرِجُ)) بنون العظمة .. واللؤلؤُ والْمَرْجان في هاتين القراءتَيْن منصوبان. آ. (٢٤) قوله: ﴿الجَوارِ﴾: العامَّةُ على كسرِ الراء لأنه منقوصٌ على مَفاعِل(٦)، والياءُ محذوفةٌ لفظاً لالتقاء الساكنين. وقرأ(٧) عبد الله والحسن - وتُروَى عن أبي عمروٍ - ((الجَوارُ)) برفع الراء تناسياً للمحذوف ومنه (٨): ٤١٧٣- لها ثنايا أربعٌ حِسانٌ وأربعٌ فتَغْرُها ثَمَانُ (١) الدُّؤْدُؤ: آخر أيام الشهر. (٢) بؤبؤ الرجل: أصله. (٣) البحر ١٩٢/٨ وليس فيه شيء عن الهمزة الأولى، هل بقيت همزة أو أبدلت واواً؟ (٤) البحر ٨/ ١٩١. (٥) في رواية حسين الجعفي عنه. انظر: المحرر ٣٣٢/١٥. (٦) أي شبه مفاعل لأن وزنه فواعل. الإتحاف ٢/ ٥١٠. (٧) (٨) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في اللسان (ثمن) والخزانة ٣٠٠/٣، وشرح التصريح ٢٧٤/٢. ١٦٦ - الرحمن - وهذا كما قالوا: ((هذا شاكٌ)) (١) وقد تقدَّم تقريرُ هذا في الأعراف عند قولِه: ((وَمِنْ فوقِهِم غَواشٍ))(٢). قوله: ((المُنْشَآت)) قرأ (٣) حمزةُ وأبو بكر (٤) بخلافٍ عنه بكسرِ الشينِ بمعنى: أنها تُنْشِىءُ الموجَ بجَرْيِها، أو تُنْشِىء السيرَ إقبالاً وإدباراً، أو التي رَفَعَتْ شُرُعَها أي: قِلاعَها. والشِّراع: القِلْع. وعن مجاهد(٥): كلما رَفَعتْ قِلْعَها فهي من المُنْشَآَت، وإلَّ فليسَتْ منها. ونسبةُ الرَّفْع إليها مجازٌ كما يقال: أنْشَأْتِ السحابةُ المطرَ. والباقون بالفتح وهو اسمُ مفعول أي: أنشأها اللَّهُ أو الناسُ، أو رفعوا شُرُعَها. وقرأ ابن أبي عبلة (المُنَشَّت)) بتشديد الشين مبالغةً. والحسنُ ((المُنْشات)) بالإِفراد، وإبدالِ الهمزة ألفاً وتاءٍ مجذوبة(٦) خَطَّا فَأْفَرِدَ الصفةَ ثقةً بإفهام الموصوف الجمعيةَ، كقولِه «أزواجُ مُطَهَّرة))(٧) وأمَّا إبدالُه الهمزةَ ألفاً، وإنْ كان قياسُها بينَ بينَ فمبالَغَّةٌ في التخفيف، كقوله(٨). ٤١٧٤- إنَّ السّاعَ لَتَهْدَا في مَرابِضِها (١) رجل شاكي السلاح: إذا كان ذا شوكة وحدّ في سلاحه فلامه ياء فهو منقوص. (٢) الآية ٤١ من الأعراف وانظر: الدر ٣٢٢/٥. انظر في قراءاتها: السبعة ٦٢٠، والنشر ٣٨١/٢، والقرطبي ١٦٤/١٧، (٣) والبحر ١٩٢/٨، والحجة ٦٩١، والتيسير ٢٠٦. (٤) وهي رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر فتحاً وكسراً، أمَّا حرمي عن حماد عن عاصم فبالفتح انظر: السبعة ٦٢٠. (٥) انظر: المحرر ٣٣٣/١٥. (٦) أي مفتوحة. الآية ٢٥ من البقرة. (٧) تقدم برقم ٣٦٩١. (٨) ١٦٧ - الرحمن - أي: لتهدَأ. وأمَّا كَتْبُها بالتاءِ المجذوبة فإتباعاً للفظها في الوصلِ. و ((في البحر)) متعلقٌ بالمُنْشِئات أو المنشآت، ورسمُه بالياء بعد الشين في: مصاحفِ العراقِ يُقَوِّي قراءةَ الكسرِ ورَسْمُه بدونِها يُقَوِّي قراءةَ الفتحِ، وحَذَفُوا الألفَ كما تُحْذَفُ في سائر جمع المؤنث السالم. و ((كالأَعْلام» حالٌ: إمَّا من الضميرِ المستكنِّ في ((المُنْشَآَت))، وإمَّا مِن ((الجوار)) وكلاهما بمعنىّ واحد. والأَعلام: الجبالُ جمعُ عَلَم. قال(١): ٤١٧٥- رُبَّما أَوْقَيْتُ فِي عَلَمِ تَرْفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ آ. (٢٦) وقوله: ﴿كلُّ مَنْ عليها فانٍ﴾: غَلََّ مَنْ يَعْقِلُ على غيره، وجميعُهُم مُرادٌ. والضميرُ في ((عليها)) للأرضِ. قال بعضُهم: ((وإنْ لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ كقوله: ((حتى توارَتْ بالحِجاب))(٢). وقد رُدَّ على هذا القائلِ وقالوا: بَل تَقَّدَّم ذِكْرُها في قوله: ((والأرضَ وَضَعَها))(٣). آ. (٢٧) قوله: ﴿ذو الجَلالِ﴾: العامَّةُ على ((ذو)» بالواو صفةً للوجه. وأبَيِّ(٤) وعبدُ الله ((ذي)) بالياءِ صفةً لـ ((ربِّك)) وسيأتي خلافٌ بين السبعةِ في آخر السورة إنْ شاءَ الله تعالى. آ. (٢٩) قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ في السموات﴾: فیه وجهان، أحدهما: هو مستأنفٌ. والثاني: أنه حالٌ مِنْ ((وَجْه)) والعاملُ فَيهِ ((يَبْقَى)) أي: يَبْقَى مَسْؤُولاً مِنْ أهلِ السمواتِ والأرضِ. (١) تقدم برقم ٤٠٥. (٢) الآية ٣٢ من ص. (٣) الآية ١٠ من الرحمن. (٤) البحر ١٩٢/٨، والكشاف ٤٦/٤. ١٦٨ - الرحمن - قوله: ((كلَّ يوم)) منصوبٌ بالاستقرارِ الذي تضمَّنه الخبرُ وهو قولُه (فِي شَأْنٍ)) والشَّأْنُ: الأَمْرُ. آ. (٣١) قوله: ﴿سَنَفْرُغُ﴾: قرأ(١) سَيَفْرُغُ بالياءِ الأخَوان أي: سَيَفْرُغُ اللَّهُ تعالى. والباقون من السبعة بنون العظمة، والراءُ مضمومةٌ في القراءتَيْن، وهي اللغةُ الفُصْحى لغة الحجازِ. وقرأها مفتوحة الراء مع النونِ الأعرجُ، وتحتمل وجهَيْن، أحدهما: أَنْ تكونْ مِنْ فَرَغَ بفتح الراء في الماضي، وفُتِحت في المضارع لأجْلِ حرفِ الحَلْقِ. والثاني: أنه سُمِعَ فيه فَرِغَ بكسرِ العينِ، فيكون هذا مضارعه / وهذه لغةُ تميم. [٨٣٣/ب] وعيسى بن عمر وأبو السَّمَّال ((سَنِفْرَغُ) بكسر حرفِ المضارعةِ وفتحٍ الراءِ. وتوجيهُها واضحٌ مِمَّا تقدَّم في الفاتحة (٢) قال أبو حاتم: ((وهي لُغَةُ سُفْلِى مُضَرَ. والأعمش وأبو حيوةَ وإبراهيمُ ((سَنِفْرَغُ» بضم الياء مِنْ تحثُ مبنياً للمفعولِ. وعيسى أيضاً بفتح نونِ العظمةِ وكسرِ الراء. والأعرجُ أيضاً بفتح الياء والراء. ورُوي عن أبي عمروٍ. وقد تقدَّم قراءةُ ((أيها)) في النور(٣). والفَراغُ هنا استعارةٌ. وقيل: هو القَصْدُ. وأُنْشِد لجرير (٤): ٤١٧٦ - ألانَ وقد فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فهذا حينَ كُنْتُ لهمْ عَذاباً (١) انظر في قراءاته: السبعة ٦٢٠، والنشر ٣٨١/٢، والحجة ٦٩٢، والبحر ١٩٤/٨، والتيسير ٢٠٦، والقرطبي ١٦٩/١٧، والمحتسب ٣٠٤/٢. (٢) انظر: الدر المصون ٦٠/١. (٣) انظر إعرابه للآية ٣١ من النور. (٤) ليس في ديوانه وهو في البحر ١٩٤/٨، والقرطبي ١٦٩/١٧. ١٦٩ - الرحمن - وأنشد الزجاج(١). ٤١٧٧٠_ فَرَغْتُ إلى العبدِ المقيَّدِ في الحِجْلِ ويَدُلُّ عليه قراءةُ أُبَيّ ((سَنَفْرُغُ إليكم)) أي: سَنَقْصِدُ إليكم. والثَّقَلان: الجن والإِنسِ لأنهما ثَقَلا الأرضِ. وقيل: لِثِقَلِهِم بالذنوب. وقيل: الثَّقَلُ: الإِنِسُ لِشَرَفَهم. وسُمِّيَ الجُّ بذلك مجازاً للمجاورة. والثَّقَل: العظيم الشريف. وفي الحديث(٢): ((إني تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن كتابَ الله وعِتْرتي)». آ. (٣٣) قوله: ﴿فانفُذُوا﴾: أمرُ تعجيزٍ. والنُّقُوذُ: الخروج بسرعة وقد تقدَّم في أولِ البقرة (٣): أنَّ ما فاؤُه نونٌ وعينُه فاءٌ يَدُلُّ على الخروج كِتَفَق ونَفَرَ، و((إلّ بسُلْطان)) حالٌ أو متعلّقٌ بالفعلِ قبلَه. وقرأ(٤). زيد بن علي ((إنْ اسْتَطَعْتما)) خطاباً للَّقَلَيْن، وحَقُّه أَنْ يمشيَ عِلى سَنَنِ واحدٍ فِيَقْرأَ ((أنْ تَنَفَذا، لا تنفُذان)) والعامَّةُ جعلوه كقوله: ((وإنْ طائفتانِ من المؤمنين اقْتَتَلوا))(٥) إذ تحت كلِّ واحدٍ أفرادٌ كثيرةٌ وقد رُوعي لفظُ التثنية في قوله بعدُ: ((يُرْسَلُ عليكما)) فلا تبعدُ قراءةُ زيدٍ. (١) البيت لجرير وصدره: ولمَّا اتَّقَى القَيْنُ العِراقِيُّ باسْتِهِ وهو في ديوانه ٤٦٤، واللسان (فرغ)، والقين العراقي: البُعيث. (٢) رواه مسلم بلفظ قريب: ٤٤ كتاب فضائل الصحابة، ورقم الحديث ٢٤٠٨، ٤ / ١٨٧٣. (٣) انظر: الدر المصون ٩٦/١. (٤) البحر ٨/ ١٩٤. (٥) الآية ٩ من الحجرات. ١٧٠ - الرحمن - آ. (٣٥) قوله: ﴿شُواظٌ﴾: قرأ(١) ابن كثير بكسر الشين. والباقون بضمِّها، وهما لغتان بمعنىّ واحدٍ. والشُواظُ: قيل: اللَّهَبُ معه دُخانٌ. وقيل: بل هو اللهبُ الخالِصُ. وقيل: اللَّهَبُ الأحمرُ. وقيل: هو الدخانُ الخارجُ مِن اللهَب. وقال رؤبة(٢). ٤١٧٨- ونارَ حَرْبٍ تُشْعِرُ الشُّواظا وقال حسان(٣). ٤١٧٩- هَجَوتُكَ فاخْتَضَعْتَ لها بذُلِّ بقافِيَةٍ تَأَجَّجُ كالشُّواظِ و((يُرْسَلُ)) مبنيٌّ للمفعولِ؛ وهو قراءةُ العامَّةِ. وزيد(٤) بن علي (نُزْسِلُ)) بالنونِ، ((شواظاً ونُحاساً» بالنصب. و ((مِنْ نار)) صفةٌ لشواظ أو متعلُّقٌ بـ ((يُرْسَلُ)). (١) السبعة ٦٢١، والتيسير ٢٠٦، والنشر ٣٨١/٢، والحجة ٦٩٣، والبحر ١٩٥/٨، والقرطبي ١٧/ ١٧١. (٢) قبله: إنَّ لهم مِنْ وَقْعِنا أَقْياظا وليس في ديوانه، وهو في اللسان (شوظ) ومجاز القرآن ٢٤٤/٢، وجمهرة اللغة ١٢٣/٣ منسوباً للعجاج. (٣) ديوانه ١٥٣/١، وروايته فيه: مُجَلَّلَةً تُعَمِّمُكُمْ شَناراً وهو في القرطبي ١٧١/١٧ . (٤) البحر ١٩٥/٨. مُضَرَّمَةً تَأَجَّجُ كالشُّواظِ ١٧١ - الرحمن - قوله: ((ونُحاسٍ)) قرأ (١) ابنُ كثير وأبو عمروٍ بجرِّه عطفاً على (نارِ))، والباقون برفعِه عطفاً على ((شُواظ)). والنحاس قيل: هو الصُّفْرُ المعروفُ، يذيبه اللَّهُ تعالى ويُعَذِّبهم به. وقيل: الدخان الذي لا لَهَبَ معه. قال الخليل(٢): وهو معروفٌ في كلام العرب، وأنشد للأعشى(٣). ٤١٨٠- يُضَيْءُ كضَوْءٍ سراجِ السَّلِيْـ سطِ لم يَجْعَلِ اللَّهُ فيه نُحاسًا وتُضَمُّ نونُه وتُكْسَرُ، وبالكسرِ قرأ(٤) مجاهد وطلحة والكلبي. وقرأ ابن جندب(٥) ((ونَجْسٌ)) كقولِه: ((في يومٍ نَحْس))(٦) وابن أبي بكرة(٧) وابن أبي إسحاق ((ونَحُسُّ)) بضم الحاء والسين مشددةً من قوله: ((إذا تَحُشُونهم))(٨) أي: ونقتلُ بالعذاب. وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً ((ونَجِّس)) بضمِّ الحاء وفتحِها وكسرِها، وجرِّ السين. والحسن والقاضي(٩) (١) السبعة ٦٢١، والنشر ٣٨١/٢، والبحر ١٩٥/٨، والتيسير ٢٠٦، والقرطبي ١٧١/١٧، والحجة ٦٩٣ . (٢) انظر: اللسان (نحس). (٣) ليس للأعشى وإنما هو للنابغة الجعدي، ديوانه ٧٥، ومجاز القرآن ٢٤٥/٢، واللسان (نحس)، ومعاني الفراء ١١٧/٣، والقرطبي ١٧٢/١٧. والسليط: الزيت أو دهن السمسم. (٤). انظر في قراءاته: القرطبي ١٧٢/١٧، والمحتسب ٣٠٤/٢، والبحر ١٩٥/٨. وهو مسلم بن جندب وتقدمت ترجمته. (٥) (٦) الآية ١٩ من القمر. (٧) : وهو عبد الرحمن بن أبي بكرة وتقدمت ترجمته. (٨) الآية ١٥٢ من آل عمران. (٩) لعله القاضي إسماعيل بن إسحاق أبو إسحاق الأزدي البغدادي، ثقة، روى عن · قالون، وروى عنه ابن مجاهد. توفي سنة ٢٨٢. انظر: طبقات القراء ١/ ١٦٢. ١٧٢ - الرحمن - (نُحُس)) بضمتين وجرّ السين. وتقدَّمَتْ قراءةُ زيدٍ ((ونُحاساً» بالنصبِ لِعَطْفِه على ((شواظاً)) في قراءته. آ. (٣٧) قوله: ﴿فإذا انْشَقَّتْ﴾: جوابُه مقدرٌ أي: رأيت هَوْلاً عظيماً، أو كان ما كان. قوله: ((وَرْدَةً)) أي: مثلَ وَرْدَةٍ. فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تُشَمُّ، شَبَّهها بها في الحُمْرة، وأنشد (١). ٤١٨١- فلو كُنْتُ وَرْداً لَوْنُه لعَشِقْتَني ولكنَّ ربي شائَني بسَواديا وقيل: هي من لَوْنِ الفَرَسِ الوَردِ، وإنما أُنَّثَ لكونِ السماءِ مؤنثةً. وقال الفراء (٢): ((أراد لونَ الفرسِ الوَردِ، يكون في الربيع إلى الصفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي اشتدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرة، فشبَّه تلوُّنَ السماءِ بتلَؤُّنِ الوَرْدَةِ من الخيل)). وقرأ(٣) عبيد بن عمير ((وَزْدَةٌ) بالرفع. قال الزمخشري (٤): ((بمعنى: فَحَصَلَتْ سماءٌ وردةٌ، وهو من الكلام الذي يُسَمَّى التجريدَ، كقوله(٥). ٤١٨٢- فَلَئِنْ بَقِيْتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوةٍ تَحْوِي الغنائمَ أو