Indexed OCR Text
Pages 181-200
- الأنبياء - نظرٌ: من حيث إنه قَدَّر كوناً مقيّداً، وهو كثيراً ما يَرُدُّ على الزمخشري وغيرِه ذلك . آ. (٧٢) قوله: ﴿نافلةٌ﴾: قيل في تفسير النافلة: إنها العَطِيَّةُ. وقيل : الزيادةُ. وقيل: وَلَدُ الولد. فعلى الأول تنتصِبُ انتصابَ المصادر من معنى العامل وهو ((وهبنا))، لا من لفظِه؛ لأنَّ الهِبَةَ والإِعطاءَ متقاربان فهي كالعاقبةِ والعافية. وعلى الأخيرين تنتصِبُ على الحالِ، والمرادُ بها يعقوب. والنافِلَةُ مختصةٌ بـ يعقوب على كلِّ تقديرٍ؛ لأن إسحاقَ ولدُه لصُلْبه. قوله: ((وكُلَّا)) مفعولٌ أولُ لـ ((جَعَلْنا)) و((صالحين)) هو الثاني، توسَّط العاملُ بينهما. والأصل: وجَعَلْنا أي: صِيَّرْنا كُلَّ من إبراهيم ومَنْ ذُكر معه صالحین. آ. (٧٣) وقوله: ﴿وجَعَلْناهم أئمةً﴾: كما تقدَّم إلّ أنه لم يُوَسَّطِ العامِلُ. و((يَهْدون)) صفةٌ لـ((أئمة)). و((بأَمْرِنا)) متعلق بـ((يَهْدُون)). وقد تقدَّم التصريفُ المتعلَّق بلفظ أئمة (١) وقراءةُ القراءِ فيها. قوله: ((فِعْلَ الخيراتِ)) قال الزمخشري(٢): ((أصلُه: أن تُفْعَلَ الخيراتُ، ثم فِعْلًا الخيراتِ، ثم فِعْلَ الخيراتِ، وكذلك ((وإقام الصلاة وإيتاءَ الزكاةِ)). قال الشيخ (٣): ((كأنَّ الزمخشريَّ لمّا رأى أنَّ فِعْلَ الخيراتِ وإِقامَ الصلاةِ وإيتاءَ الزكاة ليس من الأحكامِ المختصة بالمُوحى إليهم، بل هم وغيرُهم في ذلك . مشتركون بُني الفعلُ للمفعولِ، حتى لا يكونَ المصدرُ مضافاً من حيث المعنى (١) انظر: الدر المصون ٢٥/٦. (٢) الكشاف ٥٧٩/٢. (٣) البحر ٣٢٩/٦. ١٨١ - الأنبياء - إلى ضميرٍ المُوْحَى إليهم، فلا يكونُ التقدير: فِعْلَهم الخيراتِ، وإقامتهم الصلاةَ، وإيتاءَهم الزكاةَ. ولا يلزَمُ ذلك؛ إذ الفاعلُ مع المصدرِ محذوفٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ من حيث المعنى مضافاً إلى ظاهرٍ محذوفٍ، ويشملُ المُؤْحَى. إليهم وغيرهم. والتقديرُ: فِعْلَ المكلَّفين الخيراتِ. ويجوز أن يكونَ مضافاً إلى ضميرٍ الموحى إليهم أي: [أن](١) يفعلوا الخيراتِ، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤْتُوانِ الزكاةَ، وإذا كانوا هم قد أُوْحي إلیهم ذلك فأتباعُهم جارُوْن مَجْراهم في ذلك، ولا يَلْزَمُ اختصاصُهم به. ثم اعتقادُ بناءِ المصدرِ للمفعولِ مختلَفُ فيه. أجاز ذلك الأخفشُ. والصحيحُ مَنْعُه فليس ما اختاره الزمخشريُّ بمختارٍ)» . قلت: الذي يُظْهر أنَّ الزمخشريَّ لم يُقَدِّرْ هذا التقديرَ، لِما ذكره الشيخ، حتى يُلْزِمَه ما قاله، بل إنما قَدَّر ذلك لأنَّ نفسَ الفعلِ الذي هو معنى صادرٌ مِنْ فاعلِه لا بَوَحْيٍ ، إنما بوحيِ ألفاظٍ تَدُلُّ عليه، وكأنه قيل: وأَوْحَيْنا هذا اللفظ، وهو أن تُفْعَلَ الخيراتُ، ثم صاغ ذلك الحرفَ المصدريٌّ مع ما بعده مصدراً منوّناً ناصباً لِما بعده، ثم جَعَلَه مصدراً مضافاً لمفعولِه. وقال ابن عطية(٢): ((والإِقام مصدرٌ. وفي هذا نظر)). انتهى. يعني: ابن عطية بالنظر أنَّ مصدرَ أَفْعَل على الإِفْعال. فإن كان صحيحَ العينِ جاء تامًّاً. كالإِكرام، وإنْ كان معتلّها حُذِف منه إحدى الألفين، وعُوِّض منه تاءُ التأنيثِ فيقال إقامة(٣). فلمَّا لم يُقَلْ كذلك جاء فيه النظر المذكور. قال الشيخ (٤): (١) زيادة من البحر. (٢) المحرر الوجيز ١٤٨/١١. (٣) الأصل إقْوَام. حرف العلة متحرك وقبله ساكن صحيح، نُقلت حركة حرف العلة إلى الساكن الصحيح فصار إقَوْم. قلبت الواو ألفاً لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها في اللفظ فصار إقّآم، حُذفت إحدى الألفين وعُوِّض منها بالتاء. انظر في تفصيل: خلاف النحاة: معجم مفردات الإعلال ٢٢٣ . (٤) البحر ٣٢٩/٦. ١٨٢ - الأنبياء- ((وأيُّ نظرٍ في هذا؟ وقد نَصَّ سيبويه(١) على أنَّه مصدرٌ بمعنى الإِقامة وإنْ كان الأكثرُ الإِقامةَ بالتاء، وهو المقيسُ في مصدر أَفْعَل إذا اعتلَّتْ عينُه. وحَسِّن ذلك أنه قابَلَ ((وإيتاء الزكاة)) وهو بغير تاءٍ، فتقع الموازنةُ بين قولِه ((وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)) . وقال الزجَّاجِ(٢): ((حُذِفَتِ التاءُ مِنْ إقامة لأنَّ الإِضافةَ عوضٌ عنها)) وهذا قولُ الفراءِ (٣): زعم أنَّ التاءَ تُحْذَفُ للإِضافةِ كالتنوين. وقد تقدم بَسْطُ القولِ في ذلك عند قراءةٍ مَنْ قرأ في براءة ((عُدَّةً، ولكنْ كَرِه))(٤). آ. (٧٤) قوله: ﴿وَلُوْطاً آتَيْناه﴾: ((لُوْطا) منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ يُفَسِّره الظاهرُ بعدَه، تقديره: وآتَيْنا لوطاً آتَيْناه، فهي من الاشتغالِ. والنصبُ في مثلِه هو الراجحُ؛ ولذلك لم يُقرَأْ إلَّ به لعَطْفِ جملتِه على جملةٍ فعليةٍ، وهو أحدُ المُرَجِّحات. قوله: ((من القريةِ)) أي: من أهلٍ . يدلُّ على ذلك قولُه بعد ذلك: ((إنّهم كانوا))، وكذلك إسنادُ عملِ الخبائثِ إليها، والمرادُ أهلُها. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا(٥). والخبائثُ: / صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: تعملُ الأعمالَ الخبائثَ. [٦٣٤/أ] آ. (٧٦) قوله: ﴿وَنُوْحاً﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه منصوبٌ عَطْفاً على ((لُوْط) فيكونُ مشتَرِكاً معه في عامِلِه الذي هو «آتَيْنا)» المفسَّرِ (١) الكتاب ٢٤٤/٢ - ٢٤٥. (٢) معاني القرآن له ٣٩٨/٣. (٣) معاني القرآن له ٢٥٤/٢. (٤) انظر الدرر المصون ٥٧/٦، والآية ٤٦ من التوبة. (٥) انظر: الدر المصون ٥٤٤/٦. ١٨٣ - الأنبياء - بـ ((آتيناه)) الظاهرِ. وكذلك ((داودَ وسليمانَ))(١) والتقدير: ونوحاً آتيناه حُكْماً، وداودَ وسليمان آتيناهما حكماً. وعلى هذا فـ ((إذ)) بدلٌ مِنْ ((نوحاً)) ومِنْ ((داود وسليمان)) بدلُ اشتمالٍ. وقد تقدَّم تحقيقُ مثلِ هذا في طه(٢). الثاني: أنَّه منصوبٌ بإضمارِ ((اذكُرْ)) أي : اذكر نوحاً وداودَ وسليمانَ أي: اذْكُرْ خبرَهم وقصتَهم، وعلى هذا فتكونُ ((إذ» منصوبةٌ بنفسِ المضافِ المقدَّرِ أي : خبرهم الواقعَ في وقتٍ کان کیت وکیتَ. وقوله: ((مِنْ قبلُ)) أي: مِنْ قبل هؤلاءِ المذكورین. آ. (٧٧) قوله: ﴿مِنَ القومِ﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أن يُضَمَّن ((نَصَرْناه)) معنى منَعْنَاه وعَصَمْناه. ومثلُه ((فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بأسِ الله))(٣) فلِمَّا ضُمِّنَ معناه تَعَدَّى تعديتَه. الثاني: أنَّ نَصَر مطاوِعُهُ انتصر، فتعدَّى تعدِيةً ما طاوعه. قال الزمخشري(٤): ((هو نَصَر الذي مطاوِعُه انتصر. وسمعتُ هُذَلِيّاً يدعو على سارِقٍ: ((اللَّهم انْصُرْهم منه)) أي: اجْعَلْهم منتصرين منه)). ولم يظهر فرقٌ بالنسبةِ إلى التضمين المذكور؛ فإنَّ معنى قولِه ((منتصرين منه)) أي: ممتنعین أو معْصُوْمین منه. الثالث: أن ((مِنْ)) بمعنى على أي: على القوم. آ. (٧٨) قوله: ﴿لحُكْمِهم﴾: في الضميرِ المضاف إليه ((حكم» أوجهٌ. أحدُها أنه ضميرٌ يُراد به المثنى، وإنَّما وقع الجمعُ موقعَ التثنيةِ مجازاً، أو لأنَّ التثنيةَ جمعٌ، وأقلُّ الجمعِ اثنان. ويدل على أنَّ المرادَ التثنيةُ قِراءةُ (١) في الآية ٧٨. (٢) انظر: الورقة ١٦١٥. (٣) الآية ٢٩ من غافر. (٤) الكشاف ٢/ ٥٧٩. ١٨٤ - الأنبياء - ابنِ عباس(١) ((لحُكْمِهما)) بصيغةِ التثنيةِ. الثاني: أنَّ المصدرَ مضافٌ للحاکِیْن وهما داودُ وسليمانُ والمحكوم له والمحكوم، وعليه فهؤلاء جماعةٌ. وهذا يلزَمُ منه إضافةُ المصدرِ لفاعلِه ومفعولِهِ دُفْعَةً واحدةً، وهو إنما يُضافُ لأحدِهما فقط. وفيه الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ، فإنَّ الحقيقةَ إضافةُ المصدرِ لفاعلِه، والمجازّ إضافته لمفعولِه. والثالث: أن هذا مصدرٌ لا يُرادُ به الدلالةُ على عِلاجٍ ، بل جِيْءَ به للدلالةِ على أنَّ هذا الحدثَ وقع وصدَر كقولهم: له ذكاءٌ ذكاءَ الحكماءِ وفَهْمُ فهم الأذکیاء، فلا يَنْحَلُّ لحرف مصدريٍّ وفعل ، وإذا کان کذلك فهو مضافٌ في المعنى للحاكم والمحكومِ له والمحكوم عليه. ويُنْدَفع المحذوران المذكوران. آ. (٧٩) وقرأ العامَّةُ ((فَفَهَّمْناها)) بالتضعيفِ الذي للتعدية، والضميرُ للمسألةِ أو للفُتّيا. وقرأ عكرمةُ(٢) ((فَأَفْهَمْناها)) بالهمزةِ عَدَّاه بالهمزةِ، كما عَدَّاه العامّةُ بالتضعيف. قوله: ((يُسَبِّحْنَ)) في موضعٍ نصبٍ على الحال. و((الطيرَ)) يجوز أن ينتصبَ نَسَقاً على الجبالِ، وأن ينتصِبَ على المفعولِ معه. وقيل: ((يُسَبُّحْن)) مستأنفُ فلا محلّ له. وهو بعيدٌ، وقُرِىءٍ (٣) ((والطيرُ)) رفعاً، وفيه وجهان. أحدهما: أنه مبتدأ والخبرُ محذوفٌ أي: والطيرُ مُسَخّراتٌ أيضاً. والثاني: أنه نَسَقُ على الضمير في ((يُسَبِّحْنَ)) ولم يؤكّدْ ولم يُفْصَلْ، وهو موافق لمذهب الكوفيين (٤). (١) معاني القرآن للفراء ٢٠٨/٢، والبحر ٣٣١/٦. (٢) البحر ٣٣٠/٦، الشواذ ٩٢. (٣) البحر ٣٣١/٦. (٤) انظر: الإنصاف ٢٤٧/٢. ١٨٥ - الأنبياء - والنَّفْشُ(١): الانتشارُ، ومنه ((كالعِهْنِ المَنْفُوش))(٢) ونَفَشَتِ الماشيةُ: أي: رَعَتْ ليلاً بغير راعٍ عكسَ الهَمَلِ وهو رَغْيُها نهاراً مِنْ غيرِ راعٍ (٣). آ. (٨٠) قوله: ﴿لَبُوسٍ﴾: الجمهورُ على فتح اللام، وهو الشيءُ المُعَدُّ لِلْبْس. قال الشاعر(٤): ٣٣٥٥- البَسْ لكلِّ حالةٍ لَبُوْسَها إمَّا نّعيمَها وإمَّا بُوْسَها وَقُرِىء(٥) (َبُوْس)) بضمِّها، وحينئذٍ: إمَّا أَنْ يكونَ جمعَ لُبْسِ المصدرِ: الواقعِ موقعَ المفعول، وإمَّا أَنْ لا يكونَ واقعاً موقعَه، والأولُ أقربُ، و((لكم)) يجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعَلَّمْنَاه، وأَنْ يتعلَّقَ بِصَنْعَة. قاله أبو البقاء(٦). وفيه بُعْد، وأن يتعلّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لِلْبوس. قوله: ((لِتُحْصِنَكم)) هذه لامُ كي. وفي متعلَّقها أوجهٌ، أحدها: أن يتعلّقَ بَعَلَّمْناه. وهذا ظاهرٌ على القولين الأخيرين. وأمَّا على القولِ الثالثِ(٧) فَيُشْكِلُ. وذلك أنه يلزمُ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جر متحدَيْن لفظاً ومعنىٌّ. ويُجاب عنه . بأَنْ يُجْعَلَ بدلا من ((لكم)) بإعادةِ العاملِ، كقوله تعالى: ((لِمَنْ يكفِّر بالرحمنِ [٦٣٤/ب] لبيوتهم)(٨) / وهو بدلُ اشتمالٍ وذلك أنَّ ((أنْ)) الناصبةَ للفعلِ المقدرِ مؤولةٌ هي (١) عاد إلى الآية ٧٨ (٢) الآية ٥ من القارعة. (٣) قال في الصحاح (همل) «تركتُها هَمّلاً: إذا أرسلتها تَرْعَىْ ليلاً ونهاراً بلا راعٍ)). (٤) البيت لِبَيْهَس الفزاري. وهو في اللسان ((لبس))، والقرطبي ٣٢٠/١١. (٥) البحر ٣٣٢/٦. (٦) الإملاء ١٣٥/٢. (٧) وهو تعلُّق ((لكم)) بصفة محذوفة لـ لبوس. (٨) الآية ٣٣ من الزخرف. ١٨٦ - الأنبياء - ومنصوبُها بمصدرٍ. وذلك المصدرُ بدلٌ من ضميرٍ الخطابِ في ((لكم)) بدلُ اشتمالٍ، والتقدير: وعَلَّمْناه صنعةً لَبوسٍ لتحصينكم. الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بـ ((صَنْعَةَ)) على معنى أنه بدلٌ من ((لكم)) كما تقدَّم تقريرُه، وذلك على رأي أبي البقاء(١) فإنه عَلَّق (لكم)) بـ ((صَنْعَةً)). والثالث: أن يتعلَّقَ بالاستقرار الذي تعلَّقَ به ((لكم)) إذا جَعَلْناه صفةً لِما قبله. وقرأ(٢) الحَرَمِيَّان والأخَوان وأبو عمرو ((لْيُحْصِنَكم)) بالياءِ من تحتُ. والفاعلُ اللَّهُ تعالى - وفيه التفاتُ على هذا الوجهِ إِذْ تَقَدَّمَه ضميرُ المتكلم في قوله ((وعَلَّمْناه)) - أو داودُ(٣) أو التعليمُ أو اللَّبوس. وقرأ حفصٌ وابنُ عامر بالتاء من فوقُ. والفاعلِ الصَّنْعَةُ أو الدِّرْعُ وهي مؤنثةٌ، أو اللَّبوس؛ لأنها يُراد بها ما يُلْبَسُ، وهو الدِّرْعُ، والدِّرْعُ مؤنثة كما تقدم. وقرأ أبو بكر ((لِنُحْصِنَكم))) بالنونِ جرياً على ((عَلَّمْناه)) وعلى هذه القراءاتِ الثلاثِ: الحاءُ ساكنةٌ والصادُ مخففةٌ . وقرأ الأعمش ((لتُحَصِّنَكم)) وكذا الفقيمي (٤) عن أبي عمروٍ بفتحِ الحاءِ وتشديد الصادِ على التكثير. إلَّ أنَّ الأعمشَ بالتاءِ من فوقُ، وأبو عمرٍ بالياء من تحتُ. وقد تقدَّم ما هو الفاعلُ. آ. (٨١) قوله: ﴿ولسليمانَ الريحَ﴾: العامَّةُ على النصب أي: وسَخَّرْنا الريحَ لسليمانَ، فهي منصوبةٌ بعاملٍ مقدرٍ. وقرأ(٥) ابنُ هرمزٍ، (١) الإملاء ١٣٥/٢. (٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٣٠، والنشر ٣٢٤/٢، والحجة ٤٦٩، والبحر ٣٣٢/٦، والتيسير ١٥٥، والقرطبي ٣٢١/١١. (٣) قوله: ((أو داود)) معطوف على ((الله تعالى)) من قوله: ((والفاعلُ اللَّهُ تعالى)). (٤) وهو عصمة بن عروة البصري أبو نجيح. وتقدمت ترجمته. (٥) انظر في قراءاتها: النشر ٢٢٣/٢، والبحر ٣٣٢/٦، الشواذ ٩٢. ١٨٧ - الأنبياء - وأبو بكر عن عاصم في روايةٍ، بالرفع على الابتداءِ، والخبرُ الجارُّ قبلَه. وقرأ الحسن وأبو رجاء بالجمعِ والنصبِ. وأبو حيوةَ بالجمعِ والرفع . وقد تقدَّم الكلامُ على الجمع والإِفرادِ في البقرة(١)، وبعضُ هؤلاء قرأ كذلك في سبأ(٢). وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قوله: ((عاصفةٌ)) حالٌ. والعاملُ فيها على قراءةٍ مَنْ نصب: سَخْرْنا المقدَّر، وفي قراءةٍ مَنْ رَفَع: الاستقرارُ الذي تعلَّقَ به الخبرُ. يُقال: عَصَفَتِ الريحُ تَعْصِفُ عَصْفاً وعُصُوفاً فهي عاصِفٌ وعاصفةٌ. وأسدٍ تقولُ: أَعْصَفَتْ بالألفِ تُعْصِفُ، فهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفَةٌ. و((تَجْرِي)) يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً ثانيةً، وأَنْ تكونَ حالاً من الضميرِ في (عاصفةٌ)) فتكونُ حالَيْنِ متداخلين. وزعم بعضُهم أنَّ ((التي بارَكْنا فيها)) صفةٌ للريح، وفي الآيةِ تقديمٌ وتأخيرٌ. والتقدير: الريحَ التي بارَكْنا فيها إلى الأرضِ ، وهو تَعَسُّفٌ. آ. (٨٢) قوله: ﴿مَنْ يَغُوْصُوْن﴾: يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةً. وعلى كلا التقديرين فموضعُها: إمَّا نَصْبٌ نَسَقاً على ((الريح)) أي: وسَخَّرْنا له مَنْ يَغُوْصُون، أو رفعٌ على الابتداءِ. والخبرُ في الجارِّ قبلَه. وجُمِع الضميرُ حَمْلًا على معنى ((مَنْ)). وحَسَّنَ ذلك تقدُّمُ الجمعِ فِي قولِه ((الشياطينِ))، فلمَّا تَرَشَّح جانبُ المعنىُ رُوْعِي. ونظيرُه قولُه(٣): (١) انظر: الدر المصون ٢٠٧/٢. (٢) ((ولسليمان الريحَ غُدُوُّها شهرٌ ورواحها شهر)) الآية ١٢ من سبأ. وانظر: النشر ٢٢٣/٢، ٣٤٩ والبحر ٢٦٤/٧. (٣) البيت لجران العود وهو في ديوانه، ص ٧، وروايته فيه:" ولَسْنّ فمنهنٌ روضةٌ. بأسْواء غيرها لا تصوح ١٨٨ - الأنبياء - ٣٣٥٦- وإنَّ مِن النِّسْوان مَنْ هي روضةً تَهِيْجُ الرياضُ قبلَها وتَصُوْحُ راعى التأنيثَ لتقدُّمِ قولِه ((وإنَّ مِن النِّسْوانِ)). و ((دونَ ذلك)» صفةٌ لـ «عَمَلًا)). آ. (٨٣) قوله: ﴿وَأيُّوبَ﴾: كقوله: ((ونوحاً))(١) وما بعده. وقرأ العامَّةُ ((أني)) بالفتح لتسليطِ النداءِ عليها بإضمار حرفِ الجرِّ أي: بأنِّي. وعيسى بن عمر(٢) بكسرٍ. فمذهبُ البصريين إضمارُ القولِ أي: نادى فقال: إني. ومذهبُ الكوفيين إجراءُ النداءِ مُجْرَى القولِ . والضُّرُّ بالضمِّ: المَرَضُ في البدنِ، وبالفتح: الضررُ في كلِّ شيءٍ فهو أعُمُّ من الأول. آ. (٨٤) قوله: ﴿رَحْمَةٌ﴾: فيها وجهان، أظهرهما: أنها مفعولٌ من أجلِه. والثاني: أنها مصدرٌ لفعلٍ مقدرٍ أي: رَحِمْناه رحمةً. و ((مِنْ عندِنا)» صفةٌ لـ ((رحمةً)). آ. (٨٥) قوله: ﴿وذا الكِفْلِ﴾: و((ذا النُّوْن))(٣) عطفٌ على ((أيوبَ))، و((ذا)) بمعنى صاحب. والكِفْلُ هنا: الكفالة يقال: إنه تكفّلَ بأمورٍ فَوَنَّی بها. والعيني ٤٩٢/١، وشرح التصريح ١٤٠/١، والمخصص ١٣١/٢. وتصوح أي = تَتَشَقَّق. شبَّه بعضَ النساء بالروضة التي تتأخر في هيجان نباتها وتشقق أزهارِها. وأراد بها مَنْ تتأخر عن الولادة في وقتها. (١) الآية ٧٦. (٢) البحر ٣٣٤/٦. (٣) في الآية ٨٧. ١٨٩ - الأنبياء - آ. (٨٧) ﴿والنَّوْنُ﴾: الحُوْتُ، ويُجمع على نِيْنان، كِحُوْتِ وحِيْتان. وسُمِّي بذلك؛ لأنَّ النونَ ابتلعه. قوله: ((مُغاضِباً)) حالٌ مِنْ فاعِل ((ذهب)). والمفاعلةُ هنا تحتملُ أَنْ تكونَ على بابِها من المشاركةِ. أي: غاضَبَ قومه وغاضَبوه، حين لم يُؤْمِنُوا في أول الأمر. وفي بعض التفاسير(١): مُغاضباً لربِّه. فإِنْ صَحَّ ذلك عَمِّنْ يُعتبر قولُهِ، فينبغي أَنْ تكونَ اللامُ للتعليلِ لا للتعديةِ للمفعول أي: لأجلِ ربِّه ولدينِه. ويُحتمل أَنْ تكونَ بمعنى: غضبانَ فلا مشاركةً كعاقَبْتُ وسافَرْتُ. والعامَّة على ((مُغَاضِباً)) اسمَ فاعلٍ. وقرأ(٢) أبو شرف (٣) «مغاضباً)) بفتح الضادِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. كذا نقله الشيخ (٤)، ونقله الزمخشري(٥) عن أبي شرف ((مُغْضَباً)) دون ألفٍ مِنْ أَغْضَبْتَه فهو مُغْضَب. قوله: ((أنْ لنْ)) ((أَنْ)) هذه المخففةُ، واسمُها ضمير الشأنِ محذوفٌ. [٦٣٥/أ] و((لن نقدِرَ)) هو الخبرُ. والفاصلُ / حرفُ النفي المعنى: أَنْ لَنْ نُضَيِّق عليه، من باب قوله: ((فَقَدَرَ عليه رِزْقَه))(٦)، ((ومَنْ قُدِرَ عليه رِزْقُه)»(٧) . والعامَّةُ على ((تَقْدِرَ)) بنون العظمة مفتوحةً وتخفيفِ الدالِ. والمفعولُ محذوفٌ أي: الجهات والأماكن. وقرأ الزُّهريُّ (٨) بضمِّها وتشديد الدال. وقرأ ابنُ (١) نسبه القرطبي ٣٢٩/١١ إلى الحسن والشعبي وسعيد بن جبير. (٢). البحر ٣٣٥/٦. وفي شواذ ابن خالويه ٩٢ (مُغْضِباً)). (٣) لم أقف على ترجمته. (٤) في مطبوعة البحر (مُغْضَباً)). (٥) الكشاف ٥٨١/٢. (٦) الآية ١٦ من الفجر. (٧) الآية ٧ من الطلاق. (٨) انظر في قراءاتها: البحر ٣٣٥/٦، والقرطبي ٣٣٢/١١، والنشر ٣٢٤/٢ والشواذ ٩٢. ١٩٠ - الأنبياء - أبي ليلى(١) وأبو شرفٍ والكلبي وحميد بن قيس ((يُقْدَر)) بضمُّ الياءِ مِنْ تحتُ وفتحِ الدالِ خفيفةً مبنياً للمفعول. وقرأ الحسنُ وعيسى بنُ عمرَ بفتح الياءِ وكُسرِ الدالِ خفيفةً. وعليّ بن أبي طالب واليمانيُّ بضم الياءِ وكسرِ الدالِ مشددةً. والفاعلُ على هذين الوجهين ضميرٌ يعود على الله تعالى. قوله: ((أنْ لا إلَه إلَّا أنتَ)) يجوزُ في ((أَنْ)) وجهان، أحدُهما: أنها المخففةُ من الثقيلةِ. فاسمُها كما تقدَّم محذوفٌ. والجملةُ المنفيةُ بعدها الخبرُ. والثاني : أنها تفسیریةٌ؛ لأنها بعد ما هو بمعنی القول لا حروفه. آ. (٨٨) قوله: ﴿وكذلك نُنْجِي﴾: الكاف نعتٌّ لمصدرٍ أو حالٌ من ضميرٍ المصدرِ. وقرأ العامَّة ((نُنْجي)) بضم النونِ الأولى وسكونٍ الثانية مِنْ أَنْجىْ يُنْجي. وقرأ(٢) ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ((نُجِّيْ)) بتشديد الجيمِ وسكونِ الياءِ. وفيها أوجهٌ، أحسنها: أن يكونَ الأصل («نُنَجِّي)) بضمِّ الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم ، فاستثقل توالي مِثْلين، فحُذِفت الثانيةُ، كما حُذِفَت في قوله (ونُزِّل الملائكةُ))(٣) في قراءةِ مَنْ قرأه كما تقدَّم، وكما حُذِفَتْ التاءُ الثانيةُ في قولِه («تَذَكَّرون))(٤) و ((تَظاهرون))(٥) وبابِهِ. ولكنَّ أبا البقاء(٦) استضعَفَ هذا التوجيه بوجهين فقال: ((أحدهما: أنَّ النونَ (١) عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي عرض القرآن على أبيه عن علي. عرض عليه أخوه محمد. وثّقه ابن معين. طبقات القراء ٦٠٩/١. (٢) السبعة ٤٣٠، والنشر ٣٢٤/٢، والحجة ٤٦٩، والتيسير ١٥٥، والبحر ٣٣٥/٦. (٣) الآية ٢٥ من الفرقان وهي رواية خارجة عن أبي عمرو. انظر: البحر ٤٩٤/٦. والأصل ((ما نُزِّل الملائكة)) والتصحيح من البحر. (٤) الآية ١٥٢ من الأنعام. (٥) الآية ٨٥ من البقرة. (٦) الإملاء ١٣٦/٢. ١٩١ - الأنبياء - الثانيةَ أصلٌ، وهي فاءُ الكلمةِ فَحَذْفُها يَبْعُدُ جداً. والثاني: أنَّ حركتَها غيرُ حركةٍ النون الأولى، فلا يُسْتَثْقَلُ الجمعُ بينهما بخلافٍ («تَظاهرون» ألا ترى أنَّك لو قلتَ: ((تُتَحامى المظالِمُ)) لم يَسُغْ حَذْفُ الثانية)). أمَّا كونُ الثانيةِ أصلاً فلا أثرَ له في مَنْعِ الحَذْفِ، ألا ترى أن النَّحْويين اختلفوا في إقامة واستقامة: أيُّ الألفينِ المحذوفة (١)؟ مع أنَّ الأولىُ هي أَصِلُ لأَنَّها عينُ الكلمةِ. وأمَّا اختلافُ الحركةِ فلا أثرَ له أيضاً؛ لأنَّ الاستثقالَ باتحادٍ لفظ الحرفین علی أيِّ حرکةٍ کانا. الوجه الثاني(٢): أن ((نُجِّي)) فعلٌ ماضٍ مبنىٌّ للمفعول، وإنما سُكَّنَتْ لامُه تخفيفاً، كما سُكِّنْت في قوله: ((ما بَقِيْ من الربا)»(٣) في قراءةٍ شاذةٍ تقدَّمَتْ لك. قالوا: وإذا کان الماضي الصحیحُ قد سُگِّن تخفيفاً فالمعتلُّ أولى، فمنه(٤) : شِعْرِيّ ٣٣٥٧- إنّما قَيْدٌ قد بجُلْجُلانِ خُلِطْ وقد ذَكَرْتُ منه جملةً صالحةً. وأُسْنِدَ هذا الفعلُ(٥) إلى ضميرٍ المصدرِ مع وجودِ المفعول الصريحِ (١) مذهب سيبويه أن المحذوف هو الزائد، ومذهب الأخفش أن المحذوف هو الأصلي. انظر: معجم المفردات ٢٢٣ . (٢) في تخريج قراءة ابن عامر وأبي بكر ((نُجِّي)). (٣) الآية ٢٧٨ من البقرة. وهي قراءة الحسن. انظر: الدر المصون ٦٣٧/٢. (٤) تقدم برقم ١٢٧ . (٥) في قراءة ابن عامر وأبي بكر. ١٩٢ - الأنبياء - كقراءةٍ أبي جعفرٍ ((ليُجْزَىْ قوماً بما كانوا يكسبون))(١) وهذا رأيُ الكوفيين والأخفش(٢). وقد ذكرْتُ له شواهدَ فيما مضى من هذا التصنيفِ، والتقدير: نُجِّيَ النَّجاءُ. قال أبو البقاءِ (٣): ((وهو ضعيفٌ من وجهين، أحدُهما: تسكينُ آخرِ الفعلِ الماضي، والآخرُ إقامةُ المصدرِ مع وجودِ المفعولِ الصَّريح)). قلت: عَرَقْتَ جوابَهما ممَّا تقدم. الوجه الثالث: أنَّ الأصلَ: ننجِّي كقراءةٍ العامة، إلاّ أنَّ النونَ الثانيةَ قُلِيَتْ جيماً، وأُدْغِمت في الجيم بعدها. وهذا ضعيفٌ جداً؛ لأن النونَ لا تُقارِبُ الجیمَ فَتُدغَمُ فيها. الوجه الرابع: أنه ماضٍ مسندٌ لضمير المصدرِ أي: نُجِّي النَّجاءُ كما تقدم في الوجه الثاني، إلاّ أن ((المؤمنين)) ليس منصوباً بنجِّي بل بفعلٍ مقدرٍ، وكأنَّ صاحبَ هذا الوجهِ فَرَّ من إقامةِ غيرِ المفعول به مع وجودِهِ، فجعله مِنْ جملةٍ أخرى. وهذه القراءةُ متواترةٌ، ولا التفاتَ على مَنْ طَعَن على قارئِها، وإنْ كان أبو عليٍ (٤) قال: ((هي لحنٌ)). وهذه جرأةً منه قد سبقه إليها أبو إسحاق الزجَّاج(٥). وأمَّ الزمخشري(٦) فلم يَطْعن عليها، إنما طعن على بعضِ الأوجهِ التي قدَّمْتُها فقال: ((ومَنْ تَمَحِّل لصحتِه فجعله فُعِل وقال: نُجِّي النَّجاءُ (١) الآية ١٤ من الجاثية. وانظر: النشر ٣٧٢/٢، والبحر ٤٥/٨. (٢) انظر: شرح الكافية الشافية ٦٠٩/٢ والمشهور في الآية على هذه القراءة أن نائب الفاعل هو الجار والمجرور. (٣) الإملاء ١٣٦/٢. (٤) الحجة (خ) ٥٠٢/٣. (٥) معاني القرآن له ٤٠٣/٣. (٦) الكشاف ٥٨٢/٢. ١٩٣ - الأنبياء - المؤمنين، فأرسل الياء وأسنده إلى مصدرِه ونَصَبَ المؤمنين، فتعسُّفٌ باردُ التعسُّفِ)). قلت: فلم يَرْتَضِ هذا التخريجَ بل للقراءةِ عنده تخريجٌ آخرُ. وقد يمكنُ(١) أن يكون هو الذي بدأتُ به لسلامتِهِ ممَّا تقدَّم من الضعف. آ. (٩٠) قوله: ﴿وَيَدْعُوْنَنا﴾: العامَّةُ على ثبوتِ الرفع قبل ((نا)» مفكوكةً منها. وقرأَتْ (٢) فرقةُ ((يَدْعُوْنا)) بحذفٍ نونِ الرفع. وطلحة بإدغامِها فيها. وهذان الوجهان فيهما إجراءُ نون ((نا)» مُجْرَىْ نونِ الوقاية. وقد تقدَّم ذلك. قوله: ((رَغْباً وَرَهَبا)) يجوز أَنْ يَنْتَصِبا/ على المفعولِ من أجله، وأَنْ ينتصِبا على أنهما مصدران واقعان موقعَ الحال أي: راغبين راهبين، وأن ينتصِبا على المصدرِ الملاقي لعاملِه في المعنى دون اللفظِ لأنَّ ذلك نوعٌ منه. [٦٣٥/ب] والعامَّةُ على فَتْحِ الغينِ والهاء. وابن وثاب(٣) والأعمش ــ ورُويت عن أبي عمروٍ - بسكون الغينِ والهاءِ. ونُقِل عن الأعمش - وهو الأشهرُ عنه - بضمِّ الراء وما بعدها. وقرأَتْ فِرْقَةٌ(٤) بضمٍ وسكونٍ فيهما. آ. (٩١) قوله: ﴿والتي أَحْصَنَتْ﴾: يجوز أَنْ ينتصِبَ نَسَقاً. على ما قبلَها، وأن ينتصِبَ بإضمارٍ اذكُرْ، وأن يرتفعَ بالابتداء، والخبرُ محذوف أي: وفيما يُتْلى عليكم التي أحصنت. ويجوز أن يكونَ الخبرُ ((فنفَخْنَا)) وزِيْدَت (١) سبب التقليل هنا أنَّ الزمخشري سكت عن تخريج القراءة الذي يرتضيه فلم يطعن فيها، وإنما طعن في تخريجٍ ذكره. (٢) انظر في قراءاتها: القرطبي ٣٣٧/١١، والبحر ٣٣٦/٦. (٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٦٧/٢، والبحر ٣٣٦/٦، والقرطبي: ٣٣٧/١١، والشواذ ٩٢. (٤) وهي رواية عن الأعمش كما في الإتحاف ٢٦٧/٢. ١٩٤ - الأنبياء - الفاءُ على رأي الأخفش(١) نحو: ((زيدٌ فقائمٌ)). وفي كلامِ الزمخشري(٢) ((فَنَفَخْنا الروحَ في عيسى فيها)). قال الشيخ(٣) مؤاخِذاً له: ((فاستعمل (نَفَخَ)) متعدياً. والمحفوظُ أنه لا يَتَعَدَّى فيحتاج في تَعَدِّيه إلى سماعٍ ، وغيرَ متعدٍّ استعمله هو في قولِه ((أي: نَفَخَتْ فِي المِزْمار)) انتهى ما واخَذَه به. قلت: وقد سُمِعَ (نَفَخَ)) متعدياً. ويَدُلُّ على ذلك ما قُرِىء في الشاذ(٤) ((فأنفخها فيكونُ طائراً) وقد حكاها هو قراءةً فكيف يُنْكِرُها؟ فعليك بالالتفات إلى ذلك. قوله ((آيةً)) إنما لم يطابِقُ المفعولَ الأولَ فُثْنِّي الثاني؛ لأنَّ كلّ منهما آيَةً بالآخر فصارا (٥) آيةً واحدة. أو نقولُ: إِنَّه حُذِف من الأولِ لدلالةِ الثاني، أو بالعكس أي: وجَعَلْنا ابنَ مريمَ آيةً، وأمَّه كذلك. وهو نظيرُ الحذفِ في قولِه (واللَّهُ ورسولُه أحقُّ أَنْ يُرْضُوه)(٦) وقد تقدَّم (٧). آ. (٩٢) قوله: ﴿أُمَّةً واحدةً﴾: العامَّةُ على رفع ((أمتُكم)) خبراً لـ ((إنَّ» ونصب ((أمةً واحدةً)) على الحالِ. وقيل على البدل من («هذه»، فيكونُ قد فُصِلَ بالخبرِ بين البدلِ والمبدلِ منه نحو ((إن زيداً قائمٌ أخاك)). (١) لم يشر الأخفش في إعرابه لهذه الآية. وانظر أمثلة على زيادة الفاء في الخبر: ١٢٤، ١٢٥، ٢٢٢. (٢) الكشاف ٥٨٢/٢. (٣) البحر ٣٣٦/٦. (٤) قراءة عبد الله بن مسعود ((فأنفخها)). انظر: الدر المصون ١٩٥/٣، والبحر ٤٦٦/٢. والآية ٤٩ من آل عمران . (٥) سقطت ألف الاثنين من الأصل. والتصحيح من (ش). (٦) الآية ٦٢ من التوبة. (٧) انظر: الدر المصون ٧٥/٦. ١٩٥ - الأنبياء - وقرأ(١) الحسنُ ((أُمْتكم)) بالنصب على البدل من ((هذه) أو عطف البيان. وقرأ أيضاً هو وابن أبي إسحاق والأشهبُ العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو ((أُمَّتُكم أمَّةٌ واحدةٌ) برفع الثلاثة على أنْ تكونَ ((أمتُكم)) خبرَ ((إِنَّ) كما تقدَّم و((أمةٌ واحدةٌ)) بدلٌ منها بدلُ نكرةٍ من معرفةٍ، أو تكونَ ((أمةٌ واحدةٌ) خبرَ مبتدأ محذوفٍ. آ. (٩٣) قوله: ﴿أَمْرَهم﴾: فيه ثلاثةُ أوجٍ، أحدها: أنه منصوبٌ على إسقاطِ حرفِ الخفضِ أي: تَفَرَّقوا في أمرِهم. الثاني: أنه مفعولٌ به، وعَدَّى تَقَطَّعوا لأنه بمعنىْ قَطَّعوا. الثالث: أنه تمييزٌ. وليس بواضحٍ معنىَّ وهو معرفةٌ، فلا يَصِحُّ من جهة صناعةِ البصريين (٢). قال أبو البقاء(٣): ((وقيل: هو تمييزٌ أي تقطّع أمرُهم)» فجعله منقولاً من الفاعلية. و ((زُبُراً))(٤) يجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً على أن يُضَمَّنَ ((تقطّعوا)) معنى صَيَّروا بالتقطيع، وإِمَّا أن ينتصِبَ على الحالِ من المفعول - أي: مثلَ زُبُرٍ أي: كُتُبٍ؛ فإِنَّ الزُّبُرَ جمعُ زَبُور کرُسُل جمعَ رسول، أو يكون حالاً من الفاعل. نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين(٥). وفيه نظرٌ؛ إذ لا معنى له، وإنما يَظْهر كونُه حالاً من الفاعلِ في قراءةِ ((زُبَرا)) بفتح الباءِ أي فِرَقاً. والمعنى: صَيِّروا أمرهم زُبُراً أو تقطّعوه في هذه الحالِ. والوجهان مأخوذان مِنْ تفسير الزمخشري (٦) لمعنى الآية الكريمة، فإنه قال: ((والمعنى: جعلوا أَمْرَ دينهم (١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٦٧/٢، والبحر ٣٣٧/٦، والقرطبي ٣٣٨/١١، والمحتسب ٢ / ٦٥. (٢) انظر: الارتشاف ٣٨٤/٢. (٣) الإملاء ١٣٧/٢. (٤) خلط السمين بين آيتي الأنبياء والمؤمنين وموضعها هناك. (٥) الآية ٥٣ (فتقَطَّعُوا)) أَمْرَهم بينهم زُبُرا)). وانظر: الإملاء ١٥٠/٢. (٦) الكشاف ٥٨٣/٢. ١٩٦ - الأنبياء - فيمابينهم قِطَعاً كما يتوزَّعُ الجماعةُ [الشيءَ] ويقتسمونه، فيطير لهذا نصيبٌ ولذلك نصيبٌ، تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتِهم فِرَقاً وأحزاباً». وفي الكلامِ التفاتٌ من الخطاب وهو قوله ((أمتُكم)) إلى الغَيْبة تشنيعاً عليهم بسوء صنيعهم. وقرأ(١) الأعمش بفتحِ الباء جمع زُبْرَة، وهي قطعة الحديد في الأصل. ونصبُه على الحال من ضمير الفاعِل في ((تقطّعوا)) وقد تقدّم. ولم يَتَعرَّض له أبو البقاء في هذه السورة(٢) وتَعَرَّض له في المؤمنين فذكر فيه الأوجه المتقدمة(٣) وزاد أنه قُرِىء ((زُبْراً)) بسكونِ الباء، وهو بمعنى المضمومِها. آ. (٩٤) قوله: ﴿فلا كُفْرانَ﴾: الكُفْران: مصدرٌ بمعنى الكُفْر. قال(٤): ٣٣٥٨ - رأيتُ أُناساً لا تَنام جُدُوْدُهُمْ وجَدّيْ - ولا كفرانَ الله - نائمٌ و ((لِسَعْيه)) متعلقٌ بمحذوفٍ أي: يكفُر لسَعْيه، ولا يتعلَّق بكفران؛ لأنه يَصير مُطَوَّلاً (٥)، والمطوّل يُنْصَبُ. وهذا مبنيٌّ. والضميرُ في ((له)) يعودُ على السعي . (١) تكرر وهم السمين في هذا الموضع، فليس في ((الأنبياء)) هذا اللفظ، وإنما هو في سورة المؤمنين الآية ٥٣ وسيأتي تخريجه هناك. (٢) لأنه ليس فيها هذا اللفظ. (٣) الإملاء ١٥٠/٢. (٤) لم أهتد إلى قائله. وهو في المحرَّر الوجيز ١٦٣/١١، ومجاز القرآن ٤٢/٢. (٥) أي شبيهاً بالمضاف نحو: لا خيراً من زيدٍ عندنا. ١٩٧ - الأنبياء - آ. (٩٥) قوله: ﴿وَحَرامٌ﴾: قرأ(١) الأخَوان وأبو بكر ورُوِيَتْ عن أبي عمرو ((وحِرْمٌ)) بكسر الحاء وسكونِ الراءِ. وهما لغتان كالحِلِّ والحلال. وقرأ ابن عباس وعِكْرمةٍ و ((حَرِمَ)) بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم، على أنه فعلٌ ماضٍ، ورُوي عنهما أيضاً وعن أبي العالية بفتح الحاء والميم وضمِّ الراءِ بزنة كُرُمَ، وهو فعلٌ ماض أيضاً. ورُوي عن ابن عباس فتحُ الجميع. وهو فعلٌ ماضٍ أيضاً. واليمانيُّ بضم الحاء وكسر الراءِ مشددةً وفتح الميم ماضياً مبنياً للمفعول. ورُوي عن عكرمةَ بفتح الحاء وكسرِ الراء وتنوين الميم. [٦٣٦/أ] فَمَنْ جعله اسماً: ففي رفعه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ / وفي الخبر حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: قوله (([أنهم] لا