Indexed OCR Text

Pages 141-160

- الأحزاب -
آ. (٥٦) قوله: ﴿وملائكته﴾: العامَّة على النصبِ نَسَقاً على
اسم ((إنَّ)). و((يُصَلُّون)) هل هو خبرٌ عن الله وملائكته، أو عن الملائكةِ فقط،
وخبرُ الجلالةِ محذوفٌ لتغايُرِ الصَّلاَيْن؟ خلافٌ تقدَّم قريباً(١). وقرأ(٢)
ابنُ عباس ورُوِيَتْ عن أبي عمروٍ (٣) ((وملائكتُه)) رفعاً، فيُحتمل أنْ يكونَ عطفاً
على محلِّ اسم ((إنَّ)) عند بعضهم(٤) / وأَنْ يكونَ مبتدأً، والخبرُ محذوفٌ، وهو [٧٢٥/أ]
مذهبُ البصريين. وقد تقدَّم فيه بحثٌ(٥) نحو: ((زيدٌ ضاربٌ وعمرٌو)) أي ضاربٌ
في الأرض.
آ. (٥٧) قوله: ﴿يُؤْذُوْنَ اللَّهَ﴾: فيه أوجهٌ أي: يقولون فيه
ما صورتُه أذىً، وإنْ كان سبحانه وتعالى لا يَلْحَقُه ضررُ ذلك حيث وصفُوْه بما
لا يَليقُ بجلالِه: مِنِ اتّخاذِ الأَنْداد، ونسبةِ الولد والزوجة إليه؛ وأَنْ يكونَ على
حَذْفِ مضافٍ أي: أولياءَ الله. وقيل: أتى بالجلالةِ تعظيماً، والمرادُ: يُؤْذُون
رسولي كقوله تعالى: ((إنما يُبابِعُوْن الله))(٦).
آ. (٥٨) قوله: ﴿فقدِ احْتَملوا﴾: خبرُ ((والذين)». ودخلتٍ
الفاءُ لشبهِ الموصولِ بالشرط.
آ. (٥٩) قوله: ﴿يُدْنِينَ﴾: كقوله: ((قُل لعبادِي ... يُقِيموا))(٧)
و ((مِنْ)) للتبعيض.
(١) انظر إعرابه للآية ٤٣.
(٢) القرطبي ٢٣٢/١٤، والبحر ٢٤٨/٧.
(٣) من رواية عبد الوارث كما في البحر.
(٤) انظر المسألة في الارتشاف ١٥٩/٢.
(٥) انظر إعرابه للآية ٤٣.
(٦) الآية ١٠ من الفتح: ((إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله)).
(٧) ((قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة)) الآية ٣١ من إبراهيم.
١٤١

- الأحزاب -
قوله: ((ذلك أَدْنَى)) أي: إدناءُ الجلابيبِ أقربُ إلى عِرْفانهنَّ فَعَدَمِ
أذاهنَّ.
آ. (٦٠) قوله: ﴿إِلَّ قليلاً﴾: أي: إلّ زماناً قليلاً، أو إلّ حواراً
قليلاً. وقيل: ((قليلاً)) نصبٌ على الحال مِنْ فاعل ((يُجاوِرونك)) أي: إِلاَّ أَقِلَّءَ
أَزِلَاء بمعنى: قليلين. وقيل: ((قليلاً) منصوبٌ على الاستثناء أي: لا يُجاوِرُكَ
إلّ القليلُ منهم على أذلِّ حالٍ وأقلِّه.
آ. (٦١) قوله: ﴿مَلْعُوْنِينَ﴾: حالٌ مِنْ فاعل ((يُجاورونك)) قاله
ابن عطية (١) والزمخشري(٢) وأبو البقاء(٣). قال ابن عطية: ((لأنه بمعنى يَنْتَغُوْن
منها ملعونين)). وقال الزمخشري (٤): ((دَخَلَ حرفُ الاستثناء على الحالِ
والظرفِ معاً كما مَرَّ في قوله: ((إلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ))(٥). قلت: وقد
تقدَّم بحثُ الشيخِ معه وهو عائدٌ هنا. وجَوَّزَ الزمخشريُّ أَنْ ينْتَصِبَ على
الشتمِ . وجَوَّز ابنُ عطية (٦) أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((قليلاً)) على أنه حال كما تقدَّم
تقريرُه. ويجوزُ أَنْ يكونَ ((مَلْعونين)) نعتاً لـ ((قليلاً)) على أنه منصوبٌ على
الاستثناءِ مِنْ واو ((يُجاوِرُوْنَكِ)) كما تقدَّم تقريرُه. أي: لا يُجاورُك منهم أحدٌ إلَّ
قليلاً ملعوناً. ويجوز أنْ يكونَ منصوباً بـ((أُخِذوا)) الذي هو جوابُ الشرطِ. وهذا
(١) المحرر ١٠١/١٣
(٢) الكشاف ٢٧٤/٣ .
(٣) الإملاء ٢/ ١٩٤.
(٤) الكشاف ٢٧٥/٣ .
(٥) الآية ٥٣ .
(٦) عبارته في المحرر ١٠١/١٣: ((ويجوز أن يكون بدلاً من أقِلَّء الذي قَدَّرناه قبلُ».
١٤٢

