Indexed OCR Text
Pages 281-300
- الحج - قوله: ((لن ينالَ اللَّهَ لحومُها)) العامَّةُ على القراءةِ بياءِ الغَيْبة في الفعلين؛ لأنَّ التأنيثَ مجازي(١) وقد وُجد الفصلُ بينهما. وقُرىءٍ(٢) بالتاء فيهما اعتباراً باللفظ. وقرأ(٣) زيد بن علي ((لحومها ولا دماءها)) بالنصب، والجلالةُ بالرفع، ((ولكن يُنالُه)) بضم الياء، على أن يكونَ القائم مقامَ الفاعلِ، ((التقوى))، و((منكم)) حالٌ من ((التقوى))، ويجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ («تَنَالُه)). آ. (٣٨) قوله: ﴿يُدافِعُ﴾: قرأ(٤) ابن كثير وأبو عمرو ((يَدْفَعُ» والباقون (يُدافع)). وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ فَاعَلَ بمعنى فَعَل المجردِ نحو: جاوَزْته وجُزْتُه، وسافَرْتُ(٥)، وطارَقْتُ(٦). والثاني: أنه أُخْرِجَ على زِنَّةِ المُفاعلة مبالغةً فيه؛ لأنَّ فِعْلَ المفاعلةِ أبلغُ مِنْ غيره. وقال ابن عطية(٧): ((فَحَسُنَ دفاع(٨) لأنه قد عَنَّ للمؤمنين [مَنْ](٩) يَدْفَعُهم ويؤذيهم فتجيء مقاومته ودَفْعُه عنهم مُدافَعَةً)) يعني: فَيُلْحَظُ فيها المفاعلةُ. آ. (٣٩) قوله: ﴿أُذِنَ للذينَ﴾: قرأه(١٠) مبنياً للمفعول نافع وأبو عمرو وعاصم. والباقون قرؤوه مبنياً للفاعل. وأمَّا ((يُقاتِلون)) فقرأه مبنياً للمفعول (١) الأقرب أن يقول في الفعل الأول: لأن الفاعل جمع تكسير. (٢) وهي قراءة يعقوب والأعرج وآخرين. انظر: الإتحاف ٢٧٥/٢، والنشر ٣٢٦/٢، والبحر ٣٧٠/٦. (٣) البحر ٣٧٠/٦. السبعة ٤٣٧، والتيسير ١٥٧، والحجة ٤٧٧، والنشر ٣٢٦/٢، والبحر ٣٧٣/٦. (٤) (٥) ليس سافر بمعنى سَفَر وإنما هو بمعنى خرج للارتحال وهو يُغني عن الثلاثي. (٦) طارق النعل: صيَّرها طاقاً فوق طاق. (٧) المحرر ٢٠٤/١١ . (٨) في المطبوعة ((يدافع)). (٩) زيادة من المحرر. (١٠) السبعة ٤٣٧، والتيسير ١٥٧، والحجة ٤٧٨، والنشر ٣٢٦/٢، والبحر ٣٧٣/٦. ٢٨١ ٠ ٠ · - الحج - نافع وابن عامر وحفض. والباقون مبنياً للفاعل. وحَصَلَ من مجموع الفعلين: أن نافعاً وحفصاً بَنَياهما للمفعول، وأنَّ ابنَ كثيرٍ وحمزةً والكسائي بَنَياهما للفاعل، وأن أبا عمرو وأبا بكر بَنّيا الأول للمفعول والثاني للفاعل، وأن ابنَ عامر عكسُ هذا فهذِه أربعُ رُتَبِ. والمأذونُ فيه محذوفٌ للعلم به أي : للذين يقاتلون في القتال. و((بأنهم ظُلِموا)) متعلقٌ بـ((أُذِنَ)) والباءُ سببيةٌ أي: بسبب أنهم مظلومون. آ. (٤٠) قوله: ﴿الذين أُخْرِجُوا﴾: يجوز أن يكونَ في محلّ جرِّ، نعتاً للموصول الأولِ أو بياناً له، أو بدلاً منه، وأن يكون في محل نصبٍ على المدح، وأن يكونَ في محلٌّ رفعٍ على إضمارٍ مبتدأ. قوله: ((إلا أَنْ يُقولوا)) فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على الاستثناءِ المنقطع، وهذا ممَّا يُجْمِعُ العربُ على نصبه؛ لأنه منقطعٌ(١) لا يمكنُ تَوَجُّهُ العاملِ إليه، وما كان كذا أجمعوا على نصبهِ، نحو: ((ما زاد إلَّ ما نقصَ))، (وما نفعَ إِلَّ ما ضَرَّ». فلو توجَّهَ العاملُ جاز فيه لغتان: النصبُ وهو لغةُ الحجاز، وأَنْ يكونَ كالمتصلِ في النصبِ والبدل نحو: ((ما فيها أحدٌ إلَّ حمارٌ))، وإنما كانت الآيةُ الكريمةُ من الذي لا يتوجّه عليه العاملُ؛ لأنك لوقلت: ((الذين أُخْرِجوا مِنْ ديارهم إلا أَنْ يقولوا ربُّنا الله)) لم يَصِحَّ. الثاني: أنه في محلِّ جر بدلاً من ((حَقّ)) قال الزمخشري(٢): ((أي بغير موجبٍ سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإِقرارِ والتمكينِ لا موجبَ الإِخراجِ والتسييرِ. ومثلُه: ((هل تَنْقِمون منا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله))(٣). (١) ومنفي. (٢) الكشاف ١٦/٣. (٣) الآية ٥٩ من المائدة. ٢٨٢ - الحج - ومَمِّنْ جَعَلَه في موضع جرِّ بدلاً ممَّا قبله الزجاجُ(١). إلَّ أن الشيخ(٢) قد رَدَّ ذلك فقال: ((ما أجازاه من البدل لا يجوز؛ لأنَّ البدلَ لا يجوزُ إلَّ حيث سبقه نفيٌ أو نهيٌ أو استفهامٌ في معنى النفي (٣). وأمَّا إذا كان الكلام موجباً أو أمراً فلا يجوزُ البدلُ(٤)؛ لأنَّ البدلَ لا يكون إلا حيثُ يكونُ العاملُ يَتَسَلَّطُ عليه. ولو قلت: ((قام إلّ زيدٌ))، و((لْيَضْرِبْ إلَّ عمروٌ)) لم يجز. ولو قلت في غير القرآن: ((أُخْرِجَ الناسُ مِنْ ديارِهم إلّ بأَنْ يقولوا: لا إلهَ إلَّ اللَّهُ)) لم يكن كلاماً. هذا