Indexed OCR Text

Pages 61-80

- طه -
٣٢٩٦- وعَضُّ زمانٍ يا بنَ مروانَ لم يَدَعْ
من المالِ إِلَّ مُسْحَتَاً أو مُجَلَّفُ
وقراءةُ الباقين مِنْ سَحَتَه ثلاثياً وهي لغةُ الحجاز. وأصلُ هذه المادةِ
الدلالةُ على الاستقصاءِ والنَّفاد. ومنه سَحَتّ الحالقُ الشَّعْرَ أي: استقصاء فلم
يتركْ منه شيئاً، ويستعملُ في الإِهلاك والإِذهاب. ونصبُه بإضمار ((أَنْ)) في
جواب النهي. ولَمًّا أنشد الزمخشريُّ(١) قولَ الفرزدق ((إِلَّ مُسْحَتاً أو مُجْلَّفُ»
قال بعد ذلك: ((في بيتٍ لم تَزَلِ الرُّكَبُ تَصْطَكُّ في تسويةِ إعرابه)).
قلت: يعني أن هذا البيتَ صعبُ الإِعرابِ، وإذ قد ذَكَر ذلك فَلْأَذْكُرْ
ما ورد في هذا البيتِ من الروايات، وما قال الناس في ذلك على حسبٍ ما يليق
بهذا الموضوع ، فأقول وبالله الحوْلُ: رُوي هذا البيتُ بثلاث روايات، کل
واحدة لا تَخْلو من ضرورةٍ: الأولى ((لم يَدَعْ)) بفتح الياءِ والدال ونصب
((مُسْحَت)). وفي هذه خمسةُ أوجه:
الأول: أنَّ معنى لم يَدَعْ من المال إلَّ مُسْحتاً: لم يَبْقَ إلَّ مُسْحَت، فلما
كان هذا في قوة الفاعل عَطَفَ عليه قوله: ((أو مُجَلَّفُ)) بالرفع. وبهذا البيتِ
استشهد الزمخشريُّ(٢) على قراءة أُبَيّ والأعمش ((فَشربوا منه إلَّ قليلٌ))(٣) برفع
(قليل)) وقد تقدَّم ذلك(٤). الثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مقدٍ دَلَّ عليه لم يَدَعْ،
والتقدير: أو بقي مُجَلَّفٌ. الثالث: أن (مُجَلَّفُ)) مبتدأ، وخبرُه مضمرٌ تقديره:
أو مُجَلَّف كذلك وهو تخريج الفراء. الرابع: أنه معطوفُ على الضمير المستتر
(١) الكشاف ٥٤٣/٢.
(٢) الكشاف ٣٨١/١.
(٣) الآية ٢٤٩ من البقرة.
(٤) انظر: الدر المصون ٥٢٨/٢.
٦١

ــطه ـ
في ((مُسْحتً)(١)، وكانَ مِنْ حقِّ هذا أن يَفْصِل بينهما بتأكيدٍ أو فاصلٍ ما. إلاَّ أنَّ
القائلَ بذلك لا يَشْترطِ وهو الكسائيُّ. وأيضاً فهو جائزٌ في الضرورة عند الكل.
الخامس: أن يكونَ (مُجَلَّف)) مصدراً بزنة اسم المفعول كقوله تعالى: ((كلّ
ممزَّق))(٢) أي: تَجْلِيف وتمزيق، وعلى هذا فهو نَسَقُ على ((عَضُّ زمانٍ))
إذ التقدير: رَمَتْ بنا همومُ المُنَى وعَضُّ زمانٍ أو تجليف، فهو فاعلٌ لعطفِهِ عِلَى
الفاعل، وهو قولُ الفارسيِّ (٣). وهو عندي أحسنُها.
الروايةُ الثانية : فتحُ الياءِ وكسرُ الدال ورفعُ مُسْحت(٤). وتخريجُها
واضحٌ: وهو أن تكون مِنْ وَدَع في بيته يَدِع فهو وادع، بمعنى: بقي يبقى فهو
باقٍ، فیرتفعُ مُسْحَتْ بالفاعلية، ويُرْفَعُ «مُجَلَّفُ)» بالعطفِ علیه. ولا بُدَّ حينئذٍ مِن
ضميرٍ محذوفٍ تقديرُه: مِنْ أجله أو بسببه ... (٥) الكلام.
الرواية الثالثة: ((يُدَعْ)) بضمِّ الياء وفتح الدال على ما لم يُسَمَّ فاعلُه،
و(مُسْحَت)) بالرفع لقيامِهِ مَقام الفاعلِ، و ((مُجَلَّف)) عطفٌ عليه. وكانْ مِنْ حَقِّ
الواو أن لا تُحذف، بل تَثْبُتُ لأنها لم تقع بين ياءٍ وكسرة، وإنما حُذِفَتْ حملاً
للمبني للمفعول على المبني للفاعل. وفي البيت كلامٌ أطولُ من هذا تركتُه
(١) الأصل ((محستاً)) وهو سهو.
(٢) الآية ١٩ من سبأ ...
(٣) مذهبه في شرح الأبيات المشكلة ٥٧٧ أنه محمول على معنى: لم يَبْقَ من المال إلّ
مُسْحَتْ ومُجَلَّفُ. وكذا في المسائل العضديات ٧٦، وذكر البغدادي في الخزانة
هذا القولَ منسوباً للفارسي في كتاب التذكرة. الخزانة ٣٤٨/٢.
(٤) قال في الخزانة: ((وقد نسبها صاحب التنبيهات إلى أبي عبيدة، وابن الأنباري في
٠٠
شرح المفضليات إلى عيسى بن عمر». الخزانة ٣٤٩/٢.
(٥) كلمة لم أتبينها.
٦٢

