Indexed OCR Text

Pages 1-20

الدُُّ المِصُون
في عُلُمُ الْكِتَابِ المَكْتُون
تأليف
أَحْمَد بْنِ يُوسُفْ المَعْرُوفِ بِالسَّمِيْنِ الجَتِيّ
المتوفى سنة ٧٥٦هـ
تحقیق
الدّكتور أحمد محَمّد الخِّرَاط
الأسْنَاذُ المُشَارُكِ تَجَامِعَةِ الإمَامْ مَّد بْ سُعُود الإِسِلَامَّة
الَعْهَد العَالِى للدّعَوَة الإسلامَّة - المَدِيْنَة المُنُورَة
اعتمد فيه على نسخة بخط المؤلف
الجزء الثامن
دار القلم
رمش

- طه -
سورة طه /
[٦١١/أ]
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قد تقدَّم الكلامُ في الحروفِ المُقَطّعةِ أولَ هذا الموضوعِ (١)،
و ((طه)) مِنْ ذاك، هذا هو الصحيح. وقيل: إنَّ معنى ((طه)) يا رجلُ في لغةٍ
عَك(٢)، وقيل: عُكْل، وقيل: هي لغة يمانية. وحكى الكلبي أنك لو قلتَ في
عَكّ: يا رجلُ، لم يُجِبْ حتى تقولَ: طه.
وقال الطبري(٣): ((طه في عَكّ بمعنى: يا رجلُ))، وأنشدَ قولَ
شاعرهم(٤):
٣٢٦٩ - دَعَوْتُ بِطَ في القتالِ فلم يُجِبْ
فَخِفْتُ عليهِ أَنْ يكونَ مُوائِلا
(١) انظر: الدر المصون ٧٩/١.
(٢) قال في اللسان: ((عَكّ بن عدنان: أخو مَعَذّ وهو اليوم في اليمن، هذا قول الليث.
وقال بعض النسابين: إنما هو معد بن عدنان. فأما عك فهو ابن عُدْثان مِنْ ولد
قحطان، وعدنان من ولد إسماعيل)). اللسان: (عكك). وانظر: البحر ٢٢٤/٦،
والقرطبي ١٦٥/١١.
(٣) تفسير الطبري ١٣٧/١٦.
(٤) البيت لمتمم بن نويرة، وهو في القرطبي ١٦٥/١١، والبحر ٢٢٤/٦، والمحرر
٦٢/١١، والموائل: طالب النجاة.

وقول آخر (١):
٣٢٧٠- إنَّ السَّفاهِةَ طه في خلائِقِكمْ
لا قَدَّسَ اللَّهُ أرواحَ المَلاعِينِ
. -
قال الزمخشري (٢): ((وأثرُ الصَّنْعَةِ ظاهرٌ في البيت المستشهدِ به)) فذكره،
وقال السدي: ((معناه: يا فلانٌ)). وقال الزمخشري أيضاً: ((ولعل عَكَّاً تَصَرَّفوا
في ((يا هذا))، كأنهم في لغتهم قالبون الياءَ طاءً، فقالوا في يا: طا، واختصروا
((هذا)) فاقتصروا على (ها)). يعني فكأنه قيل في الآية الكريمة: يا هذا. وفيه
بُعدُ کبیرٌ.
قال الشيخ (٣): «ثم تَخَرَّص وحَزَرَ على عَك ما لم يَقُلْه نحويٌّ: وهو أنهم
يقلبون يا التي للنداء طاءً، ويحذفون اسم الإشارة ويقتصرون منه على ((ها))
التي للتنبيه)). قلت: وهذا وإن كان قريباً مما قاله عنه إلاّ أنه أنحى عليه في
عبارته بقوله (تَخَرَّص)).
وقيل: ((طه) أصلُه طَأْها بهمزة ((طَأْ) أمراً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، و ((هنا)) ضميرُ
مفعولٍ يعودُ على الأرض، ثم أبدل الهمزةَ لسكونها ألفاً، ولم يَحْذِفْها في الأمرِ
نظراً إلى أصلها أي: طَأ الأرضَ بقدمَيْكَ. وقد جاء في التفسير: ((أنه قام حتى
تَوَرَّمَتْ قدماه)) (٤).
(١) البيت ليزيد بن المهلهل، وهو في القرطبي ١٦٦/١١، والبحر ٢٢٤/٦، وتفسير.
الماوردي ٧/٣، والكشاف ٥٢٨/٢. وأنشد البيتَ قطرب، وقال: إنه لغة طيِّىء.
(٢) الكشاف ٥٢٨/٢.
(٣) البحر ٢٢٤/٦ .
(٤) تمامه: ((فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً
شكوراً)، رواه البخاري في كتاب التفسير ٤٨ - سورة الفتح، ٢ باب: ليغفر لك الله
ما تقدم. الفتح ٤٤٨/٨.
٦