إذا تُخُيُّلِ أَنْ يكونَ ((إلا أَنْ يَقُولوا)) في موضعٍ جرِّ بدلاً من ((غير)) المضاف إلى ((حَقٌّ)). وأمَّا إذا كان بدلاً من ((حق)) كما نَصَّ عليه الزمخشريُّ فهو في غايةٍ الفسادِ؛ لأنه يَلْزَمُ منه أن يكونَ البدلُ يلي ((غيراً)) فيصير التركيبُ: بغير إلّ أَنْ يقولوا، وهذا لا يَصِحُّ، ولو قَدَّرْنا [إِلَّ](٥) بـ ((غير)) كما / يُقَدَّرُ في النفي في: [٦٤٧ /ب] (ما مررت بأحدٍ إلَّ زيدٍ)) فتجعلُه بدلاً لم يَصِحُّ؛ لأنه يصيرُ التركيبُ: بغير غيرِ قولهم ربُّنا اللَّهُ، فتكون قد أضَفْتَ غيراً إلى ((غير)) وهي هي فيصير: بغير غير، ويَصِحُّ في ((ما مررتُ بأحدٍ إلَّ زيدٍ)) أن تقول: ما مررت بغير زيد، ثم إن الزمخشري حین مَثَّل البدلَ قَدَّره: بغير موجِبٍ سوى التوحيدِ، وهذا تمثيلٌ للصفة، جَعَلَ [إلّ] بمعنى سِوَى، ويَصِحُّ على الصفةِ فالتبسَ عليه بابُ الصفة بباب البدل. ويجوز أن تقولَ: ((مررتُ بالقومِ إلّ زيدٍ)) على الصفة لا على البدل». (١) معاني القرآن ٤٣٠/٣. (٢) البحر ٣٧٤/٦. (٣) مثَّل لذلك بقوله: نحو: ما قام أحد إلاّ زيد، ولا يضرب أحد إلاّ زيد، وهل يضرب أحد إلا زید)». (٤) قال: لا يقال: ((قام القوم إلَّ زيد)) على البدل و((لا يضرب القوم إلاّ زيد)) على البدل. (٥) من البحر. ٢٨٣ - الحج- قوله: ((ولولا دَفْعُ اللَّهِ)) قد تقدَّم الخلافُ فيه في البقرة(١) وتوجيه القراءتين. وقرأ(٢) ((لَهُدِمَتْ)) بالتخفيفِ نافعٌ وابن كثير. والباقون بالتثقيل الدالِّ على التكثيرِ؛ لأنَّ المواضعَ كثيرةٌ متعددةٌ، والقراءةُ الأولى صالحةٌ لهذا المعنى أيضاً. والعامَّةُ على ((صَلَواتٌ)) بفتح الصاد واللام جمعَ صلاةٍ. وقرأ(٣) جعفر ابن محمد ((وصُلُّوات)) بضمّهما، ورُوي عنه أيضاً بكسرٍ الصاد وسكونِ اللام. وقرأ الججدري بضم الصاد وفتح اللام. وأبو العالية بفتح الصادِ وسكونِ اللامِ . والجحدريُّ أيضاً ((وضُلُوْت)) بضمِّهما وسكونِ الواو، بعدها تاءٌ مثناةٌ من فوقُ مثلَ: صُلْب وصُلُوبِ. والكلبيُّ والضحاكُ كذلك، إلاّ أنهما أَعْجَما التاءَ بثلاثٍ مِنْ فوقها. والجحدريُّ أيضاً وأبوِ العاليةِ وأبو رجاءٍ ومجاهدٌ كذلك، إلاّ أنَّهم جعلوا بعد الثاءِ المثلثة ألفاً فقرؤوا ((صُلُوْنا)) ورُوي عن مجاهدٍ في هذه التاءِ المثنَّةِ مِنْ فوقُ أيضاً. ورُوي عن الجحدريِّ أيضاً ((صُلْواث)) بضم الصادِ وسكونِ اللامِ وألفٍ بعد الواوِ والثاءِ مثلثةً . وقرأ عكرمة ((صِلْوِيْثَى)) بكسر الصاد وسكون اللام، وبعدها واوٌ مكسورةٌ بعدَها ياءٌ مثَّةً مِنْ تَحتُ بعدها تاءٌ مثلثةٌ، وحكى ابنُ مجاهد أنه قُرِىءَ ((صِلْواث)) بكسر الصاد وسكون اللام، بعدها واوٌ، بعدها ألف، بعدها ثاءً : مثلثةً. وقرأ الجحدري ((وصُلُوب)) مثل كُعُوْب بالباء الموحدةِ وهو جمع (١) انظر: الدر المصون ٥٣٣/٢. (٢) السبعة ٤٣٧، والتيسير ١٥٧، والحجة ٤٧٩، والنشر ٣٢٧/٢، والبحر ٣٧٥/٦. (٣) انظر في قراءاتها: المحتسب ٨٣/٢، والقرطبي ٧١/١٢، والبحر ٣٧٥/٦. ٢٨٤ - الحج - (صليب))، وفُعُوْل جمعُ فعيل شاذٌّ نحو: ظريف وظروف وأَسِينة(١) وأُسُون، ورُوي عن أبي عمرو ((صلواتُ)) كالعامَّةِ، إلَّ أَنَّه لم يُنَوِّن، مَنَعه الصرفَ للعلميّة والعجمة؛ لأنه جعله اسمَ موضعٍ، فهذه أربعَ عشرةَ قراءةً، المشهورُ منها واحدةٌ، وهي هذه الصلاةُ المعهودة. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ ليَصِحَّ تَسَلُّطُ الهَدْمِ عليها أي: مواضع صلواتٍ، أو يُضَمَّن ((هُدِّمَتْ)) معنى ((عُطِّلَتْ)) فيكون قَدْراً مشتركاً بين المواضع والأفعال؛ فإِنَّ تعطيلَ كلِّ شيءٍ بِحَسبِهِ. وأخّر المساجدَ لحدوثِها في الوجود، (٢) صلاةُ كلِّ مِلَّةٍ أو الانتقالِ إلى الأشرفِ. والصلواتُ في الأمم . بِحَسَبِها. وظاهرُ كلام الزمخشري (٣) أنها بنفسِها اسمُ مكان فإنه قال: ((وسُمَّيَتْ الكنيسةُ صلاةً لأنه يُصَلَّى فيها. وقيل: هي كلمةٌ مُعَرِّبَةٌ أصلُها بالعبرانيةِ صَلُونا». انتھی . وأمَّا غيرُها(٤) من القراءات فقيل: هي سريانيةٌ أو عبرانيةٌ دَخَلَتْ في لسانٍ العربِ، ولذلك كَثُر فيها اللغاتُ. والصَّوامِعُ: جمعُ صَوْمَعَة وهي البناءُ المرتفعُ الحديدُ الأعلى، مِنْ قولِهم رجلٌ أصمعُ(٥)، وهو الحديدُ القولِ. ووزنها فَوْعَلة كِدَوْخَلة(٦). وهي متعبَّد الرهبانِ لأنهم ينفردون. وقيل: متعبَّدُ الصَّابِئِين. والبِيْعُ: جمع بِيْعَة، وهي متعبَّدُ النصارى. وقيل: كنائس اليهود. (١) الأَسِيْنة: سَيْرٌ من سيور تُضْفر فتجعل وتراً أو غيره. كلمة لم أتبينها، رسمت في ش ((المسلمين)). (٢) (٣) الكشاف ١٦/٣. (٤) أي غير قراءة العامة. (٥) ورد ذلك في الكتاب ٣٤٧/٢. (٦) الدوخلة: سَفيفة من خوص يوضع فيها التمر، بتخفيف اللام وتشديدها. ٢٨٥ - الحج - والأشهر أنَّ الصوامِعَ لِلرهبانِ والبِيْعَ للنصارى، والصَّلَواتِ لليهود، والمساجدّ للمسلمين. و((يُذكَرُ فيها اسمُ الله)) يجوز أَنْ يكونَ صفةً للمواضعِ المتقدمةِ كلِّها، إنْ أَعَدْنا الضميرَ مِنْ ((فيها)» عليها، أو صفةً للمساجد فقط، إنْ خَصَصْنا الضميرَ فِي «فيها» بها، والأولُ أظهر. آ. (٤١) قوله: ﴿الذينَ إِنْ مَكِّنَّاهُمْ﴾: يجوزُ في هذا الموصولِ ما جاز في الموصولِ قبلَه. ويزيد هذا عليه: بأَنْ يجوز أن يكون بدلاً مِنْ ((مَنْ يَنْصُرُه) ذكره الزجاج(١) أي: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ الذِين إِنْ مَكِّنَّاهم. و ((إِنْ مَكِّنَّاهم)) شرطٌ. و((أقاموا)) جوابُه، والجُملةُ الشرطيةُ بأَسْرِها صلةُ الموصولِ. آ. (٤٤) قوله: ﴿نَكير﴾: النكيرُ مصدرٌ بمعنى الإنكار كالنَّذیر بمعنى الإِنذار. وأثبتَ(٢) ياء ((نَكيري)) حيث وقع ورشٌ في الوصل، وحذفها في الوقف. والباقون بحذفُها وَصْلاً ووَقْفاً. آ. (٤٥) قوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قريةٍ أَهْلَكْناها﴾ : يجوز أن تكونَ ((كأيِّنْ)) منصوبةً المحل على الاشتغالِ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسره ((أهلكناها)» وأَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبر ((أَهْلكناها)). وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيها(٣) . قوله: ((وهي ظالمةٌ)) جملةٌ حالية مِنْ هاء ((أَهْلكناه)). قوله: ((فهي خاويةٌ)) عطفُ على ((أَهْلَكْناه)، فيجوزُ أن تكونَ في محلٌ (١) معاني القرآن ٤٣١/٣. (٢) السبعة ٤٤١، والتيسير ١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢. (٣) انظر: الدر المصون: ٤٢١/٣. ٢٨٦ - الحج - رفعٍ لعطفِها على الخبر على القول الثاني، وأنْ لا يكونَ لها محلّ لعطفِها على الجملةِ المفسِّرة على القول الأول. وهذا عنى الزمخشريُّ(١) بقوله: ((والثانيةُ - يعني قوله: ((فهي خاويةٌ)) - لا محلّ لها لأنها معطوفةٌ على ((أهلكناه))، وهذا الفعلُ ليس له محلٌ تفريعاً/ على القولِ بالاشتغالِ. وإلّ فإذا قلنا: إنه خبرٌ [٦٤٨/أ] لـ «کاین)» کان له محلٌّ ضرورةً. وقرأ(٢) أبو عمروٍ ((أهلكتُها)). والباقون ((أَهْلكناه)) وهما واضحتان. قوله: ((وبِثْرِ مُعَطِّلَةٍ)) عطفٌ على ((قريةٍ))، وكذلك و((قَصْرٍ) أي: وكأَيِّن من بئرٍ وقصرٍ أَهْلكناها أيضاً، هذا هو الوجهُ. وفيه وجهٌ ثانٍ(٣): أَنْ تكونَ معطوفةً وما بعدها على ((عروشِها) أي: خاوية على بئرٍ وقصرٍ أيضاً. وليس بشيءٍ. والِثْرُ: مِنْ بَأَرْتُ الأرض أي حفرتُها. ومنه ((التّأْبِير) وهو شَقُّ (٤) الطلع. والبِثْرِ فِعْل بمعنى مَفْعول كالذُّبْح بمعنى المَذْبوح وهي مؤنثةٌ، وقد تُذَكَّرُ على معنى القليب. وقوله(٥): ٣٣٩٥- وبِثْري ذو حَفَرْتُ وذو طَوَيْتُ (١) الكشاف ١٧/٣. (٢) السبعة ٤٣٨، والتيسير ١٥٧، والحجة ٤٧٩، والنشر ٣٢٧/٢، والبحر ٣٧٦/٦. (٣) وهو مذهب الفراء في معاني القرآن ٢٢٨/٢. (٤) كلمة لم أتبينها لعلها محرفة من ((كافور)) جاء في اللسان: ((كافور الطَّلْعَة: وعاؤها الذي ینشق عنها)). (٥) صدره: فإن الماءَ ماءُ أبي وَجَدِّي وهو لسنان بن الفحل، في أمالي الشجري ٣٠٦/٢، وابن يعيش ١٤٧/٣، والخزانة ٥١١/٢، والهمع ٨٤/١، والدرر ٥٩/١. ٢٨٧ : - الحج :- · يَحتمل التذكير والتأنيثَ. والمُعَطَّلَةُ: المُهْملة، والتعطيل: الإِهمال. وقرىء(١) ((مُعْطَلَةٍ) بالتخفيف يقال: أَعْطَلْتُ البئر وعَطَّلْتُهَا فَعَطَلَت بفتح الطاء، وأما عَطِلَتْ المرأةُ من الحُلِيِّ فبكسرِ الطاءِ. والمَشِيْدُ: قد تَقدَّم(٢) أنه المرتفعُ أو المُجَصَّصُ. وإنما بني هنا مِنْ شادَه، وفي النساء(٣) مِنْ شَيِّده؛ لأنه هناك بعد جمعٍ فناسَبَ التكثيرَ، وهنا بعد مفردٍ فناسَب التخفيفَ، ولأنه رأسُ آيَةٍ وفاصلةٍ . آ. (٤٦) قوله: ﴿فتكونَ﴾: هو منصوبٌ على جوابٍ الاستفهامِ. وعبارةُ الجوفي ((على جوابٍ التقريرِ)). وقيل: على