- طه ـ
اختصاراً وهذا لُبُّه. وقد ذكرته في البقرة(١) وفَسَّرْت معناه ولغَته، ووَصَلْتُه بما
قبله فعليك بالالتفات إليه.
آ. (٦٣) قوله: ﴿إِنْ هذان﴾: اختلف القُرَّاءُ في هذه الآيةِ
الكريمة(٢): فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه ((إنْ هذانٌّ)) بتخفيف إِنْ، والألفٍ، وتشديدٍ
النون. وحفصٌ كذلك إلاّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ)). وقرأ أبو عمرو ((إِنَّ) بالتشديد
((هذين)) بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك(٣) إلَّ أنهم قَرَؤوا/ («هذان)) [٦١٨/ب]
بالألف.
فأمَّا القراءةُ الأولى (٤) - وهي قراءةُ ابنٍ كثير وحفص ـ فأوضحُ
القراءاتِ معنىٌ ولفظاً وخَطّاً؛ وذلك أنهما جعلا ((إنْ)) المخففةً من الثقيلة
فَأُهْمِلَتْ، ولَمَّا أُهْمِلَتْ - كما هو الأفصحُ مِنْ وجهيها - خِيْفَ التباسُها بالنافية
فجيء باللامِ فارقةً في الخبر(٥). فـ ((هذان)) مبتدأٌ، و ((لَساحران)) خبرُه،
ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم ((هذن)) بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ
ذلك .
وأمّا تشديدُ نونِ («هذان)» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أَنْقَنتُ
ذلك هناك(٦) .
(١) الدر المصون ٥٢٨/٢.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٤١٩، والنشر ٣٢١/٢، والحجة ٤٥٤، والبحر ٢٥٥/٦،
والإتحاف ٢٤٨/٢ .
(٣) ((إنّ هذانٍ)) وقرأ بذلك نافع وابن عامر وأبو بكر والأخوان وأبو جعفر ويعقوب وخلف.
(٤) ((إنَّ هذانٍ)) على قراءة حفص، و((إنْ هذانً)) على قراءة ابن كثير.
(٥) انظر: رصف المباني ١٠٨.
(٦) انظر: الدر المصون ٦٢١/٣ حيث خرج التشديد على تقدير أن إحدى النونين
عوض من ياء ((الذي)).
٦٣

ــطه ـ
وأمَّا الكوفيون(١) فيزعمون أنَّ ((إنْ)) نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاّ،
وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةً بعضِهم (٢) «ما هذانِ إلّ
ساحران)».
وأمَّا قراءةُ أبي عمروِ(٣) فواضحةُ من حيث الإِعرابُ والمعنى. أمّا
الإِعرابُ فـ ((هذَيْن)) اسمُ ((إنَّ)) وعلامةُ نصبِه الياءُ، و((لَساحِران)» خِبرُها،
ودخَلَتِ اللام توكيداً. وأمَّا مِنْ حيث المعنى: فإِنَّهم أَثْبتوا لهما السحرُّ بطريقٍ
تأكيديٌّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنَّ
رَسْمَه «هذن)» بدونٍ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال
أبو إسحاق(٤): ((لا أُجيز قراءةً أبي عمرو لأنَّها خِلافُ المصحفِ)). وقال
أبو عبيد(٥): ((رأيتُهما في الإِمام مصحفٍ عثمان ((هذن)) ليس فيها ألفٌ،
وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين(٦) في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا
النصبَ والخفضَ كتَبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها)).
قلت: وهذا لا ينبغي أَنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم
أشياءُ خارجةُ عن القياسِ ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا
منها، أعني ممَّا خَرَجُ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ
الإلزام بين أبي عمروٍ وغيرِهِ، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض
عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنَّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتهم، ساقطةٌ من خَطِّ
(١) انظر: الإنصاف ٢/ ٦٤٠، والصبان ٢٦٧/١، والتصريح ٢٧٩/١.
(٢) وهي قراءة أُبَيّ كما في تفسير الفخر الرازي ٧٥/٢٢ .
(٣) ((إنّ هذَّيْن)).
(٤) معاني القرآن ٣٦٤/٣.
(٥) انظر: البحر ٢٥٥/٦.
(٦) أي المثنى المرفوع:
٦٤

- طه -
المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِنْ قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألف
مِنْ رفع الاثنين، فإذا كتبُوا النصبَ والخفضَ كتُبُوه بالياء.
وذهب(١) جماعةٌ - منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ - إلى أن
هذا ممَّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِنْ حقه أن يكتبّه
بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلَّ بالياءِ على الصوابِ.
وأمَّا قراءةُ الباقين(٢) ففيها أوجه، أحدُها: أن ((إِنَّ) بمعنى نَعَمْ،
و((هذان)) مبتدأُ، و(لَساحران)) خبرُه، وكَثُرَ ورودُ ((إِنَّ) بمعنى نعم وأنشدوا(٣):
٣٢٩٧- بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِبْـ
بِ يَلُمْتَنِي وَأَلُوْمُهُنَّةْ
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا
كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إِنَّهْ
أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال(٤) رجلٌ لابن الزبير: لَعَنِ اللَّهُ
ناقةٌ حَمَلَتْني إليكَ. فقال: ((إنَّ وصاحبَها)) أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا
رأيُ المبردِ(٥) وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين،
أحدهما: عدمُ ثبوتِ ((إنَّ)) بمعنى نعم، وما أوردُوهُ مُؤَوَّلٌ: أمَّا البيتُ فإن الهاءَ
اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه(٦): إنه كذلك. وأمَّا قولُ
ابنِ الزبير فذلك مِنْ حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفٍ خبر ((إِنَّ)»
(١) انظر: معاني القرآن للزجاج ٣٦٢/٣، والبحر ٢٥٥/٦.
(٢) ((إنَّ هذان)».
(٣) تقدم برقم ١٧٧٢ .
(٤) انظر: المغني ٥٧ .
(٥) نقل هذا عن المبرد الزجاجُ في معاني القرآن ٣٦٣/٣.
(٦) الأصل: تقدير وهو سهو.
٦٥