- الأحزاب -
عند الكسائيِّ والفراء(١) فإنهما يُجيزان تقديم معمولِ الجواب على أداةِ الشرط
نحو: ((خيراً إنْ تَأْتِنِي تُصِبْ)).
وقد منع الزمخشريُّ (٢) ذلك فقال: ((ولا يَصِحُّ أَنْ ينتصِبَ بـ((أُخِذُوا)) لأنَّ
ما بعد كلمة الشرطِ لا يَعْمل فيما قبلَها)). وهذا منه مَشْيٌ على الجادَّةِ. وقوله:
(ما بعد كلمةِ الشرط)) يشملُ فعلَ الشرطِ والجوابِ. فأمَّا الجوابُ فتقدَّم حكمُه،
وأمَّا الشرطُ فأجاز الكسائيُّ أيضاً تقديمَ معموله على الأداة نحو: «زيداً إنْ
تَضْرِبْ أُهِنْكَ)). فتلخّص في المسألة ثلاثةُ مذاهبَ: المَنعُ مطلقاً، الجوازُ
مطلقاً، التفصيلُ: يجوز تقديمُه معمولاً للجواب، ولا يجوزُ تقديمُه معمولاً
للشرط، وهو رأيُ الفرَّاء.
قوله: ((وقُتلوا)) العامَّةُ على التشديد. وقُرِىءٍ(٣) بالتخفيف. وهذه يَرُدُّها
مجيءُ المصدرِ على الَّفْعيل إلَّ أَنْ يُقالَ: جاء على غيرٍ صَدْرِهِ. وقوله: ((سُنَّةً
اللَّهِ) قد تقدَّم نظيرها (٤).
آ. (٦٣) قوله: ﴿لَعَلَّ الساعةَ﴾: الظاهرُ أنَّ(لعلَّ)) تُعَلَّق كما
يُعَلَّق التمني. و((قريباً) خبرُ كان على حَذْفٍ موصوفٍ أي: شيئاً قريباً. وقيل:
التقديرُ: قيامَ الساعة، فَرُوْعِيَتِ الساعةُ في تأنيث ((تكون))، ورُوْعي المضافُ
(١) مذهبه في معاني القرآن ٣٤٩/٢ أنَّ ((مَلْعونين)) منصوبٌ على الشتم وعلى الفعل
أي: لا يجاورونك فيها إلَّ ملعونين. والشتمُ على الاستئناف. أمَّا ((أُخِذوا)) فهو
استئناف .
(٢) الكشاف ٢٧٥/٣ .
(٣) البحر ٢٥١/٧.
(٤) الآية ٣٨ من الأحزاب.
١٤٣

- الأحزاب : -
المحذوفُ في تذكير ((قريباً)). وقيل: قريباً كَثُر استعمالُه استعمالَ الظروفِ فهو
هنا ظرفٌ في موضعِ الخبر.
آ. (٦٥) قوله: ﴿فيها﴾: أي: في السَّعير لأنها مؤنثة، أو لأنه في
معنی جهنم. و ((لا یَجِدُون)) حالٌ ثانیة أو مِنْ ((خالدین)).
آ. (٦٦) قوله: ﴿يومَ﴾: معمول لـ ((خالدين))، أو لـ «يَجدون)»،
أو لـ ((نصيراً)) أو لـ ((اذْكُرْ))، أو لـ ((يقولون)) بعده. وقرأ العامَّةُ ((تُقَلَّبُ)) مبنياً
للمفعول. ((وجوهُهم)) رفعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وقرأ(١) الحسن وعيسى
والرؤاسي ((تَقَلَّبُ)) بفتح التاء أي: تتقلَّب. ((وجوهُهم)) فاعلٌ به. أبو حيوةَ
((نُقَلِّبُ)) بالنون أي نحن. ((وجوهَهم)) بالنصب. وعيسى البصرة ((تُقَلِّبُ)) بضمٍ
التاءِ وكسرِ اللام أي: تُقَلِّبُ السَّعيرُ أو الملائكةُ. ((وجوههم)» بالنصب على
المفعول به. ((یقولون)) حالٌ و ((يا ليتنا)» مَحْكِيٌّ .
آ. (٦٧) قوله: ﴿سادَتَنا﴾: قرأه(٢) ابنُ عامر في آخرين بالجمع
بالألف والتاء. والباقون ((سادتنا)) على أنه جمعُ تكسير غيرُ مجموعٍ بألفٍ وتاءِ.
ثمَّ ((سادة)) يجوز أن يكونَ جمعاً لسَيِّد، ولكنْ لا ينقاسُ؛ لأنَّ فَيَّعِلًا لا يُجْمَع
على فَعَلَة، وسادَة فَعَلَة؛ إذ الأصلُ سَوَدَة. ويجوزُ أنْ يكونَ جمعاً لسائدٍ نحو:
[٧٢٥/ب] فاجِر وفَجَرة، وكافِرٍ وكَفَرة وهو أقربُ إلى القياس / ممَّا قبله، وابنُ عامٍ جمع
هذا ثانياً بالألف والتاء، وهو غيرُ مَقيسٍ أيضاً نحو: بيوتات وجِمالات.
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٣٧٨/٢، والمحتسب ١٨٤/٢، والبحر ٢٥٢/٧،
والقرطبي ٢٤٩/١٤.
(٢) السبعة ٥٢٣، والحجة ٥٨٠، والبحر ٢٥٢/٧، والتيسير ١٧٩، والنشر ٣٤٨/٢،
والقرطبي ٢٤٩/١٤ .
١٤٤

