Indexed OCR Text
Pages 341-360
- المؤمنون - التاءُ أو فُتحت؛ لأنَّ الظاهرَ أنهما سواءً، وإنما ذلك مِنْ تغييرِ اللغاتِ، وإنْ كان المنقولُ مِنْ مذهب سيبويه(١) ما تقدَّم. هكذا ينبغي أن تُعَلَّل القراءاتُ المتقدمةُ . وقال ابنُ عطية(٢) فيمَنْ ضَمَّ ونَوَّن: ((إنه اسمٌ معربٌ مستقلٌ مرفوعٌ بالابتداءِ، وخبرُه ((لِما تُوْعَدون)) أي: البعدُ لوعدكم كما تقول: النّجح لسَّعْيك)). وقال الرازي في ((اللوامح))(٣): ((فأمَّا مَنْ رَفع ونَوَّنَ احتمل أَنْ یکونا اسمين متمكنين مرفوعين [بالابتداء] (٤)، خبرُهما من حروف الجر بمعنى: الْبُعْدُ لِما تُوعدون. والتكرارُ للتأكيد. ويجوز أَنْ يكونا اسماً للفعل. والضمُّ للبناء مثل: حَوْبُ(٥) في زَجْرِ الإِبل(٦)، لكنه نَوَّنه نكرةً). قلت: وكان ينبغي لابن عطيةً ولأبي الفضل(٧) أن يَجْعلاه اسماً أيضاً في حالة النصبِ مع التنوين، على أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الفعلِ . قرأ ابنُ أبي عبلةَ ((هَيْهات هَيْهات ما تُوْعدون)) من غير لامِ جرّ. وهي واضحةٌ مؤيِّدَةٌ لمدَّعي زيادتها في قراءةِ العامّة. و ((ما)) في ((لِما تُؤْعدون)) تحتمل المصدريةَ أي: لِوَعْدِكم، وأَنْ تكونَ بمعنى الذي، / والعائدُ محذوفٌ أي : تُوْعَدُوْنَه. [٦٥٦/أ] (١) الكتاب ٤٧/٢ . (٢) المحرر الوجيز ٢٣٣/١١. (٣) انظر: البحر ٤٠٥/٦. (٤) زيادة من البحر حيث ينقل عن الرازي. (٥) الأصل: حوت وهو تصحيف. (٦) حَوْبُ: زجر الذكورة الإِبل مثل ((حَلْ)) لإنائها، وتضم الباء وتفتح وتكسر. وإذا نُكّر دخله التنوين. انظر: اللسان (حوب). (٧) وهو الرازي صاحب (اللوامح)) في القراءات الشاذة. ٣٤١ - المؤمنون - آ. (٣٧) قوله: ﴿إِنْ هي﴾: ((هي)) ضميرٌ يُفَسِّرِه سياقُ الكلامِ أي: إنْ حياتُكم إلَّ حياتنا. قال الزمخشري(١): ((هذا ضميرٌ لا يُعْلَمُ ما يُرادُ به إلَّ بما يَتْلوهِ مِنْ بيانِهِ. وأصلُه: إن الحياةُ إلَّ حياتنا الدنيا، فَوَضَعَ ((هي)) مَوْضِعَ ((حياتُنا)) لأنَّ الخبرَ ◌َدُلُّ عليها ويُبَيِّنها. ومنه ((هي النفس تتحمَّل ما حَمْلت)) و ((هي العربُ تقولُ ما شاءَتْ)). وقد جَعَلَ بعضُهم هذا القِسْمَ ممَّا يُفَسَّرِ بما بعدَه لفظاً ورتبةً ونسبه إلى الزمخشريِّ متعلقاً بهذا الكلام الذي نقلتُه عنه، لا تَعَلُّقَ له في ذلك. قوله: ((نموتُ ونَحْيا) جملةٌ مفسِّرةٌ لما ادَّعَوْهِ مِنْ أَنَّ حياتهم ما هي إلاّ كذا. وزعم بعضُهم أنَّ فيها دليلاً على عدم الترتيبِ في الواو، إذ المعنى: نحيا ونموتُ إذ هو الواقعُ ولا دليلَ فيها؛ لأنَّ الظاهرَ مِنْ معناها: يموت البعض مِنَّا، ويَحْيا آخرون، وهَلُمَّ جرًّا. يُشيرون إلى انقراضِ العصرِ وخَلْفِ غيرِه مكانّه. وقيل: نموت نحن ويَحْيا أبناؤنا. وقيل: القومُ يعتقدونَ الرَّجْعَةَ أي: نموت ثم نَحْيا بعد ذلك الموتِ. آ. (٤٠) قوله: ﴿عَمَّا قليلٍ﴾: في ((ما) هذه وجهان، أحدهما: أنها مزيدةٌ بينَ الجارِّ ومجرورِه للتوكيدٍ كما زِيْدَتْ في الباءِ نجو: ((فِيِما رَحْمَةٍ))(٢). وفي ((مِنْ)) نحو ((مِمَّا خَطِيْئاتهم))(٣). و ((قليلٍ)): صفةٌ لزمنٍ محذوفٍ أي عن زمنٍ قليل. والثاني: أنها غيرُ زائدةٍ بل هي نكرةٌ بمعنى شيء أو زمن. و(«قليل» صفتُها أو بدلٌ منها. وهذا الجارُّ فيه ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنَّه متعلقٌ بقولِه: (١) الكشاف ٣٢/٣. (٢) الآية ١٥٩ من آل عمران. (٣) الآية ٢٥ من نوح. ٣٤٢ - المؤمنون - (لَيُصْبِحُنَّ)) أي: لَيُصْبِحُن عن زمنٍ قليل نادمين. والثاني: أنه متعلقٌ بـ ((نادمين)). وهذا على أحدِ الأقوالِ في لام القسم، وذلك أنَّ فيها ثلاثةَ أقوال(١): جوازّ تقديمِ معمولٍ ما بعدها عليها مطلقاً. وهو قول القراء وأبي عبيدة. والثاني: المَنْعُ مطلقاً وهو قولُ جمهورِ البصريين. والثالث: التفصيلُ بين الظرفِ وعديلِه، وبين غيرِهما، فيجوزُ فيهما الاتساعُ، ويمتنعُ في غيرِهما، فلا يجوز في: ((والله لأضربنَّ زيداً)): ((زيداً لأضرِبَنَّ)) لأنه غيرُ ظرفٍ ولا عدیله . والثالث من الأوجه المتقدمة: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: عَمَّا قليلٍ نْصَرُ حُذِفِ لدلالةِ ما قبلَه عليه. وهو قولُه «رَبِّ انْصُرْني)) . وقرىء(٢) (َتُصْبِحُنَّ) بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ، أو