جوابِ النفيِ ، وقرأ(٤) مبشِّر بنُ عبيد («فيكونَ» بالياءِ من تحتُ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. ومتعلَّقُ الفعلِ محذوفٌ أي: مَا حَلَّ بالأممِ السالفةِ. قوله: ((فإنها لا تَعْمَى)) الضميرُ للقصةِ. و ((لا تَعْمَى الأبصارُ)» مُفَسِّرَةً له. وحَسَّنَ التأنيثَ في الضمير كونُه وَلِيَه فِعْلُ بعلامةِ تأنيثٍ، ولو ذُكِّر في الكلامِ فقيل ((فإنه)) لجازَ، وهي قراءةٌ مَرْوِيَّةٌ عن عبد الله (٥)، والتذكيرُ باعتبارِ الأمرِ والشأنِ. وقال الزمخشري(٦): ((ويجوزُ أن يكون ضميراً مُبْهماً يُفَسِّره ((الأبصارُ)) وفي ((تَعْمَىْ)) راجعٌ إليهِ)). قال الشيخ (٧): ((وما ذكره لا يجوزُ لأن الذي يُفَسِّره ما بعدَه محصورٌ، وليس هذا واحداً منه: وهو في باب (رُبَّ))، وفي باب نِعْم (١) وهي قراءة الحسن والجحدري. انظر: المحتسب ٨٥/٢، والبحر ٣٧٦/٦ .. (٢) انظر: الدر المصون ٤٦/٤. (٣) الآية ٧٨ ((أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيِّدة)). (٤) البحر ٣٧٧/٦. (٥) البحر ٣٧٨/٦، معاني القرآن للفراء ٢٢٨/٢. (٦) الكشاف ٠١٧/٣ (٧) البحر ٣٧٨/٦. ٢٨٨ - الحج - وبئس، وفي باب الإِعمال، وفي باب البدل، وفي باب المبتدأ والخبر، على خلافٍ في بعضها، وفي باب ضمير الشأن، والخمسةُ الأَوَلُ تُفْسَّر بمفرد إلاّ ضميرَ الشأنِ، فإنه يُفَسَّر بجملةٍ، وهذا ليس واحداً من الستة))(١). قلت: بل هذا من المواضع المذكورةِ، وهو باب المبتدأ. غايةُ ما في ذلك أنه دَخَلَ عليه ناسخٌ وهو ((إنَّ)) فهو نظيرُ قولهم: ((هي العربُ تقول ما شاءَتْ، وهي النفسُ تتحمَّل ما حَمَلَتْ)) وقوله تعالى: ((إنْ هي إلاّ حياتنا))(٢). وقد جعل الزمخشريُّ جميعَ ذلك مِمَّا يُفَسَّر بما بعده، ولا فرقَ بين الآيةِ الكريمةِ وبين هذه الأمثلةِ إلَّ دخولُ الناسخِ ولا أثرَ له، وعَجِبْتُ من غَفْلَةِ الشيخ عن ذلك . قوله ((التي في الصدورِ)) صفةٌ أو بدلٌ أو بيانٌ. وهل هو توكيدٌ؛ لأنَّ القلوبَ لا تكونُ في غير الصدور، أو لها معنى زائدٌ؟ كما قال الزمخشري(٣): (الذي قد تُعُوْرِف واعتُقِدَ أنَّ العَمى في الحقيقة مكانُه البصرُ، وهو أن تصابَ الحَدَقَةُ بما يَطْمِسُ نورَها، واستعمالُه في القلبِ استعارةٌ ومَثَلٌ. فلمَّا أُرِيدَ إثباتُ ما هو خلافُ المعتقدِ مِنْ نسبةِ العَمَى إلى القلوبِ حقيقةً، ونفيُه عن الأبصارِ، احتاج هذا التصويرُ إلى زيادةٍ تعيينٍ وفَضْلٍ تعريفٍ؛ ليتقرَّرَ أنَّ مكانَ العمى هو القلوبُ لا الأبصارُ، كما تقولُ: ليس المَضَاءُ للسّيْفِ، ولكنه لِلِسانِك الذي بينَ فَكَّيْكَ. فقولُك: ((الذي بين فَكَّيْكَ)) تقريرٌ لِما ادَّعَيْتَه لِلِسانِه وتثبيتٌ؛ لأنَّ مَحَلَّ المَضاءِ هو هو لا غير، وكأنَّك قلتَ: ما نَفَيْتُ المَضاءَ عن السيفِ وأثبتُّه لِلِسانِك فلتةً مني ولا سهواً، ولكن تَعَمَّدْتُ به إِيَّاه بعينه تَعَمُّدًا)) . (١) انظر: الارتشاف ٤٨٤/١. (٢) الآية ٢٩ من الأنعام. (٣) الكشاف ١٧/٣ . ٢٨٩ - الحج - وقد رَدَّ الشيخ(١) على أبي القاسم قوله: ((تَعَمَّدْتُ به إياه)) وجعل هذه العبارةَ عُجْمَةً من حيث إنه فَصَلَ الضميرَ، وليس من مواضعِ فَصْلِه، وكان صوابه أن يقول: تعمِّدْتُه به كما تقول: ((السيفُ ضربتُك به)) لا («ضربْتُ به إياك)). قلت: وقد تقدَّم لك نظيرُ هذا الردِّ والجوابُ عنه بما أُجيب عن قولِه تعالى: ((يُخْرِجُون الرسولَ وإِيَّاكم))(٢)، ((ولقد وَصَّيْنا الذين أُوْتُوا الكتابَ مِنْ قَبْلِكم وإِيّاكم))(٣): وهو أنه ـــ مع قَصْدِ تقديمِ غيرِ الضميرِ عليه لغرضٍ - يمتنعُ اتصالُه، وأيُّ خطأ في مثل هذا حتى يَدَّعي العُجْمَةَ على فصيحٍ شَهِدَ له بذلك أعداؤه، وإن كان مُخْطِئاً في بعضِ الاعتقاداتِ ممَّا لا تَعَلُقَ له فيما نحن بصدده؟ وقال الإِمامُ فخر الدين(٤): ((وفيه عندي وجهُ آخرُ: وهو أنَّ القلبَ قد [٦٤٨/ب] يُجْعَلُ كنايةً عن الخاطرِ والتدبُّرِ، كقولِه تعالى: / ((إنَّ في ذلك لَذِكْریْ لمَنْ كان له قَلْبُ))(٥). وعند قومٍ أنَّ محلَّ الذِّكْرِ هو الدماغُ، فاللَّهُ تعالَى بَيَّن أنَّ مَخَلَّ ذلك هو الصدرُ)). وفي محلَّ العقلِ خلافٌ مشهورٌ، وإلى الأولِ مَّيْلُ ابنِ عطية (٦) قال: ((هو مبالغةٌ كما تقول: نظرتُ إليه بعيني، وكقوله: يقولون بأَفْواههم)»(٧). قلت: وقد أَبْدَيْتُ فائدةً في قولِه ((بأفواههم)) زيادةً على التأكيد(٨) . (١) البحر ٣٧٨/٦. (٢) الآية ١ من الممتحنة، ولم يسبق له أن درس الممتحنة. (٣) الآية ١٣١ من النساء. وانظر: الدر المصون ١١١/٤. (٤) تفسير الرازي ٤٥/٢٣. (٥) الآية ٣٧ من سورة ق. (٦) المحرر ٢٠٩/١١. (٧) الآية ١٦٧ من آل عمران. (٨) انظر: الدر المصون ٤٧٨/٣. ٢٩٠ - الحج - آ. (٤٧) قوله: ﴿يُمَّا تَعُدُّون﴾: قرأ(١) الأخَوان وابن كثير ((يَعُدُّون)) بياءِ الغَيْبة. والباقون بتاءِ الخطاب وهما واضحتان. آ. (٤٨) قوله: ﴿وكَأَيِّنْ مِنْ قريةٍ﴾: قد تقدَّم نظيرُها(٢). قال الزمخشري(٣): ((فإن قلتَ: لِمَ عُطِفَتْ الأولى بالفاء، وهذه بالواو؟ قلت: الأولى وَقَعَتْ بدلاً مِنْ قولِه ((فكيف كان نَكير)) و[أمَّا](٤) هذه فحكمُها حكمُ الجملتين قبلها المعطوفَتَيْن بالواو، أعني قولَه ((ولن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَه، وإنَّ يوماً عند ربك کألفٍ سنة)). آ. (٥١) قوله: ﴿مُعاجِزين﴾: قرأ(٥) أبو عمرو وابن كثير بالتشديد في الجيم هنا، وفي حرفَيْ سبأ(٦)، والباقون ((مُعاجزين)) في الأماكن الثلاثة. والجحدري كقراءة ابن كثير وأبي عمرو في جميع القرآن وابن الزبير: «مُعْجِزین» بسکون العين . فأمَّا الأولى ففيها وجهان، أحدُهما: قال الفارسي (٧): معناه: ناسِبين أصحابَ النبيِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى العَجْز نحو: فَسَّقْتُه أي نَسَبْتَه إلى الفسق)). والثاني: أنها للتكثيرٍ، ومعناها: مُتِّطِيْنَ الناسَ عن الإِيمان. وأمَّا الثانيةُ فمعناها: ظانِّين أنهم يَعْجِزوننا. وقيل: معانِدين. وقال (١) السبعة ٤٣٩، والنشر ٣٢٧/٢، والحجة ٤٨٠، والتيسير ١٥٨، والبحر ٣٧٩/٦. (٢) الآية ٤٥ ((فكأين من قرية أهلكناها ... )). (٣) الكشاف ١٨/٣. (٤) من الكشاف. (٥) السبعة ٤٣٩، والتيسير ١٥٨، والحجة ٤٨٠، والبحر ٣٧٩/٦. (٦) الآية ٣٨،٥. (٧) الحجة (خ) ١٨/٤. ٢٩١ - الحج - الزمخشري (١): ((عاجَزَه: سابقه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما في طَلَب إعجازِ الآخرِ عن اللَّحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعَجَزه. فالمعنى (٢): سابقين أو مُسابقين في زعمهم وتقديرهم طامِعين أنَّ كيدهم للإِسلامِ يتِمُ لهم. والمعنى: سَعَوا في معناها بالفسادِ)). وقال أبو البقاء (٣): إنْ معاجزين في معنى المُشَدَّدِ، مثلَ عَاهَدَ وعَهَّد. وقيل: عاجَزَ سابَقَ، وَعَجَزِ سَبَق)). آ. (٥٢) قوله: ﴿إِلَّ إذا تَمَنَى ألقى الشيطانُ﴾: في هذه الجملةِ بعد (إلَّ)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها في محلٌّ نصبٍ على الحال من (رسول)) والمعنى: ومَا أَرْسَلْناه إلاّ حالُهُ هذه، والحالُ محصورةٌ (٤). الثاني: أنها في محلِّ الصفةِ لـ ((رسول))، فيجوزُ أَنْ يُحْكَمَ على موضعها بالجرِّ باعتبارٍ لِفِظِ الموصوف، وبالنصبِ باعتبارِ محلِّه؛ فإنَّ((مِنْ)) مزيدةٌ فيه. الثالث: أنَّها في موضعِ استثناءٍ من غيرِ الجنس. قاله أبو البقاء (٥). يعني أنه استثناءٌ منقطعٌ . و ((إذا)) هذه يجُوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً، وهو الظاهر، وإليه ذهب الحوفيُّ، وأَنْ تكونَ لمجردٍ الظرفية. قال الشيخ (٦): ((ونَصُّوا على أنَّه يَليها في النفي - يعني ((إلَّ) - المضارعُ بلا شرطٍ نحو: ما زيدٌ إلَّ يفعلُ، وما رأيتُ زيداً إلاّ يفعلُ، والماضي بشرطِ تقدُّم فِعلٍ نحو: ((ما يأتيهم من رسولٍ إلَّ كانوا))(٧) (١) الكشاف ١٨/٣. (٢) من قوله: ((فالمعنى)) إلى قوله: ((يتم لهم)) سقط من مطبوعة الكشاف. (٣) الإملاء ٢/ ١٤٥. (٤) قال أبو حيان في البحر ٣٨٢/٦: ((والصحيح أن الجملة حالية لا صفة لقبولها واو الحال)). (٥) الإِملاء ١٤٥/٢. (٦) البحر ٣٨٢/٦. (٧) الآية ٣٠ من يس ٢٩٢ - الحج - أو مصاحبةٍ (١) قد [نحو:] ((ما زيدٌ إلَّ قد فعل)). وما جاء بعد ((إلاّ) في الآية جملةٌ شرطية، ولم يَلِها ماضٍ مصحوبٌ بـ ((قَدْ» ولا عارٍ منها. فإِنْ صَحِّ ما نَصُّوا عليه يُؤَّوَّل على أنَّ ((إذا)) جُرِّدَتْ للظرفية ولا شرطَ فيها وفُصِل بها بين ((إلَّ)) والفعلِ الذي هو ((أَلْقى))، وهو فصلٌ جائز، فتكونُ (إلاّ» قد وَلِيها ماضٍ في التقديرِ ووُجِد شرطُه: وهو تقدُّم فعلٍ قبل ((إلَّ)) وهو ((وما أَرْسَلْنا)). قلت: ولا حاجة إلى هذا التكلفِ المُخْرِجِ للآية عن معناها. بل هي جملةٌ شرطيةٌ: إِمَّا حالٌ، أو صفةٌ، أو استثناء، كقوله: ((إِلاَّ مَنْ تولَّى وَكَفَرَ فيعذّبُه))(٢) وكيف يُدَّعَىْ الفصلُ بها وبالفعلِ بعدَها بين ((إلَّ)) وبين ((ألقى)) مِنْ غير ضرورةٍ تدعو إليه ومع عدم صحةِ المعنى؟ وقوله تعالى: ((إذا تَمَنَّى)) إنما أُفْرِد الضميرُ، وإن تقدَّمه شيئان معطوفٌ أحدُهما على الآخر بالواو؛ لأنَّ في الكلام حذفاً تقديرُه: وما أَرْسَلْنا مِنْ قبلِك مِنْ رسولٍ إلاّ إذا تمنّى ولا نبيّ إلَّ إذا تمنّى كقولِه: ((واللَّهُ ورسولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوْه))(٣). والحذفُ: إمَّا من الأول أو من الثاني. والضميرُ في ((أُمْنِِّه)) فيه قولان، أحدُهما : - وهو الذي ينبغي أن يكونَ - أنه ضميرُ الشيطان. والثاني: أنه ضميرُ الرسولِ، وَرَوَوْا في ذلك تفاسيرَ اللَّهُ أعلم بصحتها. آ. (٥٣) قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾: في متعلَّق هذه اللامِ ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها متعلقةٌ بـ ((يُحْكِم)) أي: يُحْكِم اللَّهُ آياتِه ليجعلَ. وقولُه: ((والله عليمُ حكيمٌ)) جملةُ اعتراضٍ. وإليه نحا الحوفيُّ. والثاني: أنها متعلقةٌ (١) عبارة البحر: ((أو يكون الماضي ... )). (٢) الآية ٢٣ من الغاشية. (٣) الآية ٦٢ من التوبة. ٢٩٣ - الحج - بـ ((يَنْسَخُ)) وإليه نحا ابن عطية(١). وهو ظاهرٌ أيضاً. الثالث: أنها متعلقةٌ بأَلْقَى، وليس بظاهر. وفي اللام قولان، أحدهما: أنها للعلةِ، والثاني: أنها للعاقبةٍ. [٦٤٩/أ] و((ما)) في قولِه ((ما يُلْقي)) الظاهرُ/ أنَّها بمعنى الذي، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدریةً. قوله: ((والقاسيةِ)) أل في ((القاسية)) موصولةٌ، والصفةُ صلتُها، و ((قلوبُهم)) فاعلٌ بها، والضميرُ المضافُ إليه هو عائدُ الموصول وأُنْثَتْ الصلةُ لأنَّ مرفوعَها مؤنثٌ مجازي، ولو وُضع فعلٌ موضعَها لجاز تأنيثُه. و ((القاسيةِ)) معطوفٌ على ((الذين)) أي: فتنةً للذين في قلوبِهِم مَرَضٌ وفتنةً للقاسيةِ قلوبُهم. قوله: ((وإنَّ الظالمين)) مِنْ وَضْع الظاهرِ مَوْضِعَ المضمرِ؛ إذ الأصلُ: ((وإنهم لفي ضلال)) ولكن أَبْرِزُوا ظاهرين للشهادةِ عليهم بهذه الصفةِ الذَّميمةِ. آ. (٥٤) قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين﴾: عطفٌ على ((ليجعلَ)) عطفَ علةٍ على مثلِها. والضميرُ في ((أنَّه)) فيه قولان، أحدهما - وإليه ذهب الزمخشري (٢) - أنه عائدٌ على تمكينِ الشيطانِ أي: لَيَعْلَمَ المؤمنون أن تمكينَ الشيطانِ هو الحق. الثاني - وإليه نحا ابن عطية(٣) - أنه عائدٌ على القرآنِ. وهو وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ فهو في قوة المنطوق. قوله: ((فَيُؤْمِنُوا)) عطفٌ على ((وليعلمَ)) و((فَتُخْبِتَ)) عطفٌ عليه. وما أحسنَ ما وقعَتْ هذه الفاءاتُ. وقرأ العامَّةُ ((لهادِيْ الذين)» بالإِضافةِ تخفيفاً. وابنُ أبي عبلة (٤) وأبو حيوةً بتنوينِ الصفةِ وإعمالِها في الموصول. (١) المحرر ٢١٣/١١. (٢) الكشاف ١٩/٣ . (٣) المحرر ٢١٣/١١. (٤) القرطبي ٨٧/١٢، والبحر ٣٨٣/٦. ٢٩٤ - الحج - آ. (٥٥) والمِرْيَةُ والمُرْيَةُ بالكسر والضم لغتان مشهورتان. وظاهرُ كلامٍ أبي البقاء(١) أنهما قراءتان، ولا أحفظ الضم هنا (٢). والضمير في ((منه)) قيل: يعودُ على القرآن. وقيل: على الرسول. وقيل: على ما ألقاه الشيطان. قوله: ((عَقيم)) العَقيم: من العُقْم. وفيه قولان، أحدهما: أنه السَّدُّ يقال: امرأةٌ مَعْقُومَةُ الرَّحِمِ أي: مسدودتُه عن الولادة. وهذا قول أبي عبيد(٣). والثاني: أن أصلَه القطعُ. ومنه ((المُلْك عَقيم)) أي: لأنه يقطع صلة الرحم بالتزاحُمِ عليه. ومنه العقيمُ لانقطاع ولادتها. والعُقْم: انقطاعُ الخير، ومنه ((يومٌ عقيم)). قيل: لأنَّه لا ليلةَ بعده ولا يومَ (٤) فُبِّه بمَنْ انقطع نَسْلُه. هذا إنْ أريد به يومُ القيامة. وإن أريد به يومُ بدٍ (٥) فقيل: لأنَّ أبناءَ الحربِ تُقْتَلُ فيه، فكأنَّ النساء لم تَلِدْهُنَّ، فيكُنَّ عُقُماً. ويقال: رجل عقيم وامرأة عقيمة أي: لا يُولد لهما، والجمعُ عُقُم. آ. (٥٦) قوله: ﴿يومئذٍ﴾: منصوبٌ بما تَضَمّنه (الله)) من الاستقرارِ لوقوعه خبراً. و((يَحْكم)) يجوزُ أن يكونَ حالاً من اسم الله، وأن يكون مستأنفاً. والتنوينُ في ((يومئذٍ)) عوضٌ من