- الأحزاب -
آ. (٦٨) وقرأ ((كبيراً) بالباءِ الموحّدة عاصمٌ (١). والباقون بالمثلثة،
وتقدَّم معناهما في البقرة(٢).
آ. (٦٩) قوله: ﴿عند الله﴾: العامَّةُ على ((عند)» الظرفية
المجازية. وابن مسعود(٣) والأعمشُ وأبو حيوةَ (عَبْداً) من العبودية، ((له)) جارٌّ
ومجرورٌ وهي حسنةٌ. قال ابن خالويه(٤): ((صَلَّيْتُ خلفَ ابن شنبوذ في رمضانَ
فسمعتُه يقرأ بقراءةِ ابنٍ مسعود هذه))(٥). قلت: وكان - رحمه اللَّهُ - مُولعاً
بنَقْلِ الشاذِّ، وحكايته مع ابن مُقْلة(٦) الوزيرِ وابن مجاهدٍ في ذلك مشهورةٌ(٧).
و «ما)) في ((ممَّ قَالُوا)): إمَّا مصدريةٌ، وإمَّا بمعنى الذي.
آ. (٧٢) وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا﴾: إمَّا حقيقةٌ، وإما تمثيلٌ
وتخييلٌ.
وقوله: ((فَأَبَيْنَ)) أتى بضميرِ هذه كضميرِ الإِناث؛ لأنَّ جَمْعَ التكسيرِ غيرَ
العاقلِ يجوز فيه ذلك، وإنْ كان مذكراً، وإنما ذكَرْتُه لئلا يُتَوَهَّم أنه قد غَلَّبَ
المؤنثَ وهو ((السموات)) على المذكر وهو ((الجبالُ)).
(١) السبعة ٥٢٣ - ٥٢٤، والحجة ٥٨٠، والقرطبي ٢٥٠/١٤، والتيسير ١٧٩، والبحر
٢٥٢/٧، والنشر ٣٤٩/٢.
(٢) انظر: الحجة لابن زنجلة ٥٨٠.
(٣) الإتحاف ٣٧٨/٢، والمحتسب ١٨٥/٢، والقرطبي ٢٥٢/١٤، والبحر ٢٥٣/٧.
(٤) الشواذ ١٢٠.
(٥) ورسمها في الشواذ (وكان عبدُ اللَّهِ)) ولعله تصحيف.
(٦) محمد بن علي بن الحسين بن مقلة أبو علي وزير شاعر أديب، يُضرب بحسن خطه
المثل. تقلَّد الوزارة لثلاثة من الخلفاء ومات في السجن سنة ٣٢٨. انظر: وفيات
الأعيان ٦١/٢، والأعلام ٢٧٣/٦ .
(٧) حيث اعترف بقراءته للشاذ واستتيب عنه وذلك سنة ٣٢٣، وأمر الوزير بضربه.
انظر: طبقات القراء ٥٤/٢ _ ٥٥.
١٤٥

- الأحزاب -
آ. (٧٣) قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾: متعلِّقٌ بقولِه ((وحَمَلها)) فقيل: هي
لامُ الصيرورةِ لأنه لم يَجْملها لذلك. وقيل: لامُ العلةِ على المجاز؛ لَّمّا كانت
نتيجةُ حَمْلِه ذلك جُعِلَتْ كالعلّة الباعثةِ. وَرَفَعَ الأعمشُ(١) ((ويتوبُ)) استئنافاً.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الأحزاب]
(١) الإتحاف ٣٧٨/٢، والقرطبي ٢٥٨/١٤، والبحر ٢٥٥/٧.
١٤٦

- سبا-
سورة سبأ
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿الذي له﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ تابعاً، وأنْ يكونَ
مقطوعاً نصباً أو رفعاً على المدحِ فيهما. و((ما في السموات)) يجوز أن يكونَ
فاعلًا بـ ((له)) وهو الأحسنُ، وأَنْ يكونَ مبتدأ.
قوله: ((في الآخرةِ)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفس الحمد، وأَنْ يتعلَّقَ بما تعلَّقَ به
خبرُه. ((وهو الحكيمُ)) يجوزُ أَنْ يكونَ معترضاً إذا أَعْرَبْنا ((يَعْلَمُ)) حالاً مؤكدةً مِنْ
ضمير الباري تعالى، ويجوزُ أَنْ يكونَ ((يَعْلَمُ)) مستأنفاً، وأَنْ يكونَ حالاً من
الضمير في ((الخبير)).
آ. (٢) قوله: ﴿وما يَنْزِلُ﴾: العامَّةُ على ((يَنْزِلُ)) مفتوحَ الياءِ،
مخففَ الزاي مُسنَداً إلى ضميرٍ ((ما)). وعلي(١) رضي الله عنه والسلمي بضمِّها
وتشديد الزاي أي الله تعالى .
آ. (٣) قوله: ﴿بلى﴾: جوابٌ لقولِهم ((لا تَأْتينا)) وما بعده قسمٌ
على ذلك. وقرأ العامَّةُ ((لَتَأْتِيَنْكم)) بالتأنيث. وطلق(٢) بالياء فقيل: أي: البعثُ.
(١) البحر ٢٥٧/٧.
(٢) المحتسب ١٨٦/٢، والبحر ٢٥٧/٧، والقرطبي ٢٦٠/١٤. وفي المحتسب
«طليق». ولعله طلق بن حبيب العبري البصري، روى عن أنس بن مالك وسعيد =
١٤٧

- شباب
وقيل: هي على معنى الساعة، أي: اليوم. قاله الزمخشري(١). ورَدِّه الشيخ(٢)
بأنه ضرورةً، كقوله(٣).
٣٧١٠-
ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَها
وليس مثلَه. وقيل: أي الله بمعنى أمْرُه. ويجوز على قياسِ هذا الوجهِ
أَنْ يكونَ ((عالمٌ)) فاعلاً لـ ((يَأْتَنَّكم)) في قراءةِ مَنْ رفعه.
قوله: ((عالم)) قرأ(٤) الأخَوان ((عَلَّم)» على صيغة المبالغة وخفضه نعتاً
لـ رَبِّي)) أو بدلاً منه وهو قليلٌ لكونه مشتقاً. ونافع وابن عامر ((عالمٌ)) بالرفع على
هو عالم أو على أنه مبتدأ، وخبره ((لا يَعْزُب)) أو على أنَّ خبره مضمرٌ أي هو.
ذكره الحوفي. وفيه بُعْد. والباقون ((عالم)) بالخفض على ما تقدَّم. وإذا جُعِلْ
نعتاً فلا بُدَّ مِنْ تقدير تعريفِه. وقد تقدَّم أنَّ كلَّ صفةٍ يجوزُ أن تتعرَّفَ بالإِضافةِ إِلَّ
الصفةَ المشبهةَ. وتقدَّمتْ قراءتا ((يَعْزُب)) في سورةِ يونس(٥).
قوله: ((ولا أَصْغَرُ)) العامَّةُ علی رفع ((أصغر)) و ((أكبر». وفيه وجهان،
أحدُهما: الابتداء، والخبرُ ((إِلَّ في كتاب)). والثاني: النسقُ على ((مثقالُ)) وعلى
=
ابن المسيب، صدوق في الحديث. انظر: مَنْ أسماؤهم طلق في التهذيب
٦٣٢/٢.
(١) الكشاف ٢٧٩/٣.
(٢) البحر ٢٥٧/٧ .
(٣) تقدم برقم ٢٨٣.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٢٦، والنشر ٣٤٩/٢، والحجة ٥٨١، والتيسير ١٨٠،
والبحر ٢٥٧/٧، والقرطبي: ٢٦٠/١٤.
(٥) قرأ الكسائي في يونس وسبأ بكسر العين، والباقون بضمها. انظر: الدر المصون
٢٢٩/٦.
١٤٨

- سبأ -
هذا فيكونُ ((إلّ في كتاب)» تأكيداً للنفي في «لا يَعْزُبُ» کأنه قال: لكنه في
کتاب مُبین.
وقرأ(١) قتادةُ والأعمش، ورُوِيَتْ عن أبي عمرو ونافع أيضاً، بفتح
الراءَيْن. وفيهما وجهان، أحدهما: أنها ((لا)) التبرئةُ بُني اسمُها معها. والخبرُ
قولُه: ((إلَّ في كتاب)). الثاني: النسقُ على ((ذَرَّةٍ). وتقدَّم في يونس أنَّ حمزةَ
قرأ بفتح راءٍ ((أصغر)) و((أكبر)» وهنا وافقَ على الرفع. وتقدَّم البحثُ هناك
مُشْبَعاً(٢). قال الزمخشري(٣): ((فإن قلتَ: هَلَّ جاز عطفُ ((ولا أصغرُ)) على
((مثقال))(٤)، وعطف ((ولا أكبرَ)) على ((ذَرَّة)»(٥). قلت: يَأْبَىْ ذلك حرفُ
الاستثناءِ إلاّ إذا جَعَلْتَ الضميرَ في ((عنه)» للغيبِ، وجَعَلْتَ ((الغيب)) اسماً
للخَفِيَّات قبل أنْ تُكتبَ في اللَّوْحِ؛ لأنَّ إثباتَها في اللوحِ نوعٌ من البروزِ عن
الحجاب على معنى: أنه لا يَنْفَصِلُ عن الغيب شيءٌ ولا يَزِلُّ عنه / إلَّ مَسْطوراً [٧٢٦/أ]
في اللوح)). قال الشيخ(٦): ((ولا يُحتاجُ إلى هذا التأويلِ إذا جَعَلْنا الكتابَ ليس
اللوح المحفوظ».
وقرأ زيد بن علي (٧) بخفض راءَيْ ((أصغر)) و((أكبر)) وهي مُشْكلةٌ جداً.
وخُرِّجَتْ على أنهما في نية الإضافة؛ إذ الأصلُ: ولا أصغرٍه ولا أكبره، وما
(١) الإتحاف ٣٨١/٢، والقرطبي ٢٦٠/١٤، والبحر ٢٥٨/٧ .
(٢) انظر: الدر المصون ٢٣٠/٦.
(٣) الكشاف ٢٧٩/٣ - ٢٨٠.
(٤) قال: كأنه قيل: لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ وأصغرُ وأكبر.
(٥) قال: بأنه فتح في موضع الجر لامتناع الصرف. كأنه قيل: لا يعزب عنه مثقال ذرة
ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر.
(٦) البحر ٢٥٨/٧.
(٧) البحر ٢٥٨/٧.
١٤٩

- سبا-
لا ينصرف إذا أُضيفَ انْجَرَّ في موضعِ الجرِّ، ثم حُذِفَ المضافُ إليه ونُوي
معناه فَتُرِك المضَافُ بحالِه، وله نظائرُ كقولهم(١) :.
٣٧١١-
بين ذراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
۔۔
و[قوله: ](٢)
٣٧١٢- يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٌّ
على خلافٍ. وقد يُفَرَّقُ: بأن هناك ما يَدُلُّ على المحذوفِ لفظاً بخلاف
هنا. وقد رَدَّ بعضُهم هذا التخريجَ لوجود ((مِنْ))؛ لأنَّ أفعلَ متى أُضيف
لم يجامِعْ ((مِنْ)). وأُجيب عن ذلك بوجهين، أحدهما: أنَّ (مِنْ)) ليسَتْ متعلقةً
بـ أَفْعَل؛ بل بمحذوفٍ على سبيل البيانِ لأنه لَمَّا حُذِفَ المضافُ إليه انبهم
المضافُ فتبيَّن بـ (مِنْ)) ومجرورِها أي: أعني من ذلك. والثاني: أنَّه مع تقديرِه
للمضافِ إليهِ نُوي طَرْحُه، فلذلك أُتي بـ ((مِنْ)). ويدلُّ على ذلك أنه قد وَرَدَ
التصريحُ بالإِضافةِ مع وجود ((مِنْ)) قال الشاعر(٣):
(١) البيت للفرزدق وصدره:
يا مَنْ رأى عارِضاً أُسَرُّ به
وهو في ديوانه ٢١٥، والكتاب ٩٢/١، والمقتضب ٢٢٩/٤، والخصائص
٤٠٧/٢، وابن يعيش ٢١/٣، والخزانة ٣٦٩/١. والعارض هنا: السحاب. وذراعا
الأسد: كوكبان.
(٢) تقدم برقم ٢٥٩.
(٣) البيت لقيس بن الخطيم. وهو في ديوانه ١٧٠، ويُنْسب أيضاً لسعد القرقرة. وهو في
المغني ٥٧٧، والعيني ٥٥/٤. والودي: صغار النخل. والسدف: ج. شُدْفة وهي
الظلمة. والبيت من المنسرح.
١٥٠

