Indexed OCR Text

Pages 261-280

- الحج -
والعامَّةُ على ((يُرِدْ)) بضم الياء من الإِرادة. وحكى الكسائي والفراء(١)
أنه قُرِىء ((يَرِدْ)) بفتح الياء(٢). قال الزمخشري (٣): ((من الوُرُوْد ومعناه: مَنْ
أتی فیه بالحادٍ ظالماً».
آ. (٢٦) قوله: ﴿وإذْ بَوَأْنا﴾: أي: اذكرْ حينَ. واللامُ في
(لإبراهيمَ)) فيها ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنها للعلةِ، ويكون مفعولُ (بَوَأْنا)) محذوفاً
أي: بَوَأْنا الناسَ لأجل إبراهيم مكانَ البيت. و((بَوَّا)) جاء متعدياً صَرِيحاً قال
تعالى: ولقد بَوَّأْنا بني إسرائيل))(٤)، (لَنُبَوِّثَنَّهم من الجنةِ غُرْفاً)(٥). وقال
الشاعر(٦) :
٣٣٨٢- كَمْ مِنْ أَخٍ ليَ صالحٍ
نَحْدا
بيديّ
بَوَأْتُه
والثاني: أنها مزيدةً في المفعولِ به. وهو ضعيفٌ؛ لِما عَرَفْتَ أنها
لا تُزاد إِلَّ إِنْ تَقَدَّم المعمولُ، أو كان العاملُ فرعاً(٧) الثالث: أَنْ تكونَ مُعَدِّيَةٌ
للفعل على أنه مُضَمَّنٌ معنى فعل يتعدَّى بها أي: هَيَّأْنا له مكانَ البيتِ كقولك:
هَيَّأْتُ له بيتاً، فتكونُ اللامُ مُعدِّيَةً قال معناه أبو البقاء(٨). وقال الزمخشري(٩):
(١) معاني القرآن له ٢٢٣/٢ ووردت مصحفة ((تَرِ)).
(٢) الشواذ ٩٥، والبحر ٣٦٣/٦.
(٣) الكشاف ١٠/٣.
الآية ٩٣ من يونس.
(٤)
الآية ٥٨ من العنكبوت.
(٥)
تقدم برقم ١٤١٩ .
(٦)
انظر: المغني ٢٨٧ .
(٧)
(٨) الإملاء ١٤٣/٢.
(٩) الكشاف ١٠/٣.
٢٦١

- الحج-
((واذكرْ حينَ جَعَلْنا لإِبراهيمَ مكان البيت مباءة)﴾(١) ففسَّر المعنى بأنه ضَمِّنْ
(بَوَأْنا)) معنى جَعَلْنا، ولا يريد تفسيرَ الإِعرابَ.
وفي ((مكانَ البيت)) وجهان، أظهرُهما: أنَّه مفعولٌ به. والثاني: قال
أبو البقاء (٢): (أَنْ يكونَ ظرفًا)). وهو ممتنعٌ من حيث إنَّه ظرفٌ مختصَّ فحَقَّه أن
يتعدّى إليه ب في .
قوله: ((أَنْ لا تُشْرِكْ)) في ((أنْ هذه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها هي المفسِّرةُ.
قال الزمخشري (٣): ـ بعد أَنْ ذكَرَ هذا الوجه -: ((فإن قلتَ: كيف يكونُ
النهيُ عن الشرك والأمرِ بتطهيرِ البيتِ تفسيراً للتبوِئَةِ؟ قلت: كانت التبوئةُ
مقصودةٌ من أجل العبادةِ، وكأنه قيل: تعبَّدْنا إبراهيمَ قُلْنا له: لا تُشْرِْ)). قلت:
يعني أبو القاسم أنَّ (أنْ)) المفسرةَ لا بُدَّ أن يتقَدَّمها ما هو بمعنى القولِ
لا حروفِه، ولم يتقدَّم إلّ التَّبْوِئَةُ وليست بمعنى القول، فضَمَّنها معنى القول،
ولا يريدُ بقولِه ((قلنا: لا تشرك)) تفسيرَ الإِعراب بل تفسيرُ المعنى؛ لأنَّ المفسِّرَةَ
لا تفسِّر القولَ الصريح. وقال أبو البقاء (٤): «تقديرُه: قائلين له: لا تشركْ
فـ ((أنْ)) مفسرةُ للقولِ المقدَّر)) وهذا ... (٥).
الثاني : أنَّها المخففةُ من الثقيلةِ، قاله ابن عطية (٦). وفيه نظرٌ من حيث
(١) وقال: ((أي مَرْجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة)).
(٢) الإملاء ١٤٢/٢.
(٣) الكشاف ١٠/٣.
(٤) الإِملاء ١٤٣/٢.
(٥) كلمات لم أتبينها أقرب إلى البياض. ويعني أن هذا ممنوع لأنَّ ((أنْ)) المفسرةَ
لا يقدر قبلها قولٌ صريح، وإنما بمعنى القول دون حروفه.
(٦) المحرر ١٩٣/١١.
٢٦٢

- الحج -
إن ((أَنْ)) المخففةَ لا بُدَّ أَنْ يتقدَّمَها فعلُ تحقيقٍ أو ترجيح(١)، كحالِها إذا كانّتْ
مشددة .
الثالث: أنها المصدريةُ التي تنصِبُ المضارعَ، وهي تُوْصَلُ بالماضي
والمضارعِ والأمرِ، والنهي كالأمر. وعلى هذا فـ ((أنْ)) مجرورةٌ بلام العلةِ مقدرةً
أي: بَوَّأناه لئلا تشركَ. وكان من حقِّ اللفظِ على هذا الوجه أن يكون ((أن
لا يشرك)) بياء الغَيْبةِ، وقد قُرىء بذلك(٢). قال أبو البقاء(٣): ((وقَوَّى ذلك قراءةُ
مَنْ قرأه بالياء)) يعني مِنْ تحتُ. قلت: ووجهُ قراءةِ العامّةِ على هذا التخريج أن
تكونَ من الالتفاتِ من الغيبة إلى الخطاب.
الرابع: أنها الناصبةُ، ومجرورةٌ بلام أيضاً، إلاّ أن اللامَ متعلقةً بمحذوفٍ
أي: فَعَلْنا ذلك لئلا تشركَ، فجعل النهيَ صلةً لها. وقوَّى ذلك قراءةُ الياء. قاله
أبو البقاء (٤) والأصلُ عدمُ التقديرِ مع عدم الاحتياج إليه.
وقرأ(٥) عكرمة وأبو نهيك ((أن لا يُشرِك)) بالياء. قال الشيخ(٦): ((على
معنى: أَنْ يقولَ معنى القول الذي قيل له)). وقال أبو حاتم: ((ولا بُدَّ مِنْ نصبٍ
الكافِ على هذه القراءةِ بمعنى لئلا تشركَ)». قلت: كأنه لم يظهرْ له صلةُ ((أنْ))
المصدرية بجملةِ النهي. فجعل ((لا)) نافيةً، وسلَّط ((أنْ)) على المضارع بعدها،
حتى صار علةً للفعل قبله. وهذا غيرُ لازمٍ لِما تقدَّم لك من وضوحِ المعنى مع
جَعْلِها ناهيةً.
(١) أي یقین أو ظن.
(٢) وهي قراءة عكرمة وأبي نهيك. انظر: البحر ٣٦٤/٦، والقرطبي ٣٧/١٢.
(٣) الإملاء ١٤٣/٢.
(٤) الإملاء ١٤٣/٢.
(٥) سبق تخريجها قبلُ.
(٦) البحر ٣٦٤/٦.
٢٦٣

