Indexed OCR Text
Pages 441-460
- الزمر - أنك تقول: أفغيرَ اللَّهِ تقولون لي اعبده، وأفغيرَ اللَّهِ تقولون لي : اعبد، فكذلك أفغيرَ الله تقولون لي أَن أعبده، وأفغيرَ الله تأمروني أَنْ أعبدَ. والدليلُ على صحةٍ هذا الوجهِ قراءةُ مَنْ قرأ ((أعبدَ)) بالنصبِ. وأمَّا (أعبد)) ففيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه مع ((أَنْ)) المضمرةِ في محلٌّ نصبٍ على البدلِ مِنْ ((غير)) وقد تقدَّم. الثاني: أنَّه في محلُّ نصبٍ على الحال. الثالث: أنه لا محلَّ له البتّةَ . قوله: (تَأْمُرُوْنِّي)» بإدغامِ نونِ الرفعِ في نونِ الوقايةِ وفتح الياءِ ابنُ كثير(١)، وأَرْسلها الباقون. وقرأ(٢) نافع ((تَأْمروني)) بنون خفيفة وفتح الياء. وابنُ عامر ((تأْمرونني)) بالفَكُّ وسكون الياء. وقد تقدَّم(٣) في سورة الأنعام والحجر وغيرِهما: أنه متى اجتمع نونُ الرفعِ مع نونِ الوقایة جاز ثلاثةُ أوجٍ، وتقدَّم تحقيقُ الخلافِ في أيتِهما المحذوفةِ؟ آ. (٦٥) قوله: ﴿لَئِنْ أُشْرَكْتَ﴾: الظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ هي القائمةُ مَقامَ الفاعلِ لأنها هي المُوْحاةُ. وأصولُ البصريين تأبى ذلك، ويُقَدِّرون أنَّ القائمَ مقامَه ضميرُ المصدرِ؛ لأنَّ الجملةَ لا تكونُ فاعلا عندهم، والقائمُ هنا مقامَ الفاعل الجارُّ والمجرورُ وهو ((إليك)). وقرىء(٤) (لَيُحْبِطَنَّ) أي اللَّهُ. و((لَنُحْبِطَنَّ)) بنونِ العظمةِ(٥). و((عَمَلَكَ)) مفعولٌ به على القراءتين. (١) السبعة ٥٦٣، والنشر ٣٦٣/٢، والتيسير ١٩١، والبحر ٤٣٩/٧. (٢) انظر: السبعة ٥٦٣، والتيسير ١٩٠، والحجة ٦٢٥، والقرطبي ٢٧٦/١٥، والبحر ٤٣٩/٧. (٣) انظر: الدر المصون ١٥/٥. (٤) انظر في قراءاتها: الشواذ ١٣١، والبحر ٤٣٩/٧، والكشاف ٤٠٧/٣. (٥) وهي قراءة زيد عن يعقوب كما في التقريب للصفراوي ص ٥٨٤. ٤٤١ - الزمر - آ. (٦٦) قوله: ﴿بل اللَّهَ فاعُبُدْ﴾: الجلالةُ منصوبةٌ بـ ((اعْبُدْ)). [٧٦٩/ب] وتقدَّم الكلامُ في مثل هذه الفاء / في البقرة(١). وجعَلَه الزمخشري(٢) جوابَ شرطٍ مقدرٍ أي: إنْ كنتَ عاقلاً فاعبدِ اللَّهَ فَحَذَفَ الشرطَ وجَعَلَ تقديمَ المفعولِ عِوَضاً منه. ورَدَّ الشيخُ(٣) عليه: بأنه يجوزُ أَنْ يجيءَ: ((زيدٌ فَعَمْراً اضرِبْ)) فلو كان التقديمُ عِوَضاً لجمع (٤) بين العِوَضِ والمُعَوَّض منه. وقرأ(٥) عيسى (بل اللَّهُ)) رفعاً على الابتداءِ، والعائدُ محذوفٌ أي: فاعْبُدْه. آ. (٦٧) وقرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى(٦) ((قَدَّروا)) بتشديد الدال، (حَقَّ قَدَره) بفتح الدال. وافقهم الأعمشُ على فتح الدالِ مِنْ ((قَدَره))(٧). قوله: ((والأرضُ جميعاً قَبْضَتُه)) مبتدأ وخبرٌ في محلٌّ نصبٍ على الحال أي: ما عَظّموه حَقَّ تعظيمِه والحالُ أنه موصوفٌ بهذه القدرة الباهرةِ، کقوله: (كيف تَكْفرون باللَّهِ وكنتم أمواتاً)(٨)؟ و ((جميعاً)) حالٌ وهي دالَّةٌ على أن المرادَ بالأرض الأَرَضُون، ولأنَّ الموضِعَ موضِعُ تَفْخيمٍ ، ولِعَطْفِ الجمعِ عليها. والعاملُ في هذه الحالِ ما دَلَّ عليه قَبْضَتُه. ولا يجوز أَنْ يعملَ فيها ((قبضَتُه)) سواءً جَعَلْته مصدراً - لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّمُ عليه معمُوله ـ أم مراداً به المقدارُ. (١) انظر: الدر المصون ٣١٤/١. (٢) الكشاف ٤٠٧/٣ . (٣) البحر ٤٣٩/٧، وبدأ بقوله: ((ولا يكون تقدُّمُ المفعول عوضاً من الشرط لجواز ... ). البحر: ((لم يجز الجمع بينهما)). (٤) (٥) البحر ٤٣٩/٧. (٦) البحر ٤٣٩/٧. الإِتحاف ٤٣٢/٢، والبحر ٤٤٠/٧. (٧) (٨) الآية ٢٨ من البقرة. ٤٤٢ - الزمر - قال الزمخشري(١): ((ومع القصدِ إلى الجمع - يعني في الأرض - وأنَّه ◌ُريد به الجمعُ وتأكيده بالجميعِ أتبعَ الجمعَ مؤكِّدَه قبل مجيْءِ الخبرِ ليُعْلَمُ أولَ الأمرِ أنَّ الخبر الذي يَرِدُ لا يقعُ عن أرضٍ واحدة ولكن عن الأراضي