- طه ـ
وقرأ(١) الحسنُ وعكرمةُ وأبو حنيفةً وورشٌ في اختياره / بإسقاطِ الألفِ [٦١١/ب]
بعد الطاء، وهاءٍ ساكنة. وفيها وجهان، أحدهما: أنَّ الأصلَ ((طَأْ)) بالهمز أمراً
أيضاً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، ثم أبدلَ الهمزةَ هاءٌ كإبدالهم(٢) لها في ((هَرَقْتُ))
و((هَرَحْتُ)) و((هَبَرْتُ)). والأصلُ: أَرَقْتُ وأَرَحْتُ وَبَرْت. والثاني: أنه أبدل
الهمزةَ ألفاً، كأنه أَخَذه مِنْ وَطِي (٣) يَطا بالبدل كقوله(٤):
٣٢٧١-
لا هَنَاكِ المَرْتَعُ
ثم حَذَفَ الألفَ حَمْلًا للأمرٍ على المجزومِ وتناسِياً لأصل الهمز ثم
ألحق هاءَ السكتِ، وأجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ. وقد تقدَّم في أولٍ يونس (٥)
الكلامُ على إمالةٍ طا وها فأغنى عن إعادتِه هنا.
آ. (٢) قوله: ﴿أَنْزَلْنا﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ(٦) طلحةُ
((ما نُزِّلَ)) مبنياً للمفعول، ((القرآنُ)) رُفِعَ لقيامه مّقَامَ فاعلِه.
وهذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً إنَّ جُعِلت ((طه)) تعديداً لأسماءٍ
الحروفِ، ويجوز أن تكونَ خبراً لـ طه إنْ جَعَلْتَها اسماً للسورة، ويكون القرآنُ
ظاهراً واقعاً موقعَ المضمرِ؛ لأنَّ طه قرآنٌ أيضاً، ويجوز أن تكونَ جوابَ قسمٍ ،
إِنْ جَعَلْتَ طِه مُقْسَماً به، وقد تقدَّم تفصيلُ القول في هذا.
(١) انظر: الإتحاف ٢٤٣/٢، والقرطبي ١٦٧/١١، والبحر ٢٢٤/٦.
(٢) انظر: الممتع ١٧١، ٣٩٩.
(٣) قال في اللسان وطي: ((وَطِيْتُه لغة فِي وَِنْتُه)).
(٤) تقدم برقم ٥٠١.
(٥) انظر: الدر المصون ١٤٣/٦.
(٦) البحر ٢٢٤/٦، والقرطبي ١٦٨/١١.
٧

ـ طه ـ
آ. (٣) قوله: ﴿إِلَّ تَذْكِرَةَ﴾: في نصبه أوجهٌ، أحدها: أن تكونَ
مفعولاً من أجله. والعاملُ فيه فِعْلُ الإِنزال، وكذلك ((تَشْقَى)) علةٌ له أيضاً،
ووجبَ مجيءُ الأولِ مع اللام لأنه ليس لفاعلِ الفعلِ المُعَلَّل، ففاتَتْه شريطةُ
الانتصاب على المفعولية، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه
الشرائط. هذا كلام الزمخشري(١)، ثم قال: ((فإن قلتَ: ((هل يجوزُ أن تقولَ
ما أَنْزَلْنا، أن تَشقى كقوله ((أَنْ تَحْبَطَ أعمالُكم))(٢)؟ قلت: بلى ولكنها نصبةٌ
طارئة كالنصبةِ في ((واختار موسى قومَه))(٣) وأما النصبةُ في ((تَذْكرةً)) فهي كالتي
في ((ضَرَبْت زيد) لأنه أحدُ المفاعيلِ الخمسةِ التي هي أصولٌ وقوانينُ
لغيرها)).
قلت: قد منع أبو البقاء(٤) أن تكونَ ((تَذْكرةُ)) مفعولاً له لَّأَنْزَلْنا المذكورةِ،
لأنها قد تعدَّتْ إلى مفعولٍ له وهو ((لِتَشْقَى)) فلا تتعدّى إلى آخرَ مِنْ جنسِه.
وهذا المنعُ ليس بشيءٍ؛ لأنه يجوزُ أَنْ يُعَلَّلَ الفعلُ بعلتين فأكثرَ، وإنما هذا بناءً
منه على أنه لا يُفضِي العاملُ من هذه الفَضَلاتِ إلَّ شيئاً واحداً، إلَّ بالبدلية
أو العطف.
الثاني: أن تكونَ ((تذكرة)) بدلاً مِنْ محلِّ ((لتَشْقَى)) وهو رأيُ الزجاج(٥)،
وتبعه ابنُ عطية(٦)، واستبعده أبو جعفر (٧)، ورَدَّه الفارسيُّ: بأنَّ التذكرةَ ليسَتْ
(١) الكشاف ٥٢٩/٢.
(٢) ((ولا تَجْهروا له بالقول كجَهْرِ بعضِكم لبعض، أَنْ تَحْبَطَ أعمالكم))، الآية ٢ من
الحجرات .
(٣) الآية ١٥٥ من الأعراف.
(٤) الإِملاء ١١٨/٢.
(٥) لم يرد في مطبوعة ((معاني القرآن)).
(٦) المحرر ٦٣/١١.
(٧) وهو النحاس في إعراب القرآن ٣٣١/٢.
٨