- طه -
للدلالةِ عليه، تقديره: إنَّها وصاحبَها ملعونان. وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفَى.
والثاني (١): دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد بـ((إنَّ)) المكسورةِ، لأنَّ
مثلَه لا يقعُ إلَّ ضرورةً كقولِه (٢):
٣٢٩٨- أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ
: ١
تَرْضَى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ
وقد يُجاب عنه: بأنَّ (لَساحِران)) يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ
دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج(٣) كما
ستأتي حکایتُه عنه . .
· الثاني (٤): أنَّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو ((ها)) التي قبل ((ذان)) وليست
بـ (ها)) التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإِشارةِ، والتقدير: إنَّ القصةَ ذانٍ
لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه
لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ ((إنها) فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله
تعالى: ((فإنَّها لا تَعْمَىْ الأبصارُ(٥)) فَكَتْبُهم إياها مفصولةٌ من ((إِنَّ)) متصلةً
باسمِ الإِشارة يمنع كونها ضميراً، وهو واضح. الثاني: أنَّه يؤدِّي إلى دخولِ
لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ . وقد يُجاب عنه بما تقدَّم.
الثالث: أنَّ اسِمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ
:
(١) وهو الوجه الثاني الذي يَرِد على تخريج المبرد السابق.
(٢) البيت لرؤية وهو في ملحقات ديوانه ١٧٠، وابن يعيش ١٣٠/٣، واللسان
(شهرب)، والهمع ١٤٠/١، والدرر ١١٧/١. والشهربة: الكبيرة.
(٣) معاني القرآن ٣٦٣/٣ قال: ((وقوع اللام في الخبر جائز، والمعنى: لأم الجليس
عجوز)).
(٤) من أوجه تخريج قراءة ((إنَّ هذان)).
(٥) الآية ٤٦ من الحج.
٦٦

- طه -
بعدَه في محلِّ رفعٍ خبراً لـ ((إنَّ)، التقديرُ: إِنَّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد
ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ ((إن))، وهو غيرُ جائزٍ، إلّ في
شعرٍ، بشرطِ أَنْ لا تباشرَ ((إِنَّ)) فعلًا كقوله(١):
٣٢٩٩- إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكنيسةَ يوماً
يَلْقَ فيها جَآذراً وظِباءٌ
[٦١٩/أ]
/ والثاني : دخولُ اللام في الخبرِ.
وقد أجابَ الزجَّاجِ(٢) بأنها داخلةً على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما
ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك.
الرابع: أنَّ ((هذان)) اسمُها، و((لَساحران)) خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان
ينبغي أَنْ يكونَ ((هذين)) بالياءِ كقراءةٍ أبي عمرو.
وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةٍ بني الحارثِ وبني الهُجَيْم وبني
الْعَنْبر وزُبَيْدٍ وَعُذْرَةٍ ومُراد وخَتْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي
الخَطَّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد(٣): ((سمعتُ من
العربِ مَنْ يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفاً))، يجعلون المثنى كالمقصورِ
فيْبِتون ألفاً في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه(٤).
٣٣٠٠- فأَطْرَقَ إِطْراقَ الشُّجاعِ ولو يَرَى
مَسَاغاً لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما
(١) تقدم برقم ١٣٩٥.
(٢) معاني القرآن ٣٦٣/٣.
(٣) النوادر ٥٨.
(٤) البيت للمتلمس، وهو في ديوانه ٢، وابن يعيش ١٢٨/٣، والأشموني ٧٩/١،
وتفسير الماوردي ١٩/٣.
٦٧

- طه ـ
أي: لنابَيْه. وقُولَه(١):
أباها
٣٣٠١ - إنَّ
وأبا أباها
قد بَلَغا في المجدِ غايتاهَا
:
أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد(٢).
وقرأ ابن مسعود: ((أنْ هذان ساحِران)) بفتح ((أَنْ)) وإسقاط اللامِ: على
أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من ((النجوىُ)) كذا قاله الزمخشري(٢)، وتبعه الشيخ (٤)
ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنَّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدل والمبدلِ منه
لا يَصِحُّ (٥). وأيضاً فإِنَّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامّة، وكذا
قاله الزمخشريُّ أولاً فكيف يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ ((أنْ هذان ساحران)) بدلاً من
«النجوى)»؟
قوله: ((بطريقتكم)) الباءُ في ((بطريقتكم)) مُعَدِّيَةٌ كالهمزة. والمعنى:
بأهلِ طريقتِكم. وقيل: الطريقةُ عبارةٌ عن السَّادة(٦) فلا حَذْفَ.
آ. (٦٤) قوله: ﴿فَأَجْمعُوا﴾: قرأ(٧) أبو عمرو ((فاجْمَعُوا)) بوصل
(١) البيت لأبي النجم، وهو في ابن يعيش ٥١/١، والخزانة ٣٣٧/٣، والتصريح
٦٥/١، والهمع ٣٩/١، والدرر ١٢/١.
(٢) انظر: ابن يعيش ١٢٨/٣.
(٣) الكشاف ٥٤٣/٢,
(٤) البحر ٢٥٥/٦.
(٥) نصَّ الفراء في معاني القرآن ١٨٤/٢ على أن قراءة عبد الله هذه بإسقاط جملة
القول ((وأسروا النجوى أنْ هذان ساحران)) وعلى هذا يسقط اعتراض السمين.
(٦) انظر: الماوردي ٢٠/٣، ونسبه لمجاهد.
(٧) انظر: السبعة ٤١٩، والتيسير ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢، الحجة ٤٥٦، والقرطبي
٢٢٠/١١، والبحر ٢٥٦/٦.
٦٨

- طه ـ
الألف وفتحِ الميمِ. والباقون بقطعِها مفتوحةً وكسر الميمِ. وقد تقدَّم تحقيقُ
ذلك في سورة يونس(١)، وما قاله الناسُ في الفرق بين الثلاثي والرباعي.
و(كيدَكم) مفعولٌ به. وقيل: هو على إسقاطِ الخافض أي: على
گیدکم. ولیس بشيءٍ.
قوله: ((صَفَّ)) يجوز أنْ يكونَ حالاً مِنْ فاعل ((ائْتُوا)) أي: ائْتُوا مُصْطَفِّين
أي: ذوي صفٍّ فهو مصدرٌ في الأصل. وقيل: هو مفعولٌ به أي: ائتوا قوماً
صَّفاً، وفيه التسميةُ بالمصدر، أو هو على حذفِ المضاف أي: ذوي صف.
قوله: ((وقد أَفْلِح)) قال الزمخشري(٢): ((اعتراضُ يعني: وقد فاز مَنْ
غلب)). قلت: يعني بالاعتراض أنه جيء بهذه الجملة أجنبيةً بین کلامهم
ومقولهم(٣)، لأنَّ من جملة قولهم ((قالوا يا موسى: إمَّا أَنْ تُلْقِي)) وهذه الجملةُ
- أعني قولَه وقد أفلَح - مِنْ كلامِ اللَّهِ تعالى فهي اعتراضٌ. بهذا الاعتبارِ.
وفيه نظرً؛ لأنَّ الظاهر أنها مِنْ مقولاتِهم، قالوا ذلك تحريضاً لقومِهم على
القتال، وحينئذٍ فلا اعتراض.
آ. (٦٥) قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾: فيه أوجهً، أحدُها: أنه
منصوبٌ بإضمارٍ فعلٍ تقديرُه: اخْتَرْ أحدَ الأمرين، كذا قدَّره الزمخشري (٤) قال
الشيخ (٥): ((وهذا تفسيرُ معنىً لا تفسيرُ إعرابٍ، وتفسيرُ الإِعرابِ: ((إمَّا تختارُ
الإِلقاء)). والثاني: أنَّه مرفوعٌ على خبرٍ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: الأمرُ إِمَّا إلقاؤك
(١) انظر: الدر المصون ٢٤٢/٦
(٢) الكشاف ٥٤٣/٢.
(٣) كلامهم «فأجمعوا كيدكم ... )) ومقولهم ((قالوا يا موسى ... )).
(٤) الكشاف ٥٤٣/٢.
(٥) البحر ٢٥٨/٦.
٦٩