كلُّها)». وقال أبو البقاء(٢): ((وجميعاً حالٌ من الأرض، والتقدير: إذا كانَتْ مجتمعةٌ قبضتُه أي: مقبوضه، فالعامل في ((إذا) المصدرُ، لأنه بمعنى المفعولِ. وقال أبو علي في ((الحجة)): التقدير: ذاتُ قبضَتِهِ. وقد رُدَّ عليه: بأنَّ المضافَ إليه لا يَعْمَلُ فيما قبلَه، وهذا لا يَصِحُّ لأنه الآن غيرُ مضافٍ إليه، وبعد حَذْفِ المضافِ لا يَبْقِى حكمُه)) انتهى. وهو كلامٌ فيه إشكالٌ؛ إذ لا حاجةَ إلى تقديرِ العامل في (إذا)) التي لم يُلْفَظُ بها. وقوله: ((قَبْضَتُه)) إِنْ قَدَّرْنا مُضافاً كما قال الفارسي أي: ذاتُ قبضَتِه لم يكن فيه وقوعُ المصدرِ مَوْقِعَ مفعولٍ، وإنْ لم يُقَدَّرْ ذلك احتمل أنْ يكونَ المصدرُ واقعاً موقعَه، وحينئذٍ يُقال: كيف أنَّثَ المصدرَ الواقِعَ موقعَ مفعولٍ وهو غيرُ جائزٍ؟ لا يُقال: ((حُلَّ نَسْجة اليمن)) بل نَسْجُ اليمن أي: منسوجته. والجواب: أن الممتنعَ دخولُ التاءِ الدالةِ على التحديد، وهذه لمجرد التأنيثِ. كذا أُجِيب، وليس بذاك، فإن المعنى على التحديدِ لأنه أَبْلَغُ في القدرة. واحتمل أَنْ يكونَ أُريد بالمصدر مِقْدَارُ ذلك. والقَبْضَةُ بالفتحِ: المرَّةُ، وبالضم اسمٌ للمقبوضِ كالغَرْفة والغُرْفَة. والعامَّةُ على رفعِ ((قَبْضَتُه))، والحسنُ(٣) بنصبها. وخَرَّجها ابنُ خالويه(٤) وجماعةٌ على النصبِ على الظرفيةِ، أي: في قبضته. وقد رُدَّ هذا: بأنها ظرفٌ (١) الكشاف ٤٠٩/٣. (٢) الإِملاء ٢١٦/٢. (٣) الإتحاف ٤٣٢/٢، والبحر ٤٤٠/٧. (٤) لم يرد هذا التخريج في ((الشواذ)). ٤٤٣ : - الزمر - مختصُّ فلا بُدَّ مِنْ وجود ((في)) وهذا هو رأيُ البصريين. وأمَّا الكوفيون فهو جائزٌ عندهم؛ إذ يُجيزون: ((زيد دارَك)) بالنصب أي: في دارك. وقال الزمخشري(١): ((جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم)» فوافق الكوفيين. والعامَّةُ على رَفْعِ ((مَطْوياتٌ)) خبراً، و((بيمينه)) فيه أوجهٌ، أحدها: أنه متعلقٌ بـ ((مَطْوِيَّات)). الثاني: أنه حالٌ من الضمير في ((مَطْوِيَّات)). الثالث: أنه خبرٌ ثانٍ، وعيسى(٢) والجحدري نصباها حالاً. واستدلَّ بها الأخفشُ على جوازٍ تقدُّم الحالِ إذا كان العاملُ فيها حرفَ جَرّ نحو: ((زيدٌ قائماً في الدار)). وهذه لا حُجَّةَ فيها لإِمكان تَخْرِيجِها على وجهين، أحدهما - وهو الأظهرُ - أَنْ تكونَ ((السموات)) نَسَقاً على ((الأرض))، ويكون قد أَخْبر عن الأرضين والسمواتِ بأنَّ الجميعَ قبضَتُه، وتكون ((مَطْوِيَّاتٍ)) حالاً من ((السموات)) كما كان ((جميعاً» حالاً من ((الأرض))، و((بيمينه)) متعلقٌ بمطوّيَّات. والثاني: أن يكون ((مطويّات)) منصوباً بفعلٍ مقدرٍ، و((بيمينه)) الخبرُ، و((مَطْوِيَّات)) وعاملُه جملةٌ معترضةٌ، وهو ضعيفٌ. آ. (٦٨) قوله: ﴿في الصُّوْرِ﴾: العامَّةُ على سكونِ الواوِ، [٧٧٠/ أ] وزيد بن علي(٣) وقتادة بفتحها جمعَ ((صُوْرة)). وهذه تَرُدُّ/ قولَ(٤) ابنٍ غطية أنَّ الصُّوْرَ هنا يتعيَّنُ أَنْ يكونَ القَرْنَ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ جمعَ صُورَة. وقرِىءَ (٥) ((فَصُعِقَ)) مبنياً للمفعولِ، وهو مأخوذٌ مِنْ قولهم: صَعَقَتْهم الصاعقةُ: يُقال: صَعَّقَه اللَّهُ فصْعِقٌ. (١) الكشاف ٤٠٩/٣. (٢) البحر ٧ /٤٤٠. (٣) الإتحاف ٤٣٢/٢، والبحر ٤٤١/٧ . (٤) المحرر ١٠٤/١٤. (٥) البحر ٤٤١/٧. ٤٤٤ - الزمر - ((إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ)) متصلٌ والمستثنى: إمَّا جبريلُ وميكائيل وإِسْرافيلُ، وإمَّا رِضوانُ والحُوْرُ والزَّبانية، وإمّا الباري تعالى قاله الحسن. وفيه نظرٌ من حيث قولُه: ((مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض)» فإنه تعالىْ لا يَتْحَيَّزُ. فعلى هذا يتعيّنُ أَنْ يكونَ منقطعاً (١). قوله: ((ثم نُفِخَ فيه أُخْرى)) يجوزُ أَنْ تكونَ ((أخْرِى)) هي القائمةَ مقامَ الفاعلِ ، وهي في الأصلِ صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: نُفِخَ فيه نَفْخَةُ أخرى، ويؤيِّدُه التصريحُ بذلك في قولِه ((فإذا نُفِخَ فِي الصُّوْرِ نَفْخَةٌ واحدةٌ))(٢) فصرَّحَ بإقامة المصدرِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ القائمُ مقامَه الجارَّ، و(«أخرى» منصوبةٌ على ما تقدَّم(٣). قوله: ((فإذا هم قيامٌ)) العامَّة على رفع ((قيام)) خبراً. وزيد بن علي (٤) نصبَه حالاً وفيه حينئذٍ أوجهٌ، أحدهما: أنَّ الخبرَ ((يَنْظرون)) وهو العاملُ في هذه الحالِ أي: فإذا هم يُنْظُرُون قياماً. والثاني: أنَّ العاملَ في الحالِ ما عَمِلَ في ((إذا)) الفجائيةِ إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانيةٌ - كما قال سيبويه(٥) - فالتقدير: فبالحَضْرة هم قياماً. وإنْ كانت زمانیةً كقول الرُّمَّانيِّ ففي ذلك الزمانِ هم قياماً، أي: وجودهم. وإنما احتيج إلى تقديرٍ مضافٍ في هذا الوجهِ لأنَّه (١) قال في شرح الطحاوية ٢٣١: ((ومن سمع أحاديث الرسول # وكلام السلف وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر»، ثم ساق كثيراً من النصوص. (٢) الآية ١٣ من الحاقة. (٣) أي نائب مفعول مطلق. (٤) الكشاف ٤٠٩/٣. (٥) عبارة سيبويه في الكتاب ٣١١/٢: ((تكون ((إذا)) للشيء توافقه في حالٍ أنت فيها وذلك قولك: مررت فإذا زيد قائم)» وهذا ليس فيه تصريح بأنها ظرف والذي ذهب إلى أنها ظرف مكان هو المبرد في المقتضب ٥٧/٢ . ٤٤٥ - الزمر - : لا يُخْبِرُ بالزمانِ عن الجُثَثِ. الثالث: أن الخبرَ محذوفٌ هو العاملُ في الحال أي: فإذا هم مبعوثون، أو مجموعون قياماً. وإذا جَعَلْنا الفجائيةَ حَرْفاً - كقولٍ بعضِهم - فالعاملُ في الحالِ: إِمَّا ((يَنْظُرون))، وإمَّا الخبرُ المقدرُ كما تقدَّم تحقیقُهما. آ. (٦٩) قوله: ﴿وأَشْرَقَتْ﴾: العامَّةُ على بنائِه للفاعل. وابن عباس(١) وأبو الجوزاء وعبيد بن عمير(٢) على بنائه للمفعول، وهو منقولٌ بالهمزة، مِنْ شَرَقَتْ إِذَا طَلَعَتْ، وليس مِنْ أشرقَتْ بمعنى أضاءَتْ لأنَّ ذَاكِ لازمٌ. وجعله ابنُ عطيةٍ(٣) مثل: رَجَعَ وَرَجَعْتُه، ووَقَفَ ووقَّفْته، يعني فيكون أَشْرَق لازماً ومتعدياً. آ. (٧١) قوله: ﴿زُمَرأْ﴾: حالٌ. وَزُمَر جمع زُمْرَةٍ، وهي الجماعاتُ في تفرقةٍ بعضُها في إثْر بعضٍ وتَزَمِّروا: تجمّعُوا قال(٤): ٣٩٠٥- حتى احْزَالَّتْ زُمَرٌ بعد زُمَرْ هذا قولُ أبي عبيدة(٥) والأخفشِ (٦). وقال الراغب(٧): ((الزُّمْرَة الجماعةُ القليلةُ، ومنه شاةٌ زَمِرة أي: قليلة الشَّعْرِ، ورجلٌ زَمِرٌ أي : قليلُ المروءةِ. وزَمَرَتِ النَّعامةُ تَزْمِرُ زَماراً، ومنه اشتقَّ الزَّمْرُ والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة». (١) القرطبي ٢٨٢/١٥، والمحتسب ٢٣٩/٢، والبحر ٤٤١/٧، والمحرر ١٠٥/١٤. (٢) الأصل ((عمرو)) والتصحيح من المظانّ. (٣) المحرر ٠.١٠٥/١٤ (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٢٧/٧، والقرطبي ٢٨٣/١٥. واحزال: ارتفع في السير والأرض. (٥) مجاز القرآن ١٩١/٢. (٦) لم يشر إلى معناها في كتابه معاني القرآن. (٧) المفردات ٢١٥ . ٤٤٦ - الزمر - قوله: ((حتى إذا)) تقدَّمَ الكلامُ(١) في حتى الداخلةِ على ((إذا)» غيرَ مرةٍ. وجوابُ (إذا)) قوله: ((فُتِحت)) وتقدَّم خلافُ القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام(٢). وقرأ ابن هرمز(٣) ((ألم تَأْتِكم)) بتاء التأنيث لتأنيث الجمعِ. و ((منكم)) صفةً لـ ((رسل)) أو متعلَّق بالإِتيان، و((يَتْلُون)) صفةٌ أخرى، و ((خالدين)) في الموضعَيْن حالٌ مقدرةٌ. آ. (٧٣) قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾: في جواب ((إذا)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: قوله: ((وفُتحت)) والواو زائدةٌ، وهو رأيُ الكوفيين(٤) والأخفش(٥)، وإنما جيْءَ هنا بالواوِ دونَ التي قبلها؛ لأنَّ أبوابَ السجون مغلقةٌ إلى أَنْ يَجْثُها صاحب الجريمة فتُفتَحَ له ثم تُغْلَقَ عليه فناسَبَ ذلك عَدَمَ الواوِ فيها، بخلافٍ أبوابِ السرورِ والفرحِ فإنَّها تُفْتَحُ انتظاراً لمَنْ يَدْخُلُها. والثاني: أن الجوابَ قولُه: (وقال لهم خَزَنتها)) على زيادةِ الواوِ أيضاً أي: حتى إذا جاؤُوها قال لهم خَزَنْتُها. الثالث: أنَّ الجوابَ محذوفٌ، قال الزمخشري(٦): وحَقُّه أَنْ يُقَدَّرَ بعد ((خالدين)). انتهى يعني لأنه يجيْء بعد متعلَّقاتِ الشرطِ وما عُطِف عليه، والتقدير: اطمأنُّوا. وقدَّره المبرد: ((سُعِدُوا)). وعلى هذين الوجهين فتكونُ الجملةُ مِنْ قولِه: و((فُتِحَتْ)) في محلِّ نصب على الحال. وسَمِّى بعضُهم هذه (١) انظر: الدر المصون ٤٣٦/٣. (٢) انظر: الدر المصون ٦٣٤/٤. (٣) الشواذ ١٣٢، والبحر ٤٤٣/٧. (٤) انظر: الإنصاف ٤٥٦/٢. (٥) رأيه في ((معاني القرآن)) زيادة الواو، ولكنه قدَّر الجواب ((قال لهم)) المعاني ٤٥٧، ثم استحسن الإضمار. (٦) الكشاف ٤١١/٣. ٤٤٧ - الزمر - [٧٧٠/ب] الواوّ واوَ الثمانية(١). قال: لأنَّ أبوابَ الجنة / ثمانيةٌ، وكذا قالوا في قوله: ((وثامِنُهم كَلْبُهم))(٢) وقيل: تقديرُه حتى إذا جاؤوها جاؤوها وفُتِحَتْ أبوابُها، يعني أنَّ الجوابَ بلفظِ الشرطِ ولكنه بزيادةٍ تقييده بالحالِ فلذلك صَحِّ .. آ. (٧٤) قوله: ﴿نَتَبَوَّأْ﴾: جملةٌ حاليةٌ، و((حيثُ)) مفعولٌ بهِ. ويجوز أن تكونَ ظرفاً على بابِها، وهو الظاهرُ. آ. (٧٥) قوله: ﴿حافَّيْنَ﴾: جمعُ حافٌ، وهو المُحْدِقُ بالشيءِ، مِنْ حَفَقْتُ بالشيءٍ إذا أَحَطْتُ به قال(٣) : ٣٩٠٦- يَحُفُّه جانبا نِيْقٍ وتُتْبِعُهُ مثلَ الزّجاجةِ لم تُكْحَلْ مِن الرَّمَدِ وهو مأخوذٌ من الحِفاف وهو الجانبُ. قال الشاعر(٤): ٣٩٠٧- له لَحَظاتٌ عن حِفافي سَرِيْرِه إذا كرَّها فيها عقابٌ وَنائل وقال الفراء(٥) وتبعه الزمخشري(٦): ((لا واحدَ لـ حافِّين)) وكأنهما رَأَيا أنَّ (١) أثبتها الحريري وابن خالويه والثعلبي. انظر: المغني ٤٠١، والجنى ١٥٩، الواو المزيدة للعلائي ١٤٢، وبدائع الفوائد ٥١/٣ - ٥٥. (٢) الآية ٢٢ من الكهف. (٣) تقدم برقم ٣١٥٨. (٤) البيت لإبراهيم بن هَرْمة وهو في المحرر ١٠٨/١٤، والبحر ٤٢٧/٧. (٥) لم يرد في معاني القرآن. (٦) لم يرد في ((الكشاف)). ٤٤٨ - الزمر - الواحدَ لا يكون حاقًّا؛ إذِ الحُفُوْفُ هو الإِحداقُ بالشيء والإِحاطةُ به، وهذا لا يتحقَّق إلاّ في جمعٍ . قوله: ((مِنْ حَوْلٍ)) في ((مِنْ)) وجهان أحدُهما - وهو قولُ الأخفش(١) - أنها مزيدةً. والثاني: أنها للابتداءِ، والضميرُ في ((بينهم)) إِمَّا للملائكةِ، وإمَّا للعبادِ، و((يُسَبِّحون)) حالٌ من الضمير في ((حافِّين)». [تَمَّت بعونه تعالى سورة الزمر] (١) معاني القرآن له ٤٥٨، قال: ((فـ ((مِنْ)) أدخلت ههنا توكيداً نحو قولك ما جاءني من أحد» . ٤٤٩ - غافر - سورة الطَّوْل(١) بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿حَم﴾: كقوله: ((ألم))(٢) وبابه. وقرأ(٣) الأخَوان وأبو بكر وابن ذكوان بإمالة حاء في السورِ السبعِ إمالةً محضةً وورش وأبو عمرو بالإِمالة بينَ بينَ، والباقون بالفتح. والعامَّةُ على سكونِ الميم كسائرِ الحروفِ المقطعة. وقرأ الزهري برفعِ الميم على أنَّها خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أو مبتدأٌ والخبرُ ما بعدها. وابن أبي إسحاق وعيسى بفتحها، وهي تحتملُ وجهين، أحدهما: أنها منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ أي: اقرأ حم، وإنما مُنِعَتْ من الصرف للعلمِيَّةِ والتأنيثِ، أو العلميَّة وشبهِ العُجمة. وذلك أنه ليس في الأوزان العربية وزنُ فاعيل بخلافِ الأعجمية، نحو: قابيل وهابيل. والثاني: أنها حركةُ بناءٍ تخفيفاً كـ أينَ وكيف. وفي احتمال هذين الوجهين قولُ الكميت(٤): ٣٩٠٨- وَجَدْنا لكم في آلِ حَمَ آيةٌ تَأَوَّلَها منا تقيٍّ ومُعْرِبُ (١) وهي سورة غافر. (٢) الآية ١ من البقرة. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٦٦، والنشر ٧٠/٢، والقرطبي ٢٩٠/١٥، والحجة ٦٢٦، والبحر ٤٤٦/٧ . (٤) الهاشميات ٣٦، والكتاب ٣٠/٢، والمقتضب ٢٣٨/١، واللسان عرب. ٤٥١ - غافر - وقول شریح بن أوفی(١): ٣٩٠٩- يُذَكِّرُني حمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ فهلا تلا حمَ قبلَ التقدُّمِ وقرأ أبو السَّمَّال بكسرِها، وهل يجوزُ أَنْ تُجْمَعَ ((حم)) على حواميم، نَّقَل ابنُ الجوزي(٢) عن شيخه الجواليقي أنه خطأً، بل الصوابُ أَنْ يقولَ: قَرَأْتُ آلَ حم. وفي الحديث عن ابن مسعود عنه عليه السلام: ((إذا وَقَعْتَ فِي آلِ خِم وَقَعْتَ فِي رَوْضاتٍ))(٣) وقال الكميت(٤): ٣٩١٠ - وَجَدْنا لكم في آلِ حم. البيت. ومنهم مَنْ جَوَّزَه. ورُويَ في ذلك أحاديثُ منها: ((الحوامیم ديباجُ القرآن))(٥) ومنها: ((مَّنْ أرادَ أَنْ يرتعَ في رياضٍ مُوْنَقَّةٍ من الجنة فليقرأْ الحواميم)(٦) ومنها: ((مَثَلُ الحواميم في القرآن مَثَلُ الحَبِرات في الثياب» فإِنْ صَحَّتْ هذه الأحاديثُ فهي الفَيْصَلُ في ذلك. (١) المقتضب ٢٣٨/١، والخصائص ١٨١/٢، واللسان (حمم). (٢) انظر تفسير ابن الجوزي ((زاد المسير) ٢٠٥/٧. والجواليقي موهوب بن أحمد، له المعرِّب، توفي ببغداد سنة ٥٤٠. انظر: إنباه الرواة ٣٣٥/٣. (٣) نسبه ابن كثير في تفسيره ٦٩/٤ إلى ابن مسعود، وكذلك السيوطي في الدر المنثور ٣٤٤/٥ ولم يرفعاه. (٤) تقدم برقم ٣٩٠٨ . (٥) نسبه ابن كثير في تفسيره ٦٩/٤ إلى ابن مسعود وكذلك السيوطي في الدر ٣٤٤/٥ ولم يرفعاه. (٦) قال في الدر ٣٤٤/٥ أخرجه ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. ٤٥٢ - غافر - آ. (٢) قوله: ﴿تنزيلُ﴾: إمَّا خبرٌ لـ ((حَم)) إنْ كانت مبتدأً، وإمّا خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ، وإمَّا مبتدأ. وخبرُه الجارُّ بعدَه. آ. (٣) قوله: ﴿غافِرِ الذَّتْبِ وقابلِ الَّوْبِ شديدٍ العقاب﴾ في هذه الأوصافِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها كلَّها صفاتٌ للجلالة كالعزيز العليم. وإنما جازَ وَصْفُ المعرفةِ بهذه وإنْ كانَتْ إضافتها لفظيةً؛ لأنه يجوزُ أَنْ تُجْعَلَ إضافتُها معنويةً فتتعرَّفَ بالإِضافةِ. نَصَّ سيبويه(١) على أنَّ كلَّ ما إضافتُه غيرُ مَحْضٍ جاز أن يُجْعَلَ مَحْضً(٢)، وتُوصفَ به المعارفُ، إلّ الصفةَ المشبهةَ، ولم يَسْتَثْنِ غيرُه شيئاً وهم الكوفيون(٣). يقولون في نحو: ((حَسَنُ الوجهِ)) إنه يجوزُ أن تصيرَ إضافته محضةٌ. وعلى هذا فقوله: ((شديد العقاب)) من بابِ الصفةِ المشبهةِ فكيف أجزْتَ جَعْلَه صفةً للمعرفة وهو لا يَتْعَرَّفُ بالإِضافة؟ والجواب: إمَّا بالتزامِ مَذْهَبِ الكوفيين: وهو أنَّ الصفة المشبهةَ يجوزُ أَنْ تَتَمَخَّضَ إضافتها أيضاً، فتكونَ معرفةً، وإمَّا بأنَّ شديداً بمعنى / مُشَدِّد كـ أَذِيْن [٧٧١/ أ] بمعنی مُؤَذِّن فتتمحِّضُ إضافتُه. الثاني: أَنْ يكونَ الكلُّ أبدالاً لأنَّ إضافتها غيرُ محضةٍ، قاله الزمخشري (٤). إلّ أَنَّ الإِبدال بالمشتقِّ قليلٌ جداً، إلّا أن يُهْجَرَ فيها جانبُ الوصفية . (١) انظر: الكتاب ١٠٣/١، ٢١١، ٢١٣ قال: ((وزعم يونس والخليل أن هذه الصفات المضافة إلى المعرفة التي صارت صفة للنكرة قد يجوز فيهن كلهن أن يكن معرفة، إلاّ حسن الوجه فإنه بمنزلة رجل لا يكون معرفة». (٢) إذا أضيف إلى معرفة. (٣) في الأسلوب لين. لعل الأنسب: وأما الكوفيون. (٤) الكشاف ٤١٣/٣. ٤٥٣ - غافر - الثالث: أَنْ يكونَ ((غافر)) و((قابل)) نعتَّيْن و((شديد)) بدلاً، لِما تقدَّم: مِنْ أنَّ الصفة المشبهةَ لا تتعرَّفُ بالإِضافة، قاله الزّجَّاجِ(١). إلاّ أنَّ الزمخشريّ(٢) قال: ((جَعْلُ الزجَّاجِ ((شديد العقاب)) وحدَه بدلاً من الصفاتِ، فيه نُّبُوَّ ظاهرٌ، والوجهُ أن يُقال: لَمَّا صُودِفَ بين هذه المعارفِ هذه النكرةُ الواحدةُ فقد آذَنَتْ بأنَّ كلَّها أبدالٌ غيرُ أوصافٍ. ومثالُ ذلك قصيدةٌ جاءت تفاعيلُها كلُّها على مستفعلن فهي محكومٌ عليها أنها من الرَجَز، وإنْ وقع فيها جزءٌ واحدٌ على مَتَفاعلن كانت من الكامِل)). وقد ناقشه الشيخ فقال(٣): ((ولا نُبُوْ في ذلك لأنَّ. الجَرْيَ على القواعِدِ التي قد استقرَّتْ وصَحَّتْ هو الأصلُ وقوله: ((فقد آذنَتْ بأنَّ كلَّها أبدالٌ)» تركيبٌ غيرُ عربيٍ ؛ لأنه جَعَلَ ((فقد آذنَتْ)) جوابَ لَّمًّا، وليس من كلامهم ((لَّمَّا قام زيدٌ فقد قام عمروٌ)). وقولُه: بأنَّ كلَّها أبدالٌ فيه تكريرٌ. للأبدالِ. أمَّا بَدَلُ البَداءِ عند مَنْ أثبتَه فقد تكرَّرَتْ فيه الأبدالُ. وأمَّا بدِلُ كلٍ مِنْ كل وبعضٍ مِنْ كل وبدلُ اشتمالٍ فلا نصَّ عن أحد من النحويين أَعْرِفُه في جوازِ التكرارِ فيها أو مَنْعِه. إلَّ أنَّ في كلامِ بعضِ أصحابِنا ما يَدُلُّ على أنَّ البدلَ لا يُكَرِّرُ، وذلك في قول الشاعر (٤): ٣٩١١- فإلى ابنٍ أُمِّ أُناسٍ أَرْحَلُ ناقتي عمْروٍ فتُبْلِغُ حاجتي أو تُزْحِفُ مَلِكٍ إذا نَزَلَ: الوفودُ ببابِه غَرَفُوا موارِدَ مُزْبِدٍ لا يُشْزَفُ (١) معاني القرآن له ٣٦٦/٤. (٢) الكشاف ٤١٢/٣ - ٤١٣. (٣) البحر ٤٤٨/٧ . (٤) البيت لبشر بن أبي خازم. وهو في ديوانه ١٥٥، والكتاب ٢٢٢/١، واللسان زحف، والهمع ١٢٧/٢. وأم أناس جدَّة للممدوح الملك عمرو بن هند وتزحف من: الإِزحاف وهو الإعياء والكلال. والمزيد: البحر يعلوه الزبد. وينزف ينفد ماؤه. ٤٥٤ - غافر - قال: ((فَـ ((مَلكِ)) بدلٌ مِنْ ((عمرو)) بدلُ نكرةٍ مِنْ معرفة قال: ((فإِنْ قلتَ: لِمَ لا يكونُ بدلاً من ((ابن أمَّ أناسٍ ؟)) قلت: لأنَّه أبدلَ منه عَمْراً، فلا يجوزُ أَنْ يُبْدَلَ منه مرة أخرى لأنَّه قد طُرِحَ)» انتهى(١). قال الشيخ: ((فَدَلَّ هذا على أنَّ البدلَ لا يتكَرِّرُ ويَتَّحد المبدلُ منه، ودَلَّ على أنَّ البدلَ من البدلِ جائزٌ)). قلت: وقد تقدَّم له هذا البحثُ آخرَ الفاتحةِ عند قوله: ((غيرِ المغضوب عليهم))(٢) فعليك بمراجعته قال(٣): ((وقولُه تفاعيلُها هو جمعُ تِفْعال أو تَفْعُول أو تُفْعُول أو تَفْعيل وليس شيءٌ منها معدوداً من أجزاء العَروض فإنَّ أجزاءَه منحصرةٌ ليس فيها شيّ من هذه الأوزانِ، فصوابُه أَنْ يقولَ: جاءت أجزاؤها كلُّها على مُستفعلن)). وقال الزمخشري (٤) أيضاً: «ولقائل أَنْ يقولَ: هي صفاتٌ وإنما حُذِفت الألفُ واللامُ مِنْ ((شديد)) ليزاوجَ ما قبلَه وما بعدَه لفظاً فقد غَيَّروا كثيراً مِنْ كلامهم عن قوانينِه لأجلِ الازدواجِ ، فقالوا: ((ما يعرف سحادليه مِنْ عبادليه)» فَثَنُّوْا ما هو وِتْرٌ لأجلِ ما هو شَفْعٌ. على أن الخليلَ قال في قولهم: ((ما يَحْسُنُ بالرجلِ مثلِك أَنْ يَفْعل ذلك)) و ((ما يَحْسُن بالرجلِ خيرٍ منك)) إنه على نيةٍ الألفِ واللامِ، كما كان ((الجَمَّاء الغفير))(٥) على نية طرحِ الألفِ واللامٍ. ومما سهَّل ذلك الأمنُ من اللَّْسِ وجَهالَةُ الموصوفِ)). قال الشيخُ(٦): «ولا ضرورةً (١) أي: انتهى الذي نقل منه الشيخ بلفظ ((بعض أصحابنا)). (٢) الآية ٧ من الفاتحة. وانظر: الدر المصون ٧١/١. (٣) البحر ٤٤٨/٧ . (٤) الكشاف ٤١٣/٣. (٥) من قولهم: ((جاؤوا الجماء الغفير)) لأن الحال نكرة. وهو مثل عربي انظر: مجمع الأمثال ٢٧١/٢. (٦) البحر ٤٤٨/٧. ٤٥٥ - غافر - إلى (١) حَذْفٍ أل مِنْ ((شديد العقاب)) وتشبيهُه بنادرٍ مُغَيِّرٍ وهو تثنيةُ الوِتْرِ لأجلٍ الشَّفْعِ، فَيُتَزَّه كتابُ اللَّهِ عن ذلك)). قلت: أمَّا الازدواجُ - وهو المشاكلة - من حيث هو فإنه واقعٌ في القرآن، مضى لك منه مواضعُ . وقال الزمخشري(٢) أيضاً: ((ويجوزُ أَنْ يقالَ: قد تُعُمِّد تنكيرُه وإبهامُه للدلالةِ على فَرْطِ الشِّدَّةِ وعلى ما لا شيءَ أَدْهَىْ منه وأَمَرُّ لزيادةِ الإِنذار. ويجوز أَنْ يُقالَ: هذه النكتةُ هي الداعيةُ إلى اختيار البدلِ على الوصفِ، إذا سُلِكَتْ طريقةُ الإِبدالِ)) انتهى. وقال مكي(٣): ((يجوزُ في ((غافر)) و((قابل)) البدلُ على أنهما نكرتان لاستقبالِهما، والوصفُ على أنهما معرفتان لمُضِيِّهما)». وقال فخر الدين الرازي(٤): ((لا نزاعَ في جَعْل غافر وقابِل صفةً، وإنما كانا كذلك لأنهما يُفيدان معنى الدَّوامِ والاستمرارِ، فكذلك ((شديدُ العقاب» يُفيدُ ذلك؛ لأنَّ صفاتِهِ مُنَزَّهةٌ عن الحدوث والتجدُّدِ فمعناه كونُه بحيث شديدٌ [٧٧١/ب] عقابُه. وهذا المعنى حاصلٌ أبداً لا يُؤْصَف / بأنَّه حَصَلَ بعد أَنْ لم يكنْ)). قال الشيخ(٥): ((وهذا كلامُ مَنْ لم يَقِفْ على علمِ النحوِ ولا نظرَ فيه ويَلْزَمُه أَنْ يكونَ ((حكيمٍ عليم))(٦) و («مليكٍ مُقْتَدِرٍ))(٧) معارفَ لتنزيه صفاتِه عن الحدوثِ والتجدُّدِ، ولأنها صفاتٌ لم تَحْصُلْ بعد أَنْ لم تكنْ، ويكونُ تعريفُ صفاتِه بأل وتنكيرُها سواءً، وهذا لا يقولُه مُبْتدىء في علم النحو، بَلْهَ أَنْ يُصَنَّفَ فیه ويُقْدِمَ علی تفسیر کتابِ اللهِ تعالى)) انتهى . (١) البحر: إلى اعتقاد. (٢) الكشاف ٤١٣/٣. (٣) لم أجد هذا القول لمكي في المشكل والكشف. (٤) تفسير الفخر الرازي ٢٨/٢٧. (٥) البحر ٤٤٨/٧ . (٦) الآية ٦ من النمل من قوله: ((من لدن حكيم عليم)). (٧) الآية ٥٥ من القمر من قوله: «عندَ مليكٍ مُقتدر)». ٤٥٦ - غافر - وقد سُرِدَتْ هذه الصفاتُ كلُّها مِنْ غير عاطفٍ إِلَّ ((قابل التوب)) قال بعضهم (١): ((وإنما عُطِفَ لاجتماعِهما وتلازُمِهما وعَدَمِ انفكاكِ أحدِهما عن الآخر، وقَطَّعَ ((شديدِ)) عنهما فلم يُعْطَفْ لانفرادِه)). قال الشيخ(١): ((وفيه نَزْعَةٌ اعتزاليَّةٌ. ومَذْهَبُ أهلِ السنة جوازُ الغفران للعاصي وإن لم يُتُبْ إلَّ الشركَ)). قلت: وما أبعده عن نزعةِ الاعتزال. ثم أقول: التلازمُ لازمٌ مِنْ جهةٍ أنه تعالى متى قَبِل التوبة فقد غَفَرَ الذنب وهو كافٍ في التلازم. وقال الزمخشري (٢): ((فإنْ قلتَ: ما بالُ الواوِ في قولِه: ((وقابلِ التَّوْبِ؟)) قلت: فيها نُكْتَةٌ جليلةٌ: وهي إفادةُ الجمعِ للمذنب التائبِ بين رحمتين: بين أَنْ يَقْبَلَ توبتَه فيكتبها طاعةٌ من الطاعات وأنْ يجعلَها مَحَّاءةً للذنوب كمَنْ لم يُذْنِبْ كأنه قال: جامع المغفرةِ والقَبول)) انتهى. وبعد هذا الكلام الأنيق وإبرازِ هذه المعاني الحسنةِ. قال الشيخ (٣): ((وما أكثرَ تبجُّجَ (٤) هذا الرجلِ وشَقْشَقَتَه والذي أفاد أن الواوَ للجمعِ، وهذا معروفٌ من ظاهرٍ عَلِمِ النحو). قلت: وقد أنشدني بَعضُهم(٥): ٣٩١٢- وكم مِنْ عائبٍ قَوْلاً صحيحاً وآفَتُه من الفَهْمِ السَّقيمِ وقال آخر (٦): (١) نسب أبو حيان هذا القول في البحر ٤٤٩/٧ إلى صاحب ((الغنيان)). (٢) الكشاف ٤١٣/٣. (٣) البحر ٤٤٩/٧. (٤) البحر: تلمح. (٥) البيت للمتنبي وهو في ديوانه ٣٥٧/٢، والمحتسب ١٩/٢. (٦) من قصيدة البوصيري المشهورة بالبردة. وهي في ديوانه (تحقيق محمد سيد كيلاني) ص ٢٤٥. ٤٥٧ - غافر بـ ٣٩١٣- قد تُنْكِرُ العِينُ ضوءَ الشمسِ مِنْ رَمَدٍ ويُنكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمٍ والشَّوْبُ: يُحتملِ أَنْ يكونَ اسماً مفرداً مُراداً به الجنسُ كالذَّنْبَ، وأَنْ يكونَ جمعاً لِتَوْبة كتَمْرٍ وَتَمْرَة. و((ذي الطَّوْلِ)) نعتٌ أو بدلٌ كما تقدَّمَ. والطّوْلُ: سَعَةُ الفَضْلِ . و ((لا إلهَ إلَّ هو)): يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأَنْ يكونَ حالاً، وهي حالٌ لازمةٌ، وقال أبو البقاء(١): ((يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً))، وعلى هذا ظاهرُه فاسدٌ؛ لأنَّ الجملةَ لا تكونُ صفةً للمعارفِ. ويمكنُ أَنْ يريدَ أنه صفةٌ لـ ((شديد العقاب» لأنَّه لم يتعرَّفْ عنده بالإِضافةِ. والقولُ في ((إليه المصيرُ)) كالقولِ في الجملةِ قبله، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الجملةِ قبلَه. آ. (٤) وقرأ العامّةُ ((فلا يَغْرُرْكَ)) بالفكِّ، وهي