- طه -
بشقاءٍ. وهو ردِّ واضحٌ. وقد أوضح الزمخشريُّ(١) هذا فقال: ((فإنْ قلتَ: هل
يجوزُ أن تكونَ ((تذكرةً)) بدلاً مِنْ محلِّ ((لِتشْقى))؟ قلت: لا؛ لاختلافِ الجنسينِ
ولكنها نُصِبَتْ على الاستثناءِ المنقطع الذي (إلّ) فيه بمعنى ((لكن)).
قال الشيخُ(٢): ((يعني باختلافِ الجنسَيْنِ أَن نَصْبَةَ ((تذكرةً)) نصبةٌ صحيحةٌ
ليست بعارضةٍ، والنصبةُ التي تكون في ((لتشقى)) بعد نَزْعِ الخافضِ نصبةٌ
عارضةٌ. والذي نقول: إنه ليس له محلَّ البتّةَ فيتوهمُ البدلُ منه)). قلت: ليس
مُرادُ الزمخشري باختلافِ الجنسين إلَّ ما ذكرتُه عن الفارسيِّ ردّاً على الزجاج،
وأيُّ أثرٍ لاختلاف النصبين في ذلك؟
الثالث: أن يكونَ منصوباً على الاستثناء المنقطع أي: لكنْ أَنْزَلْناه
تذكرةً. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعلٍ مقدٍ، أي: لكنْ ذَكَّرْنا، أو تذكِّرْ به أنت
تَذْكِرة. الخامس: أنه مصدرٌ في موضع الحال أي: إلَّ مُذَكِّراً. السادس: أنه
بدلٌ من («القرآن»، ويكون القرآنُ هو التذكرةَ، قاله الحوفي. السابع: أنه
مفعولٌ له أيضاً، ولكن العاملَ فيه ((لِتَشْقَى)) ويكون المعنى كما قال
الزمخشريُّ (٣): ((إنا أَنْزَلْنا عليك القرآنَ لتحتمل متاعبَ التبليغِ ومقاولةَ العُتاةِ
مِنْ أعداءِ الإِسلام ومقاتلتَهم، وغيرَ ذلك من أنواع المشاقُّ وتكاليفِ النبوة، وما
أنزلنا عليك هذا المَتْعَبَ الشاقَّ إلَّ ليكونَ تذكرةً. وعلى هذا الوجهِ يجوزُ أن
یکون «تذکرةً» حالاً ومفعولاً له» انتھی .
فإنْ قلتَ: مِنْ أين أَخَذْتَ أنه لمَّا جعله حالاً ومفعولاً له أنَّ العاملَ فيه
(١) الكشاف ٥٢٩/٢.
(٢) البحر ٢٢٥/٦ .
(٣) الكشاف ٥٢٩/٢.
٩

ـ طه ـ
(لِتَشْقَى))؟ وما المانعُ أنَّ يريدَ بالعاملِ فيه فعلَ الإِنزال؟ فالجوابُ أنَّ هذا الوجه
قد تقدَّم له في قولِه(١): ((وكلُّ واحدٍ مِنْ ((لتَشْقَى)) و((تذكرةً)) علةٌ للفعل)). وأيضاً
فإنَّ تفسيرَه للمعنى المذكور منصبٌّ على تسلُّطِ ((لِتَشْقَى)) على ((تذكرةٌ)). إلّ أنَّ
أبا البقاء لمّا لم يظهرْ له هذا المعنى الذي ظهر للزمخشري مَنَعَ مِنْ عملٍ
(لِتَشْقَى)) في ((تذكرةً)) فقال(٢): ((ولا يَصِحُّ أن يعملَ فيها ((لِتَشْقى)) لفساد
المعنى)) وجوابُه ما تقدَّم. ولا غَرْوَ في تسميةِ التعبِ شقاءً. قال الزمخشري(٣):
(والشقاءُ يجيء في معنى التعب. ومنه المثل: ((أتعبُ مِنْ رائضٍ مُهْر))(٤).
و «أشقی مِنْ رائض مُهْرِ».
و((لِمَنْ يَخْشى)) متصلٌ بـ ((تذكرةً)). وزيدت اللام في المفعول تقوية
للعاملِ الكونِه فَرْعاً، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنه صفةٌ
لـ «تذکرةً».
آ. (٤) قوله: ﴿تَنْزِيلًا﴾: في نصبِه أوجهٌ(٥)، أحدها: أن يكونَ
بدلاً مِنْ ((تذكرةُ)) إذا جُعِل حالاً لا إذا كان مفعولاً [له](٦) لأنَّ الشيءَ لا يُعَلِّلُ
بنفسِه. قلت: لأنه يصيرُ التقديرُ: ما أَنزَلْنا القرآنَ إلَّ للتنزيل. الثاني: أن
ينتصبَ بـ نزّل مضمراً. الثالث: أن ينتصبَ بـ((أَنْزَلْنا)) لأنَّ معنى ما أنزلناه إلاّ
تذكرةً: أَنزَلْناه تذكرةً. الرابع: أن ينتصبَ على المدحِ والاختصاص.
(١) الكشاف ٥٢٩/٢.
(٢) الإملاء ١١٨/٢.
(٣) الكشاف ٥٢٩/٢.
(٤) انظر: مجمع الأمثال ١٤٨/١، وقد ورد المثل الثاني فحسب في الكشاف.
(٥) نقل السمين هذه الأوجه عن الزمخشري ٥٢٩/٢.
(٦) من الكشاف.
١٠