أو إلقاؤنا، كذا قدَّره الزمخشريُّ(١). الثالث: أن يكونَ مبتدأً، وخبرُه محذوفٌ
تقديرُه: إلقاؤُك أولٌ. وَيَدُلُّ عليه قولُه: وإمَّا أَنْ نكونَ أولَ مَنْ أَلْقى)). واختار
هذا الشيخُ، وقال(٢): (فَتَحْسُنُ المقابلةُ من حيث المعنى، وإنْ لم تَحْصُلْ مقابلةٌ
من حيث التركيبُ اللفظيُّ)). ثم قال: ((وفي تقديرِ الزمخشريِّ ((الأمرُ إِلقاؤك))
لا مقابلةَ فيه)» وهذا تَقَدَّم نظيرُه في الأعراف(٣).
آ. (٦٦) قوله: ﴿فإذا حبالهم﴾: هذه الفاءُ عاطفةٌ على جملةٍ
محذوفةٍ دَلَّ عليها السياقُ. والتقدير: فَأَلْقَوْا فإذا. و((إذا)) هذه التي للمفاجأة.
وفيها ثلاثة أقوال تقدَّمت(٤). أحدُها: أنها باقيةٌ على ظرفيةِ الزمان. الثاني : أنها
ظرفُ مكانٍ. الثالث: أنها حرفٌ.
قال الزمخشري(٥): ((والتحقيقُ فيها أنها الكائنةُ بمعنى الوقتِ الطالبةُ
ناصباً لها، وجملةُ تُضاف إليها خُصَّتْ في بعضِ المواضع بأن يكونَ الناصبُ
لها فعلًا مخصوصاً، وهو فِعْلُ المفاجأةِ، والجملةُ ابتدائيةٌ لا غير. فتقديرُ قولِهِ
تعالی «فإذا حِبالُھم وعصيُهم)): ففاجا موسی وقت تخییلٍ سَعْيٍ حبالهم
وعِصيِّهم، [وهذا تمثيل. والمعنى: على مفاجأته حبالُهم وعصيُهم مُخَيِلةٌ إليه
السَّغْيَ)) انتهى](٦).
قال الشيخ (٧): ((قوله ((إنَّها زمانية)) مرجوحٌ، وهو مذهب الرِّياشي. وقوله
(١) الكشاف ٥٤٣/٢.
(٢) البحر ٢٥٨/٦.
(٣) الآية ١١٥.
(٤) انظر: الدر المصون: ٤ /٤٠.
(٥) الكشاف ٥٤٣/٢.
(٦) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٧) البحر ٢٥٩/٦.
٧٠

- طه ـ
((الطالبةُ ناصباً» صحیحٌ. وقوله: ((وجملةً تضاف إليها» ليس صحيحاً عند بعض
أصحابنا لأنها: إمَّا أَنْ تكونَ هي خبراً لمبتدأ، وإمَّا أَنْ تكونَ معمولةً لخبر
المبتدأ. وإذا كان كذلك استحال أَنْ تُضافَ إلى الجملةِ؛ لأنها: إمَّا أَنْ تكونَ
بعضَ الجملةِ، أو معمولةً(١) لبعضِها فلا يمكن الإضافةُ. وقوله: ((خُصَّتْ في
بعض المواضع إلى آخره)» قد بَيِّنّ الناصبَ لها. وقولُه: ((والجملةُ بعدها ابتدائيةٌ
لا غير» هذا الحَصْرُ ليس بصحيحٍ بل قد جَوَّز الأخفشُ، ونصَّ على أن الجملةَ
الفعليةَ المقترنةَ بـ ((قد)) تقع بعدَها نحو ((خرجْتُ فإذا زيدٌ قد ضربه عمروٌ)) برفعِ
(زيد)) ونصبِه على الاشتغال. وقوله: ((والمعنى: على مفاجأته حبالُهم وعِصِيُّهم
مخيِّلةً إليه السَّعْيَ)) فهذا عكسُ ما قُدِّر بل المعنى: على مفاجأةِ حبالهم
وعصيِّهم إياه. فإذا قلت: ((خَرَجْتُ فإذا السَّبُعُ)) فالمعنى: أنه فاجأني السَّبْعُ
وهجم ظهوره)) انتھی ما رَدِّ به.
قوله وما رَدَّ به عليه غيرُ لازمٍ له، لأنه يَرُدُّ عليه بقولِ بعض النحاةِ، وهو
لا يلتزم ذلك القولَ حتى يَرُدَّ به عليه لا سيما إذا كان المشهورُ غيرَه، ومقصودُه
تفسيرُ المعنى.
وقال أبو البقاء(٢): الفاءُ جوابُ ما حُذِف، تقديرُه ((فَأَلْقَوْا فإذا))، فـ ((إذا)»
في هذا ظرفُ مكانٍ، العاملُ فيه ((أَلْقَوْ)). وفي هذا نظر؛ لأنَّ (أَلْقَوْا)) هذا المقدَّرَ
لا يَطْلُبُ جواباً حتى يقول: الفاءُ جوابُه، بل كان ينبغي أَنْ يقولَ: الفاءُ عاطفةٌ
هذه الجملةَ الفجائية على جملةٍ أخرى مقدرةٍ. وقولُه ((ظرف مكانٍ))، هذا
مذهبُ المبردِ (٣)، وظاهرُ قولِ سيبويه(٤) أيضاً، وإن كان المشهورَ بقاؤها على
(١) كذا في الأصل والبحر. وفي (ش) «مضافة)).
(٢) لم يرد هذا النص في إملائه.
(٣) المقتضب ٥٧/٢ - ٥٨.
(٤) الكتاب ٣١١/٢ قال: ((وتكونُ للشيء تُوافقه في حالٍ أنت فيها)). والحق أن نصَّ
سيبويه محتمل للزمانية أيضاً لأنه قال قبل ذلك: ((لما يُستقبل من الدهر)).
٧١

