Indexed OCR Text
Pages 621-640
- مريم - عند الجمهور من المعربين، وهو مذهب سيبويه(١): أن ((أيُّهم)) موصولةٌ بمعنى الذي، وأنَّ حركتها حركةُ بناءٍ بُنِيَتْ عند سيبويه، لخروجِها عن النظائر، و((أَشَدُّ» خبرُ مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ صلةٌ لـ ((أيُّهم))، و ((أيُّهم)) وصلتُها في محل نصب مفعولاً بها بقوله ((لَنْزِعَنَّ)). ولـ ((أيّ)) أحوالٌ أربعةٌ، أحدُها: تُبْنِى فيها وهي - كما في الآيةِ - أَنْ تضافَ وَيُحْذَفَ صدرُ صلِها، ومثلُه قولُ الشاعر(٢): فَسَلِّمْ على أيُّهم أَفْضَلُ ٣٢٤٨- إذا ما أَتَيْتَ بني مالكٍ بضم ((أيُّهم)) وتفاصيلُها مقررةٌ في موضوعات النحو(٣). وزعم الخليل (٤) رحمه الله أنَّ ((أيُّهم)) هنا مبتدأُ، و ((أشدُّ» خبرُه، وهي استفهاميةٌ والجملةُ محكيةٌ بقولٍ (٥) مقدر والتقدير: لننزِعَنَّ من كل شيعةٍ المقولِ فيهم: أيُّهم أشدُّ. وقوَّى الخليلُ تخريجه بقول الشاعر(٦): فَأَبِيْتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوْمُ ٣٢٤٩- ولقد أَبِيْتُ من الفتاةِ بمنزلٍ قال: تقديره: فَأَبِيْتُ يُقال فيَّ: لا حَرِجٌ ولا محرومُ. وذهب يونسُ (٧) إلى أنَّها استفهاميةٌ مبتدأةٌ، ما بعدها خبرُها كقولٍ (١) الكتاب ٣٩٦/١ - ٣٩٧. (٢) تقدم برقم ٣١٢٣. (٣) انظر: الارتشاف ٥٣٠/١، شرح الكافية الشافية ٢٨٥/١. (٤) الكتاب ٣٩٧/١. (٥) الأصل: ((بالقول)) والتصحيح من (ش). (٦) البيت للأخطل وهو في ديوانه - صالحاني - ٨٤ وابن يعيش ١٤٦/٣، والإنصاف ٧١٠، والخزانة ٥٥٣/٢. (٧) انظر: الكتاب ٣٩٧/١. ٦٢١ - مريم ـ الخليلِ ، إلا أنه زعم أنها مُعَلَّقَةً لـ «نْزِعَنَّ))(١) فهي في محلٌ نصب، لأنَّه يُجَوِّز التعليقَ في سائر الأفعال، ولا يخصُّه بأفعالِ القلوب، كما يَخُصُّه بها الجمهور. وقال الزمخشري(٢): ((ويجوز أَنْ يكونَ الَّزْعُ واقعاً على ((من كلِّ شيعةٍ)) كقوله: ((ووَهَبْنا لهم مِنْ رحمتنا))(٣)، أي: لَنْزِعَنَّ بعضَ كلِّ شيعةٍ فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هم؟ فقيل: أيُّهم أشدُّ عِنِيًّا)) فجعل ((أيُّهم)) موصولةً أيضاً، ولكن هي في قوله خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين هم أشدُّ». قال الشيخ (٤): ((وهذا تكلُّفُ ما لا حاجةً إليه، وادِّعاءُ إضمارٍ غيرِ مُحْتَاجٍ إليه، وجَعْلُ ما ظاهرُه أنه جملةٌ واحدةٌ جملتين)). وحكى أبو البقاء(٥) عن الأخفش والكسائي أنَّ مفعولَ لَنَنْزِ عَنَّ(٦) ((كل شيعة)) و((مِنْ)) مزيدةٌ، قال: (وهما يجيزان زيادةَ ((مِنْ))(٧)، و((أَيُّ)) استفهام))، أي: لننزِعَنَّ كلَّ شيعة. وهذا يخالفُ في المعنى تخريجَ الجمهورِ؛ فإنَّ تخريجَهم يُؤَدِّي إلى التبعيضِ، وهذا يؤدي إلى العمومِ، إلا أَنْ تجعلَ ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ لا للتبعيض فيتفق التخريجان. (١) وقال: إنه بمنزلة قولك: أشهد إنك لرسول الله. (٢) الكشاف ٥٢٠/٢. (٣) الآية ٥٠ من مريم. (٤) البحر ٢٠٨/٦ . (٥) الإملاء ١١٦/٢. (٦) الأصل: (لينزعن مِنْ)) بإقحام ((مِنْ)) سهواً. (٧) انظر