- طه ـ
الخامس: أن ينتصبَ بـ((يَخْشَىْ)) مفعولاً به أي: أنزله للتذكرة(١) لمَنْ يخشى
تنزيلَ الله، وهو معنى حسنٌ وإعرابٌ بَيِّن(٢).
قال الشيخُ(٣) : - ولم يُنْصِفْه ـ ((والأحسنُ ما قدَّمناه أولاً من أنه منصوبٌ
بـ (نَزَّل)) مضمرةً. وما ذكره الزمخشري مِنْ نصبه على غيره فمتكلَّفُ: أمَّا الأولُ
ففيه جَعْلُ تذكرةً وتنزيلا حالين، وهما مصدران. وجَعْلُ المصدرِ / حالاً [٦١٢/أ]
لا ینقاسُ.
وأيضاً فمدلولُ ((تذكرةٌ)) ليس مدلولَ ((تنزيلَ))، ولا ((تنزيلاً)) بعضُ تذكرة.
فإن كان بدلاً فيكونُ بدلَ اشتمالٍ على مذهبٍ مَنْ يرى أن الثاني مشتملٌ على
الأولِ؛ لأنَّ التنزيلَ مشتملٌ على التذكرة وغيرِها. وأمّا قولُه: ((لأنَّ معنى
ما أنزلناه إلَّ تذكرة: أَنْزَلْناه تذكرةً» فليس كذلك لأنَّ معنى الحصرِ يَقُوت في قولِه
أنزلناه تذكرةً. وأمَّا نصبُه على المدحِ فبعيدٌ. وأمّا نصبُه بـ((يَخْشى)) ففي غاية
الْبُعْدِ لأنَّ((يخشى)) رأسُ آيةٍ وفاصلٌ، فلا يناسبُ أن يكونَ ((تنزيلاً)) منصوباً
بـ ((يَخْشَىْ))، وقوله فيه ((وهو معنى حسنٌ وإعرابُ بيِّنْ)) عُجمةٌ وبُعْدٌ عن إدراك
الفصاحة)».
قلت: ويَكْفيه ردُّه الشيءَ الواضحَ مِنْ غير دليل، ونسبةُ هذا الرجلِ إلى
عدمِ الفصاحةِ ووجودِ العُجْمة.
قوله: ((مِمَّنْ خَلَق)) يجوز في ((مِنْ)) أن تتعلق بـ ((تنزيلً))، وأن تتعلقَ
بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ((تنزيلاً)). وفي ((خَلَقَ)) التفاتٌ مِنْ تَكَلُّمٍ في قوله
(١) الكشاف: تذكرة.
(٢) انتهت عبارة الزمخشري.
(٣) البحر ٢٢٥/٦.
١١

- طه ـ
((أَنْزَلْنا) إلى الغَيْبة. وجوّز الزمخشري(١) أن يكونَ ((ما أَنزَلْنا)) حكايةً لكلام.
جبريل وبعضِ الملائكة(٢) فلا التفات على هذا.
وقوله ((العُلَا)) جمع عُلْيا نحو: دنيا ودُنا. ونظيرُه في الصحيح كُبْرىُ وكُبَرَ،
وفُضْلی وفُضَل.
آ. (٥) قوله: ﴿الرحمنُ﴾: العامّةُ على رفعهِ. وفیه أوجهٌ،
أحدُها: أنه بدلٌ من الضميرِ المستكنُّ في ((خَلَق)). ذكره ابنُ عطية(٣). وردِّهِ
الشيخُ(٤) بأن البدلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المبدلِ منه، ولو خَلَّ هنا مَحَلَّه لم يَجُزْ لخلِّ
الجملةِ الموصولِ بها مِنْ رابطٍ يربطُها به. الثاني: أن يرتفعَ على خبرٍ مبتدأ
مضمرٍ، تقديرُه: هو الرحمن. الثالث: أن يرتفعَ على الابتداءِ مشاراً بلامِه إلى
مَنْ خَلَّقِ(٥)، والجملةُ بعده خبرُه.
وقرأ(٦) جناح بن حبيش ((الرحمنِ)) مجروراً. وفيه وجهان، أحدهما: أنه
بدلٌ من الموصولِ. لا يقال إنه يؤدي إلى البدلِ بالمشتق وهو قليلٌ؛ لأنَّ
الرحمنَ جرىْ مَجْرى الجوامدِ لكثرة إيلائِه العواملَ. والثاني: أن يكونَ صفةً
للموصول أيضاً.
قال الشيخ (٧): ((ومذهبُ الكوفيين أنَّ الأسماءَ النواقصَ(٨) كـ ((مَنْ)
(١) الكشاف ٥٢٩/٢.
(٢) قال أبو حيان: ((وهذا تجويز بعيد، بل الظاهر أنه إخبار من الله تعالى عن نفسه))
البحر ٢٢٦/٦.
(٣) المحرر ٦٣/١١.
(٤) البحر ٢٢٦/٦.
(٥) وهو مذهب الزمخشري في الكشاف ٥٣٠/٢ .
(٦) الشواذ ٨٧، والبحر ٢٢٦/٦.
(٧) البحر ٢٢٦/٦.
(٨). قال: ((التي لا تتم إلاّ بصلاتها)).
١٢