- الحج -
آ. (٢٧) قوله: ﴿وأَذِّنْ﴾: قرأ العامَّةُ بتشديد الذال بمعنی نادٍ.
وقرأ(١) الحسنُ وابن محيصن ((آذِنْ)) بالمدِّ والتخفيف بمعنى أَعْلِمْ. ويُبْعِدُه
قوله: ((في الناس)) إذا كان ينبغي أَنْ يتعدَّى بنفسِه. وقرآ أيضاً فيما نقله عنهما
أبو الفتح(٢) ((أَذِنَ)) بالقصر وتخفيف الذال. وخرَّجها أبو الفتح وصاحب
[٦٤٥/أ] ((اللوامح)) على أنها عطفُ على ((بَوَّأنا)) أي: واذكرْ/ إذ بَوْأْنَا وإذ أَذِنَ في الناس
وهي تخريجٌ واضح. وزاد صاحب ((اللوامح)) فقال(٣): ((فيصيرُ في الكلام
تقديمٌ وتأخيرٌ ويصير ((يأتوك)) جزماً على جواب الأمر الذي في ((وطهِّرْ)): ونَسَب
ابنُ عطية (٤) أبا الفتح في هذه القراءةِ إلى التصحيفِ فقال - بعد أن حكى قراءةً
الحسنِ وابنٍ محيصنٍ ((وآذِنْ)) بالمَدِّ ــ((وَتَصَحَّفَ هذا على ابن جني فإنَّه حكى
عنهما ((وَأَذِنَ)) على فعلٍ ماضٍ. وأعربَ على ذلك بأَنْ جَعَلَه عطفاً على
(بُوَأْنا)).
قلت: ولم يَتَصَحَّفْ فِعْلُه، بل حكى تلك القراءةَ أبو الفضل الرازي في
((اللوامح)) له عنهما، وذكرها أيضاً ابنُ خالويه(٥)، ولكنه لم يَطَّلِعْ عليها فنسّب
مَنْ اطّلع إلى التصحيفِ ولو تأنّى أصاب أو كاد.
وقرأ ابنُ أبي إسحاقَ ((بالحِجِّ)) بكسر الحاء حيث وَقَع كما قَدَّمْتُه
عنه(٦) .
قوله: ((رجالاً)) نصبٌ على الحالِ، وهو جمعُ راجِل نحو: صاحِب
(١) البحر ٣٦٤/٦، والقرطبي ٣٧/١٢.
(٢) المحتسب ٧٨/٢.
(٣) انظر: البحر ٣٦٤/٦.
(٤) المحرر ١٩٣/١١
(٥) الشواذ ٩٥.
(٦) نسبها في الإتحاف ٢٧٤/٢ إلى الحسن. وانظر: البحر ٣٦٤/٦.
٢٦٤

- الحج -
وصِحاب وتاجِر وتجار وقائم وقيام. وقرأ(١) عكرمة والحسن وأبو مجلز ((رُجَّالاً))
بضمُّ الراء وتشديدِ الجيمِ . ورُوي عنهم تخفيفُها. وافقهم ابنُ أبي إسحاق
على التخفيفِ وجعفر بن محمد ومجاهدٌ على التشديد. ورُوِيَتْ عن ابن عباس
بالألف(٢). فالمخفف(٣) اسمُ جمعٍ كُوَّار(٤)، والمشدَّدُ جمعُ تكسيرٍ كصائم
وصُوَّام. ورُوي عن عكرمةَ أيضاً (رُجَالى)) كنُعامى بألف التأنيث، وكذلك عن
ابنِ عباس وعطاء، إلاّ أنهما شدَّدا الجيمٌ.
قوله: ((وعلى كلِّ ضامِر)) نسَقٌ على ((رجالاً)) فيكون حالاً أي: مُشاةً
ورکباناً .
قوله: ((يَأْتِيْنَ)) النونُ ضميرُ ((كلِّ ضامِرٍ)) حَمْلاً على المعنى؛ إذ المعنى:
على ضوامرَ. و((يَأْتِيْنَ)) صفةٌ لـ ((ضامِر)). وأتى بضميرٍ الجمعِ حَمْلًا على
المعنى. وكان قد تقرَّر أولَ هذا التصنيفِ(٥) أنَّ ((كل)) إذا أُضِيْفَتْ إلى نكرةٍ
لم يُراعَ معناها، إلّ في قليلٍ كقوله(٦):
٣٣٨٣- جادَتْ عليه كلُّ عَيْنِ ثَرَّةٍ
فتركْنَ كلَّ حَدِيقٍ کالدِّرْهُمِ
وهذه الآيةُ تَرُدُّه؛ فإنَّ (كلَّا)) فيها مضافةً لنكرةٍ وقد روعي معناها. وكان
(١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٧٩/٢، والقرطبي ٣٩/١٢، والبحر ٣٦٤/٦.
(٢) أي: ((رُجَّالَىْ)).
(٣) أي: ((رجالاً)).
(٤) الظُّئُرُ: المرضعةُ لغير ولدها.
(٥) انظر: الدر المصون ١٨٠/١.
(٦) تقدم برقم ٢٤٨ .
٢٦٥