يموتُ کریمُ (١) البيت لسحيم عبد بني الحسحاس وهو في ديوانه ٢٦، والماوردي ٤/ ١٥٥. (٢) معاني القرآن له ١١٧/٣. (٣) البحر ١٩٥/٨. (٤) الكشاف ٤٨/٤ . (٥) البيت لقتادة بن مسلمة الحنفي وهو في الكشاف ٤٨/٤، والحماسة ٣٦٨/١. ١٧٣ - الرحمن - قوله: ((كالدِّهان)) يجوز أن يكونَ خبراً ثانياً، وأَنْ يكونَ نعبّاً لوردة، وأَنْ يكونَ حالاً من اسم ((كانت)). وفي ((الدِّهان)) قولان، أحدُهما: أنه جمعُ دُهْن نحو: قُرْط وقراط، ورُمح ورماح، وهو في معنى قوله: (تكون السماءُ كالمُهْلِ))(١). وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والثاني: أنه اسمٌّ مفردٌ، فقال الزمخشري (٢). ((اسمُ ما يُذْهَنُ به كالجِزام(٣) والإِدام وأنشد (٤). ٤١٨٣- كأنَّهما مَزادَتَا مُتَعَجِّـلٍ فَرِيَّانِ لَمَّا تُذْهَنا بدِهان / وقال غيرُه: هو الأديمُ الأحمرُ، وأنشد للأعشى(٥): [١/٨٣٤] ٤١٨٤- وأَجْرَدَ مِنْ كِرامِ الخَيْلِ طِرْفٍ كأنَّ على شَواكِله دِهانا أي: أديماً أحمرَ، وهذا يَحْتمل أنْ يكونَ جمعاً. ويؤيِّده ما أنشده منذرُ بنُ سعيد(٦). (١) الآية ٨ من المعارج. (٢) الكشاف ٤٨/٤. (٣) الجزام: صرام النخل. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في شرح شواهد الكشاف ٥٥٩/٤. والفَرِيُّ: الكبير الواسع. شَبَّه عينيه من كثرة البكاء بقربتين غير مدهونتین خَرْزُهما متعجل فلم يُحكم خرزهما فهما يذرفان ماء. (٥) ديوانه ١٨٧. الطرف: الكريم من الخيل. الشاكلة: الخصر، فهذا الجواد كأنه قد طُلي بدِمان. (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في المحرر ٣٤٠/١٥. ١٧٤ - الرحمن - ٤١٨٥- يَبَعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كلَّ عَشِيَّةٍ بموسِمٍ بَذْرٍ أو بسُوقِ عُكاظِ فقوله ((الحُمْرَ)) يؤيِّدُ كونَه جمعاً، وقد يُقال: هو كقولهم: «أهلك الناسَ الدينارُ الحُمْرُ والدرهمُ البِيْضُ»، إلَّ أنَّه خِلافُ الأصلِ. وقيل: شُبَّهَتْ بالدِّهانِ، وهو الزَيْتُ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقيل: لبَريقِها. آ. (٣٩) قوله: ﴿فَيَوْمئذٍ﴾: التنوينُ عِوَضٌ من الجملةِ، أي: فيومَ إذ انشَقَّت السَّماءُ. والفاء في ((فيومئذٍ)) جوابُ الشرط. وقيل: هو محذوفٌ، أي: فإذا انشَقَّتِ السماءُ رَأَيْتَ أَمْراً مَهُوْلاً، ونحو ذلك. والهاءُ في ((ذَنْبه)) [تعودُ على أحد المذكورِيْن](١). وضميرُ الآخرِ مقدرٌ، أي: ولا يُسْأَل عن ذنبِه جانٌّ أيضاً. وناصبُ الظرفِ ((لا يُسأَلُ)) و((لا)) غيرُ مانعةٍ. وقد تقدَّم خلافُ الناس فيها في الفاتحة. وتقَدَّمَتْ قراءة ((جَأَنّ))(٢) بالهمز فيها أيضاً. آ. (٤١) وقرأ حماد بن أبي سليمان(٣) ((بسِيْمائِهِم)) بالمدِّ. وتقدَّم الكلامُ على ذلك في آخر البقرة(٤). قوله: ((فيُؤْخَذُ بالنَّواصي)) ((يُؤْخَذُ)) متعدٍّ، ومع ذلك تَعَدَّى بالباء؛ (١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل أثبتناه من (ش). (٢) وهي قراءة الحسن وعمرو بن عبيد. انظر: المحتسب ٣٠٥/٢، والشواذ ١٥٠، والقرطبي ١٨١/١٧، والبحر ١٩٥/٨. (٣) البحر ١٩٦/٨، وحماد بن أبي سليمان، مسلم الأشعري أبو إسماعيل الكوفي الفقيه. روى عنه سفيان الشوري توفي سنة ١٢٠. انظر: تهذيب الكمال ٣٢٨/١. (٤) الدر ٢ / ٦٢٢. ١٧٥ - الرحمن - لأنه ضُمِّنَ معنى يُسْحَبُ، قاله الشيخ(١). وسحب إنما يُعَدَّى بـ ((على)) قال تعالى: ((يُسْحَبُون في النارِ على وجوههم)»(٢) فكان يَنْبغي أَنْ يقولَ: ضُمِّنَ معنى يُدَقُّوْن، أي :: يُدْفَعون. وقال مكي(٣): ((إنما يُقال: أَخَذْتُ الناصِيةَ وأخَذْتُ بالناصية. ولو قلت: أَخَذْتُ الدابَّةَ بالناصيةِ لم يَجُزْ. وحُكي عن العرب: أَخَذْتُ الخِطامَ، وأَخَذْتُ بالخِطام بمعنى. وقد قيل: إِنَّ تقديرَه: فيُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ بالنَّواصي، وليس بصوابٍ، لأنه لا يَتَعَدَّىُ إلى مفعولَيْنِ أحدُهما بالباء، لِما ذكَرْنا. وقد يجوز أَنْ يتعدَّى إلى مفعولَيْنِ أحدُهما بحرفِ جرّ غيرِ الباء نحو: أَخَذْتُ ثوباً من زيد. فهذا المعنى غَيرُ الأولِ، فلا يَحْسُن مع الباء مفعولٌ آخرُ، إلاَّ أَنْ تجعلَها بمعنى: مِنْ أَجْلِ، فيجوزُ أن تقولَ: أَخَذْتُ زيداً بعمروٍ، أي: مِنْ أجلِهِ وبذنبِهِ)) انتهى. وفيما قاله نَظَرٌ، لأنك تقولُ: أَخَذْتُ الثوبَ بدرهم، فقد تعذَّی بغير ((مِنْ)) أيضاً بغير المعنى الذي ذكره. وأل في النواصي والأقدام ليسَتْ عِوَضاً مِنْ ضمير عند البَصْريين(٤) فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عِوَضٌ. والنَّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرأس. وقد تقدَّم هذا مستوفى في هود(٥). وفي حديث عائشة رضي الله عنها: ((مالكم لا تَنْصُون مَيِتكم))(٦)، أي: لا تَمُدُّون ناصِيته(٧). والنَّصِيُّ (١) البحر ١٩٦/٨. (٢) الآية ٤٨ من القمر. إعراب المشكل ٣٤٥/٢. (٣) انظر: المغني ٧٧ . (٤) انظر: الدر المصون ٣٤٤/٦. (٥) (٦) انظر: اللسان (نصا) والنهاية ٦٨/٥ حين سُئلت عن الميت يُسَرَّحُ رأسُه. (٧) الأصل: ناصيتكم والتصحيح من (ش). ١٧٦ - الرحمن - مَرْعى طيب. وقولهم: ((فلانٌ ناصيةُ القوم)، يُحتمل أن يكونَ من هذا، يَعْنون أنه طيب مُنْتَفَعٌ به، أو مثلَ قولِهم: هو رأسُ القوم. آ. (٤٣ - ٤٤) قوله: ﴿هذه جهنمٌ﴾: أي: يُقال لهم و («آن)» بمعنى: حار متناهٍ في الحرارة، وهو منقوصٌ كقاضٍ يُقال: أنى يَأْني فهو آن كقَضى يَقْضي فهو قاضٍ. وقد تَقَّدَّمَ في الأحزاب(١). والعامَّةُ يطوفون مِنْ طاف. وعلي بن أبي طالب (٢) رضي الله عنه وأبو عبد الرحمن (يُطَافُون)) مبنياً للمفعول، مِنْ أطافهم غيرُهم. والأعمش وطلحة وابن مقسم (يُطَوِّفُون)) بضمُّ الياء وفتح الطاءِ وكسرِ الواوِ مشددةً، أي: يُطَوِّفُون أنفسَهم. وقرأت فرقةٌ(٣) ((يَطَّوَّفون)) بتشديد الطاء والواو. والأصلُ: يتطَوَّفون. آ. (٤٦) قوله: ﴿مَقامَ ربِّه﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً، وأَنْ يكونَ مكاناً. فإِنْ كان مصدراً، فيُحتمل أَنْ يكونَ مضافاً لفاعلِه، أي: قيامَ ربِّه عليه وحِفْظَه لأعمالِه مِنْ قوله: ((أفَمَنْ هو قائمٌ على كلِّ نَفْسٍ بما كَسَبَتْ))(٤) ويُرْوَى هذا المعنى عن مجاهد، وأن يكونَ مضافاً لمفعولِه. والمعنى: القيام بحقوق الله فلا يُضَيِّعُها. وإنْ كان مكاناً فالإِضافةُ بأَدْنى مُلابسة لَمَّا كان الناسُ يقومون بين يَدَى اللهِ تعالى للحساب في عَرَصات(٥) القيامة. قيل: فيه مَقامُ الله. والظاهرُ أن الجنَّتَيْن لخائفٍ واحدٍ. وقيل: (١) انظر إعرابه للآية ٥٣. انظر في قراءاته: الشواذ ١٤٩، والبحر ١٩٦/٨، والإتحاف ٥١١/٢. (٢) (٣) وهي قراءة الشنبوذي. (٤) الآية ٣٣ من الرعد. (٥) ج عَرْصة وهي: الساحة. ١٧٧ - الرحمن - جنةٌ لخائفِ الناس، وأُخرى لخائفِ الجنُّ، فيكون من بابِ التوزيعِ. وقيل ((مَقام)) هنا مُقْحَمٌ(١) والتقدير: ولِمَنْ خاف ربَّه وأنشد (٢). ونَفَیْتُ عنه ٤١٨٦- مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللعينِ أي: نَفَيْتُ الذئْبَ، وليس بجيدٍ؛ لأنَّ زيادةَ الاسم ليسَتْ بالسهلة .. آ. (٤٨) قوله: ﴿ذَواتا﴾: صفةٌ ل جَتَّان، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هما ذواتا. وفي تثنية ((ذات)) لغتان: الردُّ إلى الأصلِ، فإنَّ أصلَها ((ذَوْيَة)) فالعينُ واوٌ، واللامُ ياءٌ، لأنَّها مؤنثةٌ ذو. والثانية: التثنيةُ على اللفظِ فيُقال: ذاتا . والأَفْنان: فيه وجهان، أحدُهما: أنه جمعُ فَنَن كطَلَل وهو الغُصْنُ. (٣). قال النابغة الذبياني ٤١٨٧- بكاءَ حمامةٍ تَذْعو هَدِيلاً مُفَجَّعَةٍ على فَنَنٍ تُغَنِّي وقال آخر (٤). ٤١٨٨- رُبَّ وَرْقَاءَ هَتُوفٍ بالضُّحى ذاتٍ شَجْوٍ صَدَحَتْ فِي فَنَسِنِ (١) مثل هذا اللفظ لا يناسب الأدب مع القرآن الكريم. (٢) تقدم برقم ٦٠٧ . (٣) دیوانه ١٩٧ . (٤) لم أقف عليه. ١٧٨ - الرحمن - وقال آخر (١): ٤١٨٩_ على كلِّ أفنانِ العِضاءِ تَرُوْقُ والثاني: أنه جمعُ فَنّ كدَنّ (٢)، وإليه أشار ابنُ عباس. والمعنى: ذواتا أنواع وأشكالٍ. وأنشدوا(٣). ٤١٩٠- ومِنْ كلُّ أفنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبا لَهَوْتُ به والعيشُ أخضرُ ناضِرُ إلَّ أنَّ الكثيرَ فِي ((فَنَّ)) أَنْ يُجْمع على ((فُنون)). آ. (٥٤) قوله: ﴿مُتَّكئين﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ ((مَنَ)) في قوله: ((وَلِمَنْ خافَ))، وإنَّما