Indexed OCR Text
Pages 341-360
- الصافات - ورجلٌ سائحٌ وسَيَّح)) انتهى. ويُحتمل أَنْ يكونَ لها مادتان(١)، لكنْ كان ينبغي أن يذكرَ: ما هي الأشهرُ، أو يذكرَهما معاً. وحُذِفَ مفعولُ ((أبْصر)» الثاني: إمّا اختصاراً لدلالةِ الأولِ عليه، وإمّا اقتصاراً. والمخصوصُ بالذمُّ محذوفٌ أي: صباحُهم. آ. (١٨٠) قوله: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾: أُضيف الربُّ إلى العزّةِ لاختصاصه بها، کأنه قيل: ذو العزّة کما تقول: صاحبُ صِدْقٍ لاختصاصِه به. وقيل: المرادُ العزَّةُ المخلوقةُ الكائنةُ بين خَلْقِه. ويترتَّبُ على القولين مسألةٌ اليمين. فعلى الأول ينعقدُ بها اليمينُ؛ لأنها صفةٌ من صفاتِه تعالی بخلاف الثاني، فإنه لا ينعقدُ بها اليمينُ. [تَمَّت بعونه تعالى سورة الصافات] (١) عقد لها في اللسان مادتين: ((سوح)) ومنها الساحة وتصغيرها سَوَيْحة، و((سَيَح)) ومنه السَّيْح: الماء الظاهر الجاري وقد ساح يسيح سَيْحاً، وساح في الأرض يسيح سياحة أي ذهب. ومن هنا فئمةً مادتان واوية وبائية. ٣٤١ - ص - ص سورة بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قرأ(١) العامَّةُ بسكونِ الدالِ مِنْ «صادْ)) كسائرٍ حروف التهجِّي في أوائلِ السُوَر. وقد مرَّ ما فيه. وقرأ أُبَيِّ والحسنُ وابنُ أبي إسحاق وابنُ أبي عبلة وأبو السَّمَّال بكسرِ الدال مِنْ غير تنوينٍ. وفيها وجهان، أحدُهما: أنه كَسْرٌ لالتقاء الساكنين(٢)، وهذا أقربُ. والثاني: أنه أمرٌ من المصاداة وهي المعارَضَةُ(٣) ومنه صَوْتُ الصَّدى لمعارضتِه لصوتِك وذلك في الأماكن الصلبةِ الخاليةِ والمعنى: عارِضِ القرآنَ بعملك، فاعمَلْ بأوامرِهِ وانتهٍ عن نواهيه. قاله الحسن. وعنه أيضاً: أنه مِنْ صادیْتُ أي: حادثْتُ. والمعنى: حادِثِ الناسَ بالقرآن . وقرأ ابن أبي إسحاق كذلك، إلاّ أنه نَوَّه وذلك على أنَّه مجرورٌ بحرفٍ قَسَمٍ مقدرٍ، حُذِفَ وبقي عَمَلُه كقولهم: ((اللَّهِ لأفعلَنَّ)) بالجرِّ. إلاّ أنَّ الجرِّ يَقِلُّ في غيرِ الجلالة، وإنما صَرَفه ذهاباً به إلى معنى الكتاب والتنزيل. وعن الحسن (١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤١٨/٢، والبحر ٣٨٣/٧، والقرطبي ١٤٣/١٥، والمحتسب ٢٣٠/٢، والنشر ٤١٤/١. (٢) الألف والصاد. (٣) وهو مذهب الزجاج في معانيه ٣١٩/٤، قال: ((مِنْ قولك: صادى يُصادِي إذا قابل على معنى: صادِ القرآنَ بعملك». ٣٤٣ أيضاً وابن السَّمَيْفَعِ وهارون الأعور صادٌ بالضمِّ من غيرٍ تنوينٍ، على أنه اسمٌ للسورةِ، وهو خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هذه صاد. ومُنِعَ من الصرف للعَلمِيَّة والتأنيث، وكذلك قرأ ابن السَّمَيْفَع وهارون: قاف(١) ونون(٢) بالضمّ على ما تقدَّمَ. وقرأ عيسى وأبو عمروٍ في روايةٍ محبوب ((صادّ» بالفتح مِنْ غير تنوينٍ. وهي تحتمل ثلاثةَ أوجهٍ. البناء على الفتح تخفيفاً كـ أين وكيف، والجرِّ بحرفٍ القسمِ المقدرِ، وإنما مُنع من الصرف للعلميَّةِ والتأنيثِ كما تقدَّم، والنصب بإضمارٍ فِعْل أو على حذفِ حَرْفِ القَسم نحوَ قولِه(٣): ٣٨٢٩- فذاكَ أمانةَ اللَّهِ الثريدُ وامتنعَتْ من الصرف لِما تقدَّم، وكذلك قرآ: ((قاف)) و ((نون)) بالفتح فيهما، وهما كما تقدَّم، ولم أحفَظْ التنوينَ مع الفتح والضم. قوله: ((والقرآنٍ)) قد تقدَّم مثلُه في ((يس (٤) والقرآنِ))، وجوابُ القسم فيه أقوالٌ كثيرةٌ، أحدها: أنه قولُه: ((إنَّ ذلك لَحَقٌّ))(٥)، قاله الزجاج(٦) والكوفيون غيرَ الفراءِ. قال الفراء(٧): ((لا نجده مستقيماً لتأخيره جداً عن قوله: ((والقرآن». الثاني: أنه قولُه: ((كم أهلَكْنا)» والأصلُ: لكم أهلَكْنا، فحذف اللامَ کما حَذَفها (١) الآية ١ مِنْ ق. (٢) الآية ١ من القلم. (٣) تقدم برقم ٩٣. (٤) الآية ١ - ٢ من يس. (٥) في الآية ٦٤ . (٦) معاني القرآن له ٣١٩/٤. (٧) معاني القرآن له ٣٩٧/٢. ٣٤٤ - ص - في قولِه: ((قد أَفْلَح مَنْ زكَّاها))(١) بعد قوله: ((والشمسِ)) لَّمَّا طال الكلام. قاله ثعلبٌ والفراء(٢). الثالث: أنه قولُه: ((إنْ كلِّ إِلَّ كَذِّبَ الرَسُلَ))(٣) قاله الأخفش (٤). الرابع: أنه قولُه: ((صاد))؛ لأنَّ المعنى: والقرآنِ لقد صدق محمدٌ. قاله الفراء(٥) وثعلب أيضاً. وهذا بناءً منهما على جوازٍ تقديم جوابٍ القسم، وأنَّ هذا الحرفَ مُقْتَطَعٌ مِنْ جملةٍ هو دالٌّ عليها. وكلاهما ضعيفٌ. الخامس: أنه محذوفٌ. واختلفوا في تقديره، فقال الحوفي: / تقديرُه: لقد [٧٥٤/ب] جاءَكم الحقُّ، ونحوُه. وقَدَّره ابن عطية(٦): ما الأمرُ كما يَزْعمون. والزمخشري(٧): إنه لَمُعْجِزَ. والشيخ(٨): إنَّك لمن المُرْسَلين. قال: ((لأنه نظيرُ (يَس والقرآنِ الحكيم، إنك لمن المرسلين))(٩) وللزمخشري (١٠) هنا عبارةٌ بشعةٌ جداً. وهي: ((فإنْ قلتَ: قولُه: ص والقرآنِ ذي الذكر بل الذين كفروا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ كلامٌ ظاهرُه متنافٍ(١١) غيرُ منتظِمٍ. فما وجهُ انتظامِه؟ قلت: فيه وجهان، أَنْ يكونَ قد ذكر اسمَ هذا الحرفِ من حروفِ المعجمِ على سبيلِ التحدِّي والتنبيه على الإِعجازِ كما مَرَّ في أول الكتاب، ثم أتبعه القسمَ محذوفَ الجواب (١) الآية ٩ من الشمس. (٢) معاني القرآن ٣٩٧/٢. (٣) الآية ١٤ . (٤) معاني القرآن له ٤٥٣/٢ . (٥) معاني القرآن له ٣٩٦/٢ - ٣٩٧. (٦) المحرر ٧/١٤. (٧) الكشاف ٣٥٩/٣. (٨) البحر ٣٨٣/٧. (٩) الآية ١، ٢ من يس. (١٠) الكشاف ٣٥٨/٣ - ٣٥٩. (١١) المطبوعة : متنافر. ٣٤٥ - ص - لدلالةِ التحدِّي عليه، كأنه قال: والقرآنِ ذي الذِّكْرِ إنه لَكلامٌ مُعْجِزٌ. والثاني: أَنْ يكونَ («صاد)» خبرَ مبتدأ محذوفٍ على أنها اسمٌ للسورةِ كأنه قال: هذه صاد. يعني هذه السورةَ التي أعْجَزَتِ العربَ والقرآنِ ذي الذِّكْر، كما تقول: «هذا حاتِمٌ واللَّهِ)) تريد: هو المشهورُ بالسَّخاءِ واللَّهِ، وكذلك إذا أقسمَ بها كأنَّه قال: أَقْسَمْتُ بصاد والقرآنِ ذي الذِّكْر إنه لَمُعْجِزٌ. ثم قال: بل الذين كفروا في عِزَّةٍ واستكبارٍ عن الإِذعانِ لذلك والاعترافٍ(١)، وشِقاقٍ لله ورسوله، وإذا جَعَلْتَها مُقْسَمَاً بها، وعَطَفْتَ عليها ((والقرآنِ ذي الذِّكْرِ)) جازَ لك أَنْ تريدَ بالقرآنِ التنزيلَ كلَّه، وأَنْ تريدَ السورةَ بعينها. ومعناه: أُقْسِمُ بالسورةِ الشريفة: والقرآن ذي الذِّكْر كما تقولُ: مَرَرْتُ بالرجلِ الكريم وبالنَّسْمَةِ المباركة، ولا تريد بِالنَّسْمَةِ غيرَ الرجلِ)) .. آ. (٢) قوله: ﴿بل الذين كفروا﴾: إضْرابُ انتقالٍ من قصة إلى أخرى. وقرأ(٢) الكسائيُّ في روايةٍ سَوْرة وحماد بن الزبرقان(٣) وأبو جعفر والجحدري ((في غِرَّةٍ) بالغَيْن معجمةً والراءِ. وقد رُوي أن حماداً الراوية قرأها كذلك تصحيفاً، فلمَّا رُدَّتْ عليه قال: ((ما ظنَّنْتُ أنَّ الكافرين في ◌ِزَّة)) وهو وهِمٌ منه؛ لأن العِزَّةَ المُشارَ إليها حَمِّيَّةُ الجاهلية. والتنكيرُ في ((عزَّة وشِقاقٍ)) دلالةً على شِدَّتِهما وتفاقُمهما. آ. (٣) قوله: ﴿كم أهلَكْنا﴾: ((كم)) مفعولُ ((أهلَكْنا))، و ((مِنْ قَرْنٍ)) تمييزٌ، و((مِنْ قبلِهم)) لابتداء الغاية. (١) الكشاف: ((والاعتراف بالحق». (٢) البحر ٣٨٣/٧، والكشاف ٣٥٩/٣. (٣) لم أقف عليه. ٣٤٦ - ص - قوله: ((ولات حين)) هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل (نادَوْ)) أي: استغاثوا، والحالُ أنه لا مَهْرَبَ ولا مَنْجی. وقرأ العامَّةُ ((لاتَ)) بفتح التاء و((حينَ)) بالنصبِ، وفيها أوجهٌ، أحدها: - وهو مذهبُ سيبويه(١) - أنَّ((لا)) نافيةٌ بمعنى ليس، والتاءُ مزيدةٌ فيها کزيادتها فِي رُبَّ وَثَمَّ، ولا تعملُ إلَّ في الأزمان خاصةً نحو: لاتَ حينَ، ولات أوان، كقوله(٢) : ٣٨٣٠- طلبُوا صُلْحَنا ولاتَ أَواٍ فَأَجَبْنا أنْ ليسَ حينَ بقاءٍ وقول الآخر(٣) : ٣٨٣١- نَدِمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْذَمِ والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْه وخيمُ والأكثرُ حينئذٍ حَذْفُ مرفوعِها تقديرُه: ولات الحينُ حينَ مناصٍ. وقد يُحْذَفُ المنصوبُ ويبقى المرفوعُ. وقد قرأ هنا بذلك بعضُهم (٤) كقوله(٥): (١) انظر: الكتاب ٢٨/١، ٣٨٩. (٢) البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في الخصائص ٣٧٧/٢، والإنصاف ١٠٩، وابن يعيش ٩/ ٣٢، والخزانة ١٥١/٢، والعيني ١٥٧/٢، والهمع ١٢٦/١، والدرر ٩٩/١. (٣) البيت لمحمد بن عيسى التيمي أو مهلهل بن مالك الكناني، وهو في شرح الكافية الشافية ٤٤٣/١، والخزانة ١٤٧/٢، والعيني ١٤٦/٢، والهمع ١٢٦/١، والدرر ٩٩/١. (٤) وهو أبو السمِّال. وانظر في قراءات (ولات حين)): القرطبي ١٤٨/١٥، والبحر ٣٨٣/٧، والشواذ ١٢٩. (٥) تقدم برقم ٨٨٠. ٣٤٧ ۔۔ ض - ۔ ٣٨٣٢- مَنْ صَدَّ عَنْ نيرانِها فأنا ابنُ قَيْسٍ لا بَرَاحُ (أي: لا براحٌ لي .. ولا تعملُ في غيرِ الأحيان على المشهور، وقد تُمُسِّك بإعمالها في غير الأحيان بقوله(١): ٣٨٣٣- حَنَّتْ نَوارُ ولاتَ هَنَّا حََّتِ وبدا الذي كانَتْ نَوارُ أَجْنَّتِ فإنَّ ((هَنَّ)) مِنْ ظِروفِ الأمكنةِ. وفيه شذوذٌ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ، أحدها: عَمَلُها في اسمِ الإشارةِ وهو معرفةٌ ولا تعملُ إلَّ في النكراتِ. الثاني: كونُه لا يَتَصَرَّفُ. الثالث: كونُه غيرَ زمانٍ. وقد رَدَّ بعضُهم هذا بأنَّ ((هَنَّ)» قد خرجتْ عن المكانية واسْتُعْمِلت في الزمان، كقولِه تعالى: ((هنالِكَ ابْتُلِيَ المؤمنون))(٢) وقول الشاعر(٣) : ٣٨٣٤- فهناك يَعْتَرفون أينِ الْمَفْزَّعُ كما تقدم في سورة الأحزاب(٤)؛ إلاّ أنَّ الذوذَيْن الآخرَيْن باقيان. وتأوَّل بعضُهم البيتَ أيضاً بتأويلٍ آخرَ: وهو أَنَّ (لاتَ)) هنا مهملةٌ لا عملَ لها و((هَنَّا) [٧٥٥/ أ] ظرفُ خبرٌ مقدمٌ / و ((حَنَّتِ)) مبتدأ بتأويلٍ حَذْفٍ ((أنْ)) المصدرية تقديرُه: أنْ حَنَّتْ نحو «تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِنْ أنْ تَراه)(٥). وفي هذا تكلُّفُ وبُعْدٌ. إلّ أنَّ فيه الاستراحةَ من الشذوذاتِ المذكورات أو الشذوذَّيْن. (١) تقدم برقم ١٢٥٣ . (٢) الآية ١١ من الأحزاب. (٣) تقدم برقم ١٢٥٢. (٤) انظر إعرابه للآية ١١ من الأحزاب. (٥) مجمع الأمثال ١٢٩/١. وقد ذكر هذا ابن مالك في شرح الكافية الشافية ٤٤٥/١. ٣٤٨ - ص - وفي الوقفِ عليها مذهبان: المشهورُ عند العربِ وجماهيرٍ القراءِ السبعةِ بالتاءِ المجبورةِ إتْباعاً لمرسومِ الخطِّ الشريفِ. والكسائيُّ(١) وحدَه من السبعةِ بالهاء. والأولُ مذهبُ الخليلِ وسيبويه(٢) والزجاج (٣) والفراء(٤) وابن کیْسان، والثاني مذهبُ المبرد. وأغرب أبو عبيد(٥) فقال: الوقفُ على ((لا)) والتاءُ متصلةٌ بـ ((حين)) فيقولون: قُمْتُ تحينَ قمت، وتحينَ كان كذا فعلتُ كذا. وقال: ((رأيتها في الإِمام كذا: ((ولا تحين)) متصلة. وأنْشَدَ على ذلك أيضاً قولَ الشاعر(٦): ٣٨٣٥- العاطفونَ تحينَ ما مِنْ عاطِفٍ والمُطْعِمون زمانَ لا من مُطْعِمٍ والمصاحفُ إنما هي ((ولاتَ حين)). وحَمَلَ العامَّةُ ما رآه على أنه ممَّا شَذَّ عن قياسِ الخَطُّ كنظائرَ له مَرَّتْ لك. وأمّا البيتُ فقيل: إِنَّه شاذٌّ لا يُلْتَفَتُ إليه. وقيل: إنه إذا حُذِفَ الحينُ المضافُ إلى الجملة التي فيها ((لات)) جاز أَنْ تُحْذَفَ ((لا)) وحدها ويُسْتَغْنى عنها بالتاء. والأصل: العاطفونَ حين لات حينَ لا مِنْ عاطفٍ، فحذف ((حين)) الأول و((لا)) وحدَها، كما أنه قد صَرَّح بإضافة ((حين)) إليها في قول الآخر(٧): (١) النشر ٣٢/٢، والإتحاف ٤١٨/٢، والبحر ٣٨٤/٧. (٢) لم أقف لسيبويه على نص يفيد ذلك. (٣) معاني القرآن للزجاج ٣٢٠/٤. (٤) معاني القرآن للفراء ٣٩٨/٢. (٥) هذا النقل ورد في المغني ٣٣٥ عن أبي عبيدة. (٦) تقدم برقم ٣٨٣. (٧) لم أهتدٍ إلى قائله، وعجزه: ولكنْ قبلها اجْتَنُوا أذاتي وهو في الهمع ١٢٢/١، والدرر ٩٩/١، والخزانة ١٤٨/٢. ٣٤٩ - ص ٣٨٣٦- وذلك حنينَ لاتَ أوانَ حِلْمٍ ذكر هذا الوجهَ ابْنُ مالك، وهو متعسِّفٌ جداً. وقد تُقَدَّرُ إضافةُ ((حين)) إليها مِنْ غیرٍ خَذْفٍ لها کقوله(١): ٣٨٣٧ - تَذَكَّرَ حُبَّ ليلى لاتَ حينًا أي: حين لاتَ خين. وأيضاً فكيف يصنع أبو عبيدٍ بقوله(٢): ٣٨٣٨- ولاتَ ساعةً مَنْدَمٍ [وقوله](٣) : لات أوان ٣٨٣٩- فإنه قد وجدت التاءُ مع ((لا)) دون ((حین)»؟ الوجه الثاني من الأوجه السابقة: أنها عاملةٌ عملَ ((إنَّ)) يعني أنها نافيةٌ (١) عجزه: وأَضْحی الشيبُ قد قَطَّعَ القَرینا وهو في معاني القرآن للفراء ٣٩٧/٢، واللسان (لات)، والخزانة ١٤٨/٢، ولا يعرف قائله. (٢) تمامه : فَلَتَعْرِفَنَّ خلائِقاً مَشْمولةً وَلَنْدَمْنَّ . ولم أهتدٍ إلى قائله، وهو في أضداد الأنباري ١٦٨، ومعاني الفراء ٣٩٧/٢. (٣) تقدم برقم ٣٨٣٦. ٣٥٠ - ص - للجنسِ فيكون ((حينَ مناص» اسمَها، وخبرُها مقدر تقديرُه: ولات حينَ مناصٍ لهم، كقولك: لا غلامَ سفرٍ لك، واسمها معربٌ لكونه مضافاً. الثالث: أنَّ بعدها فعلاً (١) مقدراً ناصباً لـ ((حين مَناص)) بعدها أي: لات أَرَىْ حينَ مَناصٍ لهم بمعنى: لستُ أرى ذلك ومثلُه: ((لا مَرْحباً بهم)» ولا أهلاً ولا سهلاً أي: لاَ أَتَوْا مَرْحباً، ولا لَقُوا أهلًا، ولا وَطِئوا سهلًا. وهذان الوجهان ذهب إليهما الأخفش(٢) وهما ضعيفان. وليس إضمارُ الفعلِ هنا نظيرَ إضماره في قوله(٣): ٣٨٤٠- ألا رَجُلاً جَزاه اللَّهُ خيراً الضرورةِ أنَّ اسمَها المفردَ النكرةَ مبنيٌّ على الفتح، فلمَّا رأينا هذا معرباً قدَّرْنا له فعلاً خلافاً للزجاج، فإنه يُجَوِّزُ تنوينَه في الضرورة، ويدَّعي أن فتحتّه للإِعراب، وإنما حُذِف التنوينُ للتخفيفِ ويَسْتَدِلَّ بالبيتِ المذكور وتقدَّم تحقيقُ هذا(٤). الرابع: أن ((لات)) هذه ليسَتْ هي ((لا)) مُزاداً فيها تاءُ التأنيث، وإنما هي: ((ليس)) فأُبْدلت السينُ تاءً، وقد أُبْدِلت منها في مواضعَ قالوا(٥): النات (١) الأصل: «فعل مقدر ناصب» وهو سهوٌ. (٢) لم يُشر إلى ذلك في كتابه (معاني القرآن)). (٣) تقدم برقم ٩٥. (٤) انظر: الدر المصون ٨٢/١. (٥) انظر: الممتع ٣٨٩. ونسب صاحب الجنى الداني ٤٨٥ القول إلى ابن أبي الربيع. ٣٥١ - ص - يريدون: الناس. ومنه: ((سِتّ)) وأصله سِدْس. قال(١): ٣٨٤١- يا قاتلَ اللَّهُ بني السَّعْلاتِ عمرو بنَ يَرْبُوعِ شرارَ النّاتِ لَيْسوا بأخيارٍ ولا أَکْیاتِ وقُرِىء شاذاً ((قُلْ أعوذُ بربِّ الناتِ))(٢) إلى آخره. يريد: شرار الناس ولا أكياسٍ ، فَأَبْدل. ولَمَّا أبدل السينَ تاءً خاف من التباسها بحرفِ التمني فقلب الياء ألفاً فبقيَتْ (لات)) وهو من الاكتفاء بحرف العلةِ؛ لأنَّ حرف العلة لا يُبْدِل ألفاً إلاّ بشروطٍ منها: أن يتحرَّكَ، وأَنْ ينفتحَ ما قبله، فيكون ((حينّ مناص)» خبرَها، والاسمُ محذوفٌ على ما تقدَّم، والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعية . وقرأ(٣) عيسى بن عمر ((ولاتٍ حينٍ مناص) بكسر التاء وجرِّ ((حين)) وهي [٧٥٥/ب] قراءةٌ / مُشْكلةٌ جداً، زعم الفراء(٤) أنَّ ((لات)) يُجَرُّ بها، وأنشد(٥): ٣٨٤٢- ولَتَنْدَمَنَّ ولاتَ ساعةٍ مَنْدَمٍ وأنشد غيرُه(٦) صلحَنا ولاتَ أوانٍ ٣٨٤٣- طلبوا (١) تقدم برقم ١٠٦٥. (٢) الآية ١ من الناس. انظر: الشواذ ١٨٣. (٣) القرطبي ١٤٨/١٥، والبحر ٣٨٣/٧. (٤) معاني القرآن ٣٩٧/٢. تقدم برقم ٣٨٣٧. (٥) (٦) تقدم برقم ٣٨٣٠. ٣٥٢ - ص - البيت. وقال الزمخشري (١): ((ومثلُه قول أبي زبيد الطائي: طلبوا صلحنا. البيت. قال: فإنْ قلتَ ما وجهُ الجرِّ في ((أوان))؟ قلت: شُبِّه بـ ((إذ» في قوله (٢): وأنتَ إِذٍ صحيحُ ٣٨٤٤- في أنه زمانٌ قُطِع منه المضافُ إليه وعُوِّض منه التنوينُ لأن الأصلَ: ولات أوان صلح. فإن قلتَ: فما تقولُ في ((حينَ مناصٍ)) والمضافُ إليه قائمٌ؟ قلت: نَزَّل قَطْعَ المضافِ إليه مِنْ («مناص)» - لأنَّ أَصلَه: حين مناصِهم - منزلةً قَطْعِه مِنْ ((حين)) لاتحاد(٣) المضاف والمضاف إليه، وجَعَل تنوينّه عوضاً من المضافِ (٤) المحذوفٍ، ثم بنى الحين لكونِه مضافاً إلى غير متمكن)). انتهى. وخرَّجه الشيخُ(٥) على إضمار ((مِنْ)) والأصل: ولات مِنْ حین مناص، فَحُذِفت ((مِنْ)) وبقي عملُها نحو قولهم: على كم جِذْعٍ بَنَّيْتَ بيتك؟ أي: مِنْ جذع في أصحِّ القولَيْن. وفيه قولٌ آخر: أنَّ الجرَّ بالإِضافة، ومثله قوله(٦): ٣٨٤٥ - ألا رَجُلٍ جزاه اللَّهُ خَيْراً أنشدوه بجرِّ ((رَجُل)) أي: ألا مِنْ رجل. (١) الكشاف ٣٥٩/٣. (٢) تقدم برقم ٣٢٧. (٣) قوله: ((لاتحاد)) غير واضح في الأصل، وفي الكشاف ((لاتخاذ)) وهو تصحيف. (٤) الكشاف: الضمير. (٥) البحر ٣٨٤/٧ بعد أن حكم على كلام الزمخشري السابق بالتمحل. (٦) تقدم برقم ٩٥. ٣٥٣ - ص قلت: وقد يتأيَّد بظهورها في قوله(١): ٠ ٣٨٤٦- وقالَ: ألا لا مِنْ سبيلٍ إلى هندٍ قال(٢): «ویکونُ موضعُ ((مِنْ حین مناصٍ )) رفعاً علی أنه اسم لات بمعنى ليس، كما تقولُ: ليس من رجلٍ قائماً، والخبرُ محذوفٌ، وعلى هذا قولُ سيبويه. وعلى (٣) أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ على قولِ الأخفشِ. وخَزَّج الأخفشُ(٤) ((ولاتَ أَواٍ)) على حَذْفِ مضافٍ، يعني: أنه حُذِفَ المضافُ وبقي المضافُ إليه مجروراً على ما كان. والأصلُ: ولات حينُ أوانٍ. وقد رَدَّ هذا الوجهَ مكيٌّ (٥): بأنه كان ينبغي أَنْ يقومَ المضافُ إليه مَقامَه في الإِعراب فُيُرفعَ. قلت: قد جاء بقاءُ المضافِ إليه على جَرِّه. وهو قسمان: قليلٌ وكثيرٌ. فالكثيرُ أَنْ يكونَ في اللفظ مِثْلُ المضاف نحو(٦): ٣٨٤٧- أكلُّ امرِىءٍ تَحْسَبين امرّأَ ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا أي: وكلَّ نارٍ. والقليلُ أَنْ لا يكونَ كقراءة مَنْ قرأ ((والله يريدُ الآخرةِ))(٧) (١) تقدم برقم ٩٤. (٢) أي أبو حيان في تخريج قراءة ((ولات حينٍ)) في البحر ٣٨٤/٧. (٣) البحر: أو على. (٤) معاني القرآن ٤٥٣/٢ - ٤٥٤. (٥) المشكل له ٢٤٨/٢. (٦) تقدم برقم ٢٤٤٣، وقد تحقق شرط النحاة: وهو العطف على مماثل المحذوف وهو «کل)). (٧) الآية ٦٧ من الأنفال وهي قراءة سليمان بن جماز. انظر: البحر ٥١٨/٤، والمحتسب ٢٨١/١. ٣٥٤ - ص - بجر ((الآخرةِ)) فليكنْ هذا منه. على أنَّ المبردَ رواه بالرفع (١) على إقامته مُقامَ المضاف. وقال الزجَّاجِ(٢): ((الأصل: ولات أواننا، فحُذِفَ المضافُ إليه فوجَبَ أَنْ لا يُعْرَبَ، وكسرُه لالتقاء الساكنين)). قال الشيخ(٣): «هذا هو الوجهُ الذي قرَّره الزمخشريُّ، أَخَذَه من أبي إسحاقَ)) قلت: يعني الوجهَ الأولَ، وهو قولُه: ولاتَ أوان صلحٍ . هذا ما يتعلَّقُ بجرِّ ((حين)). وأمَّا كسرُ تاءِ ((لات)) فعلى أصلِ التقاء الساكنين كـ جَيْرٍ، إلاّ أنه لا تُعْرف تاءُ تأنيثٍ إلاّ مفتوحةً. وقرأ عيسى أيضاً بكسرٍ التاءِ فقط، ونصبٍ (حين)) كالعامّةِ، وقرأ أيضاً ((ولات حينُ)) بالرفعِ ، (مناصَ)) بالفتح. وهذه قراءةٌ مشكلةٌ جداً لا تَبْعُدُ عن الغلطِ مِنْ راويها عن عيسى فإنه بمكانةٍ مِنْ العلمِ المانعِ له من مثلِ هذه القراءةِ. وقد خَرِّجها أبو الفضلِ الرازيُّ في ((لوامحه)) على التقديم والتأخيرِ، وأنَّ (حين)) أُجْرِي مُجْرى قبل وبعد في بنائه على الضمِّ عند قَطْعِه عن الإِضافة بجامع ما بينه وبينهما مِن الظرفيةِ الزمانيةِ. و((مَناصَ)) اسمُها مبنيٌّ على الفتح فُصِل بينَه وبينها بـ ((حين)) المقطوعِ عن الإضافة. / والأصلُ: ولاتَ مناص [٧٥٦/أ] حين كذا، ثم حُذِفَ المضافُ إليه ((حين))، وبُني على الضم وقَدَّم فاصلا بين ((لات)) واسمها. قال: «وقد يجوزُ أَنْ یکون لذلك معنی لا أَعْرِفُه». وقد رُوِي في تاءِ ((لاتَّ)) الفتحُ والكسرُ والضمُّ. (١) كما نقل عنه الزجاج في المعاني ٣٢٠/٤، ولم يرد البيت في مقتضب المبرد. (٢) معاني القرآن ٣٢٠/٤ - ٣٢١. (٣) البحر ٣٨٤/٧. ٣٥٥ - ص. ب وقوله: ((فنادَوْ)) لا مفعولَ له؛ لأنَّ القصدَ: فَعَلوا النداءَ، مِنْ غيرِ قصدٍ منادى. وقال الكلبيُّ: ((كانوا إذا قاتلوا فاضْطُرُّوا نادى بعضُهم لبعضٍ : مناص أي: عليكم بالفرارِ، فَلَمَّا أتاهم العذابُ قالوا: مناص». فقَال اللَّهُ تعالى لهم: ولات حينَ مناصٍ)). قال القشيريُّ: ((فعلى هذا يكونُ التقديرُ: فنادوا مناص، فحذِف لدلالةِ ما بعده عليه)). قلت: فيكون قد حَذَفَ المنادی وهو بعضاً وما ينادُوْن به، وهو مناص، أي: نادَوْا بعضَهم بهذا اللفظِ. وقال الجرجانيُّ: ((أي: فنادَوْا حين لا مناص أي: ساعةً لا مَنْجَىْ ولا فَوْتَ، فلمًّا قَدَّم ((لا)) وأَخَّر ((حين)) اقتضى ذلك الواوَ كما تقتضي الحالُ إذا جُعِل ابتداءً وخبراً مثلَ ما تقول: (جاء زيدٌ راكباً)) ثم تقول: جاء وهو راكبٌ. فـ ((حين)) ظرفّ لقولِه ((فنادَوْا)). قال الشيخ(١): ((وكونُ أصلِ هذه الجملةِ فنادَوْا: حينَ لا مناص، وأنَّ ((حين)) ظرفُ لقوله: ((فنادَوْ)) دعوى أعجميةٌ في نّظُمِ(٢) القرآن، والمعنى على نظمِه في غاية الوضوح)). قلت: الجرجانيُّ لا يُعْني أَنَّ حين ظرفُ لـ ((نادَوْا)» في التركيبِ الذي عليه القرآن الآن، إنما يعني بذلك في أصلِ المعنى والتركيب، كما شَبَّه ذلك بقولِك ((جاء زيدٌ راكباً)) ثم بـ ((جاء زيدٌ وهو راكبٌ)) فـ ((راكباً)) في التركيبِ الأولِ حالٌ، وفي الثاني خبرُ مبتدأ، كذلك ((حين) كان في الأصل ظرفاً للنداء، ثم صار خبر ((لات) أو اسمّها على حسبِ الخلافِ المتقدِّم. والمناصُ: مَفْعَلَ مِنْ ناص يَنُوص أي: هَرَبَ فهو مصدرٌ يقال: نَاصِه يُنُوصه إذا فاته فهذا متعدٍّ، وناصَ يُنُوص أي: تأخّر. ومنه ناص عن قِرْنِه أي (١) البحر ٣٨٤/٧. (٢) البحر: ((مخالفة لنظم)). ٣٥٦ - ص - تأخّر عنه ◌ُبْناً. قاله الفراء (١)، وأنشد قولَ امرىء القيس(٢): ٣٨٤٨- أمِنْ ذِكْرٍ سَلْمی أَنْ نَأَنْكَ تَنُوْصُ فتَقْصُرُ عنها حِقْبَةً وَتَبُوْصُ قال أبو جعفر النحاس(٣): ((ناصَ يُنُوص أي: تقدَّم فيكون من الأضداد)). واستناص طلب المَناص. قال حارثة بن زيد (٤): ٣٨٤٩- غَمْرُ الجِراءِ إذا قَصَرْتُ عِنانّه بيديْ اسْتَناصَ ورامٍ جَرْيَ المِسْحَلِ ويقال: ناص إلى كذا ينوص نَوْصاً أي: التجأ إليه. آ. (٤) قوله: ﴿أن جاءكم﴾: أي: مِنْ أَنْ، وفيها الخلافُ المشهور(٥). وقوله: ((وقال الكافرون)) من بابٍ وَضْعِ الظاهرِ مَوْضعَ المضمر شهادةٌ عليهم بهذا الوَصْفِ القبيح . آ. (٥) قوله: ﴿عُجاب﴾: مبالغةً في ((عجيب)) كقولهم: رجل طُوال وأَمْرُ سُراع هما أبلغُ مِنْ: طويل وسريع. وعلي (٦) والسلمي وعيسى (١) معاني القرآن ٣٩٧/٢. (٢) تقدم برقم ٣١٩. (٣) إعراب القرآن ٧٨٠/٢ - ٧٨١. (٤) اللسان (نوص)، والكشاف ٣٥٩/٣ يصف فرساً. غمر الجراء: كثير الجري: والمسحل: حمار الوحش. (٥) انظر: الدر المصون ٢١٢/١. (٦) الشواذ ١٢٩، والمحتسب ٢٣٠/٢، والبحر ٣٨٥/٧، والقرطبي ١٤٩/١٥. ٣٥٧ - ص = وابن مقسم ((عُجَّاب)) بتشديد الجيم، وهي أبلغُ مِمَّا قبلَها فهي مثلُ رجل كريم وكُرام بالتخفيف، وكُرَّام بالتشديد. قال مقاتل: ((وعُجاب - يعني بالتخفيف - لغةُ أزد شنوءة». وهذه القراءةُ أعني بالتشديدِ كقوله: ((ومَكَرُوا مَكْراً كُبَّارًا)(١) هو أبلغُ مِنْ كُبار، وكُبار أبلغُ مِنْ كبير. وقوله: ((أَجْعَلَ)) أي: أصيِّرها إلهاً واحداً في قولِه وزَعْمه. آ. (٦) قوله: ﴿أَن امْشُوا﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ ((أنْ)) مصدريةً أي: انطلقوا بقولهم: أن امْتُوا وأَنْ تكونَ مفسِّرةً: إمَّا لـ انطلق لأنه ضُمِّنَ معنى [٧٥٦/ب] القول. قال الزمخشريُ (٢): ((لأنَّ المنطلقين عن مجلس التقاوُلِ / لا بُدَّ لهم أَنْ يتكلموا ويتفاوضوا فيما جَرَى لهم)). انتهى. وقيل: بل هي مفسِّرةٌ لجملةٍ محذوفٍ في محلِّ حالٍ تقديرُه: وانطلقوا يتحاورون أن امْشُوا. ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً معمولةً لهذا المقدرِ، وقيل: الانطلاقُ هنا الاندفاعُ في القولِ والكلامِ نحو: انطلق لسانُه، فأَنْ مفسرةٌ له من غير تضمينٍ ولا حَذْفٍ. والمَشْيُ: الظاهر أنه هو المتعارَفُ. وقيل: بل هو دعاءٌ بكثرة الماشيةِ، وهذا فاسِدٌ لفظاً ومعنى. أمّا اللفظُ فلأَنَّه إنما يقال من هذا المعنى ((أَمْشَىْ الرجلُ)) إذا كَثُرَتْ ماشيَتُه بالألفِ أي: صار ذا ماشيةٍ، فكان ينبغي على هذا أَنْ يقرأَ ((أَمْشُوا)) بقطع الهمزةِ مفتوحةً. وأمَّا المعنى فليس مراداً البتةَ، وأيُّ معنى على ذلك !! إلاّ أنَّ الزمخشريِّ(٣) ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعةُ وأقربُ معنىِّ ممَّا تقدَّم، فقال: ((ويجوزُ أنَّهم قالوا: امشُوا أي: اكثروا واجتمعوا، مِنْ مَشَتِ المرأةُ: إذا كَثُرَتْ ولادتها، ومنه الماشيةُ للتفاؤل)). انتهى. وإذا