- الحج -
بعضُهم أجاب عن بيتٍ زهير(١) بأنه إنما جاز ذلك لأنه في جملتين، فقلت:
فهذه الآيةُ جملةٌ واحدةٌ لأنَّ (يَأْتِيْنَ)) صفةٌ لـ ((ضامِر)).
وجَوَّز الشيخ (٢) أَنْ يكونَ الضميرُ يَشْمَلُ رجالاً وكل ضامر قال: ((على
معنى الجماعات والرفاق)) قلت: فعلى هذا يجوزُ أَنْ يقالَ عنده: الرجال يَأْتِيْنَ.
ولا ينفعُه كونُه اجتمع مع الرجال هنا كلُّ ضامر فيقال: جاز ذلك لَمَّا اجتمع معه
ما يجوزُ فيه ذلك؛ إذ يلزمُ منه تغليبُ غيرِ العاقلِ على العاقلِ ، وهو ممنوعٌ.
وقرأ(٣) ابن مسعود والضحاك وابنُ أبي عبلة ((يَأْتُونَ)) تغليباً للعقلاءِ
الذكورِ، وعلى هذا فيحتمل أَنْ يكونَ قولُه: (وعلى كلِّ ضامِر)) حالاً أيضاً.
ويكون ((يَأْتُون)) مستأنفاً يتعلَّقُ به ((من كلٌّ فَجِّ)) أي: يَأْتُوك رجالاً وركباناً ثم قال:
يأتون من كلِّ فَج، وأَنْ يتعلَّقَ بقوله: (يَأْتُون) أي: يأتون على كلِّ ضامرٍ من كلِّ
فَج، و ((يَأْتُون)) مستأنفُ أيضاً. ولا يجوز أن يكونَ صفةٌ لـ((رجالاً)) ولـ ((ضامِر)»
لاختلافِ الموصوفِ فِي الإِعرابِ؛ لأنَّ أحدَهما منصوبٌ والآخَرَ مجرورٌ.
لو قلت: ((رأيتُ زيداً ومررت بعمروٍ العاقِلَيْن)) على النعتِ لم يَجُزْ، بل على
القطعِ . وقد جَوَّزّ ذلك الزمخشري (٤) فقال: ((وقرىء ((يَأْتُون)) صفةً للرجال
والركبان» وهو مردودٌ بما ذكرتُه .
والضَّامِرُ: المَهْزولِ، يقال : ... (٥) والعميق: البعيدُ سُفلاً. يقال: بثر
عَميق ومَعِيق، فيجوز أن يكون مقلوباً، لأنه أَقَلُّ من الأول قال(٦):
(١) البيت لعنترة وليس لزهير. وانظر المسألة في المغني ٢٥٨، ابن الأنباري في شرح
المعلقات ٣١٣.
(٢) البحر ٣٦٤/٦.
(٣) القرطبي ٣٩/١٢، والبحر ٣٦٤/٦.
(٤) الكشاف ١١/٣.
(٥) بياض في الأصل.
(٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٤٧/٦ والمحرر ١٩٥/١١.
٢٦٦

- الحج -
٣٣٨٤ - إذا الخيلُ جاءت مِنْ فِجاجٍ عميقةٍ
يَمُدُّ بها في السيرِ أشعُ شاحِبُ
يقال: عَمِقَ وعَمُقَ بكسر العين وضَمِّها عَمْقاً بفتح الفاء(١). قال الليث:
عَميق ومَعِيق، والعَميق في الطريقِ أكثرُ)). وقال الفراء(٢): ((عميق) لغةٌ
الحجازِ، و((مَعِيْق)» لغةُ تميم)). وأَعْمَفْتُ البئرَ وأَمْعَقْتُها، وعَمُقَتْ ومَعُقَتْ عَماقَةً
ومَعَاقة وإعْماقاً وإِمْعاقاً. قال رؤبة(٣):
٣٣٨٥- وقاتمِ الأعماقِ خاوي المُخْتَرَقْ
الأعماقُ هنا - بفتح الهمزة - جمع عُمْق، وعلى هذا فلا قلبَ في مَعِيق
لأنها لغة مستقلة، وهو ظاهرُ قولِ الليث أيضاً. وقرأ(٤) ابن مسعود (فج مَعِيق))
بتقديم الميم. ويقال: غَمِيق بالغين المعجمةِ أيضاً.
آ. (٢٨) قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾: يجوز في هذه اللامِ وجهان
أحدهما: أن يتعلّقَ بـ ((أَذِّن)) أي: أَذِّن لِيَشْهدوا. والثاني: أنها متعلقةٌ بـ ((يَأْنُوْك)
وهو الأظهرُ. قال الزمخشري(٥): ((ونكَّر منافع لأنه أرادَ منافع مختصةً بهذه
العبادةِ دينية ودنياوية (٦) لا تُوْجَدُ في غيرها من العبادات)». /
[٦٤٥/ب]
(١) ثمة لغتان: العُمْقِ والعَمْق.
(٢) انظر: اللسان (عمق).
(٣) ديوانه ١٠٤، والكتاب ٣٠١/٢، والخصائص ٢٢٨/١، والمحتسب ٨٦/١،
والخزانة ٣٨/١. والقاتم: المغير. والأعماق: هنا النواحي القاصية. والخاوي:
الخالي. والمخترق المتسع.
(٤) البحر ٣٦٤/٦.
(٥) الكشاف ١١/٢.
(٦) كذا في الأصل وفي الكشاف: ودنيوية.
٢٦٧

- الحج -
آ. (٢٩) قوله: ﴿ثم لِيَقْضُوا﴾: العامَّةُ على كسرِ اللامِ وهي
لامُ الأمرِ. وقرأ(١) نافع والكوفيون والبزي بسكونها إجراءً للمنفصلِ مُجْرى
المتصل نحو (كَتْف))(٢) وهو نظيرُ تسكينٍ هاء ((هو)) بعد ((ثُمَّ)) في قراءةِ الكسائي
وقالون حيث أُجْرِيَتْ (ثُمَّ» مُجْرَى الواو والفاء(٣).
والنَّفَتُ قيل: أصلُه مِن التَّفِّ وهو وَسَخُ الأظفارِ، قُلِبَتِ الفاءُ ثاءً
كـ مُغْثُورِ (٤) في مُغْفُورٍ. وقيل: هو الوسخُ والقَذَرُ يقال: ما تَفْئُكَ؟ وحكى
قطرب: تَفِثَ الرجلُ أي: كَثُرَ وسخُه فِي سَفَرِه. ومعنى ((ليقْضُوا تَفَتَّهم)):
ليصنعوا ما يصنعه المُحْرِمُ مِنْ إزالةٍ شعرٍ وَشَعْثٍ ونحوِهما عند حِلُّه، وفي
ضمن هذا قضاءُ جميعِ المناسك، إذ لا يُفعل هذا إلاّ بعد فِعْل المناسِك
کلِّھا.
قوله: ((وَلْيُوْفُوا)) قرأ(٥) أبو بكر ((وليُوَفُّوا)) بالتشديد. والباقون بالتخفيف.
وقد تقدم في البقرة(٦) أن فيه ثلاث لغاتٍ: وَفَى ووفَّى وَأَوْفَى. وقِرأ
(١) ثمة اختلاف في الروايات عن القراء في ذلك. انظر: السبعة ٤٣٤، والتيسير ١٥٦،
والحجة ٤٧٣، والنشر ٣٢٦/٢.
(٢) التمثيل بـ كتف لبيان أن العرب قد تنحو بالمتحرك نحو التسكين طلباً للتخفيف.
قال أبو زرعة في حجته ٥٤٨: ((وحجة أبي عمروٍ في ضمَّ الهاء أن ((ثم)) تنفصل من
(٣)
الكتابة ويحسن الوقف عليها، وكأن ((هو)) مبتدأة في المعنى، وإذا كانت مبتدأة
لم يجز فيها غير الضم. وحجة من سكن الهاء أنها إذا اتصلت بفاء أو واو كانت
ساكنة و (ثم)) أخت الفاء والواو فجرت مجراهما في حكم ما بعدها)).
(٤) قال في اللسان (غفر): ((يقال لصمغ الرِّمث والعرفط: مغافير ومغاثير. والواحد مُغْثُورٍ
ومُغْفُور)). ونصَّ على هذا الإبدال في هذه اللفظة أبو حيان في الارتشاف ١ /١٥٩.
(٥) التيسير ١٥٧، والحجة ٤٧٥، والنشر ٣٢٦/٢، والإتحاف ٢٧٤/٢.
(٦) انظر: الدر المصون ٣١٢/١.
٢٦٨

