Indexed OCR Text
Pages 541-560
- الشورى - قوله: ((ومَنْ حَوْلها)) عطفُ على (أهل)) المقدرِ قبل ((أمَّ القرى)) أي: لِتُنْذِرَ أهلَ أمِّ القرى ومَنْ حَوْلَها. والمفعولُ الثاني محذوفٌ أي: العذابَ. وَقُرِىءَ (١) (ُنْذِرَ)) بالياءِ مِنْ تحتُ أي: القرآن. وقولُه: ((وتُنْذِرَ يومَ الجَمْعِ)) هو المفعولُ الثاني. والأولُ محذوفٌ أي: وتُّنْذِرَ الناسَ عذابَ يومِ الجمع، فحذفَ المفعولَ الأولَ من الإِنذار الثاني، كما حَذَفَ المفعولَ الثاني مِنْ الإنذار الأولِ . قوله: ((لا رَيْبَ فيه)) إخبارٌ فهو مستأنَفٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ ((يومَ الجمع))، وجعلَه الزمخشريُّ(٢) اعتراضاً وهو غيرُ ظاهرٍ صناعةً؛ إذ لم يَقَعْ بين متلازِمَیْنِ . قوله: ((فَرِيقُ)) العامَّةُ على رَفْعِه بأحدٍ وجهَيْنِ: إِمَّا الابتداءِ، وخبرُه الجارُّ بعدَه. وساغ هذا في النكرةِ لأَنَّه مَقامُ تفصيلٍ كقولِه(٣): ٣٩٦٥- فئوبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أَجُرْ ويجوزُ أَنْ يكونَ الخبرُ مقدراً، تقديرُه: منهم فريقٌ. وساغ الابتداءُ بالنكرةِ لشيئَيْنِ: تقديمٍ خبرِها جارًا ومجروراً، ووَصْفِها بالجارِّ بعدَها. والثاني: أنه خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هم، أي: المجموعون دَلَّ على ذلك قولُه: ((يومَ الجمْعِ)). وقرأ(٤) زيدُ بن علي ((فريقاً، وفريقاً)) نصباً على الحال مِنْ جملةٍ محذوفٍ (١) الكشاف ٤٦١/٣. (٢) الكشاف ٤٦١/٣. (٣) تقدم برقم ١٦٧٨. القرطبي ٦/١٦، والبحر ٥٠٩/٧ . (٤) ٥٤١ - الشورى - أي: افترقوا أي: المجموعون. وقال مكي(١): ((وأجاز الكسائيُّ والفراءُ(٢) النصبَ في الكلام في (فريقاً» على معنى: تُنْذِرُ فريقاً في الجنة وفريقاً في السَّعير يومَ الجمع)). قلت: قد تقدَّم أنَّ زيدَ بن علي قرأ بذلك، فكأنَّه لم يَطَّلِعْ على أنها قراءةٌ؛ بل ظاهرُ نَقْلِه عن هذَيْن الإِمامَيْن أنهما لَم يَطَّلعا عليها، وجَعَلَ ((فريقاً) مفعولاً أولَ لـ ((تُنْذِرَ)) و (يومَ الجَمْعِ)) مفعولاً ثانياً. وفي ظاهرِهِ إشكالٌ: وهو أنَّ الإِنذارَ لا يقعُ للفريقَيْنِ، وهما في الجنة، وفي السَّعير، إنَّما يكونُ الإِنذارُ قبل استقرارِهما فيهما. ويمكنُ أَنْ يُجابَ عنه: بأنَّ المرادَ مَنْ هو مِنْ أهلِ الجنة ومِنْ أهلِ السَّعير، وإنْ لم يكنْ حاصلاً (٣) فيهما وقتَ الإِنذارِ، و ((في الجنة)) صفةٌ لـ ((فَرِيقاً)) أو متعلِّقٌ بذلك المحذوفِ. آ. (٩) قوله: ﴿أم اَخَذوا﴾: هذه ((أم)) المنقطعةُ تتقَدَّر بـ بل التي للانتقالِ وبهمزةِ الإِنكارِ، أو بالهمزةِ فقط، أو بـ بل فقط. قوله: ((فاللَّهُ هو الوليُّ)). الفاءُ عاطفةٌ ما بعدَها على ما قبلَها. وجعلها الزمخشريُّ(٤) جوابَ شرطٍ مقدرٍ. كأنَّه قيل: إنْ أرادوا أولياءَ بحقٍ فاللَّهُ هو الوليُّ . آ. (١١) قوله: ﴿فاطرُ﴾: العامَّةُ على رفعِه خبراً لـ (ذلكم)) أو نعتاً لـ((ربِّي)) على تَمَخُّضِ إضافتِه. و((عليه توكَّلْتُ)) معترضٌ على هذا، أو مبتدأ، وخبرُه ((جَعَلَ لكم)) أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هو. وزيد بن علي (٥): (١) مشكل الإعراب ٢٧٦/٢. (٢) قال الفراء في معانيه ٢٢/٣: ((ولو كان فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير كان صواباً .. والرفعُ أجود في العربيّة». (٣) ش: ((حالاً)). (٤) الكشاف ٤٦١/٣. (٥) القرطبي ٧/١٦، والبحر ٥٠٩/٧. ٥٤٢ - الشورى - ((فاطرٍ)) بالجرِّ نعتاً للجلالةِ في قوله: ((إلى اللَّهِ)، وما بينهما اعتراضٌ أو بدلاً مِن الهاء في ((عليه)) أو ((إليه)). وقال مكيُّ (١): ((وأجاز الكسائيُّ النصبَ على النداء). وقال غيرُه: على المدح. ويجوزُّ في الكلامِ الخفضُ على البدلِ من الهاءِ في ((عليه)). قلت: قد قرأ بالخفضِ زيدُ بن علي. وأمَّا نصبُه فلم أحفَظْه قراءةً. قوله: (يَذْرَؤُكُمْ فِيه)) يجوزُ أَنْ تكونَ ((في)) على بابِها. والمعنى: يُكَثِّرُكُمْ في هذا التدبير، وهو أنْ جَعَلَ للناسِ والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذُكورِهم وإناثِهم التوالُدُ. والضميرُ في ((يَذْرَؤُكم)) للمخاطبين والأنعامِ. وغَلَّب العُقلاءَ على غيرِهم الغُيِّبِ. قال الزمخشري (٢): ((وهي / من الأحكامِ ذاتِ العَّتَيْن)). [٧٨٥/ب] قال الشيخ (٣): ((وهو اصطلاحٌ غريبٌ، ويعني: أنَّ الخطابَ يُغْلَّبُ على الغَيْبة إذا اجتمعا))(٤). ثم قال الزمخشريُّ: ((فإنْ قلت: ما معنىْ يَذْرَؤُكم في هذا التدبيرِ؟ وهلا قيل يَذْرَؤُكم به. قلت: جُعِل هذا التدبيرُ كالمَنْبَعِ والمَعدِنِ للبَثُّ والتكثيرٍ. ألا تَراك تقول: للحَيّوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ((ولكم في القِصاص حياةٌ))(٥). والثاني (٦): أنها للسببية كالباء أي: يُكَثِّرُكم بسبِبه. والضميرُ يعودُ للجَعْلِ أو للمخلوقٍ)). قوله: ((ليس كمثله شيءٌ)) في هذه الآيةِ أوجهٌ، أحدُها - وهو المشهورُ (١) المشكل ٢٧٦/٢. (٢) الكشاف ٤٦٢/٣. (٣) البحر ٥١٠/٧. (٤) ((فتقول: أنت وزيد يقومان، والعاقل يغلب على غير العاقل إذا اجتمعا فتقول: الحيوان وغيرهم يسبحون خالقهم». اهـ. أبو حيان. (٥) الآية ١٧٩ من البقرة. (٦) الأول: أنَّ ((في)) على بابها. ٥٤٣ - الشورى - عند المُعْرِبين - أنَّ الكافَ زائدةٌ في خبرٍ ليس، و ((شيءٌ)) اسمُها. والتقدير: ليس شيءٌ مثلَه. قالوا: ولولا ادِّعاءُ زيادتِها لَلَزِمَ أَنْ يكونَ له مِثْلٌ، وهو مُحالٌ؛ إذ يَصيرُ التقديرُ على أصالةِ الكاف(١): ليس مثلَ مثلِه شيءٌ، فنفى المماثلةً عن مثلِهِ، فَثَبْتَ أنَّ له مثْلاً، لا مثلَ لذلك المَثَلِ، وهذا مُحالٌ تَعالى الله عن ذلك .. وقال أبو البقاء(٢): ((ولو لم تكنْ زائدةً لَأَفْضَى ذلك إلى المُحال(٣)؛ إذ كان يكونُ المعنى: أنَّ له مِثْلًا وليس لمثلِهِ مِثْلٌ. وفي ذلك تناقضٌ؛ لأنَّه إِذَا كان له مِثْلٌ فِلِمِثْلِه مِثْلٌ وهو هو، مع أنَّ إثباتَ المِثْلِ لله تعالى مُحالٌ)). قلت: وهذه طريقةٌ غريبٌ في تقريرِ الزيادةِ، وهي طريقةٌ حبسنةٌ فيها حُسْنُ صناعةٍ. والثاني: أنَّ مِثْلًا هي الزائدةُ كزيادتِها في قوله تعالى: ((بمثلٍ ما آمَنْتُم به»(٤). قال الطبري(٥): «كما زِيْدَتِ الكافُ في قوله(٦): ٣٩٦٦ - وصَالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ وقول الآخر(٧). ٣٩٦٧- فصُيِّروا مثلَ كعَصْفٍ مَأْكُوْنْ (١) قوله: ((الكاف)) غير واضح في الأصل، أثبتناه من ش. (٢) الإملاء ٢٢٤/٢. (٣) في مطبوعة الإملاء ((الحال)) وهو تحريف. (٤) الآية ١٣٧ من البقرة. (٥) تفسير الطبري ١٣/٢٥. (٦) البيت لخطام المجاشعي. وهو في الكتاب ١٣/١، والخصائص ٣٦٨/٢، وابن يعيش ٤٢/٨، ومجالس ثعلب ٣٩، ورصف المباني ١٩٦. والصاليات: الأثافي وهي الحجارة تحت القدر .. ككما يؤثفين: مثل ما نُصِبْن لم يزلن. (٧) تقدم برقم ٢١٠. ٥٤٤ - الشورى - وهذا ليس بجيدٍ؛ لأنَّ زيادةَ الأسماءِ ليسَتْ بجائزةٍ. وأيضاً يصيرُ التقديرُ ليس كـ هو شيءٌ(١)، ودخولُ الكافِ على الضمائرِ لا يجوزُ إلَّ في شعرٍ (٢). الثالث: أنَّ العربَ تقولُ ((مثلُكَ لا يَفْعَلُ كذا)) يعْنُون المخاطبَ نفسه؛ لأنَّهم يُريدون المبالغةَ في نَفْيِ الوصفِ عن المخاطب، فينفونَها في اللفظِ عن مثلِهِ، فَيَثْبُتُّ انتفاؤها عنه بدليلِها. ومنه قول الشاعر(٣): ٣٩٦٨- على مِثْلِ ليلى يَقْتُل المرءُ نَفْسَه وإنْ باتَ مِنْ ليلى على اليأس طاويا وقال أوس بن حجر (٤): ٣٩٦٩- ليس كمثلِ الفتى زُهَيْرٍ خَلْقٌ يُوازِيه في الفضائلِ وقال آخر(٥): ٣٩٧٠- سَعْدُ بنُ زيدٍ إذا أبصرْتَ فضلَهُمُ فما كمِثْلِهِمُ في الناسِ مِنْ أَحَدٍ قال ابن قتيبة(٦): ((العرب تُقيم المِثْلَ مُقامَ النفسِ فتقول: مثلي لا يُقال (١) لأنه بزيادة ((مثل)) يبقى الضمير المتصل فيتحول إلى منفصل. (٢) كقول رؤبة أو العجاج: (الكتاب ٣٩٢/٢). فلا ترى بَعْلاً ولا حَلائِلا كَه ولا كَهُنَّ إِلاَّ حاظِلا وقد يقال: إن الممنوعَ مباشرةُ الكاف للضمير. (٣) البيت للمجنون وهو في ديوانه ٢٩٦ . (٤) ليس في ديوانه، وهو في البحر ٥١٠/٧. (٥) لم أهتد إلى قائله. وهو في تفسير الماوردي ٥١٣/٣، والبحر ٥١٠/٧. (٦) تفسير غريب القرآن ٣٩١. ٥٤٥ - الشورى - له هذا، أي: أنا لا يُقال لي)). قيل: و[نظيرُ](١) نسبةُ المِثْل إلى مَنْ لا مِثْل له قولُك: فلانٌ يدُه مبسوطةً تريد أنه جَوادٌ، ولا نَظَرَ في الحقيقة إلى اليد، حتى تقولُ ذلك لمَنْ لا يَدَّ لَه كقولِه تعالى: ((بل يَدَاه مَبْسِوطتان))(٢). الرابع: أَنْ يُرادَ بالمِثْلِ الصفةُ، وذلك أنَّ المِثْلَ بمعنى المَثْلَ والمَثَّلُ الصفةُ، كقولِه تعالى: ((مَثَلُ الجنة))(٣) فيكونُ المعنى: ليس مِثْلُ صفتِه تعالى شيءٌ من الصفات التي لغيرِهِ، وهو مَحْمَلٌ سهلٌ. آ. (١٣) قوله: ﴿أَنْ أُقيموا﴾: يجوز فيها أوجهٌ، أحدُها: أَنْ تكونَ مصدريةً في محل رفعٍ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه: هو أَنْ أَقيموا أي : الدينُ المشروعُ توحيدُ الله تعالى. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ بدلاً من الموصول. كأنَّ قيل: شَرَعَ لكم توحيدَ الله تعالى. الثالث: أنَّها في محلٌّ جَرِّ بدلاً من الدين. الرابع: أنَّها في محلٌّ جَرِّ أيضاً بدلاً من الهاء. الخامس: أَنْ تكونَ مُفَسِّرةً؛ لأنها قد تقدَّمها ما هو بمعنى القول. آ. (١٤) قوله: ﴿أُوْرِتُوا﴾: قرأ(٤) زيد بن علي ((وُرُّثوا) بالتشديد [مِنْ] وُرِّثَ مبنياً للمفعول. آ. (١٥) قوله: ﴿فلذلك فادْعُ﴾: في اللامِ وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ بمعنى إلى. والثاني: أنها للعلةِ أي: لأجلِ التفرُّقِ والاختلافِ ادْعُ للدِّين القيِّمِ. (١) زيادة من البحر حيث ينقل عنه السمين. البحر ٥١٠/٧. (٢) أليس من الأنسب أن نقول: له يدّ تليق به سبحانه. كما أثبت ذلك لذاته سبحانه. والآية ٦٤ من المائدة. (٣) الآية ٣٥ من الرعد. (٤) البحر ٥١٣/٧، والكشاف ٤٦٤/٣. ٥٤٦ .. . - الشورى - قوله: ((وأُمِرْتُ لِإِعْدِلَ)) يجوزُ أَنْ يكونَ التقديرُ: وَأُمِرْت بذلك لأَعْدِلَ. وقيل: وأُمرت أَنْ أَعْدِلَ، فاللامُ مزيدةٌ. وفيه نَظَرِّ؛ لأنَّك بعد زيادةِ اللام تحتاج إلى تقديرِ حرفٍ جر أي: بأَنْ أَعْدِلَ. آ. (١٦) قوله: ﴿والذين يُحَاجُّون﴾: مبتدأً و((حُجَّتُهم)) مبتدأ ثانٍ، و(داحِضَةٌ)) خبرُ الثاني، والثاني وخبرُهُ خبرٌ عن الأول. وأعربَ مكيٌّ(١) ((حُجَّتُهم)) بدلاً/ من الموصول بدلَ اشتمال. والهاءُ في ((له)) تعودُ على الله [٧٨٦/أ] أو على الرسول عليه السلام أي: مِنْ بعدِ ما استجاب الناسُ لله تعالى، أو مِنْ بعدما استجاب اللَّهُ لرسولِه حين دعا على قومِه. آ. (١٧) قوله: ﴿لعلَّ الساعةَ قريبٌ﴾: إنما ذَكَّر ((قَريب)) وإنْ كان صفةً لمؤنث لأنَّ الساعةَ في معنى الوقتِ، أو البعثِ، أو على معنى النَّسب أي: ذاتُ قُرْب، أو على حَذْفِ مضافٍ أي: مجيء الساعةِ. وقيل: للفرق: بينها وبين قرابةِ النّسَبِ. وقيل: لأنَّ تأنيثها مجازيّ، نقله مكي(٢)، ولیس بشيءٍ؛ إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ ولا القِدْرُ فائرٌ. وجملةُ الترجِّي أو الإِشفاقِ مُعَلِّقَةٌ للدرايةِ. وتقدَّم مثلُه آخرَ الأنبياءِ(٣). آ. (٢٠) قوله: ﴿نَزِدْ له في حَرْثِه﴾: قد تَقَدَّم أنَّ كوْنَ الشرطِ ماضياً والجزاءِ مضارعاً مجزوماً لا يختَصُّ مجيُّه بـ ((كان)) خلافاً لأبي الحكم (٤) مصنّفٍ ((كتابِ الإِعراب)) فإنَّه قال: ((لا يجوز ذلك إلاّ مع ((كان)) إلَّ في ضرورةٍ (١) المشكل ٢٧٦/٢. (٢) المشكل ٢٧٧/٢. (٣) انظر إعرابه للآية ١١١. (٤) أبو الحكم الحسن بن عبد الرحمن الخضراوي المتوفى سنة ٦٤٤. وكتابه ((الإِعراب عن أسرار الحركات في لسان الأعراب)). انظر: كشف الظنون ١ /١٢٥. ٥٤٧ - الشورى - شعرٍ)). وأطلق النَّحْويون جواز ذلك، وأنشدوا بيتَ الفرزدق(١): ٣٩٧١- دَسَّتْ رسولاً بأنَّ القوم إنْ قَدِرُوا عليك يَشْفُوا صدوراً ذاتَ تَوْغِيرٍ وقوله أيضاً(٢): ٣٩٧٢- تَعَشَّ فإِنْ عاهَدْتَني لا تَخُونني نِكنْ مِثْلَ مَنْ يا ذئبُ يَصْطَّحِبان وقرأ(٣) ابن مقسم والزعفراني ومحبوب ((يَزِدْ)) و ((يُؤْتِه)) بالياءِ مِنْ تحتُ أي: الله تعالى. وقرأ(٤) سلام ((نُؤْتِهُ)) بضمُّ هاءِ الكناية وهو الأصلُ، وهي لغةُ الحجاز. وتقدَّمَ خلافُ القُرَّاءِ في ذلك. آ. (٢١) قوله: ﴿شَرَعُوا لهم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ المرفوعُ عائداً على الشركاء، والمجرورُ على الكفار. ويجوز العكسُ؛ لأنَّهم جَعَلوا لهم أُنْصِباءَ. قوله: ((وإنَّ الظالمين)) العامَّةُ بالكسر على الاستئناف. ومسلم(٥)ابن جندب والأعرج بفتحها عطفاً على ((كلمةُ))، وفَصَلَ بين المتعاطفَيْنَ بجوابٍ (لولا)) تقديرُه: ولولا كلمةُ واستقرارُ الظالمين في العذاب لقُضِيَ، وهو نظیرُ: ((ولولا كلمةٌ سَبَقَتْ مِنْ ربِّك لكان لِزاماً وأجَلٌ مُسَمَّى))(٦). (١) تقدم برقم ٠١٢٣٢. (٢) تقدم برقم ١٢٣٣. (٣) البحر ٥١٤/٧. (٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٤٩/٢، والنشر ٣٠٥/١ - ٣٠٦، والمحتسب ٢٤٩/٢، والبحر ٥١٤/٧. (٥) القرطبي ٢٠/١٦، والمحتسب ٢٥٠/٢، والبحر ٥١٥/٧. (٦) الآية ١٢٩ من طه .. ٥٤٨ - الشورى - آ. (٢٢) قوله: ﴿وهو واقع بهم﴾: أي: والإِشفاقُ أو والعذاب. و«روضاتُ الجنَّات)): قال الشيخ(١): ((واللغةُ الكثيرةُ تسكينُ الواوِ، ولغةُ هُذَيْلٍ فَتْحُ الواو، إجراءً لها مُجْرى الصحيح نحو: جَفَنَات، ولم يقرأ أحدٌ فيما عَلِمْناه بلغتِهم)). قلت: إن عَنى لم يَقْرأ أحدٌ بلغتهم في هذا البابِ من حيث هو هو فليس كذلك؛ لأني قد قَدَّمْتُ لك في سورة النور أنَّ الأعمشَ قرأ (ثلاث عَوَرَات))(٢) بفتح الواو. وإنْ عنى أنَّه لم يُقْرأ في ((رَوْضات)) بخصوصِها - ولیس بظاهرٍ عبارته - فیحتمل ذلك. قوله: ((عندَ رَبِّهم)) يجوزُ أَنْ يكونَ ظرفاً لـ ((يَشاؤُون)) قاله الحوفي، أو للاستقرارِ العامل في ((لهم)) قاله الزمخشريُّ (٣)، والعِنْدِيَّةُ مجازٌ. آ. (٢٣) قوله: ﴿يُبَشِّرُ اللَّهُ عبادَه﴾: كقوله: «كالذي خاضُوا))(٤) وقد تقدَّم تحقيقُه، وتقدَّمَتِ القراءاتُ في ((يُبَشِّر))(٥). وقرأ(٦) مجاهد وحميد بن قيس ((يُبْشِرُ)) بضمُّ الياءِ وسكونِ الباءِ وكسرِ الشينِ مِنْ أَبْشَر منقولاً مِنْ بَشِر بالكسر، لا مِنْ بَشَر بالفتح، لأنه متعدٍّ. والتشديدُ في ((بَشِّر)) للتكثيرِ لا للتعديةِ؛ لأنه متعدٍّ بدونها. ونقل الشيخ (٧) قراءةً ((يَبْشُرُ)) بفتح الياء وضم الشين عن حمزةً والكسائي من السبعة، ولم يذكرْ غيرهما من السبعةِ، وقد وافقَهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك)) مبتدأٌ والموصولُ بعده خبرُه، (١) البحر ٥١٥/٧. (٢) الآية ٥٨ . (٣) الكشاف ٤٦٦/٣. (٤) الآية ٦٩ من التوبة. وانظر: الدر المصون ٨٣/٦. (٥) انظر: الدر المصون ١٥٢/٣. (٦) المحتسب ٢٥١/٢، والقرطبي ٢١/١٦، والبحر ٥١٥/٧. (٧) البحر ٥١٥/٧. ٥٤٩ - الشورى - وعائدُه محذوفٌ على التدريجِ المذكورِ في قوله: ((كالذي خاضوا))(١) أي: يُبَشِّرُ به، ثم يُبَشِّرِه على الاتِّساعِ. وأمَّا على رأي يونسَ(٢) فلا تحتاجُ إلى عائدٍ لأنها عنده مصدريَّةٌ، وهو قول الفراء(٣) أيضاً. أي: ذلك تبشيرُ اللَّهِ عبادَه. و((ذلك)) إشارةٌ إلى ما أَعْدَّه الله لهم من الكرامة . وقال الزمخشري(٤): ((أو ذلك التبشيرَ الذي يُبَشِّرِه اللَّهُ عبادَه)). قال الشيخ(٥): ((وليس بظاهرٍ؛ إذ لم يتقدَّمْ في هذه السورة لفظُ البُشْری، ولا ما يَدُلُّ عليها مِنْ بَشَّر أو شبهِه)». قوله: ((إلَّ المودَّةَ)) فيها قولان، أحدهما: أنَّها استثناءٌ منقطعٌ؛ إذْ ليسَتْ من جنسِ الْأجْرِ. والثاني: أنه متصلٌ أي: لا أسألُكم عليه أجراً إلَّ هذا. وهو أَنْ تَوَدُّوا أهلَ قرابتي ولم يكنْ هذا أجراً في الحقيقةِ؛ لأنَّ قرابته قرابتهم فكانت صلتُهم لازمةً لهم في المروءةِ، قاله الزمخشري(٦). وقال أيضاً(٧): ((فإنْ قلت: هلَّ قيل: إِلَّ مودةَ القُرْبَى، أو إلَّ المودةَ للقُرْبى. قلت: جُعِلوا مكاناً للمودَّةِ ومَقَرًّا لها كقولك: لي في آل فلان مَوَدَّة (٨)، وليست ((في)) صلةً للمودةِ كاللامِ إذا قلتَ: إلَّ المودةَ للقربى، إنما هي متعلقةٌ بمحذوفٍ تَعَلَّقَ الظَرفِ به في. قولك: ((المالُ في الكيس)»، وتقديرُه: إلَّ المودةَ ثابتةً في القُرْبَى ومتمكنةٌ (١) انظر: الدر ٨٣/٦. (٢) انظر: الدر المصون ٨٤/٦. (٣) انظر: معاني القرآن ٤٤٦/١. (٤) الكشاف ٤٦٦/٣. : (٥) البحر ٥١٥/٧ - ١٦°. (٦) الكشاف ٤٦٦/٣. (٧). الكشاف ٤٦٦/٣. (٨) ((ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد: أحبهم وهم مكان حبي ومحله)). اهـ . ! ٥٥٠ - الشورى - فيها)). قلت: وأحسنُ ما سَمِعْتُ في معنى هذه الآيةِ حكايةُ الشعبيِّ قال: أَكْثَرَ الناسُ علينا في هذه الآيةِ فكتّبْنا إلى ابن عباس نسألُه عنها. فكتب: أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان أوسطَ الناسِ في قريش، ليس بطنٌ مِنْ بطونهم إلاّ قد وَلَدَه، فقال الله تعالى: قل لا أسألُكم عليه أَجْراً إلَّ أَن تَوَدُّوني في قَرابتي منكم فارْعَوْا ما بيني وبينكم فصَدِّقوني . وقال أبو البقاء (١): ((وقيل: متصلٌ أي /: لا أسألكم شيئاً إلاّ المودة)). [٧٨٦/ب] قلت: وفي تأويلِه متصلاً بما ذَكَر، نظرٌ لمجيئه بـ ((شيء» الذي هو عامٌّ، وما مِنْ استثناءٍ منقطع إلَّ ويمكن تأويلُه بما ذَكَر، ألا ترى إلى قولك: ((ما جاءني أحدٌ إلَّ حمارٌ)) أنه يَصِحُّ: ما جاءني شيءٌ إلَّ حماراً. وقرأ(٢) زيد بن علي ((مَوَدَّة)» دون ألفٍ ولام. قوله: ((نَزِدْ له فيها حُسْنَاً) العامَّةُ على (نَزِدْ)) بالنون للعظمة. وزيد(٣) ابن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمروٍ ((يَزِدْ)) بالياءِ مِنْ تحتُ أي: يَزِدِ اللَّهُ. والعامّةُ على ((حُسْناً) بالتنوين مصدراً على فُعْل نحو: شُكْر. وهو مفعولٌ به. وعبدُ الوارث (٤) عن أبي عمرو ((حُسْنِى)) بألفِ التأنيث على وزنٍ بُشْرَىُ ورُجْعَى وهو مفعولٌ به أيضاً. ويجوز أَنْ يكونَ صفةً كـ فُضْلَى، فيكونَ وصفاً لمحذوف أي خَصْلَةٌ حسنی . آ. (٢٤) قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الباطلَ): هذا مستأنَفٌ غيرُ داخلٍ في جزاءِ الشرطِ، لأنه تعالى يمحو الباطلَ مطلقاً، وسَقَطت الواوُ منه (١) الإملاء ٢٢٤/٢. (٢) البحر ٥١٦/٧. (٣) البحر ٥١٦/٧. (٤) البحر ٥١٦/٧. ٥٥١ - الشورى - لفظاً لالتقاء الساكنين في الدَّرْج، وخَطَّاً حَمْلاً للخط على اللفظِ كما كتبوا ((سَنَدْعُ الزَّبانية)(١) عليه ولكن ينبغي أَنْ لا يجوزَ الوقفُ على هذا؛ لأنه إنْ وَقَفْ عليه بالأصلِ، وهو الواوُ، خالَفْنا خطَّ المصحفِ، وإنْ وَقَفْنا بغيرها موافَقَةٌ للرسمِ خالَفْنا الأصلَ، وقد مَرَّ لك بحثُ مثلِ هذا. وقد مَنَعَ مكي الوقف على نحوِ ((ومَنْ تَقِ السيئات))(٢) وبابِه. قوله: (ما تَفْعَلُون)) قرأ الأخوَان وحفص ((تَفْعلون)) بالتاءِ مِنْ فوقُ(٣) نظراً إلى قوله: ((عن عبادِه)). والباقون بالخطاب إقبالاً على الناسِ عامَّة. آ. (٢٦) قوله: ﴿ويَسْتجيبُ الذين آمنوا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ الموصولُ فاعلاً أي: يُجيبون ربَّهم إذا دعاهُمْ كقولِه: ((استجيبوا للهِ وللرسول إذا دعاكم))(٤). واستجابَ كأَجاب. ومنه(٥): ٣٩٧٣- وداعٍ دَعا يا مَنْ يُجيب إلى النَّدى فلم يَسْتَجِبْه عند ذاكَ مُجِيبٌ ويجوزُ أَنْ تكونَ السينُ للطلب على بابِها بمعنى: ويُسْتَدْعَى المؤمنون للإِجابة عن ربّهم بالأعمالِ الصالحة. ويجوزُ أَنْ يكونَ الموصولُ مفعولاً به، والفاعلُ مضمرٌ يعودُ على الله بمعنى: ويُجيب اللَّهُ الذين آمنوا أي: دعاهم. وقيل: ثَمَّ لامُ مقدرةً أي: ويَسْتجيب الله للذين آمنوا فَحَذَفها للعِلْم بها. (١) الآية ١٨ من العلق. (٢) الآية ٩ من غافر. (٣) الأصل من تحت، وهو سهو، والتصحيح من المظان. وانظر: الإتحاف ٤٥٠/٢، والسبعة ٥٨٠، والنشر ٣٦٧/٢، والتيسير ١٩٥، والقرطبي ٢٦/١٦، والبحر ٥١٧/٧. (٤) الآية ٢٤ من الأنفال (٥) تقدم برقم ٢١٥ . ٥٥٢ - الشورى - آ. (٢٨) قوله: ﴿مِنْ بعد ما قَنَطُوا﴾: ((ما)) مصدريَّةٌ أي: مِنْ قُنوطهم. والعامَّةُ على فتح النون. وقرأ(١) يحيى بن وثاب والأعمش بكسرِها وهي لغةٌ، وعليها قُرِىء (يَقْنَطُ))(٢) ((لا تَقْنَطوا))(٣) بفتحِ النونِ في المتواتر. ولم يُقْرَأ بالكسر في الماضي إلَّ شاذاً. آ. (٢٩) قوله: ﴿وما بَثَّ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ مجرورةً المحلِّ عطفاً على ((السمواتٍ)) أو مرفوعتَه عطفاً على ((خَلْقُ)) على حَذفِ مضافٍ أي: وخَلْقُ ما بَثَّ، قاله الشيخ (٤). وفيه نظر؛ لأنَّه يَؤُول إلى جَرِّه بالإِضافةِ(٥) لـ خَلْق المقدَّرِ، فلا يُعْدَلُ عنه. قوله: ((فيهما)) أي: السموات والأرض. والسماءُ لا ذَوات فيها فقيل: هو مثلُ قولِه: (نَسِيا حُوْتَهما))(٦)، ((يَخْرُجُ منهما اللؤلؤُ والمَرْجانُ»(٧) . وقيل: بل خَلَقَ في السماء مَنْ يَدِبُّ. وقيل: مِن الملائكةِ مَنْ يمشي مع طَيّرانه. وقال الفارسي: ((هو على حَذْفِ مضافٍ أي: وما بَثَّ في أحدِهما)) وهذا إلغازٌّ في الكلام . قوله: ((إذا يَشاء)) ((إذا) منصوبةٌ بـ ((جَمْعِهم)) لا بـ ((قدير)). قال أبو (١) الإتحاف ٤٥٠/٢، والبحر ٥١٨/٧، والقرطبي ٢٨/١٦. (٢) الآية ٥٦ من الحجر. قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر النون، والباقون بالفتح. السبعة ٣٦٧. (٣) الآية ٥٣ من الزمر. (٤) البحر ٥١٨/٧. (٥) بل في اعتراضه نظر؛ لأن المضاف إليه ناب مَنابَ المضافِ المحذوف نحو: (واسأل القريةَ)» بالنصب. (٦) الآية ٦١ من الكهف. قال في فتح القدير ٢٩٨/٣. ((قيل: الذي نسي إنما هو فتى موسی لأنه وکل امر الحوت إليه)». (٧) الآية ٢٢ من الرحمن. ويخرج من المالح. انظر: فتح القدير ١٣٤/٥. ٥٥٣ - الشوری - البقاء(١): ((لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى أَنْ يَصيرَ المعنى: وهو على جَمْعِهِم قديرٌ إذا يشاء، فتتعلَّقُ القدرةُ بالمشيئةِ وهو مُحالٌ)). قلت: ولا أَدْري ما وجهُ كونِهِ مُحالاً على مذهبٍ أهلِ السُّنة؟ فإنْ كان يقولُ بقولِ المعتزلةِ: وهو أنَّ القدرةَ تتعلَّقِ بما لم يَشَأ الله يمشي كلامُه، ولكنه مذهبٌ رديْءٌ لا يجوزُ اعتقادُه، ونقول: يجوزُ تعلُّقُ الظرفِ به أيضاً. آ. (٣٠) قوله: ﴿فيِما﴾: قرأ(٢) نافعٌ وابنُ عامر (بما)) دونَ فاءٍ. والباقون ((فبما)) بإثباتِها. فـ ((ما)) في القراءةِ الأولى الظاهرُ أنَّها موصولةٌ بمعنى الذي، والخبر الجارُّ مِنْ قولِه: ((بما كَسَبَتْ)). وقال قومٌ منهم أبو البقاء(٣): إنَّها. شرطيةٌ حُذِفَتْ منها الفاءُ. قال أبو البقاء: ((كقوله تعالى: ((فإنْ أَطَعْتموهم إنكم لمشركون))(٤). وقولِ الشاعر(٥): ٣٩٧٤- مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللَّهُ يَشْكُرها وهذا ليس مذهب الجمهورِ، إنما قال به الأخفشُ وبعضُ البغداديين. وأما الآية فـ ((إِنْكم لَمُشْرِكون)) ليس جواباً للشرط، إنما هو جوابٌ لقَسمٍ مقدرٍ حُذِفَتْ لامُه الموطَُّةُ قبل أداةِ الشرطِ. وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فالظاهرُ أنها فيها شرطيةٌ، ولا يُلْتَفَتُ لقول أبي (١) الإملاء ٢٢٤/٢ - ٢٢٥. (٢) السبعة ٥٨١، والنشر ٣٦٧/٢، والبحر ٥١٨/٧، والقرطبي ٣٠/١٦، والتيسير ١٩٥. (٣) الإملاء ٢٢٥/٢. (٤) الآية ١٢١ من الأنعام: (٥) تقدم برقم ١٤٠. ٥٥٤ - الشورى - البقاء(١): ((إنَّه ضعيفٌ)). ويجوزُ أَنْ تكونَ الموصولةَ، والفاءُ داخلةً في الخبر تشبيهاً للموصول بالشرط، بشروطٍ ذكَرْتُها مُسْتوفاةً في هذا الموضوعِ بحمد الله تعالى. وقد وافق نافعٌ وابنُ عامٍ مصاحفَهما؛ فإنَّ الفاءَ ساقطةٌ من مصاحفٍ المدينةِ والشام ، وكذلك الباقون فإنها ثابتةٌ في مصاحفٍ مكةً والعراقِ. آ. (٣٢) قوله: ﴿الجَوارِي﴾: أي: السفنُ الجوارِي. فإن قلت: الصفةُ متى لم تكن خاصَّةً بموصوفِها امتنع حَذْفُ الموصوفِ. لا تقولُ: مررتُ بماشٍ ؛ لأنَّ المَشْيَ عامٌّ. وتقول: مررتُ بمهندسٍ وكاتبٍ، والجَرْيُ ليس من الصفاتِ الخاصةِ فما وجهُ ذلك؟ فالجوابُ: / أنَّ قَولَه: ((في البحر)) [٧٨٧/أ] قرينةً دالّةٌ على الموصوفِ. ويجوزُ أَنْ تكونَ هذه صفةً غالبةً كالأَبْطَح والأبْرَق، فَوَلِيَتِ العواملَ دونَ موصوفِها. و ((في البحر)) متعلقٌ بـ ((الجَوَاري)) إذا لم يَجْرِ مَجْرى الجوامدِ. فإنْ جَرَىْ مَجْراه كان حالاً منه، وكذا قولُه: ((كالأَعْلام)) هو حالٌ أي: مُشْبهةً بالأعلام - وهي الجبالُ - كقول الخنساء(٢): ٣٩٧٥- وإنَّ صَخْراً لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ به كأنَّه عَلَمُ في رأسِه نارُ وسُمِع: هذه الجَوارُ، وركْبْتُ الجوارَ، وفي الجوارِ، بالإِعراب على الراءِ تناسباً للمحذوفِ. وقد تقدَّم هذا في قوله: ((ومِنْ فوقِهم غَواشٍ))(٣) في الأعراف. (١) أبو البقاء في إملائه ٢٢٥/٢ ضَعَّف أن تكون ((ما)» بمعنى الذي على قراءة نافع ((بما)، وحديث السمين هنا على قراءة الجمهور. (٢) ديوان الخنساء ٤٩. (٣) الآية ٤١ من الأعراف، وانظر: الدر المصون ٣٢٢/٥. ٥٥٥ - الشورى - آ. (٣٣) قوله: ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾: العامَّةُ على فتحِ اللامِ التي هي عينٌ، وهو القياسُ؛ لأنَّ الماضيَ بكسرِها، تقول: ظَلِلْتُ قائماً. وقرأ(١) قتادةُ بكَسْرِها، وهو شاذِّ نحو: حَسِب يَحْسِب وأخواتِه وقد تقدَّمَتْ ... (٢) وقال الزمخشري(٣): ((مِنْ ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نحو: ضَلَّ يَضَلُ ويَضِلُّ)). قال الشيخ(٤): ((وليس كما ذكر؛ لأنَّ يَضَلُّ بفتح العين مِنْ ضَلِلْتُ بكسرِها في الماضي، ويَضِلُّ بالكسرَ مِنْ ضَلَلْتُ بالفتحِ وكلاهما مَقيسُ)) يعني أنَّ كلّ منهما. له أصلٌ يَرْجِعُ إليه بخلافِ ((ظَلَّ)) فإنَّ ماضيَه مكسورُ العينِ فقط . والنون اسمُها، ((وَرَواكدَ)) خبرُها. ويجوزُ أَنْ تكونَ ((ظَلُّ)) هنا بمعنى: صار؛ لأنَّ المعنى ليس على وقتِ الظُّلول وهو النهارُ فقط، وهو نظيرُ: ((أين باتَتْ يدُه)) من هذه الحيثيّةِ. والرُّكودُ: الثبوتُ والاستقرارُ قال(٥): ٣٩٧٦- وقد رَكَدَتْ وسطَ السماءِ نجومُها رُكوداً بوادِي الرَّبْرَبِ المتفرِّقِ آ. (٣٤) قوله: ﴿أو يُوْبِقْهُنَّ): عطف على ((يُسْكِنْ» قال الزمخشري(٦): ((لأنَّ المعنى: إِنْ يَشَأْ يُسْكِن فيركُّدْن. أو يَعْصِفْها فِيَغْرَقْنَ. بعصْفِها». قال الشيخ (٧): ((ولا يَتَعَيِّنُ أَنْ يكونَ التقديرُ: أو يَعْصِفْها فيَغْرَقْنَ؛ لأنَّ (١) القرطبي ٣٣/١٦، والبحر ٥٢٠/٧، والمحتسب ٢٥٢/٢. (٢) خرم في الأصل بمقدار كلمة. (٣) الكشاف ٤٧١/٣. (٤) البحر ٥٢٠/٧. (٥) تقدم برقم ٢١١٢. (٦) الكشاف ٤٧١/٣. (٧) البحر ٥٢١/٧. ٥٥٦ - الشورى - إِهْلاكَ السفنِ لا يَتْعَيِّنُ أَنْ يكونَ بِعَصْفِ الريح، بل قد يُهْلِكُها بقَلْعٍ لوحٍ أو خَسْفٍ)). قلت: والزمخشريُّ لم يذكُرْ أنَّ ذلك مُتَعَيِّنٌ، وإنما ذَكَرَ شيئاً مناسباً؛ لأنَّ قولَه: ((يُسْكِنِ الريحَ)) يقابِلُهُ ((يعْصِفْها)» فهو في غايةِ الحُسْنِ والطّباقِ. قوله: ((ويَعْفُ)) العامَّةُ على الجزمِ عطفاً على جزاءِ الشرط. واستشكله الْقُشَيْرِيُّ قال: ((لأنَّ المعنى: إن يَشَأ يُسْكِنِ الريحَ فتبقى تلك السفنُ رواكدً، أو يُهْلِكْها بذنوبٍ أهلها فلا يَحْسُنُ عَطْفُ ((وَعْفُ)) على هذا؛ لأنَّ المعنى يَصير: إنْ يَشَأْ يَعْفُ، وليس المعنى [على] ذلك بل المعنى: الإِخبارُ عن العفوِ مِنْ غير شرطِ المشيئةِ، فهو عطفٌ على المجزومِ من حيث اللفظُ لا من حيث المعنى. وقد قرأ قومٌ ((ويَعْفُو)) بالرفع وهي جيدةٌ في المعنى)). قال الشيخ(١): ((وما قاله ليس بجيدٍ إذا لم يَفْهَمْ مدلولَ التركيبِ والمعنى، إلَّ أَنَّه تعالى إِنْ يَشَأْ أهلك ناساً وأَنْجَىْ ناساً على طريقِ العَفْوِ عنهم)). وقرأ(٢) الأعمش ((وَيَعْفُوْ)) بالواوِ. وهي تحتملُ أَنْ يكونَ كالمجزومِ، وثَبَتَتِ الواوُ في الجزمِ كثبوتِ الياء في ((مَنْ يَتَّقِي وَصْبِرْ))(٣). ويُحتمل أَنْ يكون الفعلُ مرفوعاً، أخبر تعالى أنَّه يَعْفو عن كثيرٍ من السيئات. وقرأ بعضُ أهلِ المدينة بالنصب، بإضمارِ ((أَنْ)) بعد الواوِ كنَصْبِه في قول النابغة (٤): ٣٩٧٧ - فإنْ يَهْلَكْ أبو قابوسَ يَهْلَكْ ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرامُ (١) البحر ٥٢١/٧. (٢) انظر في قراءاتها: القرطبي ٣٣/١٦، والبحر ٥٢٠/٧. (٣) الآية ٩٠ من يوسف. وانظر: الدر ٥٥٢/٦. (٤) تقدم برقم ٧٢٨. ٥٥٧ - الشورى - ونأخذْ بعدَه بذِنابِ عَيْشٍ أجَبَّ الظهرِ ليس له سَنَامُ بنصب ((ونأْخُذ)» ورفعِه وجَزْمِه. وهذا كما قُرِىء بالأوجه الثلاثة بعد الفاءِ في قولِه تعالى: ((فَيَغْفِرُ لمَنْ يَشاء))(١) وقد تقدَّم تقريرُه آخرَ البقرةِ، ويكونُ قد عَطَفَ هذا المصدرَ المؤولَ مِنْ ((أَنْ)) المضمرةِ والفعلِ على مصدرٍ مُتّوَهَّمٍ من الفعلِ قبلَه. تقديرُه: أو يقع إيباقٌ وعَفْوٌ عن كثيرٍ. فقراءةُ النصبِ كقراءة الجزم في المعنى، إلاّ أنَّ في هذه عَطْفَ مصدرٍ مؤولٍ على مصدرٍ مُتَوَهَّمٍ ، وفي تَيْكَ عطفَ فعلٍ على مثلِه: آ. (٣٥) قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الذين يُجادلون﴾: قرأ(٢) نافعٌ وابنُ عامر برفعِه. والباقون بُنصبِهِ. وقُرِىء بجزمِه أيضاً. فأمَّا الرفعُ فهو واضحٌ جداً، وهو