- طه -
الزمان. وقوله: ((إن العامل فيها ((فأَلْقَوا)) لا يجوز لأنَّ الفاءَ تمنع من ذلك.
هذا كلامُ الشيخ(١) ثم قال بعده: ((ولأنَّ ((إذا)) هذه إنما هي معمولةٌ لخيرٍ
المبتدأ الذي هو ((حبالُهم وعِصِيُّهم)) إن لم يجعَلْها هي في موضع الخبر؛ لأنه
[٦١٩/ب] يجوزُ أن يكونَ الخبرُ ((يُخيّل))، ويجوز أَنْ تكونَ ((إذا)) و((يُخَيَّل)» في موضعٍ
الحال. وهذا نظير: ((خرجْتُ فإذا الأسدُ رابضٌ ورابضاً) فإذا رَفَعْتَ ((رابضًا)
كانت ((إذا)) معمولةً له، والتقدير: فبالحضرة الأسدُ رابضٌ، أو في المكان. وإذا
نَصَبْتَ كانت «إذا» خبراً، ولذلك يُكْتفى بها وبالمرفوع بعدها كلاماً، نحو:
(خَرَجْتُ فإذا الأسدُ)).
قوله: ((يُخَيَّل إليه)) قرأ العامَّة ((يُخَيَّل) بضمِّ الياء الأولى وفتحِ الثانية مبيناً
للمفعول. و((أنَّها تَسْعِى)) مرفوعٌ بالفعلِ قبلَه لقيامِه مقامَ الفاعلِ تقديرُه: يُخَيِّل
إليه سَعْيُها. وجوّز أبو البقاء(٢) فيه وجهين آخرين: أحدهما: أَنْ يكونَ القائمُ
مَقامَ الفاعلِ ضميرَ الجبالِ والعِصِيِّ، وإنما ذُكِّرَ ولم يَقُلْ ((تُخَيَّل)) بالتاءُ مِنْ
فوقُ؛ لأنَّ تأنيثَ الحبالِ غيرُ حقيقي. الثاني: أنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ ضِمِيرٌ
يعودُ على المُلْقى، ولذلك ذُكِّرَ. وعلى الوجهين ففي قولِه ((أنها تَسْعَى))
وجهان، أحدُهما: أنَّه بدلُ اشتمالٍ من ذلك الضميرِ المستترِ في ((يُخَيِّل).
والثاني : أنه مصدرٌ في موضع نصبٍ على الحالِ من الضمير المستتر أيضاً.
والمعنى: يُخَيَّل إليه هي أنها ذاتُ سَعْيٍ. ولا حاجةَ إلى هذا، وأيضاً فقد نَصُّوا
على أنَّ المصدر المؤول لا يقع موقعَ الحالِ. لوقلت: ((جاء زيدٌ أَنْ يركضَ))
تريد ركضاً، بمعنى ذا ركض، لم يَجُزْ.
وقرأ(٣) ابن ذكوان ((تُخَيَّلُ)) بالتاء من فوق. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ
(١) البحر ٢٥٨/٦ - ٢٥٩ .
(٢) الإملاء ١٢٤/٢.
(٣) انظر في قراءاتها: النشر ٣٢١/٢، والمحتسب ٥٥/٢، والقرطبي ٢٢٢/١:١،
والتيسير ١٥٢، والإتحاف ٢٥٠/٢، والبحر ٢٥٩/٦.
٧٢

- طه ـ
الفعلَ مُسْنَدُ لضميرٍ الحبالِ والعِصِيِّ أي: تُخَيَّلُ الحبالُ والعِصِيُّ، و((أنَّها
تَسْعَى)) بدلُ اشتمال من ذلك الضميرِ. الثاني: كذلك إلّ أنَّ ((أَنَّها تَسْعی)) حالٌ
أي: ذات سعي كما تقدَّم تقريرُه قبل ذلك. الثالث: أن الفعلَ مسندٌ لقولِه ((أنَّها
تَسْعى)) كقراءةِ العامَّةِ في أحدِ الأوجهِ، وإنما أَنَّثَ الفعلَ لاكتسابِ المرفوعِ
التأنيثَ بالإِضافة؛ إذ التقديرُ: تُخَيَّلُ إليه سعيُها فهو كقوله(١) :
٣٣٠٢-
شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ
[وقوله تعالى:] ((فله عَشْرُ أمثالِها))(٢).
وقرأ أبو السَّمِّال (تَخَيَّلُ)) بفتح التاءِ والياءِ مبنياً للفاعلِ، والأصلُ: تَتَخَيَّلُ
فَحَذَفَ إِحدى التاءَيْن نحو: ((تَنَزَّلُ الملائكة(٣))، و((أنَّها تَسْعَىْ)) بدلُ اشتمالٍ
أيضاً من ذلك الضمير. وجَوَّز ابنُ عطيةَ أيضاً أنه مفعولٌ مِنْ أجله. ونقل ابنُ
جُبارة الهُذَليُّ(٤) قراءة أبي السمَّال ((تُخَيِّل)) بضمِّ التاء مِنْ فوقُ وكسر الياء،
فالفعلُ مسندٌ لضميرٍ الحِبال، و((أنها تَسْعى)) مفعولٌ أي: تُخَيِّلُ الحبالُ سَعْيَها.
ونَسَبَ ابنُ عطيةَ هذه القراءةً للحسنِ وعيسى الثقفيُّ .
وقرأ أبو حيوةَ ((نُخَيِّل)) بنون العظمة، و(أنها تَسْعَى)) مفعولٌ به أيضاً
على هذه القراءةِ .
(١) تقدم برقم ٥٤٢.
(٢) الآية ١٦٠ من الأنعام.
(٣) الآية ٤ من القدر.
(٤) الورقة (٢١٨أ) من كتابه «الكامل». وهو يوسف بن علي جبارة أبو القاسم الهذلي.
قال ابن الجزري: ((فلا أعلم أحداً في هذه الأمة رحل في القراءات رحلته، ولا لقي
مَنْ لقي من الشيوخ)» توفي سنة ٤٦٥. انظر: طبقات القراء ٤٠١/٢.
٧٣