على أن القولَ صدرَ من الرسولِ لقومِه بذلك. آ. (٤١) قوله: ﴿غُثاءً﴾: مفعولٌ ثانٍ للجَعْل بمعنى التصيير. والغُثاء: قيل هو الجُفاء وقد تقدَّم في الرعد(٣). قاله الأخفش (٤). وقال الزجاج(٥): ((هو البالي مِنْ ورق الشجر، إذا جَرَىْ السيلُ خالَطَ زَبَدَه)). وقيل: كل ما يُلْقيه السَّيْلُ والقِدْرُ مِمَّا لا يُنْتَفَعُ به، وبه يُضْرَبُ المَثَلُ في ذلك. ولامُه واوٌ لأَنَّه مِنْ غثا الوادي يَغْثُو غَثْوَاً(٦) وكذلك غَثَتِ القِدْرُ. وأمَّا غَثِيَتْ(٧) نفسُه تَغْثِي (١) انظر: الارتشاف ٤٩٢/٢. (٢) البحر ٦ /٤٠٦. (٣) الآية ١٧ ((فأمَّا الزَّبَدّ فيذهب جُفاءً)). (٤) ليس في كتابه ((معاني القرآن)). (٥) معاني القرآن له ١٣/٤. (٦) قال في اللسان (غنا): ((وحكى ابن جني غَثَى الوادي يَغْني، فهمزة الغناء على هذا منقلبة عن ياء. والمعروف عند أهل اللغة غنا الوادي يَغْتُو غَثَا)). (٧) و ((غنت)). ٣٤٣ - المؤمنون - غَثَياناً أي: خَبُّئَتْ فهو قريبٌ مِنْ معناه، ولكنه مِنْ مادة الياء. وتُشَدَّدُ ثاءِ ((الغُنَّاء)) وتُخَفَّفُ وقد جُمع على ((أَغْثاء)) وهو شاذٌّ، بل كان قياسُه أن يُجْمَعَ على أَغْثِيَة كَأَغْرِبة، أو على غِثْيان كغِرْبان وغِلْمان. وأنشدوا لامرىء القيس(١): ٣٤١٧- من السَّيْلِ والغُثَّاءِ فَلْكَةُ مُغْزَلٍ بتشديد الثاء وتخفيفها والجمع أي: والأغْثاء. قوله: ((فُبُعْداً للقومِ» بُعْداً: مصدرٌ بَدَلّ من اللفظِ بفعلِه، فناصِبُه واجبُ الإِضمارِ لأَنَّه بمعنى الدعاءِ عليهم. والأصلُ: بَعُدَ بُعْدَاً وبَعَداً نحو: رَشَدَ رُشْداً ورَشَدأَ. وفي هذه اللامِ قولان أحدُهما: وهو الظاهرُ أنَّها متعلقةٌ بمحذوفٍ للبيانِ كهي في سَقْياً له وجَدْعاً له. قاله الزمخشري(٢). الثاني: أنها متعلقةٌ [٦٥٦/ب] بـ بُعْداً. قاله الحوفي. وهذا مردودٌ؛ / لأنه لا يُحفَظُ حَذْفُ هذه اللامِ ووصولُ المصدرِ إلى مجرورِها البتةَ، ولذلك منعوا الاشتغالَ في قوله ((والذين كفروا فَتَعْساً لهم))(٣) لأنَّ اللَامَ لا تتعلَّقُ بـ ((تَعْساً)) بل بمحذوفٍ، وإن كان الزمخشريُّ (٤) جَوَّزَ ذلك، وسيأتي في موضِعه إنْ شاءَ الله تعالى. آ. (٤٤) قوله: ﴿تَتْرَى﴾: فيه وجهان، أحدهما : - وهو الظاهرُ - أَنَّه منصوبٌ على الحالِ مِنْ ((رُسُلَنا)) بمعنى متواتِرين أي: واحداً بعد (١) من معلقته في ديوانه ٢٥، وصدره: كأنَّ طَمِيَّةَ المُجْمِر غُدْوَةٌ وطمية: اسم جبل. والمجيمر: أرض لبني فزارة، شبَّه الجبل به حين أحاط به السيل والغثاء فاستدار ما بقي منه بفلكة المغزل. (٢) الكشاف ٣٢/٣. الآية ٨ من محمد صلَّى الله عليه وسلّم. (٣) (٤) الزمخشري في إعرابه للآية لم يشر إلى ذلك. انظر: الكشاف ٥٣٢/٣. ٣٤٤ - المؤمنون - واحدٍ، أو مُتتابعين على حَسَبِ الخلافِ في معناه كما سيأتي. وحقيقُه أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ. والثاني: أنه نعتُ مصدرٍ محذوف تقديرُه: إرسالاً تتْرى أي: متتابعين أو إرسالاً إثر إرسال. وقرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو - وهي قراءةُ الشافعيِّ - ((تَتْرَئِ)) بالتنوين. وباقي السبعةِ (تَتْرَى)) بألفٍ صريحةٍ دونَ تنوينٍ. وهذه هي اللغةُ المشهورةُ، فَمَنْ نَوَّن فله وجهان(٢)، أحدُهما: أنَّ وَزْنَ الكلمةِ فَعْلِ كَفَلْس، فقوله («تْرَىْ)) كقولك: نَصَرْتُه نَصْراً. وَوَزْنُه في قراءتِهِم فَعْلًا. وقد رُدِّ هذا الوجهُ بأنّه لم يُحْفَظْ جَرَيانُ حركاتِ الإِعرابِ على رائِه، فيُقال: هذا تَتْرُ ومررت بتْرٍ نحو: هذا نَصْرٌ، ورأيت نصراً، ومررتُ بنصرٍ. فإذا لم يُحْفَظُ ذلك بَطَلَ أَنْ يكونَ وزنُه فَعْلًا. الثاني: أن ألفَه للإِلحاقِ بـ جَعْفر كهي في أَرْطِى (٣) وعَلْقَى (٤) فلمَّا نُوِّن ذَهَبَتْ لالتقاءِ الساكنين. وهذا أقربُ مِمَّا قبلَه، ولكنه يلزمُ منه وجودُ ألفٍ الإلحاقِ في المصادرِ وهو نادرٌ. الثالث: أنها للتأنيثِ كدَعْوى. وهي واضحةٌ فتحصِّلَ في ألفِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها بدلٌ من التنوينِ في الوقفِ. الثاني : أنها للإلحاقِ. الثالث: للتأنيث. واخْتُلف فيها: هل هي مصدرٌ كدَعْوى وذِكْرى، أو اسمُ جمعٍ كأَسْرى وشتى، كذا قالهما الشيخ(٥). وفيه نظرٌ؛ إذ المشهورُ أنَّ أَسْرَى وَشَتَّى جمعا تكسيرٍ لا اسما جمعٍ . وفاؤُها في الأصلِ واوٌ؛ لأنَّها من المُواترة والوِتْر، فقُلِبَتْ تاءً كما قُلِبَتْ تاءً في تَوْراة وتَوْلِجِ(٦) (١) السبعة ٤٤٦، والحجة ٤٨٧، والنشر ٣٢٨/٢، والتيسير ١٥٩، والبحر ٤٠٧/٦، والقرطبي ١٢ /١٢٥. (٢) سوف يعرض ثلاثة أوجه. (٣) أرطى: ضرب من الشجر يُدبغ به. (٤) علقى: ضرب من الشجر. (٥) البحر ٣٩٤/٦. ويبدو أن حجته. (٦) التولج : كناس الوحش. ٣٤٥ - المؤمنون - وَتَيْقُورِ(١) وتُخَمّة وتُراث وتُجاه(٢)، فإنها من الوَرْي والوُلوج والوقار والوَخامة والوراثة والوَجْه. واختلفوا في مَدْلُولِها: فعن الأصمعيِّ: واحداً بعد واحد، وبينهما مُهْلَّةٍ. وقال غيره: هي من المُواترة وهي التتابُعُ بغير مُهْلة. وقال الراغب(٣): ((والتواتُرُ: تتابعُ الشيء وتراً وفرادى. قال تعالى: (ثم أَرْسَلْنا [رُسلّنا] تُشْرِى)» والوَتِيْرَة: السَّجِيَّةُ والطريقة. يقال: هم على وَتيرةٍ واحدةٍ. والتِرَةُ: الذَّحْلُ (٤). والوَتيرة: الحاجزُ بين المَنْخِرَيْنِ. قوله: ((أحاديثَ)) قيل: هو جمعُ ((حديث)) ولكنه شاذّ(٥). وقيل(٦): بل هو جمعُ أُحْدُوْثَة كأُضْحُوكة. وقال الأخفش: ((لا يُقال ذلك إِلَّ فِي الشَّرِّ. ولا يُقال في الخير. وقد شَذَّتِ العربُ في أَلَيْفاظ فجمعوها على صيغة مفاعيل كأباطيل وأَقاطيع)). وقال الزمخشري(٧): ((الأحاديث تكون اسمَ جمعٍ للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم)). قال الشيخ(٨): ((وأَفاعيل ليس من (١) التيقور: الوقار. (٢) انظر: الممتع ٣٨٤. (٣) المفردات ٥١١. (٤) النحل: الحقد. (٥) قال سيبويه: ((هذا باب ما جاء بناء جمعه على غير ما يكون في مثله ولم يكسَّر هو على ذلك البناء. فمن ذلك: باطل وأباطيل لأن ذا ليس بناءً باطل ونحوه إذا كسِّرتِهِ، فكأنه كُسِّرت عليه إِبْطيل وإبطال. ومثل ذلك: حديث وأحاديث وعُروض وأعاريض وقطيع وأقاطيع)). الكتاب ١٩٩/٢. (٦) نسب صاحب اللسان هذا القول إلى الفراء. اللسان (حدث) وأنكره ابن بري لأن الأحدوثة بمعنى الأعجوبة. (٧) الكشاف ٣٣/٣. (٨) البحر ٤٠٧/٦. ٣٤٦ - المؤمنون - أبنيةِ اسمِ الجمع، وإنما ذكرَه أصحابُنا فيما شَذَّ من الجموعِ كقَطيع وأقاطيع، وإذا كان عَباديد قد حكموا عليه بأنه جمعُ تكسيرٍ مع أنهم لم يَلْفِظوا له بواحدٍ فأحرى ((أحاديث)) وقد لُّفِظ له بواحدٍ وهو ((حديث)) فاتضح(١) أنه جمع تكسيرٍ لا اسمُ جمعٍ لما ذکرْنا». آ. (٤٥) قوله: ﴿هارونَ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً، وأَنْ يكونَ بياناً، وأَنْ يكونَ منصوباً بإضمار ((أَعْني)). آ. (٤٧) قوله: ﴿لِيَشَرَيْن﴾: ((بَشَر)» يقع على الواحدِ والمثنى والمجموع والمذكرِ والمؤنثِ. قال تعالى: ((ما أنتم إلاَّ بَشَرٌ)) وقد يُطابق. ومنه هذه الآيةُ. وأما إفراد ((مِثْلِنا)) فلأنَّه يَجْري مَجْرى المصادرِ في الإِفراد والتذكير، ولا يُؤَنَّثُ أصلاً، وقد يطابقُ ما هو له تثنيةً كقوله: ((مِثْلَيْهم رَأيَ العينِ))(٢) وجمعاً كقوله: ((ثم لا يكونوا أمثالكم))(٣). وقيل: أُريد المماثلةُ في البشريةِ لا الكميَّة. وقيل: اكتُفي بالواحدِ عن الاثنين. قوله: ((وقومُهما لنا عابِدون)) جملةٌ حاليةٌ. آ. (٤٩) قوله: ﴿ولقد آتينا موسى الكتابَ﴾ قبل: أراد قومَ موسى فَحُذِفَ المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه؛ ولذلك أعاد الضميرَ مِنْ قولِه ((لعلَّهم)) عليهم. وفيه / نظرً؛ إذ يجوز عَوْدُ الضميرِ على القومِ مِنْ غيرٍ [٦٥٧/أ] تقديرِ إضافتهم إلى موسى، وتكونُ هِدايتُهم مُتَرَتَّةً على إيتاء التوراةِ لموسى . (١) البحر: فالصحيح. (٢) الآية ١٣ من آل عمران. (٣) الآية ٣٨ من سورة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم. ٣٤٧ - المؤمنون - آ. (٥٠) قوله: ﴿ومَعِينٍ﴾: صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: وماءٍ مَعِيْنٍ. وفيه قولان، أحدهما (١): أنَّ ميمَه زائدةٌ، وأصله مَعْيُوْنَ أي: مُبْضَرٌ بالعينِ، فَأُعِلَّ إِعْلالَ ((مبيع)) وبابه، وهو مثلُ قولِهم ((كَبَدْتُه)) أي ضربْتُ كَبِذَه، ورَأَسْتُه أي: أصبتُ رأسَه، وعِنْتُه أي: أدركتُه بعيني. ولذلك أدخلَه الخليلُ في مادة ع ي ن. والثاني (٢): أن الميمَ أصليةٌ، ووزنُه فَعيل مشتقٌّ من المَعْنِ. واختلف في المَعْنَ فقيل: هو الشيءُ القليلُ ومنه الماعُون. وقيل: هو مِنْ مَعَنَ الشيءُ مَعَانَةً أي كَثُر قال جرير(٣): ٣٤١٨- إنَّ الذين غَدَوْا بِلْبِّك غادروا وَشَلَّا بعينِك لا يَزال مَعينا وقال الراغب(٤): ((هو مِنْ مَعَن الماءُ: جرىٌ)) وسمَّى مجاري الماءِ مُعْنان. (وأمعنَ الفرس: تباعَدَ في عَذْوِهِ، وأَمْعَنَ بحقي ذهبَ به، وفلانْ مَعَنَّ فِي حاجته))، يعني سريعاً. قلت: كلُّه راجعٌ إلى معنى الجَرْيِ والسُّرْعة .. آ. (٥١) قوله: ﴿وَاعْمَلُوا صالحاً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ((صالحاً» نعتاً لمصدرٍ محذوف أي: واعملوا عَمَلًا صالحاً من غير نظرٍ إلى ما يَعْملونه كقولهم: تُعْطي وتَمْنع. ويجوز أن يكونَ مفعولاً به وهو واقعٌ على نفسٍ المعمول . (١) أجازه الفراء وثعلب. انظر: معاني القرآن ٢٣٧/٢، واللسان (معن). (٢) وهو مذهب ابن الأعرابي. انظر: القرطبي ١٢٧/١٢. (٣) ديوانه ٥٧٨، والبحر ٣٩٤/٦. (٤) المفردات ٤٧٠ . ٣٤٨ - المؤمنون - آ. (٥٢) قوله: ﴿وإنَّ هذه أمَّتُكم﴾: قرأ(١) ابن عامر وحده ((وأنْ)) هذه بفتحِ الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون(٢) بكسرها والتثقيل، والباقون بفتحها والتثقيل. فأمَّا قراءةُ ابنٍ عامٍ فهي المخففةُ من الثقيلة. وسيأتي توجيهُ الفتح في الثقيلة فيتضحُ معنى قراءتِه. وأمَّا قراءةُ الكوفيين فعلى الاستئناف. وأمَّا قراءة الباقين(٣) ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها على حذف اللام أي: ولَإِنَّ هذه، فلمَّا حُذِف الحرفُ جرى الخلافُ المشهورُ. وهذه اللامُ تتعلَّقُ بـ اتَّقون)). والكلامُ في الفاءِ كالكلامِ في قوله: ((وإيّاي فارهبون))(٤). والثاني: أنها منسوقَةٌ على ((بما تَعْملون)) أي: إنِّي عليمٌ بما تَعْملون وبأنَّ هذه. فهذه داخلةً في حَيِّز المعلومِ. والثالث: أنَّ في الكلام حَذْفاً تقديره: واعلموا أنَّ هذه أُمْتُكم. آ. (٥٣) وقد تقدَّم(٥) ((فتقطّعُوا أَمْرَهم بينهم زُبُرًا)) وما قيل فيهما، وما قُرِىء به فَأَغْنى عن إعادته . آ. (٥٤) قولهم: ((في غَمْرَتِهم)) مفعولٌ ثانٍ لـ «ذَرْهم)» أي: اتْرُكهم مُسْتَقِرِّين في غَمْرَتهم. ويجوز أنْ يكونَ ظرفاً للتَّرْكِ. والمفعول الثاني محذوفٌ. والغَمْرَةُ في الأصلِ: الماءُ الذي يَغْمُرُ القامةِ، والغَمْرُ: الماءُ الذي (١) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٤٦، والنشر ٣٢٨/٢، والتيسير ١٥٩، والحجة ٤٨٨، والبحر ٤٠٨/٦. (٢) عاصم وحمزة والكسائي. (٣) ((وأنَّ)). (٤) الآية ٤٠ من البقرة وانظر: الدر المصون ٣١٤/١. (٥) لم يتقدم البحث في هذه الآية. بيد أن قوله: ((زبرا)) ورد مثله في الكهف ((زُبُرْ الحديد)) انظر: الدر المصون ٥٤٨/٧ . ٣٤٩ - المؤمنون - يَغْمُرِ الأرضَ، ثم استُغير ذلك للجَهالةِ، فقيل: فلانٌ فِي غَمْرَة، والمادة تدل على الغِطاء والاستتارِ، ومِنه الغُمْرُ(١) بالضم لمَنْ لم يُجَرِّبِ الأمورَ، وغُمَارُ الناسِ وخُمَارُهم: زِحامهم. والغِمْر بالكسر الحقد؛ لأنه يُغَطي القلب. والغَمَرات: الشدائدُ. والغامِرُ(٢): الذي يُلْقي نفسَه في المهالِك. وقال الزمخشري (٣): ((والغَمْرَةُ: الماءُ الذي يَغْمُر القامةَ، فضُرِبَتْ لهم مَثَلًا لِما هم [مَغْمورون](٤) فيه مِنْ جَهْلهم وعَمايتهم. أو شُبِّهوا باللاعبين في غَمْرَةِ الماءِ؛ لِما هم عليه من الباطل. كقوله(٥): ٣٤١٩- كأنني ضاربٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ وقرأ(٦) أميرُ المؤمنين(٧) وأبو حيوة وأبو عبدالرحمن ((غَمَراتهم)) بالجمع؛ لأنَّ لكلٍّ منهم غَمْرَةً تَخُصُّه. وقراءةُ العامَّةِ لا تَأْبَى هذا المعنى فإنه اسمُ جنسٍ مضافٌ. آ. (٥٥) قوله: ﴿أَنَّ ما تُمِدُّهُمْ﴾: في ((ما)» هذه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها بمعنى الذي وهي اسمُ ((أَنَّ)، و((نُمِدُّهم به)) صلتُها وعائدُها. (١) قال في اللسان (غمر): ((ورجل غُمْر وغَمِر لا تجربة له بحرب ولا أمر، ولم تحنِّكه التجارب. وصبي غُمْر وغَمْر وغَمَر وغَمِر وَمُغَمَّر: لم يجرِّب الأمور)). (٢) ش: والمغامر. (٣) الكشاف ٣٤/٣. (٤) زيادة من الكشاف. (٥) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٣٨/١، واللسان (غمر) وصدره: لياليَ اللهوُ يَطْبِيني فَأَتْبعُهُ ضارب: سابح. يطبيني: يدعوني. لعب: لاعب. (٦) البحر ٤٠٩/٦. (٧) وهو على رضي الله عنه. ٣٥٠ - المؤمنون - ((ومن مال)) حالٌ من الموصولِ، أو بيانٌ له، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. و («نُسارِعُ)) خبرُ (أنّ)). والعائدُ من هذه الجملةِ إلى اسم ((أنَّ) محذوفٌ تقديرُه: نُسارِعُ لهم به، أو فيه، إلاّ أنَّ خَذْفَ مثلِه قليلٌ. وقيل: الرابطُ بين هذه الجملةِ باسم(١) ((أَنَّ) هو الظاهرُ الذي قامَ مقامَ الضميرِ مِنْ قولِه ((في الخيرات)»، إذ الأصل: نُسارِعُ لهم فيه، فأوقع ((الخيرات)) موقعَه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات. وهذا يَتَمَشِّى على مذهبٍ الأخفشِ (٢)؛ إذ يَرَىَ الرُّبْطَ بالأسماءِ الظاهرةِ، وإن. لم يكنْ بلفظٍ الأولِ، فُيُجيز ((زيد الذي قام أبو عبد الله)) إذا كان ((أبو عبد الله)) كنيةً ((زيد)). وتقدَّمَتْ منه أمثلةٌ. قال أبو البقاء(٣): ((ولا يجوزُ أَنْ يكونَ الخبرُ ((مِنْ مالٍ)) لأنه كان ((مِنْ مال))، فلا يُعاب عليهم [ذلك، وإنما يعابُ عليهم] (٤) اعتقادهم أنَّ تلك الأموالَ خیرٌ لهم». الثاني: أن تكونَ «ما)) مصدريةً فينسَبِكُ منها ومِمَّا بعدَها مصدرٌ هو اسم (أنَّ)) و(نُسارع)) هو الخبرُ. وعلى هذا فلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ ((أنْ)) المصدريةِ قبل (نُسارع)) ليصِحّ الإِخبارُ، تقديرُه: أَنْ نسارعَ. فلمَّا حُذِفَتْ (أَنْ)) ارتفعَ المضارعُ بعدَها. والتقديرُ: أَيَحْسَبون أنَّ إِمْدادَنا لهم من كذا مسارعةٌ منَّا لهم في الخيرات. والثالث: أنها مُهَيِّئَة كافَّةً. وبه قال الكسائي في هذه/ الآية وحينئذٍ [٦٥٧/ب] يُوقف على ((وَبَنِين)) لأنه قد حَصَل بعد فِعْلِ الحُسْبانِ نسبةٌ مِنْ مسندٍ ومسنٍ إليه نحو: حَسِبْتُ أَنَّما ينطلق عمروٌ، وأنما تقومُ أنت. وقرأ(٥) يحيى بنُ وَثَّاب ((إنما)) بكسرِ الهمزة على الاستئنافِ، ويكونُ (١) الأنسب أن يقول ((واسم)). (٢) انظر: الارتشاف ٥١/٢. (٣) الإملاء ١٥٠/٢. (٤) سقط سهواً من الأصل وأثبتناه من «الإملاء)). (٥) البحر ٤٠٩/٦ . ٣٥١ - المؤمنون - حَذْفُ مفعولَي الحُسْبانِ اقتصاراً أو اختصاراً. وابنُ كثيرٍ (١) في روايةٍ ((يُمِدُّهم)» بالياءِ، وهو اللّهُ تعالى. وقياسُه أَنْ يَقرأ ((يُسارع)) بالياء أيضاً. وقرأ(٢)) السلمي وابن أبي بكرةَ ((يُسارع)) بالياءِ وكسرِ الراء. وفي فاعِله وجهان، أحدُهما: الباري تعالى. الثاني: ضميرُ ((ما)) الموصولة إنْ جَعَلْناها بمعنى الذي، أو على المصدرِ إنْ جَعَلْناها مصدريةً. وحينئذٍ يكون ((يسارِعُ لهم)» الخبرَ. فعلى الأولِ يُحتاجُ إلى تقديرٍ عائدٍ أي: يُسارعِ اللَّهُ لهم به أو فيه. وعلى الثاني لا يُحْتاج إذ الفاعلُ ضميرُ ((ما)» الموصولةِ . وعن أبي بكرة المتقدمِ أيضاً ((يُسارَع)) بالياء مبنياً للمفعولِ و((في الخيرات)» هو القائمُ مَقامَ الفاعل. والجملةُ خبرُ ((أنَّ» والعائدُ محذوفٌ على : ما تقدَّم. وقرأ الحسن ((نُشْرِع)) بالنون مِنْ (أَسْرَعَ)) وهي كـ نُسارع فيما تقدَّم. و ((بل لا يَشْعُرُون)) إضرابٌ عن الحُسْبانِ المُسْتفهمِ عنه استفهامَ تقريعٍ ، وهو إضرابُ انتقالٍ. آ. (٥٧) قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةٍ رَبِّهم﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنها لبيانِ الجنسِ. قال ابن عطية (٣): ((هي لبيانٍ جنسِ الإِشفاق)). قلت: وهي عبارةً قلقة. والثاني: أنها متعلقةٌ بـ ((مُشْفِقُون)) قاله الحوفي، وهو واضح . آ. (٦٠) قوله: ﴿يُؤْتُوْن ما آتَوا﴾: العامَّةُ على أنّه من الإِيتاء أي: يُعْطون ما أَعْطَوا. وقرأت (٤) عائشة وابن عباس والحسن والأعمش ((يَأْتُون (١) البحر ٤٠٩/٦. (٢) انظر في قراءاتها: المحتسب ٩٤/٢، والبحر ٤١٠/٦، والقرطبي ١٢ /١٣١. (٣) المحرر ٢٣٨/١١. (٤) المحتسب ٩٥/٢، والبحر ٤١٠/٦، والقرطبي ١٣٢/١٢. ٣٥٢ - المؤمنون - ما أَتَوْا)) من الإِتيان أي: يفعلون ما فَعَلوا من الطاعاتِ. واقتصر أبو البقاء (١) في ذكر الخلاف على ((أَتَوْا)) بالقصرِ فقط. وليس بجيدٍ لأنه يُوهم أنَّ مَنْ قرأ ((أَتَوْا)) بالقصْرِ قرأ ((يُؤْتُون)) من الرباعي. وليس كذلك. قوله: ((وقُلوبُهم وَجِلَةٌ)) هذه الجملةُ حالٌ مِنْ فاعل ((يُؤْتُوْن)»، فالواوُ للحال. قوله: ((أنّهم)) يجوزُ أن يكونَ التقديرُ: وَجِلةٌ مِنْ أنّهم، أي: خائفةٌ مِنْ رجوعهم إلى ربهم. ويجوزُ أن يكون ((لأنَّهم)) أي: سَبَبُ الوجَلِ الرجوعُ إلى ربهم . آ. (٦١) قوله: ﴿أولئك يُسارعون﴾: هذه الجملةُ خبرُ ((إنَّ الذين))(٢). وقرأ(٣) الأعمش ((إنهم)) بالكسرٍ على الاستئنافِ فالوقفُ على ((وَجِلة)) تامٍّ أو كافٍ. وقرأ(٤) الحُرُّ(٥) ((يُسْرِعُون)) مِنْ أَسْرع. قال الزجاج(٦): (يُسارِعُون أَبْلَغُ)) يعني من حيث إنَّ المفاعلَة تَدُلُّ على قوةِ الفعلِ لأجلِ المغالبة . قوله: ((وهم لها سابقُون)) في الضمير في ((لها)) أوجهٌ، أظهرها: أنَّه يعودُ على ((الخيرات)) لتقدُّمِها في اللفظ. وقيل: يعودُ على الجنة. وقيل: على (١) الإملاء ١٥١/٢. (٢) في الآية ٥٧ . (٣) البحر ٤١١/٦. (٤) المحتسب ٩٦/٢، والبحر ٤١١/٦، والقرطبي ١٣٣/١٢. (٥) هو حُرّ بن عبد الرحمن النحوي القارىء، سمع أبا الأسود الدؤلي وعنه طلب إعراب القرآن. انظر: بغية الوعاة ٤٩٣/١. وهناك الحربن الصياح النخعي الكوفي ثقة من الثالثة. انظر: تقريب التهذيب ١٥٥ . (٦) معاني القرآن ١٧/٤. ٣٥٣ - المؤمنون - السعادة. وقيل: على الأمم. والظاهرُ أنَّ ((سابقون)) هو الخبرُ. و((لها)) متعلقٌ به قُدِّمَ للفاصلةِ وللاختصاصِ. واللامُ قيل: بمعنى إلى. يقال: سَبَقْتُ له وإليه بمعنىَّ. ومفعولُ ((سابقون)) محذوفٌ تقديرُه: سابقون الناسَ إليها. وقيل: اللامُ للتعليل أي: سابِقُون الناسَ لأجلِها. وتكونُ هذه الجملةُ مؤكدةً للجملةِ قبلها، وهي ((يُسارِعُون في الخيرات)) ولأنها تفيدُ معنى آخرَ وهو الثبوتُ والاستقرارُ بعدما دَلَّتِ الأولى على التجدد. وقال الزمخشري(١): ((أي فاعلون السَّبْقَ لأجلها أو سابقونَ الناسَ لأجلها)). قال الشيخ (٢): ((وهذان القولان عندي واحدٌ)). قلت: ليسا بواحدٍ إذ. مرادُه بالتقدير الأول أَنْ لا يُقْذَّرَ لِلسَّبْقِ مفعولٌ البتةَ، وإنما الغرضُ الإِعلامُ بوقوعِ السَّبْقِ منهم من غيرِ نَظَرٍ إلى مَنْ سَبقوه كقولِه: ((يُحيي ويُميت))(٣) (وكُلُوا واشْربوا))(٤) (يُعطي ويمنع)) وغرضُه في الثاني تقديرُ مفعولٍ حُذِف للدلالةِ، واللام للعلة في التقديرين. وقال الزمخشري (٥) أيضاً: ((أو إياها سابقون أي: ينالونها قبل الآخرة، حيث عُجِّلت لهم في الدنيا)). قلت: يعني أنَّ (لها)) هو المفعولُ بـ ((سابقون)) [٦٥٨/أ] وتكون اللامُ قد زِيْدَتْ في المفعولِ. وحَسَّن زيادتَها شيئان، / كلٌّ منهما لو انفرد لاقتضى الجوازَ: كونُ العاملِ فرعاً، وكونُه مقدِّماً عليه معمولُه. قال الشيخ (٦): ((ولا يَدُلِ لفظُ (لها سابِقُون)) على هذا التفسيرٍ لأنَّ سَبْقَ الشيءٍ (١) الكشاف ٣٥/٣. (٢) البحر ٤١١/٦. (٣) الآية ٢٥٨ من البقرة. (٤) الآية ١٨٧ من البقرة. (٥) الكشاف ٣٥/٣. (٦) البحر ٤١١/٦. ٣٥٤ - المؤمنون - الشيءَ يدلُّ على تقدُّمِ السابقِ على المسبوقِ فكيفَ يقول: وهم يَسْبقون الخيراتِ؟ وهذا لا يَصِحُّ)). قلت: ولا أَدْري: عدمُ الصحةِ من أيِّ جهةٍ؟ وكأنه تخيّل أنَّ السابق يتقدّمُ على المسبوق فكيف يتلاقیان؟ لكنه كان ينبغي أن يقولَ: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات وهم لا يُجامِعُونها لتقدُّمهم عليها؟ إلاّ أنْ يكونَ قد سبقه القلمُ فَكَتَبَ بدل ((وهم يَنالون)): ((وهم يَسْبِقُون)»، وعلى كلَّ تقديرٍ فأين عَدَمُ الصِّحة؟. وقال الزمخشري(١) أيضاً: ((ويجوز أَنْ يكونَ ((وهم لها سابقون)) خبراً بعد خبرٍ، ومعنی «وهم لها)» كمعنى قوله(٢): ٣٤٢٠- أنت لها أحمدُ مِنْ بینِ البَشَرْ يعني أنَّ هذا الوصفَ الذي وَصَفَ به الصالحين غيرُ خارجٍ من حَدِّ الوُسْعِ والطاقةِ)(٣). فتحصِّل في اللامِ ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنَّها بمعنى ((إلى)). الثاني: أنها للتعليلِ على بابِها. الثالث: أنَّها مزيدةٌ. وفي خبرٍ المبتدأ قولان، أحدُهما: أنه ((سابِقون)) وهو الظاهرُ. والثاني: أنه الجارّ کقوله : - أنت لها أحمدُ مِنْ بينِ البَشَرْ (١) الكشاف ٣٥/٣. (٢) لم أقف عليه عند غير الزمخشري . (٣) وقال بعد ذلك: ((وكذلك كل ما كلفه عباده وما عملوه من الأعمال فغير ضائع عنده بل هو مثبت لديه في كتاب)). ٣٥٥ - المؤمنون - وهذا قد رجّحه الطبريُّ(١)، وهو مرويٍّ عن ابنِ عباس. آ. (٦٢) قوله: ﴿يَنْطِقُ﴾: صفةٌ لـ ((كِتاب)). و((بالحق)) يجوز أَنْ يتعلَّقَ بـ ((يُنْطِقُ))، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ، حالاً من فاعلِه