- سبأ -
٣٧١٣ - نحن بغَرْسِ الوَدَي أَعْلَمُنا
مِنَّا بركضِ الجيادِ في السُّدَفِ
وخُرِّجَ على هذين الوجهين: إمّا التعلُّقِ بمحذوفٍ، وإمَّا نيةِ اطِّراحٍ
المضاف إليه. قلت: وهذا كما احتاجوا إلى تأويل الجمع بين أل ومِنْ في أفعلَ
کقوله(١):
٣٧١٤- ولستُ بالأكثرِ منهم حَصَىِّ
وهذه توجيهاتُ شذوذٍ، لا يُطْلَبُ فيها أكثرُ مِنْ ذلك فَلْيُقْنَعْ بمثله.
آ. (٤) قوله: ﴿لَيَجْزِيَ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه متعلَّقٌ بـ لا
يَعْزُب. وقال أبو البقاء(٢): ((يتعلَّقُ بمعنى لا يَعْزُب، أي يُحْصي ذلك ليجزيَ))
وهو حسنٌ، أو بقوله: ((لَأْتِيَّنَّكم)) أو بالعاملِ في قوله: ((إلَّ في كتاب)) أي: إلّ
استقرَّ ذلك في كتاب مبينٍ ليجْزِيَ. وتقدم في الحج قراءتا ((مُعاجزين))(٣).
آ. (٥) قوله: ﴿أليم﴾: قرأ(٤) ابن كثير وحفص هنا، وفي
الجاثية، ((أليمٌ)) بالرفع. والباقون بالخفض. فالرفعُ على أنه نعتْ لـ («عذاب)»
(١) البيت للأعشى وعجزه:
وإنما العزةُ للكاثر
وهو في ديوانه ١٤٣، والخصائص ١٨٥/١، والخزانة ٤٨٩/٣، وشرح التصريح
١٠٤/٢.
(٢) الإِملاء ٢ /١٩٥ .
(٣) انظر إعرابه للآية ٥١ من الحج.
(٤) النشر ٣٤٩/٢، والبحر ٢٥٩/٧، والتيسير ١٨٠، والقرطبي ٢٦١/١٤.
١٥١

- سبا-
والخفضُ على أنه نعتٌ لـ ((رِجْز)) إلاّ أن مكيًَّ(١) ضَعَّفَ قراءةَ الرفعِ واستبعدها
قال: ((لأنَّ الرُّجْزَ هو العذابُ فيصير التقديرُ: عذابٌ أليمٌ مِنْ عذاب، وهذا معنى
غيرُ متّمكِّنٍ)). قال: ((والاختيارُ خفضُ ((أليم)) لأنه أصَحُ في التقدير والمعنى؛
إذ تقديرُه: لهم عذابٍ مِنْ عذاب أليم، أي: هذا الصنفُ مِنْ أصنافِ العذاب
لأنَّ العذابَ بعضُه آلمُ مِنْ بعض)). قلت: وقد أُجيبَ عَمَّا قاله مكيُّ: بأنَّ الرِّجْزّ
مُطلق العذاب، فكأنه قيل لهم: هذا الصنفُ من العذابِ من جنسِ العذاب.
وكأن أبا البقاءِ(٢) لَحَظَ هذا حيث قال: ((وبالرفعِ صفةً لـ عذاب، والرِّجْزُ مُطْلَّقُ
العذاب».
قوله: ((والذين سَعَوْ)) يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنها مبتدأً و ((أولئك))
وما بعده خبرُه. والثاني: أنه عطفٌ على الذين قبلَه أي: ويَجْزي الذين سَعَوْا،
ويكون ((أولئك)) الذي بعده مستأنفاً، و ((أولئك)) الذي قبله وما في حَيِّزه معترضاً
بين المتعاطفَّيْن.
آ. (٦) قوله: ﴿ويَرَى الذين أُوْتُوا العلمَ﴾: فيه وجهان،
أحدهما: أنه عطفُ على ((لَيَجْزِيَ)) قال الزمخشري(٣): ((أي: وليعلم الذين
أُوْتُوا العِلْمَ عند مجيءِ الساعة)). قلت: إنما قَّده بقولِه: ((عند مجيءِ السَّاعَةِ))
لأنه عَلَّق ((ليجزي)) بقوله: ((لتأتينكم))؛ فبنى هذا عليه، وهو من أحسنٍ ترتيب.
والثاني: أنه مستأنَفٌ أخبر عنهم بذلك، و((الذي أُنْزِلَ)) هو المفعول الأولُ و((هو))
فصلٌ و ((الحقَّ)) مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الرؤيةَ عِلْمية.
(١) الكشف ٢٠١/٢.
(٢) الإملاء ١٩٥/٢.
(٣) الكشاف ٢٨٠/٣.
١٥٢

- سبا-
وقرأ(١) ابن أبي عبلة ((الحقُّ)) بالرفع على أنه خبرُ ((هو)). والجملةُ في
موضعِ المفعول الثاني وهو لغةُ تميمٍ، يجعلون ما هو فصلٌ مبتدأً، و ((مِنْ
رَبِّك)) حالٌ على القراءتين.
قوله: «ویھْدِي» فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مستأنف . وفي فاعله احتمالان،
أظهرهما: أنه ضميرُ الذي أُنْزِل. والثاني: ضميرُ اسمِ الله ويَقْلَقُّ هذا لقولِه إلى
صراط العزيز؛ إذ لو كان كذلك لقيل: إلى صراطه. ويُجاب: بأنه مِنْ
الالتفاتِ، ومِنْ إبرازِ المضمر ظاهراً تنبيهاً على وَصْفِه بها بين الصفتين.
الثاني من الأوجه المتقدمة: أنه معطوفٌ / على موضع ((الحقَّ)) و((أَنْ)) [٧٢٦/ب]
معه مضمرةٌ تقديره: هو الحقُّ والهداية.
الثالث: أنه عطفُ على ((الحق)) عطفُ فعلٍ على اسم لأنه في تأويله
كقوله تعالى: ((صافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ))(٢) أي: وقابضاتٍ، كما عُطِفَ الاسمُ على
الفعلِ لأن الفعلَ بمعناه.
كقول الشاعر(٣):
٣٧١٥ - فأَلْفَيْتُه يوماً يُبير عدوّ
وبحرَ عطاءٍ يستخِفُّ المعابرا
كأنه قيل: ولِيَرْه الحقِّ وهادياً.
الرابع: أنَّ ((وَيَهْدي)) حالٌ من ((الذي أُنْزِل))، ولا بُدَّ من إضمارٍ مبتدأ
أي : وهو يَهْدي نحو(٤):
(١) البحر ٢٥٩/٧، والقرطبي ٢٦٢/١٤.
(٢) الآية ١٩ من الملك.
(٣) تقدم برقم ١٢٨٨.
(٤) تقدم برقم ٤١٩.
١٥٣