- طه -
و ((ما)) لا يُوصَف منها إلَّ ((الذي)) وحدَه، فعلى مذهبهِم لا يجوز أن يكونَ
صفةً)). قال ذلك كالرادٌّ على الزمخشري(١).
والجملةُ مِنْ قولِه ((على العرش استوى)) خبرٌ لقولِه ((الرحمنُ)) على القول
بأنه مبتدأٌ، أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ إنْ قيل: إنه مرفوعٌ على خبر مبتدأ مضمر(٢)،
وكذلك في قراءةِ مَنْ جَرَّه(٣) .
وفاعِلُ ((استوىُ)) ضميرٌ يعودُ على الرحمنِ، وقيل: بل فاعلُه ((ما)»
الموصولةُ)) بعده أي: استوى الذي له في السموات، قال أبو البقاء (٤): (وقال
بعضُ الغلاةِ: ((ما)) فاعلُ ((استوى)). وهذا بعيدٌ، ثم هو غيرُ نافعٍ له في
التأويل، إذ يبقى قولُه ((الرحمنُ على العرش)) كلاماً تاماً ومنه هرب)). قلت: هذا
يُروى عن ابن عباس، وأنه كان يقف على لفظ ((العرش))، ثم يبتدِىءُ ((استوى له
ما في السموات» وهذا لا يصحُّ عنه.
آ. (٦) قوله: ﴿الثَّرَىْ﴾: هو الترابُ النديُّ(٥)، ولامُه ياءٌ بدليل
تثنيته على ثَرَبَيْن، وقولهم ثَرِيَتْ الأرضُ تَثْرَى ثَرَىَّ. والثَّرى يستعمل في انقطاعٍ
المودة. قال جرير(٦) :
٣٢٧٢- فلا تَنْبُشُوا بيني وبينَكُمُ الثرى
فإنَّ الذي بيني وبينَكُمُ مُثْرِي
(١) الكشاف ٥٢٩/٢.
(٢) لماذا لا تكون الجملة خبراً ثانياً لهذا المبتدأ المضمر؟
(٣) والتقدير: الرحمنِ، هو على العرش استوى.
(٤)
الإملاء ١١٩/٢.
(٥) انظر: عمدة الحفاظ ٧٩.
(٦) ديوانه ٢٧٧، واللسان (ثرى)، والبحر ٢٢٢/٦.
١٣

- طه -
والثَّراءُ بالمدِّ: كثرةُ المالِ قال(١):
٣٢٧٣- أَماوِيَّ ما يُغْني الثراءُ عن الفتى
· إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصدرُ
وما أحسنَ قولَ ابنِ دريد(٢):
٣٢٧٤- يوماً تنصيرُ إلى الثَّرى
ويفوزُ غيرُك بالثّرَاءِ
فجمع في هذه القصيدةِ بين الممدودِ والمقصورِ باختلاف معنىً .
آ. (٧) قوله: ﴿وأَحْفَى﴾: جَوَّزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه
أفعلُ تفضيل، أي: وأخْفَى من السِّر. والثاني: أنه فعلٌ ماضٍ أي: وأَخْفى اللَّهُ
عن عبادهٍ غيبه كقوله: ((ولا يُحِيطون به عِلْماً))(٣).
آ. (٨) والجلالةُ: إِمَّا مبتدأٌ، والجملةُ المنفيةُ خبرُها، وإمَّ خبرٌ لمبتدأ
محذوفٍ أي: هو الله .. و((الحُسْنى)) تأنيثُ الأحسن. وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ جمَعَ
التكسيرِ في غير العقلاء يُعامَلُ معاملةَ المؤنثة الواحدة.
:
آ. (١٠) قوله: ﴿إِذا رأى﴾: يجوز أنْ يكونَ منصوباً بالحديث
وهو الظاهرُ. ويجوز أن ينتصِبَ بـ ((اذكر)) مقدَّراً، كما قاله أبو البقاء (٤)،
أو بمحذوفٍ بعدَه أي: إذ رأى ناراً كان كيتَ وكيتَ، كما قاله الزمخشريُّ (٥).
(١) تقدم برقم ٢٨١٤.
(٢) شرح مقصورة ابن دريد للتبريزي ٢٢٦.
(٣) الآية ١١٠ من طه.
(٤) الإِملاء ١١٩/٢.
(٥) الكشاف ٥٣١/٢.
١٤