لغةُ الحجازِ. وزيد ابن علي (٢) وعبيد بن عُمَيْر ((فلا يَغُرَّكَ) بالإِدغامِ مفتوحَ الراءٍ، وهي لغةُ تميمٍ. آ. (٥) وقرأ(٣) عبد الله ((برَسولها)) أعاد الضميرَ على لفظ ((أُمَّة)). والجمهورُ على معناها، وفي قوله: ((لَيَأْخُذوه)) عبارةٌ عن المُسَبَّبِ بالسبب؛ وذلك أنَّ القَتْلَ مُسَبَّبٌ عن الأَخْذِ، ومنه قيل للأسير: ((أَخِيْذ)). وقال(٤): ٣٩١٤- فإمَّا تَأْخُذُوني تَقْتُلوني فكّمْ مِنْ أَخِذٍ يَهْوَى خُلودي (١) الإملاء ٢١٧/٢. (٢) البحر ٤٤٩/٧ . (٣) البحر ٤٤٩/٧، ومعاني القرآن للفراء ٥/٣. (٤) تقدم برقم ٨٦٧. ٤٥٨ - غافر - وقوله: ((عِقابٍ)) فيه اجتزاءٌ بالكسرةِ عن ياء المتكلم وصلاً، ووقفاً، لأنَّها رأسُ فاصلةٍ. آ. (٦) قوله: ﴿وكذلك﴾: تحتمل الكافُ أَنْ تكونَ مرفوعةً المحلِّ على خبرٍ مبتدأ مضمرٍ أي: والأمرُ كذلك، ثم أخبر بأنه حَقَّتْ كلمةُ اللَّهِ عليهم بالعذاب، وأَنْ تكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثلَ ذلك الوجوبِ مِنْ عقابِهِم وَجَبَ على الكفرةِ. وقوله: ((أنهم أصحابُ)) يجوزُ أَنْ يكونَ على حَذْفِ حرفِ الجرِّ أي: لأَنَّهم، فَحَذَفَ، فيجري في محلّها القولان(١). ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ بدلاً مِنْ «كلمةُ)). وقد تقدَّم خلافُهم في إفراد («كلمة» وجَمْعِها(٢). آ. (٧) قوله: ﴿الذين يَجْمِلون﴾: مبتدأٌ ((ويُسَبِّحون)) خبرُه. والعامَّةُ على فتح عين ((العَرْش)). وابن عباس(٣) في آخرين بضمها فقيل: يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ جمعاً لـ ((عَرْش)) كـ سُقْف في سَقْف. وقوله: ((ومَنْ حَوْلَه)) يَحْتمل أَنْ يكونَ مرفوعَ المحلُّ عطفاً على ((الذين يَحْملون)) أَخْبر عن الفريقين بأنهم يُسَبِّحون، وهذا هو الظاهرُ، وأَنْ يكونَ منصوبَ المحلِّ عَطْفاً على العرش، يعني أنَّهم يَحْملون أيضاً الملائكةَ الحافِّين بالعرشِ . وليس بظاهرٍ. قوله: ((رَبَّنا» / معمولٌ لقولٍ مضمرٍ تقديرُه: يقولون ربَّنا. والقولُ المضمرُ [٧٧٢/أ] (١) يرى سيبويه أن المحلَّ هو الجُرُّ، ويرى الخليل النصب، انظر: الكتاب ٤٦٤/١، والدر المصون ٢١١/١ . (٢) انظر: الدر المصون ١٢٤/٥. ٠ القرطبي ٢٩٤/١٥، والبحر ٤٥١/٧. (٣) ٤٥٩ - غافر - في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل ((يَسْتَغْفرون)) أو خبرٌ بعد خبرِ، و («رحمةً وعِلْماً)) تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية، أي: وسِع كلَّ شيءٍ رحمتُك وعِلْمُك .. آ. (٨) قوله: ﴿جناتٍ عَدْنٍ التِي وَعَدْتَهم﴾: قد تقدَّمَ نظيرُها في مريم(١). والعامَّةُ على ((جناتٍ)) جمعاً، والأعمش(٢) وزيد بن علي ((جنة)) بالإفراد. قوله: ((ومَنْ صَلَحَ)) في محلِّ نصبٍ: إمَّا عطفاً على مفعولِ ((أدْخِلْهُمْ))، وإمَّا على مفعولِ ((وَعَدْتَهم)). وقال الفراء (٣) والزجاج(٤): ((نصبُهُ مِنْ مكانّيْنِ :. إِنْ شئتَ على الضميرِ في ((أَدْخِلْهم))، وإنْ شِئْتَ على الضميرِ فِي وَعَدْتَهم)). والعامَّةُ على فتحِ لام ((صَلَح)) يقال: صَلُح فهو صالحٌ. وابنُ أبي عبلة(٥) بضمِّها يُقال: صَلَح فهو صَليح. والعامَّةُ على ((ذُرِّيَّاتهم)) جمعاً. وعيسى(٦) «وذُرِّيَّتهم)) إفراداً. آ. (٩) قوله: ﴿يومَئذٍ﴾: التنوينُ عِوَضٌ مِنْ جملةٍ محذوفةٍ، ولكنْ ليسٍ في الكلامِ جملةٌ مُصَرَّحٌ بها، عُوْض منها هذا التنوينُ، بخلافٍ قولِه: ((وأنتم حينئذٍ تَنْظرون))(٧) أي: حينَ إذْ بَلَغَتِ الحلقومَ، لتقدُّمِها في اللفظِ، فلا بُدَّ مِنْ تقديرٍ جملةٍ، يكون هذا عوضاً منها تقديرُه: يوم إذْ يُؤَاخِذُ: بها . (١) ((جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب)). الآية ٦١ من مريم. (٢) البحر ٤٥٢/٧، ومعاني القرآن للفراء ٥/٣. (٣) معاني القرآن له ٥/٣٪ ۔۔ (٤) معاني القرآن له ٣٦٨/٤. (٥) البحر ٤٥٢/٧. (٦) البحر ٤٥٢/٧. (٧) الآية ٨٤ من الواقعة. ٤٦٠