أي: يَنْطِق مُلْتَبساً بالحق . آ. (٦٣) قوله: ﴿هم لها عامِلُون﴾: كقوله: ((هم لها سابقون)) . آ. (٦٤) قوله: ﴿حتى إذا﴾: ((حتى)) هذه: إمَّا حرفُ ابتداءٍ والجملةُ الشرطيةُ بعدَها غايةٌ لِما قبلها، و((إذا)) الثانيةُ فجائيةٌ هي جوابُ الشرطيةِ، وإمّا حرفُ جَرِّ عندَ بعضِهم. وقد تقدَّم تحقيقُه(٢) غيرَ مِرةٍ. وقال الحوفيُّ(٣): ((حتى غايةٌ، وهي عاطفةٌ، ((إذا)) ظرفٌ مضافٌ لِما بعده، فيه معنى الشرطِ، ((إذا) الثانية في موضعٍ جوابٍ الأولى، ومعنى الكلامِ عامل في «إذا» والمعنى جَأَرُوا(٤). والعاملُ في الثانيةِ((أَخَذْن)). وهو كلامٌ لا يَظْهر(٥). وقال ابن عطية (٦): ((و ((حتى)) حرفُ ابتداءٍ لا غيرُ. و((إذا)) والثانيةُ التي هي جوابٌ تمنعان مِنْ أَنْ تكونَ ((حتى)) غايةً لـ ((عامِلُون)). قلت: يعني أن الجملةَ الشرطيةَ وجوابَها لا يَظْهر أَنْ تكونَ غايةً لـ ((عامِلون)). وظاهرُ كلامِ (١) عبارة الطبري في تفسيره ٣٤/١٨: ((وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله ابن عباس من أنه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها)). (٢) انظر: الدر المصون ٤٣٦/٣. (٣) انظر: البحر ٤١٢/٦ . (٤) قال بعدها: ((فيكون جأروا العامل في إذا الأولى)). (٥) قال أبو حيان في البحر ٤١٢/٦: ((وهو كلام مخبط ليس أهلاً أن يرد)). (٦) المحرر ٢٤١/١١ ٣٥٦ - المؤمنون - مكي(١) أنها غايةٌ لـ ((عامِلون)) فإنَّه قال: ((أي لكفارٍ قريش أعمالٌ من الشرِّ دونَ أعمالِ أهلِ البرِ هم لها عاملون، إلى أن يأخذَ اللَّهُ أهلَ النِّعْمةِ والبَطَرِ منهم إذا هم یضِجُون)). انتهى. والجُوَّار: الصُّراخُ مطلقاً. وأنشد الجوهري(٢): ٣٤٢١ - يُراوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِيْ كٍ طَوْراً سُجوداً وطَوْراً جُؤارا وقد تقدَّم هذا مستوفىّ في النحل(٣). آ. (٦٦) قوله: ﴿على أعقابِكم﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بـ ((تَنْكِصُون)). كقوله: (نَكَصَ على عَقِبَيْهِ))(٤). والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حال مِنْ فاعلِ ((تَنْكِصُون)) قاله أبو البقاء(٥) ولا حاجةً إليه. وقرأ(٦) أميرُ المؤمنين ((تَنْكُصُون)) بضم العين. وهي لغةٌ. آ. (٦٧) قوله: ﴿مُسْتَكْبرين): حالٌ مِنْ فاعل («تَنْكِصُون)). قوله ((به)) فيه قولان، أحدُهما: أَنَّه يتعلقُ بـ ((مُسْتَكْبرين)). والثاني أنه متعلقٌ بـ ((سامِراً)). وعلى الأولٍ فالضميرُ للقرآن أو للبيتِ شَرَّفه اللهُ تعالى، أو للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أو النُّكوصِ المدلول عليه بـ «تَنْكِصون»، (١) لم يرد في ((مشكله))، وورد في البحر ٤١٢/٦ . (٢) تقدم برقم ٢٩٨٦. ولم يرد في الصحاح للجوهري. (٣) انظر: الدر المصون ٢٣٩/٧. (٤) الآية ٤٨ من الأنفال. (٥) الإملاء ١٥١/٢. (٦) القرطبي ١٣٦/١٢، والبحر ٤١٢/٦، والشواذ ٩٩ ونسبها لابن مسعود. وأمير المؤمنين هنا هو عليّ رضي الله عنه. ٣٥٧ - المؤمنون - كقوله: ((اعدِلُوا هو أقربُ))(١). والباءُ في هذا كلِّه للسببية؛ لأنه استكبروا بسببٍ القرآنِ لَمَّا تُلِيَ عليهم، وبسببِ البيتِ لأَنَّهم يقولون: نحن وُلاتُه وبالرسولِ لأنهم يقولون: هو مِنَّا دونَ غيرِهِ، أو بالنُّكوصِ لأنه سببُ الاستكبارِ. وقيل: ضَمِّنَ الاستكبارَ معنى التكذيبِ؛ فلذلك عُدِّيَ بالباءِ، وهذا يَتَأَتَّى على أن يكونَ الضميرُ للقرآنٍ أو للرسولِ .. وأمَّا على الثاني وهو تَعَلُّقُه بـ ((سامِراً) فيجوزُ أن يكونَ الضميرُ عائداً على ما عادَ عليه فيما تقدَّم، إلَّ النكوصَ لأنهم كانوا يَسْمُرُون بالقرآن وبالرسول أي: يجعلونَهما حديثاً لهم يَخُوضون في ذلك كما يُسْمَرُ بالأحاديث، وكانوا يَسْمُرُون [٦٥٨/ب] في البيتِ، فالباء ظرفيةٌ على هذا، و((سامِراً))/ نصبٌ على الحالِ: إمَّا مِنْ فاعل ((تَنْكِصُون))، وإمَّا مِنَ الضمير في ((مُسْتَكْبرين)). وقرأ(٢) ابنُ مسعود وابنُ عباس وأبو حيوة - وتُروى عن أبي عمروٍ - ((سُمَّراً)) بضمِّ الفاءِ وفتحِ العين مشددةً. وزيد بن علي وأبو رجاء وابن عباس أيضاً ((سُمَّاراً)) كذلك، إلَّ أَنَّه بزيادةٍ ألفٍ بين الميم والراء، وكلاهما جمعٌ لـ («سامِر)). وهما جمعان مَقيسان لـ ((فاعِل)) الصفةِ نحو: ضُرُّب وضُرَّاب في ضارِب. والأفصحُ الإِفرادُ؛ لأنه