ــ طه ـ
وقرأ(١) الحسنُ وَالثقفيُّ ((عُصِيُّهم)) بضم العين حيث وقع، وهو الأصلُ.
وإنما كُسِرَتْ(٢) العينُ إِتباعاً للصادِ وكُسِرت الصادُ إتباعاً للياء. والأصلُ عُصُوْوٌ
بواوين فَأُعِلَّ - كما ترى _ بقَلْب الواوین یاءَيْن استثقالاً لهما، فكُسِرَتِ الصادُ
لتصِحَّ، وكُسِرَتِ العينُ إِتباعاً. ونقل صاحبُ (اللوامح)) أنَّ قراءةً الحسنِ
(عُصْيُهم)) بضم العين وسكون الصاد وتخفيف الياء مع الرفع، وهو أيضاً جمع
كالعامَّة، إلَّا أنه على فُعْلٍ كحُمْرٍ، والأولُ على فُعُوْل كفُلُوس.
والجملةُ من ((يُخَيَّل)) يُحتملِ أَنْ تكونَ في محلِّ رفع خبراً لـ ((هي))(٣)
على أن ((إذا الفجائية)) فَضْلَةٌ، وأن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال ، على
أنَّ ((إذا)) الفجائية هي الخبر. والضميرُ في ((إليه) الظاهرُ عَوْدُه على موسى.
وقيل: يعود على فرعون، ويَدُلُّ للأولِ قولُه تعالى: ((فَأَوْجَسَ في نفسِهِ خِيْفَةٌ
موسی)» .
آ. (٦٩) قوله: ﴿تَلْقَفْ﴾: قرأ العامَّةُ بفتح اللام وتشديد القافٍ
وجزمِ الفاءِ على جواب الأمر. وقد تقدم(٤) أنَّ حَفْصاً(٥) يقرأ ((تَلْقَفْ)) بسكون
اللامِ وتخفيفِ القاف، وقرأ ابن ذكوان هنا (تَلْقَفُ)) بالرفع: إمَّا على الحالِ،
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٥٠/٢، والبحر ٢٥٩/٦، والقرطبي ٢٢٢/١١.
(٢) انظر: ابن يعيش ١١٠/١٠، والممتع ٥٥١/٢، والتصريح ٣٨٣/٢. فالأصل
عُصُوْوُ جمعٌ علی فُعُوّل قلبت الواو الثانية ياء فأصبح ◌ُمُوْي. اجتمعت الواو والياء،
وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء فأصبح عُمُيٍّ،
كسروا العين لمناسبة الياء ثم كسروا الفاء للإتباع.
(٣) كذا في الأصل وهو سهو والصواب: لـ ((حبالُهم)).
(٤) انظر: الدر المصون ٤١٦/٥.
(٥) انظر: السبعة ٤٢٠، والبحر ٢٦٠/٦، والتيسير ١٥٢، والحجة ٤٥٧، والنشر
٣٢١/٢.
٧٤

- طه -
وإمَّا على الاستئناف. وأَنَّثَ الفعلَ في ((تَلْقَف)) حَمْلاً على معنى ((ما)) لأنَّ معناها
العصا، ولو ذُكِّر ذهاباً إلى لفظِها لجاز، ولم يُقْرأ به.
[وقال أبو البقاء(١): ((يجوز أَنْ يكونَ فاعلُ ((تَلْقَف)) ضميرَ موسى))(٢)
فعلى هذا يجوز أَنْ يكونَ ((تلقفُ)) في قراءة الرفع حالاً من ((موسى)). وفيه
بُعْدٌ](٣).
قوله: ((كَيْدُ ساحرٍ» العامَّةُ على رَفْع («كَيْدُ)) على أنه خبرُ ((إِنَّ» و «ما»
موصولةٌ، و((صَنّعُوا)) صلَّتُها، والعائدُ محذوفٌ، والموصولُ هو الاسمُ،
والتقدير: إنَّ الذي صنعوه كيدُ ساحرٍ. ويجوز أَنْ تكونَ ((ما)» مصدريةً فلا حاجةَ
إلى العائد، والإِعرابُ بحالِهِ. والتقدير: إنَّ صُنْعَهم كيدُ ساحرٍ .
وقرأ(٤) مجاهد وحميد وزيد بن علي ((كَيْدَ)) بالنصب على أنه مفعولٌ به،
و ((ما)) مزيدة(٥)
مھیئة.
وقرأ(٦) الأخوان (كيدُ سِحْر)) على أنَّ المعنى: كيدُ ذوي سِحْرٍ، أو جُعِلوا
نفسَ السحر مبالغةٌ، أو تبيينٌ للكيد؛ لأنه يكون سِحْراً وغيرَ سحرٍ، كما تُمْيَّزُ
سائرُ الأعدادِ بما يُفَسِّرها(٧) نحو ((مئة درهمٍ، وألف دينار)). ومثلُه: علمُ فقه،
(١) الإملاء ٢/ ١٢٤.
(٢) وقال: ((ونسب ذلك إليه؛ لأنه يكون بتسیبه)).
(٣) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل أثبتناه من (ش).
(٤) البحر ٢٦٠/٦، والكشاف ٥٤٥/٢.
(٥) فتكون ((إنما)) كافة ومكفوفة لا عمل لها.
(٦) الإتحاف ٢٥١/٢، والتيسير ١٥٢، والحجة ٤٥٨، والسبعة ٤٢١، والنشر
٣٢١/٢، والبحر ٢٦٠/٦.
(٧) الأصل: يفسِّره.
٧٥