- الحج -
ابن ذكوان(١) ((ولِيُوْفوا)) بكسر اللام، والباقون بسكونها، وكذلك هذا الخلاف
جارٍ في قوله: ((وليطُّوَّفوا)).
آ. (٣٠) قوله: ﴿ذلك﴾: خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ والشأنُ
ذلك. قال الزمخشري (٢): ((كما يُقَدِّمُ الكاتبُ جملةً من كتابِه في بعضِ
المعاني، ثم إذا أرادَ الخوضَّ في معنى آخرَ قال: هذا وقد كان كذا)». وقَدَّره
ابنُ عطية (٣): (فَرْضُكُمْ ذلك، أو الواجبُ ذلك)). وقيل: هو مبتدأُ خبرُه
محذوفٌ. أي: ذلك الأمرُ الذي ذكرتُه. وقيل: في محلَّ نصب أي: امتثلوا
ذلك. ونظيرُ هذه الإِشارةِ قولُ زهير، بعد تقدُّم جُمَل فِي وَصْفِ هَرِم ابن
سنان(٤) :
٣٣٨٦- هذا وليس كمَنْ يَعْيا بخُطْبَتِه
وسَطَ النَّدِيِّ إذا ما ناطقُ نَطّقا
قوله: ((فهو)) ((هو)) ضميرُ المصدرِ المفهومِ من قولِه ((ومن يُعَظِّمْ)) أي:
وتعظيمُه حرماتِ الله خيرٌ له كقوله تعالى: ((اعْدِلُوا هو أقربُ)»(٥) و ((خيرٌ)» هنا
ظاهرُها التفضيلُ بالتأويلِ المعروف.
قوله: ((إلّ ما يُتْلَى عليكم)) يجوز أَنْ يكونَ استثناءٌ متصلاً، ويُصْرَفُ إلى
ما يُحَرِّمُ مِنْ بهيمة الأنعام لسببٍ عارضٍ كالموت ونحوه، وأن يكونَ استثناءً
منقطعاً؛ إذ ليس فيها مُحَرَّمٌ وقد تقدَّم تقريرُ هذا الوجهِ أولَ المائدةِ(٦).
(١) الإتحاف ٢٧٤/٢، والحجة ٤٧٣، ومعاني القرآن للفراء ٢٢٤/٢.
(٢) الكشاف ١١/٣.
(٣) المحرر ١٩٧/١١.
(٤) ديوانه ٥٥، والمحرر ١٩٧/١١.
(٥) الآية ٨ من المائدة.
(٦) انظر: الدر المصون ١٧٧/٤.
٢٦٩

- الحج -
قوله: ((من الأوثان» في «مِنْ)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها لبيانِ الجنس ،
وهو مشهورُ قول المُعْرِبين، ويَتَقَدِّرُ بقولك: الرِّجْسُ الذي هو الأوثان. وقد تقدَّم
أنَّ شرطَ كونِها بيانيةً ذلك. وتجيءُ مواضعُ كثيرةٌ لا يتأتَّى فيها ذلك ولا بعضُه.
والثاني: أنَّها لابتداءِ الغايةِ. وقد خَلَط أبو البقاء القولين فجَعَلَهما قولاً واحداً
فقال(١): ((ومِنْ لبيانِ الجنسِ أي: اجْتَنِبوا الرجس من هذا القبيل، وهو بمعنى
ابتداء الغاية ههنا)) يعني أنه في المعنى يَؤُول إلى ذلك، ولا يَؤُول إليه البتةً.
الثالث: أنها للتبعيض. وقد غَلَّط ابنُ عطية(٢) القائلَ بكونِها للتبعيضِ ، فقال:
((ومَنْ قال: إن ((مِنْ)) للتبعيض قَلَبَ معنى الآيةِ فأفسده)) وقد يُمْكِنُ التبعيضُ
فيها: بأَنْ يَعْنِي بالرِّجْسِ عبادة الأوثانِ. وبه قال ابنُ عباس وابنُ جريج، فكأنه
قال: فاجْتَيْبوا من الأوثانِ الرِّجْسَ وهو العبادةُ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ من الأوثان إنما هو
العبادةُ. ألا ترى أنه قد يُتَصَوَّرُ استعمالُ الوثَنِ في بناءٍ وغيرِهِ ممَّا لَم يُحَرِّمِ
الشرعُ استعمالَه، وللوَثَنِ جهاتٌ منها عبادتُها، وهي بعض جهاتِها. قاله
الشيخ(٣). وهو تأويلٌ بعيدٌ.
آ. (٣١) قوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾: حالٌ مِنْ فاعلِ ((اجْتَنِبوا)). وكذلك
((غيرَ مشركين)) وهي حالٌ مؤكدة، إذ يلزَمُ من كونِهِم حُنَفاءَ عدمُ الإِشراك.
قوله: ((فَتَخْطَفُه)) قرأ(٤) نافعٌ بفتحِ الخاءِ والطاء مشددةً. وأصلُها تَخْتَطِفُه
فأدغم، وباقي السبعةِ ((فَتَخْطَفُه)) بسكون الخاء وتخفيفِ الطاء. وقرأ الحسنُ
والأعمشُ وأبو رجاء بكسر التاء والخاء والطاء مع التشديد. ورُوِي عن الحسن
(١) الإملاء ١٤٣/٢.
(٢) المحرر ١٩٨/١١.
(٣) البحر ٣٦٦/٦.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٣٦، والنشر ٣٢٦/٢، والحجة ٤٧٦، والبحر ٣٦٦/٦،
والتيسير ١٥٧، والإتحاف ٢٧٤ .
٢٧٠