جُمِعَ حَمْلاً على معنى ((مَنْ)) بعد الإِفراد حَمْلاً على لفظها. وقيل: حالٌ عامِلُها محذوفٌ أي: يَتَتَعَّمون مُتَّكتين. وقيل: منصوبٌ على الاختصاصِ. والعامَّةُ على ((فُرُش)) بضمَّتين. وأبو حيوة(٤) بضمة وسکونٍ وهي تخفيفٌ منها./ [٨٣٤/ب] قوله: ((بَطَائِتُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ)) هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةٌ. والظاهر أنَّها صفةٌ لـ ((فُرُش)). و(مِنْ إستبرق)) قد تَقَدَّم الكلام في الاستبرق وما قيل فيه في سورة الكهف(٥). وقال أبو البقاء(٦) هنا: ((أصلُ (١) تقدم برقم ٧٨. (٢) الدن: وعاء الخمر. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في شرح شواهد الكشاف ٤٢٣/٤، والبحر ١٨٥/٨. القرطبي ١٧٩/١٧، والبحر ١٩٧/٨. (٤) انظر: الدر المصون ٧/ ٤٨٤. (٥) (٦) الإملاء ٢/ ٢٥٢. ١٧٩ - الرحمن - الكلمةِ فِعْلٌ على اسْتَفْعَلَ فلمَّا سُمِّي به قُطِعَتْ همزتُه. وقيل: هو أعجميُّ. وقرِىء(١) بِحَذْفِ الهمزةِ وكسر النونِ، وهو سَهْوٌ؛ لأنَّ ذلك لا يكون في الأسماءِ بل في المصادرِ والأفعال)». انتهى. أمَّا قولُه (وهو سهوٌ لأن ذلك لا يكون)) إلى آخرِهِ، يَعْني أنَّ حَذْفَ الهمزةِ في الدَّرْجِ لا يكونُ إلَّ في الأفْعال والمصادرِ، وأمَّا الأسماءُ فلا تُحْذَفُ هَمَزاتُها لأنَّهَا هَمَزات قَطْع. وهذا الكلامُ أحقُّ بأن يكونَ سَهْواً؛ لأنَّا أولاً لا نُسَلِّمُ أَنَّ هذه القراءةَ مِنْ حَذْفِ همزة القطع إجراءً لها مُجْرىُ همزةِ الوَصْلِ. وإنَّما ذلك مِنْ بابِ نَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكن قبلَها، وحركةُ الهمزةِ كانَتْ كسرةٌ فحركةُ النونِ حركةُ نَقْلٍ لا حركةُ التقاءِ ساكنين. ثم قولُه: ((إلاَّ فِي الأفعال والمصادرِ)) ليس هذا الحصرُ بصحيح اتفاقاً لوجودِ ذلك في أسماءِ عشرةٍ ليسَتْ بمصادرَ، ذكرْتُها في أولِ هذا الموضوع(٢). قوله: ((وجَنَىُ الجَنَّيْنَ دانٍ)) مبتدأُ وخبرٌ. ودانٍ أصلهُ دانِوُ مثلَ غازٍ، فَأُعِلَّ كإعلالِه(٣). وقرأ(٤) عيسى بن عمر ((وجَنِيَ)) بكسر النون. وتوجيهُها: أن يكونَ أمالَ الفتحة لأجل الألف، ثم حذف الألف لالتقاءِ السَّاكنين، وأبقى إمالة النون فَظُنَّتْ كسرةً. وقُرِىء ((وجِنَى)) بكسر الجيم، وهي لغة. والجَنى: ما يُقْطَفُ من الثمار. وهو فَعَل بمعنى مَفْعُول كالقَبَض(٥) والنَّقَص. (١) وهي قراءة أبي جعفر وورش وآخرين. انظر: الإتحاف ٥١٢/٢، والنشر ٤٠٨/١، والمحتسب ٣٠٤/٢. (٢) انظر: الدر المصون ٢١/١. (٣) وقعت الواو لاماً وانكسر ما قبلها فقلبت ياء فأصبح دانيُّ. استثقلت الضمة على الياء فحذفت. (٤) انظر في قراءاتها: البحر ١٩٧/٨، والقرطبي ١٨٠/١٧، والشواذ ١٥٠٪. (٥) القَبَضُ: ما جُمع من الغنائم. انظر: اللسان (قبض). ١٨٠