يَرْجِعون)) وفي ذلك حينئذٍ أربعةٌ تأويلاتٍ، التأويلُ الأولُ: أنَّ((لا)» زائدةٌ. والمعنى: وممتنعٌ على قريةٍ قدَّرْنا إهلاكَها لكفرِهم رجوعُهم إلى الإِيمانِ، إلى أَنْ تقومَ الساعةُ. وممِّن ذهب إلى زيادتها أبو عمرٍ مستشهداً عليه بقوله تعالى: ((ما منعك أن لا تسجدَ»(٢) يعني في أحدِ القولين. التأويل الثاني: أنها غيرُ زائدةٍ، وأنَّ المعنى: أنَّهم غِيرُ راجعين عن معصيتهم وكفرِهم. التأويلُ الثالث: أنَّ الحرامَ يُرادُ به الواجب. ويَدُلُّ عليه قولُه تعالى: ((قل تعالَوا أَثْلُ ما حَرَّم ربُّكم عليكم أَنْ لا تُشْركوا))(٣) وتَرْكُ الشِّرْكِ واجبٌ، ويَدُلُّ عليه أيضاً قولُ الخنساء(٤): (١) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٣١، والتيسير ١٥٥، والنشر ٣٢٤/٢، والحجة ٤٧٠، والبحر ٣٣٨/٦، والمحتسب ٦٥/٢. (٢) الآية ١٢ من الأعراف. (٣) الآية ١٥١ من الأنعام. (٤) ليس في ديوان الخنساء، وهو في القرطبي ٣٤٠/١١، والبحر ٣٣٩/٦. وفى اللسان منسوباً إلى عبد الرحمن بن جُمانة المحاربي : فإنَّ حراماً لا أرى الدهرَ باكياً على شَجْوِه إلّا بَكَيْتُ على عمروٍ ١٩٨ - الأنبياء - ٣٣٥٩- حرامٌ عليَّ لا أرى الدهرَ باكياً على شَجْوِهِ إلا بَكَيْتُ على صَخْرٍ وأيضاً فمن الاستعمالِ إطلاقُ أحدٍ الضدين على الآخرِ. ومِنْ ثَمَّ قال الحسن والسدي: لا يَرْجِعون عن الشرك. وقال قتادة: إلى الدنيا. التأويل الرابع: قال أبو مسلم ابن بَحْر: ((حرامٌ: ممتنع. وأنهم لا يرجعون: انتفاء الرجوع إلى الآخرةِ، فإذا امتنع الانتفاءُ وَجَبَ الرجوعُ. فالمعنى: أنه يجبُ رجوعُهم إلى الحياة في الدار الآخرة. ويكون الغرضُ إبطالَ قولٍ مَنْ يُنْكر البعثَ. وتحقيقُ ما تقدَّم من أنه لا كُفْرَانَ لسَعْي أحدٍ، وأنه يُجْزَى على ذلك يومَ القيامةِ)). وقولُ ابن عطية (١) قريبٌ من هذا قال: ((وممتنعٌ على الكفرة المُهْلَكين أنهم لا يَرْجعون إلى عذاب الله وأليم عِقابِه، فتكون ((لا)) على بابِها، والحرامُ على بابه)). الوجه الثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ تقديرُه: حرامٌ توبتُهم أو رجاءُ بعثهم، ويكونُ ((أَنَّهم لا يَرْجِعون)) علةً لما تقدَّم من معنى الجملة، ولكن لك حينئذ في ((لا)) احتمالان، الاحتمال الأول: أَنْ تكونَ زائدةً. ولذلك قال أبو البقاء(٢) في هذا الوجهِ بعدَ تقديرِه الخبرَ المتقدم: ((إذا جَعَلْتَ لا زائدةً)) قلت: والمعنى عنده: لأنهم يَرْجعون إلى الآخرة وجزائها. الاحتمال الثاني: أن تكونَ غيرَ زائدةٍ بمعنى: ممتنعٌ توبتهم أو رجاءُ بعثهم؛ لأنهم لا يَرْجعون إلى الدنيا فَيَسْتدركوا فيها ما فاتهم من ذلك. (١) المحرر ١٦٤/١١. (٢) الإملاء ١٣٧/٢. ١٩٩ - الأنبياء - الوجهُ الثالث: أَنْ يكونَ هذا المبتدأ لا خبرَ له لفظاً ولا تقديراً، وإنما رَفَع شيئاً يقوم مقامَ خبرِه من باب ((أقائم أخواك)). قال أبو البقاء(١): ((والجيدُ أن يكونَ (أنهم) فاعلاً سَدَّ مَسَدَّ الخبر)»، قلت: وفي هذا نظرٌ؛ لأن ذلك يُشْترطُ فيه أن يَعتمد الوصفُ على نفيٍ أو استفهامٍ، وهنا فلم يعتمِدْ المبتدأُ على شيءٍ من ذلك، اللهم إلاَّ أَنْ ينحوَ نَحْوَ الأخفشِ، فإنه لا يَشترطُ ذلك. وقد قررتُ هذه المسألةَ في غيرِ هذا الموضوع، والذي يظهر قولُ الأخفش(٢)، وحينئذ يكون في ((لا)) الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمها، باختلاف معنيين: أي امتنع رجوعُهم إلى الدنيا أو عن شركهِم إذا قَدَّرْتَها زائدةً، أو امتنع عدمُ رجوعِهم إلى عقابِ اللَّهِ في الآخرة إذا قَدَّرْتها غِيرَ زائدة. الوجه الثاني من وجهَيْ رفعِ («حرام)» أنه خبرُ مبتدأ محذوف، فقدَّره بعضهم: الإِقالةُ والتوبةُ حرامٌ. وقَدَّره أبو البقاء(١٣): ((أي ذلك الذي ذُكِرَ من العملِ الصالحِ حرامٌ)). وقال الزمخشري (٤): ((وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها ذَاك، وهو المذكورُ في الآية المتقدمةِ من العملِ الصالحِ والسَّعيِ المشكورِ غيرِ المكفورِ. ثم عَلَّل فقيل: إنهم لا يرجعون عن الكفر فكيف لا يمتنع ذلك؟ وقرأ العامَّةُ (أَهْلِكناها)) بنونِ العظمة. وقرأ(٥) أبو عبد الرحمن وقتادةٌ (١) الإملاء ١٣٧/٢. (٢) انظر: شرح الكافية الشافية ٣٣٣/١. (٣) الإملاء ١٣٧/٢. (٤) الكشاف ٥٨٣/٢. (٥) القرطبي ٣٤٠/١١، والبحر ٣٣٨/٦. ٢٠٠