- الحج -
أيضاً فتحُ الطاءِ مشددةً مع كسرِ التاءِ والخاءِ. ورُوِي عن الأعمش كقراءةِ العامّةِ
إلَّ أنه بغير فاء: ((تَخْطَفُه)). وتوجيهُ هذه القراءاتِ قد تقدَّم مستوفى في أوائل
البقرة عند ذِكْري القراءاتِ في قولِه تعالى: ((يكادُ البَرْقُ يَخْطَف))(١) فلا
أعيدها.
وقرأ(٢) أبو جعفر ((الرياحُ)) جمعاً. وقولِه ((خَرَّ) في معنىْ يَخِرُّ؛ ولذلك
عُطِفَ عليه المستقبلُ وهو ((فَتَخْطَفُهُ))، ويجوز أن يكون على بابه، ولا يكونُ
(فَتَخْطَفُه)) عطفاً عليه، بل هو خبرُ مبتدأ مضمٍ أي: فهو يَخْطَفُه .
قال الزمخشري (٣): ((ويجوزُ في هذا التشبيهِ أن يكونَ من المركب
والمفرّق. فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: مَنْ أشرك بالله فقد أهلكَ نفسَه
إهلاكً ليس بعده [هلاكٌ](٤): بأَنْ صَوَّر حالَه بصورةٍ حالٍ مَنْ خَرَّ من السماءِ
فاخْتَطَفَتْه الطيرُ، فتفرَّق مِزَعاً في حَواصلِها، أو عَصَفَتْ به الريحُ حتى هَوَتْ به
في بعض المطاوحِ البعيدةِ. وإن كان مُفَرَّقاً فقد شَبَّه الإِيمانَ في عُلُوَّه بالسماءَ،
والذي تركَ الإِيمانَ وأشرك بالله، بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزَّعُ
أفكارَه بالطير المتخطفةِ، والشيطانَ الذي يُطَوِّحُ به في وادي الضَّلالةِ بالريح
التي تهوي بما عَصَفَتْ به في بعض المهاوي المُتْلِفَةِ)). قلت: وهذه العبارةُ من
أبي القاسم مما يُنَشِّطُك إلى تَعَلُّم عِلْمِ البيان فإنها في غاية / البلاغة.
[٦٤٦/أ]
والأَوْثان: جمع وَثَن. والوَثْنُ يُطْلَقُ على ما صُوِّر من نحاسٍ وحديدٍ
وخَشَبٍ. ويُظْلَقُ أيضاً على الصَّليب. وعن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه
(١) الآية ٢٠ من البقرة.
(٢) الإتحاف ٢٧٥، والنشر ٣٢٤/٢، والبحر ٣٦٦/٦.
(٣) الكشاف ١٢/٣.
(٤) من الكشاف.
٢٧١

- الحج-
قال(١) لعدي بن حاتم وقد رأى في عنقه صليباً: ((أَلْقِ هذا الوثنَ عنك)). وقال
الأعشى (٢):
العبادٌ بأبوابه
٣٣٨٧- يطوفُ
كطَوْفِ النصارىْ بِبَيْتِ الوَثَنْ
واشتقاقُه مِن وَثَّن الشيءُ أي: أقام بمكانه وثَبَتَ فهو وائِنٌ. وأُنشِد
لرؤية(٣) :
٣٣٨٨- على أَخِلَاءِ الصَّفاءِ الوُثَّنِ
أي: المقيمين على العهد. وقد تقدَّم الفرقُ بين الوَثَنِ والصنم (٤).
والسَّحيقُ: البعيدُ. ومنه سَحَقَه اللَّهُ أي: أبعده. وقوله عليه السلام(٥):
((فأقولُ سُحْقاً سُحْقاً، أي: بُعْداً بُعْداً. والنَّخْلة السَّحُوقُ: الممتدةُ في السماء،
من ذلك .
آ. (٣٢) قوله: ﴿ذلك﴾: إعرابُه كإعرابٍ ((ذلك)) المتقدم(٦)
وتقدَّم تفسيرُ ((الشَّعيرة) واشتقاقُها في المائدة(٧).
(١) رواه الترمذي في كتاب التفسير برقم ٥٠٩٣. انظر: التحفة ٤٩٢/٨.
(٢) ديوانه ٢١ وروايته «يطوف العُفاة)).
(٣) ديوانه ١٦٣، واللسان (وثن) وقبله:
: أمطرَ في أكنافٍ غيم مُغْيِنٍ
(٤) لم يسبق له أن ذكر الفرق. وقال المؤلف في عمدة الحفاظ ص ٦١٩: ((الوثن ما كان له
جثة من خشبة أو فضة، والصنم: الصورة بلا جسم)).
(٥) قطعة من حديث رواه البخاري في كتاب الرقاق، ٥٣ باب في الحوض. الفتح
١١/ ٤٧٢.
(٦) انظر إعرابه للآية ٣٠ من السورة نفسها.
(٧) انظر: الدر ١٨٨/٢.
٢٧٢