جملة فقدَّرها الزمخشري(٦): ((يوم يؤمنون)» وهو لازمٌ لزوال المِرْيَةِ. وقدَّره أيضاً «يوم تزولُ مِرْيَتُهم)). (١) الإملاء ١٤٥/٢، وعبارته ((لغتان)). (٢) وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي. انظر: القرطبي ٨٧/١٢. (٣) غريب الحديث له ٧١/٤، ووقع في مطبوعته تصحيف حيث ورد (مشدودتها)) بدلاً من «مسدودتها)». (٤) لأنه يوم القيامة، فلا يعقبه مثله. (٥) وهو قول ابن عباس كما في القرطبي ٨٧/١٢. (٦) الكشاف ٢٠/٣. ٢٩٥ - الحج- آ. (٥٧) قوله: ﴿والذين كَفَروا﴾: مبتدأ. وقوله: ((فأولئك)) وما بعده خبرُه. ودَخَلَتِ الفاءُ لِما عَرَفْتَ مِنْ تضمُّنِ المبتدأ معنى الشرطِ بالشرطِ المذكور. و((لهم)) يُحتمل أن يكونَ خبراً عن ((أولئك)). و((عذاب)) فاعلٌ به لاعتمادِه على المخبرِ عنه، وأن يكونَ خبراً مقدَّماً، وما بعده مبتدأٌ، والجملةُ خبرُ ((أولئك)). آ. (٥٨) قوله: ﴿لَيَرْ زُقَنَّهم﴾: جوابُ قَسَمٍ مقدرٍ. والجملةُ القسميةُ وجوابُها خبرُ قُولِه: ((والذين هاجروا)). وفيه دليلٌ على وقوعِ الجملةِ القسميةِ خبراً لمبتدأ. ومَنْ يَمْنَعْ يُضْمِرْ قولاً هو الخبر تُحكى به هذه الجملةُ القَسَمية. وهو قولٌ مرجوح. قوله: ((رِزْقً) يجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً على أنه من باب الرِّعْي والذّبْح أي: مرزوقً حسناً، وأَنْ يكونَ مصدراً مؤكّداً. وقوله: (ثم قُتِلوا)) وقوله: (مُدْخَلاً)) قد تقدم الخلافُ في القراءةِ بهما في آل عمران(١) وفي النساءِ(٢). آ. (٥٩) والجملةُ مِنْ ((لَيُدْخِلَنْهُمْ)) يجوزُ أن تكونَ بدلاً مِنْ (َيَرْزُقَنَّهم))، وأن تكون مستأنفةٌ. آ. (٦٠) قوله: ﴿ذلك﴾: خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ ذلك. وما بعده مستأنفٌ. والباء في قوله: ((بمثل ما عُوْقب به)) للسببيةِ في الموضعين. قاله أبو البقاء(٣). والذي يظهر أن الأولى يُشبه أن تكونَ للآلة. و(مَنْ عاقَبَ)» مبتدأ، خبرُه ((لَيَنْصُرَنَّه الله)). (١) لم ترد هذه اللفظة في آل عمران، وإنما وردت في الإِسراء. انظر: الدر المصون ٤٠١/٧٠. (٢) انظر: الدر المصون ٦٦٥/٣. (٣) الإملاء ١٤٦/٢ وعبارة المطبوعة: ((الباء فيها ... )). ٢٩٦ - الحج - آ. (٦١) قوله: ﴿ذلك﴾: مبتدأ، و((بأنَّ اللَّهَ)) خبرُه أي: ذلك النصر بسببٍ أنَّ اللهَ يُوْلِج . وقرأ العامّةُ ((وأنَّ ما)) عطفاً على الأولى. والحسن(١) بكسرِها استئنافاً. آ. (٦٢) قوله: ﴿هو الحقُّ﴾: يجوز أَنْ يكونَ فَصلاً ومبتدأ. وجوَّز أبو البقاء(٢) أن يكونَ توكيداً. وبه بدأ. وهو غلط؛ لأنَّ المضمرَ لا يُؤَكَّدُ المُظْهَرَ، ولكان صيغةُ النصبِ أَوْلَى به من الرفعِ فيُقال ((إياه)) لأنَّ المتبوعَ منصوبٌ. وقرأ(٣) الأخَوان وحفصٌ وأبو عمروٍ هنا وفي لقمان(٤) ((يَدْعُون)) بالياء من تحتُ. والباقون بالتاءِ من فوقُ. والفعلُ مبنىٌّ للفاعلِ. وقرأ مجاهدٌ واليماني بالياء من تحتُ مبنياً للمفعول. والواوُ التي هي ضميرٌ تعودُ على ((ما)) على معناها، والمرادُ بها الأصنامُ أو الشياطينُ. آ. (٦٣) قوله: ﴿فَتُصْبِحُ﴾: فيه قولان، أحدهما: أنه مضارعٌ لفظاً ماضٍ معنى، تقديرُه فأصبحَتْ، فهو عطفٌ على أَنْزَل. قاله أبو البقاءِ(٥). ثم قال بعد أن عطف على ((أَنْزل)): ((فلا موضعَ له إذن)) وهو كلامٌ متهافِتْ؛ لأنَّ عَطْفَه على ((أَنْزَلَ)) يَقْتضي أن يكونَ له محلّ من الإِعرابِ: وهو الرفعُ خبراً لـ «أنَّ»، لكنه لا يجوزُ لعدم الرابطِ. والثاني: أنه على بابِه، ورَفْعُه على (١) البحر ٣٨٤/٦. (٢) الإِملاء ١٤٦/٢. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٤٠، والتيسير ١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢، والحجة ٤٨٢، والبحر ٣٨٤/٦. (٤) الآية ٣٠. (٥) الإملاء ١٤٦/٢. ٢٩٧ - الحج - [٦٤٩/ب] الاستئناف. قال/ أبو البقاء (١): ((فهي أي القصة، وتُصْبِحُ الخبر)). قلت: ولا حاجةً إلى تقديرِ مبتدأ، بل هذه جملةٌ فعليةٌ مستأنفةٌ، لا سيما وقَدَّر المبتدأ ضميرَ القصة(٢) ثم حذفه وهو لا يجوز؛ لأنه لا يُؤتى بضميرِ القصة إلاّ للتأكيدِ والتعظيم، والحذفُ يُنافيه. قال الزمخشري(٣): (فإن قلتَ: هلا قيل: فَأَصْبحت، ولِمَ صُرِفَ إلى لفظِ المضارع؟ قلت: لنكتةٍ فيه: وهي إفادةُ بقاءِ أثرِ المطرِ زماناً بعد زمانٍ كما تقول: أنعم عليَّ فلانٌ عامَ كذا فأرُوْحِ وأَغْدو شاكراً له. ولو قلت: رُحْتُ وَغَدَوْتُ لم يَقَعْ ذلك الموقعَ. فإن قلت: فما له رُفِعَ ولم يُنْصَبْ جواباً للاستفهام؟ قلت: لو نُصِب لأعطى عكسَ الغرضِ لأنَّ معناه إثباتُ الاخضرارِ، فينقلبُ بالنصب إلى نفي الاخضرار. مثالُه أن تقولَ لصاحبِك: ألم تَرّ أنني أنعمتُ عليك فتشكر)» إن نَصَبْتَ فأنت نافٍ لشكره شاكٍ تفريطَه [فيه](٤)، وإن رَفَعْتَه فأنت مُثْبِتٌ للشكر، وهذا وأمثالُهُ ممَّا يجب أَنْ يَرْغَبَ له من اتَّسم بالعلم في علم الإِعراب وتوقير أهله)). وقال ابنُ عطية(٥): ((قوله: ((فتصبحُ)) بمنزلة قوله فتضحى أو تصير، عبارةٌ عن استعجالِها إِثْرَ نزولِ الماءِ واستمرارها لذلك عادةً. وَرَفْعُ قولِه ((فَتُصْبِحُ)) من حيث الآيةُ خبرٌ، والفاء عاطفةٌ وليسَتْ بجواب، لأنَّ كونَها جواباً لقوله: ((ألم تَرَ، فاسدُ المعنى)». ۔۔ قال الشيخ (٦): ((ولم يبين هو ولا الزمخشري قبله كيف يكون النصبُ نافياً (١) الإملاء ١٤٦/٢. (٢) يعني أن تقدير أبي البقاء: فهي أي القصة. (٣) الكشاف ٢١/٣. (٤) زيادة من الكشاف. (٥) المحرر ٢١٥/١١. (٦) البحر ٣٨٦/٦. ٢٩٨ - الحج - للاخضرار، إلّ كونَ المعنى فاسداً؟ قال سيبويه(١): ((وسألتُه - يعني الخليل - عن ((ألم تَرَ أنَّ الله أنزل من السماء ماءً فتصبحُ الأرضُ مُخْضَرَّة)) فقال: هذا واجبٌ وتنبيه. كأنك قلت: أتسمعُ أنزل(٢) اللَّهُ من السماءِ ماء فكان كذا وكذا)). قال ابن خروف: وقوله: ((هذا واجبٌ)) وقوله: ((فكان كذا)) يريدُ أنهما ماضيان، وفَسَّر الكلام بـ : أتسمع ليريّكَ أنه لا يتصل بالاستفهام لضعف حكم. الاستفهامِ فيه. وقال بعضُ شُرَّاح الكتاب: ((فتصبحُ)) لا يمكن نصبُه؛ لأنّ الكلامَ واجب. ألا ترى أن المعنى: أن اللَّهَ أنزلَ، فالأرضُ هذه حالُها. وقال الفراء(٣): ((ألم تَرَ) خبرٌ كما تقولُ في الكلام: اعلم أنَّ الله يفعل كذا فيكون كذا)). ويقول: ((إنما امتنع النصب جواباً للاستفهام هنا؛ لأنَّ النفي إذا دخل عليه الاستفهامُ، وإن كان يقتضي تقريراً في بعضِ الكلام هو مُعامَلٌ معاملةً النفيِ المَحْضِ في الجواب)). ألا ترىُ إلى قولِه تعالى: ((أَلَسْتُ بربُّكم قالوا بلى))(٤) وكذلك الجوابُ بالفاءِ إذا أَجْبْتَ النفيَ كان على معنيين في كل منهما يُنْتفي الجوابُ. فإذا قلت: ((ما تأتِيْنا فتحدِّثْنا)) بالنصب، فالمعنى: ما تأتينا محدِّثاً، وإنما تأتينا ولا تحدث. ويجوزُ أن يكون المعنى: أنك لا تأتي فكيف تحدّثُ؟ فالحديثُ منتفٍ في الحالتين، والتقريرُ بأداةِ الاستفهام كالنفي المَخْض في الجواب يُثْبت ما دَخَلَتْه الهمزةُ، وينتفي الجوابُ، فيلزَمُ من هذا الذي قَوَّرْناه إثباتُ الرؤيةِ وانتفاءُ الاخضرارِ، وهو خلافُ المقصودِ. وأيضاً فإنَّ جوابَ الاستفهامِ ينعقدُ منه مع الاستفهامِ السابقِ شَرْطُ وجزاءً كقوله(٥): (١) الكتاب ٤٢٤/١. (٢) عبارة الكتاب: ((أتسمع أن الله أنزل ... ) !. (٣) معاني في القرآن ٢٢٩/١. (٤) الآية ١٧٢ من الأعراف. (٥) لم أهتدٍ إلى قائله وعجزه: ٢٩٩ - الحج - ٣٣٩٦ - ألم تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الرُّسومُ يتقدر: إِنْ تسألْ تخبرْك الرسوم، وهنا لا يتقدَّر: إنْ تَرَ إنزالَ المطر تصبحْ الأرضُ مخضرةً؛ لأنَّ اخضرارَها ليس مترتباً على عِلْمِك أو رؤيتِك، إنما هو مترتب على الإِنزال وإنما عَبَّر بالمضارعِ ؛ لأن فيه تصويراً للهيئة التي الأرضُ عليها والحالةِ التي لابَسَبَتِ الأرضَ، والماضي يفيد انقطاعَ الشيءٍ. وهذا كقولٍ جَحْدَرِ بنِ مَعُونة يصف حاله مع أشدِّ نازلةٍ في قصةٍ جَرَتْ له مع الحجاج ابن [٦٥٠/أ] يوسف الثقفي، وهي أبياتٌ فمنها(١): / ٣٣٩٧ - يَسْمُو بِناظِرَتَّيْنِ تَحْسَبُ فيهما لما أَجالهما شعاعٌ سِراج لَمَّا نَزَلْتُ بِحُصْنٍ أَزْبَرَ مُهْصِرٍ للقِرْن أرواحَ العد! مَجَّاجٍ فأكرُّ أحمَلُ وهو يُقعي باسْته فإذا يعودُ فراجعٌ أدراجي وعلمْتُ أني إِنْ أَبَيْتَ نِزَالَه أني من الحَجَّاجْ لستُ بناجي فقوله ((فأكرُّ)) تصويرٌ للحالةِ التي لاَبَسَها)). قلت: أمَّا قولُه ((وأيضاً فإنَّ جوابَ الاستفهامِ ينعقدُ منه مع الاستفهامِ» إلى قوله: ((إنما هو مترتَّب على الإِنزال)) منتزعٌ مِنْ كلامِ أبي البقاء. قال على فِرْ تاجَ والطللُ القديمُ = وهو في الكتاب ٤٢١/١، واللسان (فرتج). (١) الحماسة البصرية ٣٣٧/٢، والخزانة ٣٤٢/٣. ٣٠٠