- طه -
و((هل))(١) على بابها مِنْ كونها استفهامَ تقريرٍ، وقيل: بمعنى قد، وقيل:
بمعنى النفي. وقرأ («الأهلِهُ امكثُوا))، بضم الهاء حمزة(٢) وقد تقدم أنه الأصلُ
وهو لغةُ الحجاز، وقال أبو البقاء(٣): ((إن الضمَّ للإِتباع)).
قوله: ((آنَسْتُ)) أي: أبصرْتُ. والإِيناسُ: الإِبصارُ البِّنُ، ومنه إنسانُ
العينِ؛ لأنه يُبْصَر به الأشياءُ، وقيل: هو الوِجْدان، وقيل: الإِحساسُ فهو أعمُّ
من الإِبصار، وأنشدوا الحارث بن حِلُّزة(٤):
٣٢٧٥- آنسَتْ نَبْأَةً وأَفْزَعَها القُدْ
ـناصُ عَصْراً وقد دنا الإِمْساءُ
والقَّسُ: الجَذْوَةُ من النار، وهي الشُّعْلةُ في رأسٍ عُوْدٍ أو قَصَبةٍ
ونحوِهما. وهو فَعَلٌ بمعنى مَفْعول كالقَبَض والنّقَضِ بمعنى المَقْبوض
والمَنْقوض. ويقال: أَقْبَسْتُ الرجلَ علماً وقَبَسْتُه ناراً، ففرقوا بينهما، هذا قولُ
المبردِ. وقال الكسائيُّ: إن فَعَلَ وأَفْعَلَ يُقالان في المعنيين، فيقال: قَبَسْتُه ناراً
وعلماً، وأَقْبَسْته أيضاً عِلْماً وناراً.
وقوله (مِنْها)) يجوز أَنْ يتعلق / بـ ((آتِيكم)) أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ [٦١٢/ب]
قَبَس (٥). وأمال بعضُهم (٦) ألفَ ((هدى)) وقفاً. والجيدُ أَنْ لا تُمَالَ لأنَّ الأشهر
أنها بدلٌ من التنوين.
(١) عاد إلى الآية ٩.
(٢) السبعة ٤١٧، والبحر ٢٣٠/٦، والتيسير ١٥٠، والنشر ٣١٢/١، والحجة ٤٥٠.
(٣) الإملاء ١١٩/٢ أي: لما بعده.
(٤) تقدم برقم ١٥٤٨ وورد في الأصل بوزن عروضي مضطرب.
(٥) لأن الصفة إذا تقدمت على الموصوف أعربت حالاً.
(٦) أمال جميع فواصل هذه السورة حمزة والكسائي وخلف. انظر: الإتحاف ٢٤٣/٢،
والنشر ٣٥/٢، والتيسير ١٥٣.
١٥

- طه ـ
آ. (١١) قوله: ﴿نُوْدِي﴾: القائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ موسى،
وقيل: ضميرُ المصدرِ أي: نُودي النداء. وهو ضعيفٌ، ومنعوا أن يكونَ القائمُ
مَقامَه الجملةُ مِنْ ((يا موسى))؛ لأنَّ الجملةَ لا تكونُ فاعلاً.
آ. (١٢) قوله: ﴿إِني): قرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو بالفتح، على
تقديرِ الباءِ أي بأني؛ لأنَّ النداءَ يُوْصَلُ بها تقول: نادَيْتُه بكذا. قال الشاعر(٢):
- أنشده الفارسيُّ -
٣٢٧٦- نادَيْتُ باسمِ ربيعةَ بنِ مُكَّدَّمٍ
إِنَّ المُنّوَّهَ باسمِه المُؤْثُوْقُ
وجَوَّز ابنُ عطية(٣) أن يكون بمعنىْ لِأَجْلٍ. وليس بظاهرٍ. والباقون
بالكسرِ: إِمَّا على إضمارِ القولِ كما هو رأيُ البصريين، وإمَّا لأنَّ النداءَ في
معنى القول عند الکوفیین.
وقوله: ((أنا)) يجوزُ أن يكونَ مبتدأً، وما بعده خبرُه، والجملةُ خبرُ ((إِنَّ)).
ويجوزُ أن يكونَ توكيداً للضميرِ المنصوب، ويجوزُ أَنْ يكونَ فَضْلاً.
قوله ((طُوى)) قرأ(٤) الكوفيون وابنُ عامر ((طُوئِ)) بضمِّ الطاءِ والتنوين.
والباقون بضمِّها من غيرِ تنوين. وقرأ الحسنُ والأعمش وأبو حيوةَ وابن محيصن
(١) التيسير ١٥٠، والنشر ٣١٩/٢، والبحر ٢٣٠/٦، والحجة ٤٥١.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في شرح الأبيات المشكلة للفارسي ٤٢٩، والخزانة
٥٢١/٢، والمحرر ٦٦/١١.
(٣) المحرر ٦٦/١١، قال: ((على معنى: لأجل أني أنا ربك فاخلع نعليك)).
(٤) انظر في قراءاتها: النشر ٣١٩/٢، والحجة ٤٥١، والتيسير ١٥٠، والإتحاف
٢٤٥/٢، والبحر ٢٣١/٦، والشواذ ٨٧.
١٦

طه -
بكسرِ الطاءِ منوّناً. وأبو زيدٍ (١) عن أبي عمروٍ بكسرِها غيرَ منونٍ.
فَمَنْ ضَمَّ ونَوَّنَ فإنه صَرَفَه لأنَّه ◌َوَّلِه بالمكان. ومَنْ مَنَعه فيحتمل أوجهاً،
أحدها: أنه مَنَعه للتأنيث باعتبار البُفْعَةِ والعَلَمِيَّة. الثاني: أنه مَنَعه للعَدْل إلى
فُعَل، وإن لم يُعْرَفِ اللفظُ المعدولُ عنه، وجعله كعُمَر وزُفَر. والثالث: أنه
اسمٌ أعجمي فَمَنْعُه للعَلَمِيَّة والعُجْمة.
ومَنْ كَسَر ولم يُنَوَّن فباعتبارِ البُقْعة أيضاً. فإن كان اسماً فهو نظيرُ عِنَب،
وإنْ كان صفةً فهو نظير عِدَى وسِوَى. ومَنْ نَوَّنَه فباعتبار المكان. وعن الحسنِ
البَصْريَّ أنه بمعنى الثِّنى بالكسرِ والقَصْر، والثّنى: المكررُ مرتين، فيكون
معنى هذه القراءة أنه ظهر مرتين، فيكون مصدراً منصوباً بلفظ ((المقدَّس)) لأنه
بمعناه كأنه قيل: المقدَّس مرتين، من التقدیس.
وقرأ(٢) عيسى بن عمر والضحَّاك ((طاوِيْ اذهَبْ)).
و ((طُوَى)): إمَّا بدلٌ من الوادي، أو عطفُ بيانٍ له، أو مرفوعٌ على
إضمارِ مبتدأ، أو منصوبٌ على إضمار أعني .
آ. (١٣) قوله: ﴿وأنا اخْتَرْتُك﴾: قرأ حمزةُ (٣) في آخرين ((وأنَّا
اخترناك)) بفتحِ الهمزة بضمير المتكلمِ المعظمِ نفسَه. وقرأ السلميُّ والأعمش
وابن هرمز كذلك، إلّ أنهم كسروا الهمزةَ. والباقون ((وأنا اخْتَرْتُك)) بضميرٍ
المتكلم وحده. وقرأ أُبَيِّ ((وأني اخترتك)) بفتح الهمزة.
(١) وهو سعيد بن أوس الأنصاري النحوي روى عن أبي عمرو. توفي سنة ٢١٥.
انظر: طبقات القراء ٣٠٥/١.
(٢) ذكر هذه القراءة الشاذة ابن خالويه في شواذه ٨٧.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤١٧، والنشر ٣٢٠/٢، والتيسير ١٥٠، والبحر ٢٣١/٦،
والإتحاف ٢٤٥/٢، والحجة ٤٥١.
١٧

- طه ـ
فأمَّا قراءةُ حمزة (١) فعطفٌ على قوله ((أني أنا ربك))، وذلك أنه بفتح
الهمزة هناك، ففعل ذلك لَمَّا عطف غيرَها عليها: ومَنْ كسرها فلأنه يقرأ ((إنّي
أنا ربك)) بالكسر. وقراءة أُبَيّ كقراءة حمزة بالنسبة للعطف. وجَوَّز أبو البقاء(٢)
أن يكونَ الفتحُ على تقديرٍ: ولأنَّا اخترناك فاستمع، فعلَّقه باستمع. والأولُ
أَوْلَى. ومفعولُ ((اخترتك)) الثاني محذوف أي: اخترتك مِنْ قومك.
قوله ((لِما يُوْحى)» الظاهرُ تعلُّقه بـ ((استمِعْ)). ويجوزُ أن تكونَ اللامُ مزيدةٌ
في المفعول على حَدِّ قولِه تعالى: ((رَدِف لكم))(٣). وجَوَّز الزمخشريُّ (٤) وغيرُه
أن تكونَ المسألة من باب التنازع بين ((اخْتَرْتُك)) وبين ((استمع)) كأنه قيل:
اخترتُك لِما يوحى فاستمع لِما يوحى. قال الزمخشري(٥): ((فَعَلَّقِ اللَامَ
بـ ((استمعْ)) أو بـ ((اخترتُك)).
وقد رَدَّ الشيخُ(٦) هذا بأنْ قال: ((ولا يجوزُ التعليقُ بـ((اخترتك)) لأَنَّه مِنْ
بابِ الإِعمال، يجب بـ أو يُختار - إعادةُ الضميرِ مع الثاني فكان يكونُ:
فاستمعْ له لِما يوحى، فَدَلَّ على أنه من باب إعمال الثاني)). قلت: الزمخشريُّ
عنى التعليقَ المعنويَّ من حيث الصلاحيةُ، وأما تقديرُ الصناعةِ فلم يَعْنِهِ.
و ((ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةٌ، وبمعنى الذي أي: فاستمعْ للوحيِ
أو للذي يُوحى.
(١) ولكن حمزة هناك قرأ بكسر (إني)). قال ابن زنجلة في الحجة ٤٥١: ((على معنى:
نودي أنّا اخترناك)).
(٢) الإملاء ١١٩/٢.
(٣) الآية ٧٢ من النمل.
(٤) الكشاف ٥٣٢/٢.
(٥) الكشاف ٥٣٢/٢.
(٦) البحر ٢٣١/٦.
١٨