يقعُ على ما فوق الواحدِ بلفظ الإِفرادِ تقول: قومٌ سامِرٌ. والسَّامِرُ مأخوذٌ من السَّمَرِ وهو سَهَرُ الليلِ، مأخوذٌ من السَّمَرِ وهو ما يقعُ على الشجر من ضوءِ القمر، فيجلِسُون إليه يتحدثون مُسْتَأْنِسین به. قال الشاعر (٣) : (١) الآية ٨ من المائدة. (٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٨٦/٢، والمحتسب ٩٦/٢، والبحر ٤١٣/٦. (٣) البيت للحرث الجرهمي أو لعمرو بن الحرث، وهو في اللسان (حجن). والحجون: جبل بمكة . ٣٥٨ - المؤمنون - ٣٤٢٢- كأَن لم يكُنْ بين الحَجونِ إلى الصَّفا أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةً سامِرُ وقال الراغب(١): ((السَّامِرُ: الليلُ المظلم، ولا آتَيْكَ ما سَمَر ابنا سَمِيرٍ، يَعْنُون الليل والنهار(٢). والسُّمْرة: أحدُ الألوان، والسَّمْراء: كُني بها عن الحنطة)). قوله: ((تَهْجُرون)) قرأ العامَّةُ بفتح التاءِ وضمِّ الجيمِ، وهي تحتمل وجهين، أحدهما: أنَّها مِن الهَجْرِ بسكونِ الجيمِ، وهو القطع والصَّدُّ، أي: تهجُرُون آياتِ الله ورسوله وتَزْهَدون فيهما، فلا تَصِلُونهما. الثاني: أنها من الهَجَرِ بفتحها وهو الهَذَيانُ. يقال: هَجَر المريضُ هَجْراً أي هَذَىْ فلا مفعولَ له. ونافع(٣) وابن محيصن بضم التاءِ وكسرِ الجيم مِنْ أهجر إِهْجاراً أي: أَفْحَشَ في مَنْطِقِه. قال ابن عباس: ((يعني سَبَّ الصحابةِ)). وزيد بن علي وابن محيصن وأبو نهيك بضمَّ التاءِ وفتحِ الهاء وكسرِ الجيمِ مشددةً مضارعَ هَجِّر بالتشديد. وهو محتمِلٌ لَأنْ يكونَ تضعيفاً للهَجْر أو الهَجَر أو الهُجْر. وقرأ ابن أبي عاصم(٤) كالعامَّةِ، إلاَّ أنَّه بالياءِ من تحتُ وهو التفاتُ. آ. (٧١) قوله: ﴿ولو اتْبَعَ﴾: الجمهورُ على كسرِ الواوٍ لالتقاء الساكنين. وابن وثاب(٥) بضمِّها تشبيهاً بواوِ الضميرِ كما كُسِرَتْ واوُ الضميرِ تشبيهاً بها . (١) المفردات ٢٤٢ . (٢) لم يرد قوله: ((يعنون الليل والنهار)) في المفردات. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٤٦، والنشر ٣٢٩/٢، والحجة ٤٨٩، والتيسير ١٥٩، والبحر ٤١٣/٦. (٤) لم أقف عليه. (٥) المحتسب ٩٧/٢، والبحر ٤١٤/٦. ٣٥٩ - المؤمنون - قوله: (بل أَتَيْناهم)) العامَّةُ على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلمِ المعظّمِ نفسّه. والمرادُ: أَتْتَّهمُ رسلُنا. وقرأ(١) أبو عمروٍ في روايةٍ ((آتيناهم)) بالمدِّ بمعنى أَعْطيناهم، فيُحتمل أَنْ يكونَ المفعولُ الثاني غيرَ مذكورٍ. ويُحتمل أَنْ يكونَ ((بذِكْرِهم)» والباءُ مزيدةٌ فيه. وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمروٍ أيضاً ((أَتَيْتُهم) بتاءِ المتكلم وحدَه. وأبوالبرهسم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء (أَتَيْتُهُمْ)) بتاء الخطاب، وهو للرسول عليه السلام. وعيسى(٢) ((بذكراهم)) بألفٍ التأنيث. وقتادةُ ((نُذَكِّرُهم)) بنون المتكلمِ المعظمِ نفسَه مكانَ باءِ الجرِّ مضارعَ ((ذَكَّر» المشدَّدِ، ويكون ((نُذَكِّرُهم) جملةً حاليةً. وقد تقدَّم الكلامُ في ((خَرْجاً)» و((خَراج)) في الكهف(٣). آ. (٧٤) قوله: ﴿عن الصِّرَاطِ﴾: متعلقٌ بـ ((ناكِبون))، ولا تمنعُ لامُ الابتداءِ مِنْ ذلك على رأيٍ قد تقدَّم تحقيقه. والنُّكُوب والنَّكْبُ: العدولُ والميْلُ. ومنه النِّكْباءُ للريح بين رِيْحَيْنِ، سُمِّيَتْ بذلك لعُدولها عن المَهَابِّ ونَكَبَتْ حوادثُ الدهر أي: هَبَّتْ هبوبَ النَّكْباء، والمَنْكِبُ: مُجْتَمَعُ ما بَيْنَ العَضُدِ والكُتِفِ. والأَنْكَبُ المائلُ المَنْكِبِ. ولفلانٍ نِكابة في قومه أي: نقابة (٤) فيشبه أن تكونَ الكافُ بدلاً من القاف. ويقال: نَكَبَ ونَكَّب مُخَففاً ومُثَقلاً. آ. (٧٥) قوله: ﴿لَلَجُوا﴾: جواب ((لو)). وقد توالى فيه لامان وفيه تَضْعيفٌ لقول مَنْ قال: إنَّ جوابها إذا نفي بـ((لم)) ونحوِها مِمَّا صُدِّر فيه حرفُ النفي بلام، إنه لا يجوزُ دخولُ اللامِ لوقلت: ((لوقام زيدٌ لَلَمْ يقم (١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٩٨/٢، والبحر ٤١٤/٦. (٢) انظر في قراءاتها: الشواذ ٩٨، والبحر ٤١٤/٦. (٣) انظر: الدر المصون ٥٤٦/٧. (٤) النقابة: المنزلة. يقال: نَقَب الرجل على القوم يَنْقُب نِقابة. ومنه النقيبُ: عريف القوم وشاهدهم وضمينهم. انظر: اللسان (نقب). ٣٦٠