يحتملُ وجهين: الاستئنافَ بجملةٍ فعليةٍ، والاستئنافَ بجملةٍ اسميةٍ، فَتُقَدِّرُ قبل الفعل مبتدأُ أي: وهو يعلمُ الذين، فالذين على الأول فاعلٌ، وعلى الثاني مفعولٌ. فأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها أوجهُ، أحدُها: قال الزجَّاج(٣): ((على الصَّرْف)). قال: ((ومعنى الصرفِ صَرْفُ العطف عن اللفظ إلى العطفِ على المعنى)). قال: ((وذلك أنَّه لَمَّا لم يَحْسُنْ عطفُ ((ويعلَمْ)) مجزوماً على ما قبلَه [٧٨٧/ ب] إذ يكونُ المعنى: إِنْ يَشَأْ يَعْلَمْ، عُدِل إلى العطف على مصدرِ الفعلِ الذي قبلَه. ولا يتأتَّى ذلك إلّ بإضمار ((أنْ)) ليكونَ مع الفعلِ في تأويلِ اسم)). (١) الآية ٢٨٤ من البقرة. (٢) انظر في قراءاته: السبعة ٥٨١، والحجة ٦٤٣، والبحر ٥٢١/٧، والتيسير ١٩٥، والنشر ٣٦٧/٢، والقرطبي ٣٤/١٦. (٣) لم يَرِدْ هذا النص في كتابه (معاني القرآن)). لدى إعرابه لهذه الآية. ومصطلح الصرف ورد في ((معاني القرآن))، للفراء لدى إعرابه لهذه الآية ٢٤/٣. ٥٥٨ - الشورى - الثاني: قولُ الكوفيين(١) أنه منصوبٌ بواوِ الصرف. يَعْنُون أنَّ الواوَ نفسَها هي الناصبةُ لا بإضمارِ ((أنْ))، وتقدَّم معنى الصرف. الثالث: قال الفارسيُّ(٢) - ونقله الزمخشري(٣) عن الزجاج (٤) - إن النصب على إضمار ((أنْ))؛ لأنَّ قبلها جزاءً تقول: ((ما تصنعْ أُصنعْ وأكرمَك)) وإنْ شِئْتَ: وأكرمُك، على وأنا أكرِمُك، وإنْ شِئْتَ ((وأكرمْك)) جزْماً. قال الزمخشري(٥): ((وفيه نظرٌ؛ لِما أَوْردَه سيبويه(٦) في كتابه)) قال: ((واعلَمْ أنَّ النصبَ بالواوِ والفاء في قوله: ((إِنْ تَأْتِنِي آَتِك وأعطيَك)) ضعيفٌ، وهو نحوُ مِنْ قوله(٧) : ٣٩٧٨- وأَلْحَقُ بالحجازِ فَأَسْتريحا فهذا لا يجوزُ(٨)، لأنه ليس بحَدِّ الكلامِ ولا وجهِه، إلّ أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنه ليس بواجبٍ أنَّه يفعلُ، إلَّ أَنْ يكونَ من الأولِ فِعْلٌ، فلمّا ضارَعَ الذي لا يُوْجِبُهُ كالاستفهام ونحوِهِ أجازوا فيه هذا على ضَعْفِه». قال الزمخشري: ((ولا يجوزُ أَنْ تُحْمَلَ القراءةُ المستفيضةُ على وجهٍ(٩) ليس بحَدٌ (١) انظر: المسألتين ٧٥، ٧٦ في الإنصاف. (٢) الحجة (خ) ٤ /٢٦٠. (٣) الكشاف ٤٧٢/٣. معاني القرآن له ٣٩٩/٤. (٤) الكشاف ٤٧٢/٣. (٥) (٦) الكتاب ٤٤٨/١. تقدم برقم ٦٩٨. (٧) (٨) الكشاف والكتاب: ((يجوز)) وهو أقرب للسياق أي: يجوز على ضعف. الكشاف: ((على وجه ضعيف)). (٩) ٥٥٩ - الشورى - الكلام ولا وجهِه، ولو كانَتْ من هذا البابِ لَما أَخْلَى سيبويه منها کتابه، وقد ذَكَّرَ نظائرَها مِن الآياتِ المُشْكِلة)». الرابع: أَنْ ينتضِبَ عطفاً على تعليلٍ محذوفٍ تقديرُه: لينتقمَ منهم ويعلمّ الذين، ونحوُه في العطفِ على التعليلِ المحذوفِ غيرُ عزيزٍ في القرآنِ . ومنه: ((ولِنَجْعَلَه آيةً للناس))(١) وخَلَقَ اللَّهُ السمواتِ والأرضَّ بالحقِّ، ولِتُجْزَىْ))(٢) قاله الزمخشري(٣). قال الشيخ (٤): ((ويَبْعُدُ تقديرُهُ: لِيُنْتَقِمَ منهم؛ لأنه تَرَتَّبَ على الشرطِ إهلاكُ قومٍ ونجاةٌ قومٍ فلا يَحْسُنُ لينتَقِمَ منهم. وأمَّا الآيتان فيمكنُ أَنْ تكونَ اللامُ متعلقةً بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: ولنجعلَه آيةٌ للناسِ فَعَلْنا ذلك، ولتُجْزَىْ كلُّ نفسٍ فَعَلْنا ذلك، وهو - كثيراً - يُقَدِّرُ هذا الفعل مع هذه اللام إذا لم يكنْ فعلٌ يتعلَّقُ به)). قلت: بل يَحْسُنُ تقديرُ (لينتقمّ)) لأنَّه يعودُ في المعنى على إهلاكِ قومٍ المترتبِ على الشرط. وأمَّا الجزمُ فقال الزمخشري(٥): ((فإنْ قلتَ: كيف يَصِحُ المعنى على جزم «ويعلَمْ))؟ قلت: كأنه قيل: إنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بين ثلاثة أمور: إهلاكِ قومٍ، ونجاةٍ قومٍ، وتحذيرِ آخرين)». وإذا قُرِىءَ بالجزم فَتُكْسَرُ الميمُ لالتقاءِ الساكنين. قوله: (ما لهم مِنْ مَحِيْصٍ)) في محلّ نصبٍ لِسَدِّها مَسَدَّ مفعولَيْ العِلْم. آ. (٣٦) قوله: ﴿فَما أُوْتِيْتُمْ﴾: ((ما) شرطيةٌ. وهي في محلّ (١) الآية ٢١ من مريم. (٢) الآية ٢٢ من الجاثية (٣) الكشاف ٤٧٢/٣ . (٤) البحر ٥٢١/٧. (٥) الكشاف ٤٧٢/٣. - - ٥٦٠