وُقِفَ على ((أنْ)) (١) الآية ٢٢ من نوح. (٢) الكشاف ٣٦٠/٣. (٣) الكشاف ٣٦٠/٣. ٣٥٨ - ص - وأبْتُدِىء بما بعدَها فَلَيْتَدَأْ بكسرِ الهمزةِ لا بضمِّها لأنَّ الثالثَ مكسورٌ تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا ثم أُعِلَّ بالحَذْفِ(١). وهذا كما يُبتدأ بضم الهمزةِ في قولك ((اغْزِي يا امرأةُ)). وإنْ كانت الزايُ مكسورةً لأنَّها مضمومةً في الأصل إذ الأصل: اغْزُوِي كاخْرُجي فأُعِلِّ بالحذفِ. آ. (٧) قوله: ﴿في المِلَّةِ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بـ ((سَمِعْنا)) أي: لم نسمَعْ في المِلَّةِ الآخرة بهذا الذي جئتَ به. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ هذا أي: ما سمعنا بهذا كائناً في المِلَّةِ الآخرةِ. أي: لم نسمَعْ من الكُهَّانِ ولا مِنْ أهلِ الكتبِ أنه يَحْدُثُ توحيدُ اللَّهِ في الملَّةِ الآخرة، وهذا مِنْ فَرْط كَذِبِهم. آ. (٨) قوله: ﴿أَأُنْزِل(٢) عليه الذِّكْرُ﴾: قد تقدَّم حكمُ هاتَيْن الهمزتين في أوائل آل عمران(٣)، وأنَّ الواردَ منه في القرآن ثلاثةُ أماكنَ. والإضراباتُ في هذه الآيةِ واضحةٌ و ((أم)) منقطعةٌ. آ. (١٠) قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾: قال أبو البقاء (٤): ((هذا كلامٌ محمولٌ على المعنى أي: إنْ زعموا ذلك فَلْيَرْتَقُوا)»، فجعلها جواباً لشرطٍ مقدرٍ، وكثيراً ما يَفْعَلُ الزمخشريُّ (٥) ذلك. (١) استثقلت الضمة على الياء فحذفت ثم التقى ساكنان فحذفت الياء لأنها حرف مبنى ثم ضمت الشين لمناسبة واو الجماعة. (٢) الأصل أألقي وهو سهو. (٣) انظر: الدر ٦٣/٣. (٤) الإملاء ٢٠٩/٢ . (٥) انظر مثالاً على ذلك في: ((الكشاف)) ٢٨٤/١، ويسمونها فاءً فصيحة. ٣٥٩ - ص - آ. (١١) قوله: ﴿جُنْدٌ﴾: يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: وهو الظاهرُ أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هم جُنْدٌ. و ((ما)) فيها وجهان، أحدهما: أنها مزيدةٌ. والثاني: أنَّها صفةٌ لـ ((جُنْدٌ)) على سبيلِ التعظيم للهُزْءِ بهم أو للتحقير، فإنَّ (ما) الصفة تُستعمل لهذين المعنيين .. ومثلُه قولُ امرىء القيس(١): ٣٨٥٠- وحَديثُ: ما على قِصَرِهْ وقد تقدَّم هذا في أوائلِ البقرة(٢). و ((هنالك)) يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ خبر الجند و «ما)» مزیدةٌ و «مَهْزُوم)) نعتٌ لـ «جُنْد» ذكره مكيٌّ (٣). الثاني: أَنْ يكون صفةً لـ((جند)). والثالث: أَنْ يكونَ منصوباً بمهزوم. ومَهْزوم يجوزُ فيه أيضاً وجهان، أحدهما: أنه خبرٌ ثانٍ لذلك المبتدأ المقدرِ. والثاني: أنه صفةٌ لـ ((جُنْد)) إلَّ أنَّ الأحسنَ على هذا الوجهِ أَنْ لا يُجْعَلَ ((هنالك)) صفةً بل متعلقً به، لئلا يَلْزَمَ تقدُّم الوصفِ غيرِ الصريح على الصَّريح. و((هنالك)» مشارٌ به إلى موضعِ التقاوُلِ والمجاوزةِ بالكلمات السابقة وهو مكةُ أي: سيُهزمون بمكةَ وهو إخبارٌ بالمغيَّبِ. وقيل: مُشارٌ به إلى نُصرةِ الأصنام. وقيل: إلى حَفْرِ الخندقِ يعني: إلى مكانٍ ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أَنْ يكونَ ((جندٌ» مبتدأ و ((ما)» مزيدةٌ. و ((هنالك)) نعتٌ و («مهزومٌ) خبرُه قاله أبو البقاء (٤). قال الشيخ(٥): ((وفيه بُعْدٌ لتفلُّتِه(٦) عن الكلامِ الذي قبله)). (١) تقدم برقم ٣٠٤. (٢) انظر: الدر ٢٢٣/٢. (٣) المشكل ٢٤٨/٢. (٤) الإملاء ٢٠٩/٢. (٥) البحر ٣٨٦/٧. (٦) البحر: لفصله. ٣٦٠