- سناء
٣٧١٦-
نّجَوْتُ وأَرْهَنُهُمْ مالِكَا
وهو قليلٌ جداً.
آ. (٧) قوله: ﴿إِذا مُزَّقْتُمْ﴾: ((إذا)) منصوبٌ بمقدرٍ أي: تُبْعَئون
وتُجْزَوْن وقتَ تمزيقكم لدلالة ((إنكم لفي خَلْقٍ جديد)» عليه.
ولا يجوز أن يكونَ العاملُ ((يُنَبِّئَكم))(١) لأن التنبئةَ لم تقعْ ذلكِ الوقتَ.
ولا (( خَلْقٍ جديدٍ)) لأنَّ ما بعد ((إِنَّ)) لا يعمل فيما قبلها. ومَنْ تَوَسَّعَ فِي الظرف
أجازه. هذا إذا جَعَلْنا ((إذا)) ظرفاً مَحْضاً. فإنْ جَعَلْناه شرطاً كان جوابُها مقدراً
أي: تُبْعَثون، وهو العاملُ في ((إذا)) عند جمهور النجاة.
وجَوَّز الزجَّاج(٢) والنحاس (٣) أن يكون(٤) معمولاً لـ ((مُزَّقْتُمْ)). وجعله ابنُ
عطية (٥) خطأً وإفساداً للمعنى. قال الشيخ(٦): ((وليس بخطأً ولا إفسادٍ. وقد
اخْتُلف في العامل في (إذا) الشرطية، وبيَّنَا في ((شرح التسهيل)) أنَّ الصحيحَ أنَّ
العاملَ فيها فعلُ الشرطِ كأخواتِها من أسماء الشرط)». قلت: لكنَّ الجمهورَ على
خلافِهِ. ثم قال الشيخ: ((والجملةُ الشرطيةُ يُحتمل أَنْ تكونَ معمولةً لـ ((يُنْثُكم))
لأنه في معنى: يقول لكم إذا مُزِّقْتُمْ: تُبْعَثُون. ثم أكَّد ذلك بقوله: ((إنكم لفي
خَلْقٍ جديدٍ)). ويُحتمل أن يكون ((إنكم لفي خَلْق)) مُعلِّقاً لـ ((يُنبِئكم)) سادًّا مَسَدَّ
(١) انظر: إعراب القرآن للنحاس ٦٥٧/٢.
(٢) معاني القرآن ٢٤١/٤ .
(٣) إعراب القرآن ٦٥٧/٢.
(٤) أي ((إذا)».
(٥) المحرر ١١٠/١٣.
(٦) البحر ٢٥٩/٧.
١٥٤

- سبا-
المفعولين، ولولا اللام لفُتِحَتْ ((إِنَّ)) وعلى هذا فجملةُ الشرطِ اعتراضُ. وقد
منع قومُ التعليقَ في ((أعلم)» وبابِها، والصحيحُ جوازُه. قال(١):
٣٧١٧ - حَذارٍ فقد نُبِّئْتُ إنكَ لَلَّذِيْ
سَتُجْزَىْ بما تَسْعَى فتسعدَ أو تَشْقَى
وقرأ(٢) زيد بن علي بإبدال الهمزةِ ياءً(٣). وعنه ((يُنْثُكم)) من أَنْبأ كأكرم.
ومُمَزَّقٌ فيه وجهان، أحدهما: أنه اسمُ مصدرٍ(٤)، وهو قياسُ كلِّ ما زاد
على الثلاثة أي: يجيءُ مصدرُه وزمانُه ومكانُه على زِنَةِ اسم مفعولِه أي: كلَّ
تمزيق. والثاني: أنه ظرفُ مكانٍ. قاله الزمخشري(٥)، أي: كلِّ مكانٍ تمزيقٍ
من القبورِ وبطون الوَحْشِ والطير. ومِنْ مجيءٍ مُفَعَّل مجيءَ التفعيلِ قوله(٦):
٣٧١٨ - أَلَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القوافِيْ
فلا عِيَّاً بهنَّ ولا اجْتِلابا
أي: تَسْريحي. والتَّمْزِيق: التخريقُ والتقطيع. يُقال: ثوب مُمَزَّق
ومَمْزوق. ويُقال: مَزَقه فهو مازِقٌ ومَزِقٌ أيضاً. قال(٧) :
-
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في العيني ٤٤٧/٢، وشرح التصريح ٢٦٦/١، والهمع
١٥٨/١، والدرر ١٤٠/١. قال العيني: ((عُلقت نبئت التي تقتضي ثلاثة مفاعيل
لأجل اللام في قوله للذي».
(٢) البحر ٢٥٩/٧ .
(٣) يُنْبِّكُمْ.
(٤) وهو المصدر الميمي.
(٥) الكشاف ٢٨٠/٣.
(٦) تقدم برقم ١٢٤٠.
(٧) البيت لزيد الخيل. وعجزه:
جِحاشَ الكِرْمِلَيْنِ لها فدیدُ
١٥٥
=

- سباد
٣٧١٩- أتاني أنهم مَزِقُون عِرْضِيْ
وقال الممزق العبدي - وبه سُمِّي المُمَزَّق(١):
٣٧٢٠ - فإنْ کنتُ مأكولاً فکن خيرَ آكلٍ
وإلَّ فأدْرِكْنِي وَلَمَّا: أُمَزَّقِ
أي: ولما أُبْلَ وَأُفْنَ.
و ((جديد)) عند البصريين بمعنى فاعِل يقال: جَدِّ الشيءُ فهو جادُّ وجديد،
وعند الكوفيين بمعنى مفعول مِنْ جَدَدْتُه أي: قَطَعْتُه.
آ. (٨) قوله: ﴿أَقْتَرَى﴾: هذه همزةُ استفهامٍ. وحُذِفَتْ لأجلها
همزةُ الوصل، فلذلك تَثْبُتُ هذه الهمزةُ وصلاً وابتداءً. وبهذه الآيةِ استدلَّ
الجاحظُ على أنَّ الكلامَ ثلاثةُ أقسامٍ: صدقٍ، كذبٍ، لا صدقٍ ولا كذبٍ.
ووَجْهُ الدلالةِ منه على القسمِ الثالث أنَّ قولَه: ((أم به جِنَّةٌ)) لا جائزٌ أن يكون
كذباً لأنه قسيمُ الكذبِ، وقَسيمُ الشَيءٍ غيرُه، ولا جائزٌ أن يكون صِدْقاً لأنهم
لم يعتقدوه، فثبت قسمٌ ثالث. وقد أجيب عنه بأن المعنى: أم لم يَفْتَرِ. ولكن
عَبَّر عن هذا بقولهم ((أم به جِنَّةٌ)) لأن المجنونَ لا افتراءَ له.
والظاهرُ في ((أم)) هذه متصلةً؛ لأنها تتقدّرُ بأي الشيئين. ويجابُ
بأحدِهما، كأنه قيل: أيُّ الشيئين واقعٌ: افتراؤه الكذبَ أم كونُه مجنوناً؟
=
وهو في ديوانه ٤٢، والدرر ١٣٠/٢، وشرح التصريح ٦٨/٢، والعيني ٥٤٥/٣
والخزانة ٤٥٦/٣. جحاش: ج جحش، وهو ولد الحمار. والكرملين أسم ماء.
والفديد: الصوت.
(١) الأصمعيات ١٦٦، وأمالي الشجري ١٣٥/١، واللسان (أكل)، والعيني ٤/ ٥٩٠.
١٥٦

- سبا-
[٧٢٧/أ]
ولا يَضُرُّكونُها بعدها جملةٌ؛ لأنَّ الجملةَ بتأويلِ المفردِ كقوله(١): /
٣٧٢١- لا أُبالي أَنَبَّ بالحَزْنِ تَيْسٌ
أم جفاني بظهرٍ غَيْبٍ لئيمُ
ومثلُه قولُ الآخر(٢):
٣٧٢٢ - لَعَمْرُك ما أدري وإنْ كنتُ دارياً
شُعَيْثُ ابن سَهْمٍ أم شُعَيْثُ ابنُ منقرٍ
((ابن منقر)) خبرٌ، لا نعت. كذا أنشده بعضُهم مستشهداً على أنها جملةٌ،
وفيه حَذْفُ التنوين مِمَّا قبل ((ابن)) وليس بصفةٍ. وقد عَرَفْتَ ما أَشَرْتُ إليه هنا من
سورة التوبة (٣).
آ. (٩) قوله: ﴿أَفَلَمْ﴾: فيه الرأيان المشهوران (٤): قدَّره
الزمخشري(٥): أَعَمُوْا فلم يَرَوْا، وغيرُهُ يَدَّعِي أن الهمزةَ مقدّمةٌ على حرفٍ
العطف .
قوله ((من السماء)» بيانٌ للموصولِ فتعلَّقُ بمحذوفٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ
حالاً فتعلَّقَ به أيضاً. قيل: وثَمَّ حالٌ محذوفةٌ تقديرُه: أفلم يَرَوْا إلى كذا مقهوراً
تحت قدرتِنا أو مُحيطاً بهم. ثم قال: إنْ نَشّأ.
قوله: ((إنْ نَشَأْ)) قرأ(٦) الأخَوان ((يَشَأْ))، يَخْسِفْ، يُسْقِطْ، بالياء في
(١) تقدم برقم ٣٣٥٠.
(٢) تقدم برقم ٣٣٥١.
(٣) انظر: الدر المصون ٣٨/٦.
(٤) انظر: الدر المصون ٣٢٨/١.
(٥) الكشاف ٢٨١/٣.
(٦) السبعة ٥٢٧، والحجة ٥٨٣، والنشر ٣٤٩/٢، والبحر ٢٦٠/٧، والقرطبي
٢٦٤/١٤، والتيسير ١٨٠.
١٥٧

- سبا-
الثلاثة. والباقون بنون العظمة فيها، وهما واضحتان. وأدغم (١) الكسائيُّ الفاءً
في الباء، واستضعفها الناسُ من حيث أدغم الأقوى في الأضعفِ. قال
الفارسي (٢): ((وذلك لا يجوز؛ لأنَّ الباءَ أضعفُ في الصوت من الفاءِ فلا تُدْغم
فيها، وإنْ كانت الباءُ تُدْغم فيها (٣) نحو: ((اضربْ فلاناً)) كما تُدْغَمُ الباءُ في
الميم كقولك: اضربْ مالِكاً، وإن كانت الميمُ لا تُدْغَمُ في الباءَ نحو: ((اضمُمْ
بكراً))؛ لأنَّ الباءَ انحطَّتْ عن الميم بِفَقْد الغُنّة)). وقال الزمخشري (٤): ((وليست
بالقوية))، وهذا لا ينبغي لأنها تواتّرَتْ.
قوله: ((يا جِبالُ)) مَحْكِيٍّ بقولٍ مُضْمَرٍ. ثم إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَه مصدراً.
ويكونُ بدلاً مِنْ ((فَضْلاً)) على جهةِ تفسيرِه به كأنه قيلَ: آتَيْناه فَضْلاً قولنا:
يا جبالُ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَه فِعْلًا. وحينئذٍ لك وجهان: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَّهِ بدلاً مِنْ
((آتَيْنا)) وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهِ مستأنفاً.
قوله: ((أَوِّبِيْ)) العامَّةُ على فتحِ الهمزةِ وتشديد الواوِ، أمراً من التَّأْوِيْب
وهو التِّرْجِيْع. وقيل: التسبيحُ بلغةِ الحبشة. والتضعيفُ يحتملُ أَنْ يكونَ
للتكثيرِ. واختار الشيخ (٥) أَنْ يكونَ للتعدِّي. قال: ((لأنهم فَسَّروه بـ رَجِّعي
معه التسبيحَ)). ولا دليلَ؛ لأنه تفسيرُ معنى(٦). وقرأ(٧) ابنُ عباس والحسنُ
(١) النشر ١٢/٢، والبحر ٢٦١/٧، والإتحاف ٣٨٢/٢.
(٢) الحجة (خ) ٤ /١٦٢.
(٣) أي في الفاء. قال: ((وذلك أن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى
وانحدر الصوت به إلى الفم حتى اتصلت بمخرج التاء)).
(٤) الكشاف ٢٨١/٣.
(٥) البحر ٢٦٢/٧.
١
(٦) لأن أبا حيان عدَّ آب لازماً بمعنى رجع اللازم، ثم عُدِّي بالتضعيف.
(٧) الإِتحاف ٣٨٢/٢، البحر ٢٦٣/٧.
١٥٨