أمثلة على زيادة ((مِنْ)) من غير شروطها عند الأخفش في معاني القرآن ٩٨، ٢٠٩، ٢٥٤، ٢٧٤. ٦٢٢ - مريم - وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى ((لننزِعَنَّ)) لتنادِيَنَّ، فعوملَ معاملته، فلم يعمل في ((أيّ)). قال المهدوي: ((ونادى يُعَلَّق إذا كان بعده جملةُ نصبٍ، فيعملُ في المعنى، ولا يعملُ في اللفظِ». وقال المبرد: ((أيُّهم)) متعلَّقٌ بـ(( شيعةٍ)) فلذلك ارتفع، والمعنى: من الذين تشايَعُوا أيُّهم أشدُّ، كأنهم يتبارَوْن إلى هذا)). ويَلْزَمُه على هذا أَنْ يُقَدِّر مفعولاً لـ ((نْزِعَنَّ)) محذوفاً. وقَدَّر بعضُهم في قولِ المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيُّهم. قال النحاس(١): ((وهذا قولٌ حسنٌ، وقد حكى الكسائي تَشْايَعُوا بمعنى تعاونوا)). قلت: وفي هذه العبارة المنسوبةِ للمبرد قلقٌ، ولا بَيَّنَ الناقلُ عنه وجهَ الرفع على ماذا يكون، وبَّنه أبو البقاء(٢)، لكنْ جَعَلَ ((أَيُّهم)) فاعلًا لِما تَضَمِّنَتْه ((شيعة)) من معنى الفعلِ، قال: ((التقدير: لننزِعَنَّ من كلِّ فريقٍ يُشَيِّع أيُّهم، وهي على هذا بمعنى الذي)). ونُقِل عن الكوفيين (٣) أنَّ ((أَيُّهم)) في الآية بمعنى الشرط. والتقدير: إِنْ اشتدَّ عُتُوُّهم، أو لم يَشْتَدَّ، كما تقول: ضربْتُ القومَ أَيُّهم غَضِبَ، المعنى: إنْ غضبوا أو لم يَغْضبوا. وقرأ(٤) طلحة بن مصرِّف ومعاذ بن مسلم(٥) الهراء أستاذُ الفراءِ وزائدةُ (٦) (١) إعراب القرآن له ٣٢٤/٢. (٢) الإملاء ١١٦/٢. (٣) وهي حكاية أبي بكر بن شقير عنهم. انظر: إعراب القرآن للنحاس ٣٢٤/٢. (٤) البحر ٢٠٩/٦، القرطبي ١٣٣/١١. (٥) معاذ بن مسلم، من قدماء النحاة، يقال إنه أول من وضع التصريف، أخذ عنه الكسائي، وأخذ عن جعفر الصادق. توفي سنة ١٩٠. انظر: بغية الوعاة ٢٩٠/٢. (٦) زائدة بن قدامة أبو الصلت الثقفي. عرض على الأعمش، وعرض عليه الكسائي، ثقة. توفي بالروم غازياً سنة ١٦١. انظر: طبقات القراء ٢٨٨/١. ٦٢٣ - مريم - عن الأعمش (أيَّهم)) نصباً. قلت: فعلى هذه القراءة والتي قبلَها: ينبغي أَنْ يكونَ مذهبُ سيبويهِ جوازَ إِعرابِها وبنائها، وهو المشهورُ عند النَّقَلّةِ(١) عنه، وقد نُقِل عنه أَنَّه يحتُّم بناءَها. قال النحاس (٢): ((ما علمتُ أحداً من النحويين إلا وقد خطَّأ سيبويه)) قال: ((وسمعتُ أبا إسحاق الزجاج(٣) يقول: ((ما تبيَّن لي أن سيبويه غَلِط في كتابه إلا في موضعين، هذا أحدُهما)) قال: وقد أعرب سيبويه ((أيّا)) وهي مفردةٌ لأنها مُضافةٌ (٤)، فكيف يبنيها مضافةً»؟ وقال الجرميُّ: (خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارَقْتُ الخندقَ إلى مكةَ أحداً يقول: ((لُأَضْرِبَنَّ أَيُّهم قائمٌ)) بالضمِّ بل يَنْصِبُ)). [١٦٠٨] و ((على الرحمن)) متعلقٌ بـ ((أشدُّ))، و((عِتِيًّا)) منصوبٌ على / التمييز، وهو مُحَوَّلٌ عن المبتدأ، إذ التقديرُ: أيُّهم هو عتوُّه أشدُّ، ولا بدَّ مِنْ محذوفٍ يَتِمُّ بِه الكلامُ، التقدير: فَتُلْقِيْهِ في العذابِ، أو فبدأ بعذابه. قال الزمخشري (٥): ((فإن قلتَ: بِمَ تتعلَّقُ على والباء(٦)؟ فإنَّ تعلُّقَهما بالمصدَرَيْنِ لا سبيلَ إليه)). قلت: هما للبيان لا للصلةِ، أو يتعلَّقان بـ ((أَفْعَل))، أي: عُتُوُهم أشدُّ على الرحمنِ، وصَلْيُهم أَوْلَى بالنار كقولهم (٧): ((هـو أَشَدُّ على خَصْمه، وهو أَوْلَى بكذا)». (١) انظر: البحر ٣٩٧/١ :. (٢) إعراب القرآن له ٣٢٣/٢. : (٣) مذهبه في معاني القرآن ٣٣٩/٣ هو مذهب الخليل السابق. (٤) النحاس: ((تضاف)). (٥) الكشاف ٥٢٠/٣. (٦) ((على)) في قوله تعالى ((أشدُّ على الرحمن))، والباء في قوله ((أولى بها)) في الآية. التالية . (٧) الأصل: (( كقوله)) والتصحيح من ((الكشاف)). ٦٢٤ - مريم - قلت: يعني بـ ((على)) قوله ((على الرحمن))، وبالباء قوله ((بالذين هم)). وقوله ((بالمصدر)) يعني بهما ((عِيًّا)) و((صِلِيَّا)) وأمَّا كونُه لا سبيلَ إليه فلأنَّ المصدرَ في نيةِ الموصولِ ، ولا يتقدَّم معمولُ الموصولِ عليه. وجَوَّزَ بعضهم أَنْ يكونَ ((عِيًّاً))(١) و ((صِلِيّ))(٢) في هذه الآيةِ مصدرين كما تُقَدَّمَ، وجَوَّزَ أَنْ يكونا جمعَ عاتٍ وصالٍ فانتصابُهما على هذا على الحال. وعلى هذا يجوزُ أَنْ تتعلقَ على والباء بهما لزوالِ المحذورِ المذكورِ. آ. (٧١) قوله: ﴿وإنْ منكم إلاّ﴾: في هذه الواوٍ وجهان، أحدهما: أنها عاطفةً هذه الجملةَ على ما قبلَها. وقال ابن عطية: ((وإنْ منكم إلا واردُها)) قَسَمٌ والواو تَقْتَضيه، ويُفَسِّرِه قولُ النبي صلى الله عليه وسلم(٣): ((مَنْ مات له ثلاثٌ من الولد لم تَمَسَّه النار إلا تَحِلَّة القسمِ)). قال الشيخ(٤): (وذَهِلَ عن قولِ النحويين إنه لا يُستغنى عن القسمِ بالجواب لدلالةِ المعنى، إلا إذا كان الجوابُ باللامِ أو بـ ((إِنْ))، والجوابُ هنا على زَعْمه بـ ((إِنْ)) النافيةِ فلا يجوز حَذْفُ القسم على ما نَصُّوا. وقوله: ((والواو تَقْتَضِيه)) يدلُّ على أنها عنده واوُ القسم، ولا يذهبُ نحوي إلی أنَّ مِثْلَ هذه الواوِ واوُ قسمٍ لأنه يلزمُ مِنْ ذلك حَذْفُ المجرورِ وإبقاءُ الجارِّ، ولا يجوز ذلك إلا إنْ وَقَعَ في شعرٍ أو نادرِ كلامٍ بشرط أن تقومَ صفةُ المحذوف مَقامَه، كما أوَّلوا في قولهم: (١) نقل الراغب مصدريته. انظر: المفردات ٣٢٢. (٢) نقل الراغب مصدريته. انظر: المفردات ٢٨٥. (٣) رواه البخاري: ٦ باب فضل من مات له ولد فاحتسب، ٢٣ كتاب الجنائز (الفتح ١١٨/٣)، وابن ماجة: ٦ كتاب الجنائز، ٥٧ باب ما جاء في ثواب من أصيب بولده ٥١٢/٢، المسند ٢٣٩/٢ - ٢٤٠. (٤) البحر ٢٠٩/٦. ٦٢٥ - مريم - (نِعْمَ السيرُ على بئسَ العَيْرُ))(١)، أي: على عَيْرٍ بِئْسَ العَيْرُ، وقولٍ الشاعر(٢): ٣٢٥٠- واللَّهِ ما ليلي بنامَ صاحِبُهْ أي: برجلٍ نام صاحبُهْ، وهذه الآيةُ ليست من هذا الضَّرْبِ؛ إذ لم يُحْذَفِ المُقْسَمُ بِه وقامَتْ صفتُه مَقامَه)). و ((إِنْ)) حرفُ نفِيٍ، و ((منكمْ)) صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه(٣): وإِنْ أحدٌ منكم. ويجوزُ أن يكونَ التقديرُ: وإن منكم إلا مَنْ هو وارِدُها. وقد تقدَّم لذلك نظائرُ. والخطابُ في قولِه ((منكمْ)) يَحْتمل الالتفاتَ وعدمَه. قال