- الحج -
قوله: ((فإِنَّها مِنْ تَقْوى القلوب)» في هذا الضميرِ وجهان، أحدُهما: أنه
ضميرُ الشعائرِ، على حَذْفِ مضافٍ. أي: فإن تعظيمَها مِنْ تقوى القلوبِ.
والثاني: أنه ضميرُ المصدرِ المفهومِ من الفعل قبلَه أي: فإنَّ التعظيمةَ مِنْ
تقوى القلوب. والعائدُ على اسمِ الشرط من هذه الجملةِ الجزائيةِ مقدرٌ،
تقديرُه: فإنها مِنْ تَقَوى القلوب منهم. ومَنْ جَوَّز إقامةَ أل مُقام الضميرِ - وهم
الكوفيون - أجاز ذلك هنا، والتقدير: مِنْ تقوى قلوبِهم، كقوله: ((فإنَّ الجنَّة
هي المَأْوىُ))(١) وقد تقدَّم تقريرُه. وقال الزمخشري(٢): أي فإنَّ تعظيمها من
أفعالِ ذوي تقوى القلوبِ فحُذِفَتْ هذه المضافاتُ، ولا يَسْتقيمُ المعنى إلّ
بتقديرِها؛ لأنه لا بُدَّ من راجعٍ من الجزاء إلى ((مَنْ)) لِتَرْتَبِط به)) قال الشيخ(٣) :
(وما قَدَّره عارٍ من راجعٍ من الضميرِ من الجزاء إلى ((مَنْ)). ألا ترى أنَّ قولَه
(فإِنَّ تعظيمَها من أفعال ذوي تقوى القلوب)» ليس في شيءٍ منه ضميرٌ يَرْجِعُ من
الجزاء إلى ((مَنْ)) يربطه به. وإصلاحُه أن يقولَ: فإنَّ تعظيمَها منه، فالضميرُ في
(منه)) عائدٌ على ((مَنْ)).
والعامَّة على خفض ((القلوب)). وقُرىءٍ(٤) برفعِها فاعلةً للمصدرِ قبلها وهو
«تقوى)).
آ. (٣٣) [قوله ﴿فيها﴾:] والضميرُ في ((فيها)) عائدٌ على
الشعائر بمعنى الشرائع أي: لكم في التمسُّكِ بها. وقيل: عائدٌ على بهيمةٍ
الأنعام.
(١) الآية ٤١ من النازعات.
(٢) الكشاف ١٣/٣ - ١٤.
(٣) البحر ٣٦٨/٦.
(٤) القرطبي ٥٦/١٢، والبحر ٣٦٨/٦.
٢٧٣

- الحج-
آ. (٣٤) قوله: ﴿مَنْسَكاً﴾: قرأ الأخَوان(١) هذا وما بعده
((مَنْسِكً)) بالكسر، والباقون بالفتح. فقيل: هما بمعنىَّ واحد. والمرادُ بالمَنْسَك
مكانُ النُّسُكِ أو المصدرُ. وقيل: المكسورُ مكانٌ، والمفتوحُ مصدرٌ. قال
ابنُ عطية(٢): ((والكسرُ في هذا من الشاذِّ، ولا يَسُوغ فيه القياس، ويُشْبِهُ أَنْ
يكونَ الكسائيُّ سمعه من العرب)». قلت: وهذا الكلامُ منه غير مَرْضِيّ: كيف
يقول: ويُشْبِه أَنْ يكونَ الكسائيُّ سَمِعه. الكسائي يقول: قرأتُ به فكيف يحتاج
إلى سماعٍ مع تمسُّكِه بأقوى السَّماعات، وهو روايته لذلك قرآناً متواتراً؟ وقوله:
((من الشاذِّ) يعني قياساً لا استعمالاً فإنه فصيحٌ في الاستعمال؛ وذلك أنَّ فَعَل
يَفْعُلِ بضم العين في المضارع قياسُ المَفْعَل منه: أن تُفتَحَ عينُه مطلقاً أي :
سواءٌ أُريد به الزمانُ أم المكانُ أم المصدرُ. وقد شَذَّتْ ألفاظٌ ضَبَطها النحاةُ فِي
كتبهم (٣) وذكرتُها أيضاً في هذا الموضوعِ .
آ. (٣٥) قوله: ﴿الذين إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قلوبُهم﴾
يجوز أن يكونَ هذا الموصولُ في موضعٍ جرِّ أو نصبٍ أو رفعٍ. فالجرُّ من
ثلاثةِ أوجهٍ: النعتُ للمُخْبِيْن، أو البدلُ منهم، أو البيانُ لهم. والنصبُ على
المدحِ. والرفعُ على إضمار ((هم)) وهو مدحٌ أيضاً، ويُسَمِّيه النحويونِ
«قطعاً)).
قوله: ((والمُقيمي الصلاةِ) العامَّةُ على خفضِ ((الصلاةٍ)) بإضافةٍ
المقيمين إليها. وقرأ(٤) الحسن وأبو عمروٍ في روايةٍ بنَصْبِها على حذف النونِ
تخفيفاً، كما يُحْذف التنوينُ لالتقاءِ السَّاكنين. وقرأ ابنُ مسعودٍ والأعمشُ بهذا
(١) السبعة ٤٣٦، والنشر ٣٢٦/٢، والحجة ٤٧٦، والبحر ٣٦٨/٦، والتيسير ١٥٧.
(٢) المحرر ٢٠٠/١١.
(٣) انظر: شرح الشافية ١٨١/١،١٧٣/١.
(٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٧٥/٢، والبحر ٣٦٩/٦، والقرطبي ٥٩/١٢.
٢٧٤

- الحج -
الأصلِ: (والمقيمينَ الصلاةَ) بإثباتِ النونِ، ونصبٍ ((الصلاة)). وقرأ الضحَّاكُ
((والمقيمَ الصلاةَ)) بميمٍ ليس بعدها شيء. وهذه لا تخالفُ قراءةً العامّةِ لفظاً،
وإنما تظهرُ مخالفتُها لها وَقْفاً وخَطَّاً (١).
آ. (٣٦) قوله: ﴿والْبُدْنَ﴾: العامَّةُ على نصب ((الْبُدْنَ)) على
الاشتغال. ورُجِّح النصبُ وإن كان مُحْوِجاً لإِضمارٍ، على الرفع الذي لم يُحْوِجْ
إليه، لتقدُّمِ جملةٍ فعليةٍ على جملةِ الاشتغالِ. وَقُرِىءٍ(٢) برفعها على الابتداءِ،
والجملةُ بعدها الخبرُ.
والعامَّةُ أيضاً على تسكينِ الدالِ. وقرأ الحسن - وتُرْوى عن نافعٍ
وشيخةِ أبي جعفر - بضمِّها، وهما جمعان لـ ((بَدَنَة)) نحو: ثَمَرةٍ وَثُمُرٍ وتُمٍْ .
فالتسكينُ يحتمل أن يكونَ تخفيفاً من المضمومِ ، وأَنْ يكونَ أصلاً. وقيل:
الْبُدْنُ والْبُدُنُ جمعُ بَدَن، والبَدَنُ جمعٌ لَبَدَنَة نحو: خَشَبة وخَشَب، ثم يُجْمع
خَشَباً على خُشُب وخُشْب. / وقيل: البُدْنُ اسمٌ مفردٌ لا جمعٌ يَعْنُون اسمَ [٦٤٦/ب]
جنسٍ. وقرأ ابنُ أبي إسحاق ((البُذُنَّ) بضم الباء والدال وتشديد النون. وهي
تحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه قرأ كالحسن، فوقَفَ على الكلمةِ وضَعَّفَ لامَها
كقولهم: ((هذا فَرُخٌ)) ثم أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ في ذلك. ويُحتمل أَنْ
يكون اسماً على فُعُل كـ عُتُلّ (٣).
وسُمِّيَتِ الْبَدْنَةِ بَدَنَةٌ لأنها تُبْدَنُ أي: تُسَمَّنُ. وهل تختصُّ بالإِبل؟
الجمهورُ على ذلك. قال الزمخشري(٤): ((والْبُدْنُ: جمعُ بَدَنَةَ سُمِّيَتْ لِعِظَمِ
(١) فالوقف على قراءة الجمهور وعلى قراءة الضحاك بالميم الساكنة. والحق أنها تخالف
لفظاً؛ لأن قراءة الضحاك بالميم المفتوحة، والجمهور بالميم المكسورة.
(٢)
انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٧٥/٢، والقرطبي ٦٠/١٢، والبحر ٣٦٩/٦.
(٣)
العتل: الشديد من كل شيء.
(٤) الكشاف ١٤/٣.
٢٧٥