- سبأ -
وقتادة وابن أبي إسحاق ((أُوْبي)) بضمُّ الهمزةِ(١) وسكون الواو أمراً مِنْ آب
يُؤُوْبُ أي: ارْجِعي معه بالتسبيح .
قوله : ((والطير)) العامَّةُ على نصبِه وفيه أوجهٌ، أحدها: أنه عطفُ على
محلٌّ ((جبالُ)) لأنَّه منصوبٌ تقديراً. الثاني: أنه مفعولٌ معه. قاله الزجاج(٢).
ورُدَّ عليه: بأنَّ قبلَه لفظةَ ((معه)) ولا يَقْتَضي العاملُ أكثرٌ مِنْ مفعولٍ معه واحدٍ،
إلَّا بالبدلِ أو العطفِ لا يُقال: ((جاء زيدٌ مع بكرٍ مع عمرٍ)(٣). قلت:
وخلافُهم في تقضية حالَيْنِ يَقْتضي مجيئه هنا. الثالث: أنه عطفُ على
((فَضْلاً)) قاله الكسائيُّ. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: آتيناه فضلاً وتسبيح
الطيرِ. الرابع: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ أي: وسَخَّرْنا له الطيرَ، قاله
أبو عمروٍ.
وقرأ(٤) السُّلَمِيُّ والأعرج ويعقوب وأبو نوفل وأبو يحيى وعاصم في
رواية ((والطيرُ)) بالرفع. وفيه أوجه: النسقُ على لفظ قوله: ((جبالُ)). وأُنْشِد
قولُه(٥):
٣٧٢٣ - ألا يا زيدُ والضَّحاكُ سِيْرا
فقد جاوَزْتُما خَمَرَ الطريق
بالوجهين. وفي عَطْفِ المعرَّفِ بأل على المنادى المضمومِ ثلاثةٌ
مذاهبَ(٦). الثاني: عطفُه على الضميرِ المستكنَّ في ((أَوِّبي)). وجاز ذلك
(١) مثل: قال يقول قُلْ، وقولي.
(٢) معاني القرآن ٢٤٣/٤.
(٣) وتصحيح المثال بالعطف. وانظر: البحر ٢٦٣/٧.
(٤) الإتحاف ٣٨٢/٢، والقرطبي ٢٦٦/١٤، والبحر ٢٦٣/٧.
(٥) تقدم برقم ٩٤١.
(٦) انظر: الارتشاف ١٣٠/٣.
١٥٩

سبات
للفَصْلِ بالظرفِ. والثالث: الرفعُ على الابتداءِ، والخبرُ مضمرٌ. أي: والجبالُ
كذلك أي : مُؤَوَّبَةٌ .
قوله: ((وأَلَنَّا) عطف على ((أَنَّيْن))، وهو من جملةِ الفَضْلِ .
آ. (١١) قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾: فيها وجهان، أظهرهما: أنها
مصدريةٌ على حَذْفِ الحرفِ أي: لأن. والثاني قاله الحوفي وغيره أنها مُفَسِّرةٌ.
ورُدَّ هذا: بأنَّ شَرْطَها تُقدُّمُ ما هو بمعنى القولِ ولم يتقدَّمْ إلَّ ((أَلَنَّا). واعتذر
بعضُهم عن هذا: بأنْ قَدَّر ما هو بمعنى القولِ أي: وَمَرْنَاه أَنِ اعْمَلْ ولا ضرورةَ
تدعو إلى ذلك.
وقُرِىء(١) ((صابغاتٍ)) لأجلِ الغينِ. وتقدَّم تقريرُه في لقمان عند
(وَأَسْبَغَ))(٢).
آ. (١٢) قوله: ﴿ولسليمانَ الريحَ﴾: العامَّةُ على النصبِ
[٧٢٧/ب] بإضمارٍ فعلٍ أي: وَسَخَّرْنا لسليمانَ. / وأبو بكرِ (٣) بالرفعِ على الابتداءِ،
والخبرُ في الجارِّ قبلَه أو محذوفٌ. وجَوَّز أبو البقاء(٤) أَنْ يكونَ فاعلاً، يعني
بالجارِّ، وليس بقويٌّ لعدم اعتمادِه. وكان قد وافقه في الأنبياء(٥) غيرُهُ . .
(١) الكشاف ٢٨٢/٣.
(٢) الآية ٢٠ من لقمان.
(٣) السبعة ٥٢٧، والنشر ٣٤٩/٢، والحجة ٥٨٣، والبحر ٢٦٤/٧، والقرطبي
٢٦٨/١٤، والتيسير ١٨٠.
(٤) الإملاء ١٩٦/٢.
(٥) الآية ٨١ ((ولسليمان الريح عاصفةً)) حيث لم يَرِدْ في الأنبياء خلافٌ في نصب
((الريح)).
١٦٠