- طه -
آ. (١٤) قوله: ﴿لذِكْرِي﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ المصدرُ مضافاً
الفاعلِه أي: لأنِّي ذكرتُها في الكتب، أو لأنِّي أذكرُك. ويجوز أن يكونَ مضافاً
المفعولِه أي: لَإِنْ تذكرني. وقيل: معناه ذِكْرُ الصلاةِ بعد نِسْيانِها كقولِه عليه
السلام(١): ((مَنْ نام عن صلاةٍ أَو نَسِيها فَلْيُصَلُّها إذا ذكرها)). قال
الزمخشري(٢): ((وكان حقُّ العبارة: ((لذكرها)). ثم قال: ((ومَنْ يَتَمَخَّلْ له(٣) أن
يقول: إذا ذَكَر الصلاة فقد ذكر [اللَّهَ]، أو على حذفٍ مضاف أي: لذكر
صلاتي، أو لأنَّ الذِّكْرَ والنسيانَ من الله تعالى في الحقيقة)).
وقرأ(٤) أبو رجاء والسُّلمي ((للذكرى)) بلام التعريف وألف التأنيث.
وبعضهم(٥) ((لذكرى)) منكرةً، وبعضهم ((للذكر)» بالتعريف والتذكير.
قوله: ((أكاد أُخْفيها)) العامةُ على ضمِّ الهمزةِ مِنْ ((أُخْفيها)). وفيها
تأويلاتٌ، أحدُها: أن الهمزةَ في ((أُخْفيها)) للسَّلْبِ والإِزالةِ أي: أُزيل خفاءَها
نحو: أعجمتُ الكتابَ أي: أزلْتُ عُجْمَتَه. ثم في ذلك معنيان، أحدهما: أنَّ
الخفاء بمعنى السَّتّْر، ومتى أزال سَتْرَها فقد أظهرَها. والمعنى: أنها لتحقَّقِ
وقوعِها وقُرْبِها أكادُ أُظْهِرُها لولا ما تَقْتضيه الحكمةُ من التأخير. والثاني: أنَّ
الخفاءَ هو الظهورُ كما سيأتي. والمعنى: أزيلُ ظهورَها، وإذا أزالَ ظهورَها فقد
استترَتْ. والمعنى: أني لِشدَّةِ إبهامها أكاد أُخْفيها فلا أُظْهِرُها / البتةَ، وإن كان [٦١٣/أ]
(١) رواه ابن ماجه في كتاب الصلاة (١٠) باب من نام عن الصلاة أو نسيها ٢٢٧/١،
وأحمد ١٠٠/٣.
(٢) الكشاف ٥٣٢/٢.
(٣) الصواب ((فله)).
(٤) انظر في قراءاتها: البحر ٢٣٢/٦، الشواذ ٨٧.
(٥) نسبها النحاس في إعراب القرآن ٣٣٤/٢ إلى أبي عبد الرحمن وأبي رجاء
والشعبي .
١٩

- طه ـ
لا بد من إظهارها؛ ولذلك يوجدُ في بعض المصاحف كمصحف أُبَيّ (١): أكاد
أُخْفيها مِنْ نفسي فكيف أُظْهِرُكُمْ عليها؟ وهو على عادةِ العرب في المبالغة في
الإِخفاء قال(٢):
٣٢٧٧ - أيامَ تَصْحَبُني هندٌ وأُخْبِرُها
ما كِدْت أكتُمُه عني من الخبرِ
وكيف يُتَصَوَّرُ كِتْمانُهُ مِنْ نفسه؟
والتأويلُ الثاني: أنَّ («كاد)) زائدةٌ. قاله ابنُ جُبَيْر. وأنشدَ غيرُه شاهداً عليه
قول زیدِ الخیل(٣):
٣٢٧٨ - سريعٌ إلى الهَيْجاء شاكٍ سلاحُه
فما إنْ يكادُ قِرْنُه يتنفَّسُ
وقال آخر (٤):
٣٢٧٩- وألَّ ألومَ النفسَ فيما أصابني
وألَّ أكادَ بالذي نِلْتُ أَبْجَحُ
ولا حُجَّةَ في شيءٍ منه .
(١) البحر ٢٣٣/٦، ومعاني القرآن للفراء ١٧٦/٢.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ١٨٥/١١، والبحر ٢٣٣/٦.
(٣) الأضداد للأنباري ٩٧، واللسان (كيد)، والبحر ٢٣٣/٦، والقرطبي ١٨٤/١١.
والقِرْن: المثيل في الشجاعة .
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في الأضداد ٩٧، والارتشاف ٢٩٢/٣، وأمالي المرتضى
٣٣٢/١، والقرطبي ١٨٤/١١، والبحر ٢٣٣/٦. والبجح: الفرح.
٢٠