- الحج :-
بَدَنِها، وهي الإِبِلُ خاصةً؛ لأنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ألحق البقْرَ
بالإِبل حين قال(١): ((الْبَدَنَةُ عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعة)) فجَعَلَ البقر في حُكْمٍ
الإِبل ، صارَت البَدَنَةُ متناوَلَةً في الشريعة للجنسين عند أبي حنيفة وأصحابه،
وإلّا فالْبُدْنُ هي الإِبلُ وعليهِ تَدُلُّ الآيةُ)). وقيل لا تختصُّ، فقال الليث: البَدَنَّةُ
بالهاء تقعُ على الناقةِ والبقرة والبعير وما يجوز في الهَدْي والأضاحي، ولا تقعُ
على الشاة. وقال(٢) عطاءً وغيرُه: ما أشعر مِنْ ناقة أو بقرةٍ. وقال آخرون :.
الْبُدْنُ يُراد به العظيمُ السُّنِّ (٣) من الإِبل والبقر. ويقال للسَّمين من الرجال. وهو
اسمُ جنسٍ مفردٍ.
قوله: ((من شعائرِ اللَّهِ)) هو المفعولُ الثاني للجَعْل بمعنى التصيير.
قوله: ((لكم فيها خيرٌ)) الجملةُ حالٌ: إمَّا من ((ها)) (((جَعَلْناها))، وإمَّا مِنْ
شعائر الله. وهذان مبنيًّان على أن الضميرَ في ((فيها)) هل هو عائدٌ على «البُذْن)»
أو على شعائر؟ والأولُ قولُ الجمهورِ.
قوله: ((صَوافٍّ)) نصبٌ على الحال أي: مُصْطَفَّةً جنبَ بعضِها إلى بعض.
وقرأ(٤) أبو موسى الأشعري(٥) والحسن ومجاهد وزيد بن أسلم «صوافي)) جمعَ
صافِيَة أي: خالصةً لوجه الله تعالى. وقرأ عمرو بن عبيد كذلك، إلاّ أنه نَوَّنَ الْيَاءَ
(١) رواه ابن ماجه في كتاب الأضاحي (٥) باب: كم تجزىء من الغنم عن البدنة
١٠٤٨/٢، وأحمد ٩٥/١، ١٠٥.
... (٢) انظر: المحرر ٢٠١/١١.
(٣) في المحرر: ((السمين)) وفي (ش): العظيم في السن.
(٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٧٥/٢، والمحتسب ٨١/٢، والبحر ٣٦٩/٦.
(٥) عبد الله بن قيس، حفظ القرآن وعرضه على النبي صلَّى الله عليه وسلّم، من نجباء
الصحابة ومن أطيب الناس صوتاً بالقرآن. توفي سنة ٤٤. انظر: طبقات القراء
٤٤٢/١.
٢٧٦

- الحج -
فقرأ ((صَوافياً)). واسْتُشْكِلَتْ من حيث إنه جمعٌ متناهٍ. وخُرِّجَتْ على وجهين،
أحدُهما : - ذكره الزمخشري(١) - وهو أَنْ يكونَ التنوينُ عِوَضاً من حرفٍ
الإِطلاقِ عند الوقف. يعني أنه وَقَفَ على ((صَوافي)) بإشباع فتحة الياءِ فَتَوَلَّد منها
أَلِفٌ يُسَمَّى حرفَ الإِطلاق، ثم عَوَّضَ عنه هذا التنوينَ، وهو الذي يُسَمِّيه أهلُ
النحوِ تنوينَ الترنَّم (٢). والثاني: أنه جاء على لغةٍ مَنْ يَصْرِفُ ما لا يَنْصَرِفُ.
وقرأ الحسنُ ((صَوافٍ)) بالكسرِ والتنوين. وتوجيهُها: أنه نصبها بفتحة
مقدرةٍ، فصار حكمُ هذه الكلمةِ كحكمِها حالةً الرفعِ والجرِّ في حَذْفِ الیاءِ
وتعويض التنوينٍ نحو: ((هؤلاء جوارٍ))، ومررت بجوارٍ. وتقديرُ الفتحةِ في الياءِ
كثيرٌ كقولهم: ((أُعْطِ القوسَ بارِيْها))(٣) وقوله(٤):
٣٣٨٩- كأنَّ أيْدِيهنَّ بالقاعِ القَرِقْ
أيديْ جوارٍ يتعاطَيْنَ الوَرِق
وقوله(٥) :
٣٣٩٠ - وكَسَوْتُ عارٍ لَحْمُه
(١) الكشاف ١٥/٣.
(٢) تنوين الترنم: هو الذي يلحق القوافي المطلقة بحرف علة. انظر: شرح ابن عقيل
٢٩/١.
(٣) مثل عربي. انظر: الفاخر للمفضل بن سلمة ٣٠٤.
(٤) تقدم برقم ١٨٠٨.
(٥) تمامه :
فتركتُه
يَسْحَبُ
جَذْلانَ
ورداءه
ذيله
والبيت لم أهتد إلى قائله، وهو في الممتع ٥٥٧، وشرح الجمل لابن عصفور
٥٩٠، والدرر ٢٩/١.
٢٧٧