- طه -
وعلمُ نحو. وقال أبو البقاء(١): ((كيدُ ساحره إضافةُ المصدر إلى الفاعلِ و((كيدُ
سِحْر)) إضافةُ الجنسِ إلى النوع)).
[٦٢٠/أ]
والباقون ((ساحر)). وأفرد/ ساحراً، وإنْ كان المرادُ به جماعةً. قال
الزمخشري (٢): ((لأنَّ القَصْدَ في هذا الكلامِ إلى معنى الجنسيةِ، لا إلى معنى
العددِ، فلو جُمِع لخُيِّلَ أنَّ المقصودَ هو العددُ».
آ. (٧١) قوله: ﴿فَلَاَ قَطَعَنَّ﴾: قد تقدَّم نحوُ ذلك(٣). و ((مِنْ
خِلافٍ)) حالٌ أي: مختلفة. و ((مِنْ)) لابتداءِ الغاية، وقد تقدَّم أيضاً تحريرُ هذا
وما قُرِىء به هناك.
قوله: ((في جُذُوع النُّخْل)) يُحتمل أن يكونَ حقيقةٌ، وفي التفسير: أنه نَقَرّ
جذوع النخلِ حتى جَوَّفَها، ووضعهم فيها، فماتوا جوعاً وَعَطَشاً، وأن يكونَ
مجازاً، وله وجهان، أحدهما: أنه وضعَ حرفاً مِكانَ آخرَ. والأصلُ: على
جُذوع النخل كقول الآخر(٤):
٣٣٠٣- بَطَلٌ كأنَّ ثيابَه في سَرْحَةٍ
يُحْذَىْ نِعالَ السَّبْتِ ليس بتوعَم:
والثاني: أنه شَبَّه تمكّنَهم بتمكّنٍ مَنْ حواه الجِذْعُ واشتمل عليهِ. ومِنْ
تَعَدِّي ((صَلَب)) بـ ((في)) قولُه(٥) :
(١) الإملاء ٢/ ١٢٤.
(٢) الكشاف ٥٤٥/٢.
(٣) انظر: الدر المصون ٤٢١/٥.
(٤)
تقدم برقم ١٨٣٢.
(٥) البيت لسويد بن أبي كاهل، وهو في المقتضب ٣١٩/٢، والخصائص ٣١٣/٢،
وأمالي الشجري ٢٦٧/٢، وابن يعيش ٢١/٨. والأجدع: الأنف المقطوع، وهو
دعاء عليهم بجدع أنوفهم.
٧٦

- طه -
٣٣٠٤ - وقد صَلّبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعٍ نَخْلَةٍ
فلا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّ بِأَجْدَعا
قوله: ((أيُّنَا أَشَدُّ) مبتدأ وخبرٌ. وهذه الجملةُ سادَّةٌ مَسَدُّ المفعولَيْنِ إنْ
كانت ((عَلِمَ)) على بابها، ومَسَدَّ واحدٍ إنْ كانَتْ عِرْفانيةً. ويجوز على جَعْلِها
عِرفانيةٌ أن تكونَ ((أَيُّنا)) موصولةً بمعنى الذي، وبُنِيَتْ لأنه قد أُضِيفَتْ، وحُذِفَ
صدرُ صلتِها، و((أَشَدُّ) خبرُ مبتدأ محذوفٍ. والجملةُ من ذلك المبتدأ وهذا
الخبرِ صلةً لـ((أَيّ)) و((أَيّ)) وما في حَيِّزها في محلٌّ نصبٍ مفعولاً بها، كقوله
تعالى: ((ثم لَنْزِعَنَّ من كل شيعة أيُّهم أشدُّ على الرحمن))(١) في أحدٍ أوجهِه
كما تقدم(٢).
آ. (٧٢) قوله: ﴿والذي فَطَرَنا﴾: فيه وجهان، أحدهما: أن
الواوَ عاطفةً، عَطَفَتْ هذا الموصولَ على «ما جاءنا» أي: لن نؤثرَك على الذي
جاءنا، ولا على الذي فطرنا. وإنما أخِّروا ذِكْرَ البارِيْ تعالى لأنه من باب الترقِّي
من الأدنى إلى الأعلى. والثاني: أنها واوُ قسمٍ ، والموصولُ مقسمٌ به. وجوابُ
القسمِ محذوفٌ أي: وحَقِّ الذي فطرنا لا نؤثرُك على الحق. ولا يجوز أن يكونَ
الجوابُ ((لن نُؤثرك)) عند مَنْ يُجَوِّزُ تقديمَ الجوابِ؛ لأنه لا يُجاب القسمُ
بـ ((لن))(٣) إلَّ فِي شذوذٍ من الكلام.
(١) الآية ٦٩ من مريم.
(٢) انظر: الدر المصون الورقة ٦٠٧ ب.
(٣) حروف النفي التي يتلقى بها القسم (ما)) و((لا)) و((إنْ)) النافية، وأجاز ابن مالك ((لن))
و ((لم)) نحو:
واللَّهِ لن يَصِلُوا إليك بجمعِهِمْ
حستى أُوارَىْ في التراب دَفينا
وانظر المسألة في: الارتشاف ٤٨٦/٢.
٧٧

:- طه -
قوله: ((ما أنت قاضٍ )) يجوز في ((ما)) وجهان، أظهرُهما: أنها موصولةٌ
بمعنى الذي، و((أنت قاضٍ )) صلتُها والعائدُ محذوفٌ، أي: قاضِيه. وجاز
حَذْفُه، وإنْ كان مخفوضاً، لأنه منصوب المحل. أي: فاقض الذي أُنْت
قاضِيْه. والثاني: أنها مصدريةٌ ظرفيةٌ، والتقدير: فاقضِ أمرك مدةً ما أنتَ
قاضٍ. ذكر ذلك أبو البقاء (١). وقد منع(٢) بعضُهم ذلك أعني جَعْلَها مصدريةً
قال: لأنَّ ((ما)) المصدريةَ لا تُوْصَلُ بالجملة الاسمية. وهذا المَنْعُ ليس مجمعاً
عليه، بل جَوَّز ذلك جماعةٌ كثيرة. ونقل ابنُ مالك(٣) أنَّ ذلك يَكْثُر إذا دَلَّتْ ((ما))
على الظرفية. وأنشد(٤):
٣٣٠٥- واصِلْ خليلَك ما التواصُلُ مُمْكِنٌ
فَلَّأَنْتَ أَوْ هُوَ عن قليلٍ ذاهِبُ
وَيَقِلُّ إنْ كانت (٥) غيرَ ظرفية. وأنشد(٦):
٣٣٠٦- أَحْلَامُكُمْ لِسَقّامِ الجَهْلِ شافيةٌ
كما دِمَاؤُكُمُ تَشْفي مِن الكَلَبِ
قوله: «إنما تُقْضي هذه الحیاةَ)) يجوز في ((ما)) هذه وجهان، أحدهما: أن
تكونَ المهيئةَ لدخول ((إِنَّ)) على الفعل و ((الحياة الدنيا)) ظرفُ لـ ((تَّقْضي))،
ومفعولُه محذوفٌ أي: تقضي غرضَك وأمرَك. ويجوز أن تكونَ («الحياةَ)) مفعولاً
(١) الإملاء ١٢٤/٢.
(٢) انظر: البحر ٢٦٢/٦.
(٣) شرح الكافية الشافية ٣٠٦/١.
(٤) تقدم برقم ١٩٢.
(٥) الأصل («کان» وهو سهو.
(٦) تقدم برقم ١٩٣.
٧٨

- طه -
به على الاتساع، ويدلُّ لذلك قراءةُ أبي حيوة(١) (تُقْضَى هذه الحياةُ)) ببناء
الفعلِ للمفعول ورَفْعِ ((الحياة)) لقيامها مقام الفاعلِ ؛ وذلك أنه اتّسِع فيه فقام
مقام الفاعلِ فُفعَ.
والثاني: أن تكونَ ((ما)) مصدريةً هي اسمُ ((إِنَّ))، والخبرُ الظرفُ.
والتقدير: إنّ قضاءَكَ في هذه الحياةِ الدنيا، يعني: إن لك الدنيا فقط، ولنا
الآخرةَ.
وقال أبو البقاء(٢): «فإنْ كان قد قُرِىء بالرفع فهو خبرُ إنَّ)). يعني لو قرىء
برفعِ ((الحياة)) لكان خبراً لـ((إنَّ) ويكون اسمُها حينئذٍ ((ما))،وهي موصولةٌ بمعنى
الذي، وعائدُها محذوفٌ تقديره: إنَّ الذي تَقْضِيه هذه الحياةُ لا غيرُها.
آ. (٧٣) قوله: ﴿وَما أَكْرَهْتَنا﴾: يجوز في ((ما)) هذه وجهان،
أحدهما: أنها موصولةٌ بمعنى الذي. وفي محلها احتمالان، أحدهما: أنها
منصوبةُ المحلِّ نَسَقاً على ((خطايانا)) أي: ليغفر لنا أيضاً الذي أكرهتنا. والثاني
من الاحتمالين: أنها مرفوعةُ المحلِّ على الابتداء والخبرُ محذوفٌ تقديرُه:
والذي أكرَهْتَنا عليه مِنَ السحر محطوطُ عنا، أو لا نؤاخذُ به ونحوه.
والوجه الثاني: أنها نافيةٌ. قال أبو البقاء(٣): ((وفي الكلامِ تقدیمٌ،
تقديرُه: ليغفر لنا خطايانا من / السِّحرِ، ولم تُكْرِهْنا عليه)) وهذا بعيدٌ عن [٦٢٠/ب]
المعنى. والظاهرُ هو الأولُ.
و ((من السحرِ)) يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الهاءِ في ((عليه)) أو من
الموصولِ. ويجوزُ أن تكونَ لبيانِ الجنسِ .
(١) الإتحاف ٢٥١/٢، والبحر ٢٦٢/٦.
(٢) الإملاء ١٢٤/٢.
(٣) الإملاء ٢/ ١٢٤.
٧٩

- طه ـ
آ. (٧٤) قوله: ﴿إِنَّه مَنْ يَأْتِ﴾: الهاءُ ضميرُ الشأنِ. والجملةُ
الشرطيةُ خبرُها. و((مُجْرِماً)) حالٌ مِنْ فاعلِ ((يأْتِ)). وقولُه: ((لا يموتُ)) يجوز أن
يكونَ حالاً مِنَ الهاءِ في ((له))، وأَنْ يكونَ حالاً من (جهنّم))؛ لأنَّ في الجملة
ضميرَ كلٍ منهما.
آ. (٧٦) [قوله: ﴿جنَّاتُ﴾: بدلٌ من ((الدرجات)) أو بيانٌ](١).
قال أبو البقاء(٢): ((ولا يجوزُ أن يكونَ التقديرُ: هي جناتُ؛ لأن ((خالدين))
حالٌ. وعلى هذا التقديرِ لا يكونُ في الكلام ما يعملُ في الثاني(٣)، وعلى
الأولِ يكونُ العاملُ في الحال الاستقرارَ أو معنى الإِشارة)).
آ. (٧٧) قوله: ﴿طريقاً﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ
به؛ وذلك على سبيل المجاز: وهو أنَّ الطريقَ مُتَسَبِّبُ عن ضَرْبِ البحرِ،
إذ المعنى: اضربْ البحرَ لينغلقَ لهم فيصيرَ طريقاً، فبهذا صَحَّ نسبةُ الضربِ
إلى الطريق. وقيل: ((ضرب)) هنا بمعنى جَعَلَ أي: اجعل لهم طريقاً وأَشْرِعْه
فيه (٤). والثاني: أنه منصوبٌ على الظرفِ. قال أبو البقاء(٥): ((التقدير: موضعَ
طريقٍ، فهو مفعولٌ به (٦) على الظاهر. ونظيرُه قولُه (أن اضْرِبْ بعصاك
البحر (٧)) وهو مثلُ ((ضربْتُ زيدًا)). وقيل: ((ضرب)) هنا بمعنى ((جعل)) و((شرع))
(١) ما بين معقوفين لم يظهر في الأصل.
(٢) الإملاء ١٢٤/٢ - ١٢٥.
(٣) الإملاء: ((الحال)) وهي أوضح.
(٤) أُشرِعْ هنا بمعنى أَدْخِلْ وهو متعدّ أي: أَدْخِلْ الطريق في البحر.
(٥)
الإملاء ١٢٥/٢.
(٦) الأصل ((فيه)) وهو سهو والتصحيح من الإِملاء والسياق.
(٧) الآية ٦٣ من الشعراء.
٨٠