- الحج-
ويدلُّ على ذلك قراءةُ بعضهم «صوافي» بیاءٍ ساكنةٍ من غیرِ تنوينٍ، نحو:
(رأيتُ القاضيْ يا فتى)) بسكون الياء. ويجوز أن يكونَ سكْن الياءَ في هذه
القراءةِ للوقفِ ثم أَجْرَى الوصلَ مُجْراه.
وقرأ العبادلة (١) ومجاهدٌ والأعمش ((صَوافِنْ)) بالنون جمعَ ((صَافِنَّة)) وهي
التي تقومُ على ثلاثٍ وطرفِ الرابعة، إلاّ أنَّ ذلك إنما يُسْتَعْمَلُ في الخيلِ كقوله
(الصَّافِناتُ الجِيادُ))(٢)، وسيأتي، فيكون استعمالُه في الإِبلِ استعارةً.
والوجوبُ: السُّقوطُ. وجَبَتِ الشَمسُ أي: سَقَطَتْ. ووجَبَ الجِدَارُ أي:
سَقَطَ، ومنه الواجبُ الشرعي كأنه وقع علينا ولَزِمَنا. وقال أوس بن حجر(٣)
٣٣٩١- ألم تُكْسَفِ الشمسُ شمْسُ النَّها
دٍ والبدرُ للجبل الواجب
قوله: القانِعَ والمعتَّر)) فيهما أقوالٌ. فالقانِعُ: السائل والمُعْتَرُّ: المعترضُ
من غيرِ سؤالٍ. وقالٍ قومٌ بالعكس. وقال ابن عباس: القانِعُ: المستغني بما
أعطيتَه، والمعتُّ: المعترضُ من غيرِ سؤالٍ. وعنه أيضاً: القانعُ: المتعفِّفُ،
والمعترُّ: السائلُ. وقال بعضُهم: القائِعُ: الراضي بالشيءِ اليسيرِ. مِنْ قَنِعَ يَقْنَعُ
قَناعةً فهو قانِيعٌ. والقَنِعُ: بغير ألفٍ هو السَّائلُ. ذكره أبو البقاء (٤). وقال
(١) عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس.
(٢) الآية ٣١ من ص.
(٣) ديوانه ١٠، وروايته فيه:
ألم تكسف الشمسُ والبدر والـ
ـكواكبُ
للجبل
الواجب
والجبل هنا فضالة بن كلدة.
(٤) الإملاء ٢/ ١٤٤ . :
٢٧٨

- الحج-
الزمخشري(١): ((القائِعُ: السَّائِلُ. مِنْ قَنِعْتُ وكَنَعْتُ إذا خَضَعْتَ له. وسألتُه
قُنُوْعاً. والمُعْتَرُّ: المتعرِّضُ بغيرِ سؤالٍ، أو القانعُ الراضي. بما عندَه،
وبما يُعْطَى، من غيرٍ سؤالٍ. مِنْ قَنِعْتُ قَنَعاً وقَناعة. والمعترُّ: المتعرض
بالسؤال)». انتهى. وفرَّق بعضهم بين المعنيين بالمصدر فقال: قَنِعَ يَقْنَع قُنوعاً
أي سأل، وقَناعة أي: تعفّف بُبُلْغَته واستغنى بها. وأنشد للشماخ(٢):
٣٣٩٢- لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُه فيُغْني
مَفاقِرَهِ أَعَفُّ من القُنوعِ
وقال ابن قتيبة(٣): ((المُعْتَرُّ: المتعرِّضُ من غير سؤال. يُقال: عَرَّه/ [٦٤٧/أ]
واعتّرّه وعَراه واعْتراه أي: أتاه طالباً معروفَه قال (٤):
٣٣٩٣ - لَعَمْرُك ما المُعْتَرُ يَغْشی بلادنا
لِنَمْنَعَه بالضائعِ المُتَهَضُمِ
وقوله الآخر(٥):
٣٣٩٤ - سَلي الطارِقَ المعترَّ يا أمُّ مالِكٍ
إذا ما اعْتَراني بينَ قِدْري ومَجْزري
(١) الكشاف ١٥/٢.
(٢) تقدم برقم ٢٩٠٧ .
(٣) نصه في تفسير غريب القرآن ٢٩٣: ((المعتر الذي يعتريك أي: يلمّ بك لتعطيه
ولا يَسْأل يقال: اعْتَرِّني وعرَّني وعَراني واعتراني)).
(٤) البيت لحسان، وهو في ديوانه ٦٣، ومجاز القرآن ٥٢/٢، والمحرر الوجيز
٢٠٣/١١، والبحر ٣٤٧/٦. ورواية الديوان ((لِنُمْتِعَه)).
(٥) البيت لحاتم، وهو في ديوانه ٦٤ وروايته فيه:
سلي البائس المقرور يا أم مالك
إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
والبحر ٣٤٧/٦. والمجزر: مكان جزر الإبل.
٢٧٩

- الحج -
وقرأ(١) أبو رجاء ((القَنِع)) دون ألف. وفيها وجهان، أحدهما: أنَّ أصلَها
(القانِع)) فَحَذَفَ الألفُ كما قالوا: مِقْوَل(٢) ومِخْيَطِ وجَنَدِل(٣) وعُلَّبِطِ (٤) في:
مِقْوال ومِخْياط وجَنَادل وعُلابط. والثاني: أن القانِعَ هو الراضي باليسير،
والقَنِعِ: السائلُ، كما تقدَّم تقريره، قال الزمخشري(٥): ((والقَنِعُ: الراضي
لا غیر)» .
وقرأ(٦) الحسن: ((والمُعْتري)) اسمُ فاعلٍ مِنْ اعْتَرى يَعْتري. وقرأ
إسماعيل ـــ وتُرْوى عن أبي رجاء والحسن أيضاً ــ((والمُعْتَّرِ) بكسر الراء
اجتزاءً بالكسرة عن لام الكلمة .
وقُرِىء ((المُعْتَرِيَ)) بفتح الياء. قال أبو البقاء(٧): ((وهو في معناه)) أي:
في معنى ((المعترّ)) في قراءة العامَّة .
و[قوله:] «كذلك سَخَّرْناها)» الكافُ نعتُ مصدرٍ أو حالٌ من ذلك
المصدر.
آ. (٣٧) وكذلك قوله: ﴿كذلك سَخَّرها﴾
و﴿لِتُكَبِّوا﴾: متعلقٌ به. و((على ما هداكُمْ)) متعلقٌ بالتكبير. عُدِّيَ
بـ «على» لتضمُّنه معنى الشكر.
(١) القرطبي ٦٤/١٢، والمحتسب ٨٢/٢، والبحر ٣٧٠/٦.
(٢) قال في اللسان (قول): ((يقال للرجل إنه لِمِقْوَل إذا كان بيِّناً ظريف اللسان)).
(٣) الجَنْدِل: مفرده الجِنْدَل وهي الصخرة.
(٤) العُلَبط: الغليظ من اللبن وغيره، والقطيع من الغنم.
(٥) الكشاف ١٥/٣.
(٦) انظر في قراءاتها: المحتسب ٨٢/٢، والقرطبي ٦٥/١٢، والبحر ٣٧٠/٦.
(٧) الإملاء ١٤٤/٢.
--
٢٨٠