الزمخشري (٤): ((التفاتٌ إلى الإِنسان، ويَعْضُدُه قراءةُ(٥) ابن عباس وعكرمةً ((وإنْ منهم)» أو خطابٌ للناس مِنْ غير التفاتٍ إلى المذكور)». (١) انظر: الإنصاف ١١٢/١، وحكاه عن بعض الفصحاء. (٢) نسبه الأستاذ عبد السلام هارون في ((معجم الشواهد)) ٤٤٤ إلى القناني مع أن البغدادي في الخزانة ١٠٧/٤ يقول: ((والبيت مع كثرة دورانه في كتب النحو غير معلوم قائله))، وبعده: ولا مُخالِطُ اللَّيَّانِ جانبُهْ وهو في أمالي الشجري ١٤٨/٢، والإنصاف ١١٢، وابن يعيش ٦٢/٣، والعيني ٣/٤، والهمع ٦/١، والدرر ٣/١، واللسان (نوم). والليّان مصدر لان بمعنى اللين، هي بالكسر الملاينة وبالفتح مصدر. (٣) الأصل: «تقدیر» وهو سهو .. (٤). الكشاف ٥٢٠/٢. (٥) القرطبي ١٣٨/١١، البحر ٢١٠/٦. ٦٢٦ - مريم - والخَتْمُ: القضاءُ والوجوبُ. حَتّمَ، أي: أوجب [وحَتَمه](١) حتماً، ثم يُطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ((هذا خَلْقُ الله)) (٢) و ((هذا دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأميرِ)). و((على ربِّك)) متعلِّقٌ بـ((حَتْم)) لأنه في معنى اسمٍ المفعول، ولذلك وصَفَه بـ ((مَقْضِيًّا)). آ. (٧٢): وقرأ العامَّةُ ((ثم نُنَجِّيْ)) بضمِّ ((ثمَّ) على أنَّها العاطفةُ. وقرأ(٢) عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وأُبيُّ والجحدريُّ ويعقوبُ (ثَمَّ) بفتحها على أنها الظرفيةُ، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هناك نُنَجِّي الذين اتَّقَوا. وقرأ الجمهور ((نُنَجِّيْ)) بضم النونِ الأولى وفتحِ الثانية وتشديدِ الجيم، مِنْ ((نجّى)) مضعفاً. وقرأ(٣) الكسائي والأعمش وابن محيصن ((نَنْجِي)) مِنْ أَنْجى. والفعلُ على هاتين القراءتين مضارعٌ. وقرأَتْ فِرقةٌ ((نُجَّيْ)) بنونٍ واحدةٍ مضمومةٍ وجيمٍ مشددة. وهو على هذه القراءةِ ماضٍ مبني للمفعول، وكان مِنْ حق قارئها أن يفتحَ الیاءَ، ولكنه سگَّنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءةُ توجيهاً آخرَ سيأتي في قراءة متواترةٍ آخرَ سورةٍ الأنبياء(٤). وقرأ عليّ بن أبي طالب أيضاً (نُنَجِّيْ)) بحاءٍ مهملة، من النُّنْحِيَة. (١) زيادة من ( ش ). (٢) البحر ٢١٠/٦، والكشاف ٥٢٠/٢، والشواذ ٨٦. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤١١، البحر ٢١٠/٦، التيسير ١٤٩، القرطبي ١٤١/١١، النشر ٢٥٩/٢، الحجة ٤٤٦، القرطبي ١٤١/١١، الشواذ ٨٦. (٤) الآية ٨٨ من الأنبياء. ٦٢٧ - مريم :- ومفعول ((اتَّقَوا)) إِمَّا (١) محذوفٌ مرادٌ للعلمِ به، أي: اتَّقُوا الشركَ والظلم. قوله: ((جِئِيًّا)) إمَّا مفعولٌ ثانٍ إنْ كان ((نَذَرُ)) يتعدَّى لاثنين بمعنى نترك ونُصَيِّر، وإمَّ حالٌ إِنْ جَعَلْتَ (نَذَرُ)) بمعنى نُخَلِّيْهم. و((جِثًّا)) على ما تقدَّم(٢). و ((فيها)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ (نَذَرُ))، وأَنْ يتعلَّقَ بـ ((جِثًّا)) إنْ كان حالاً، ولا يجوزُ ذلك فيه إنْ كان مصدراً. ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ ((جِئَّا)) لأنه في الأصلِ صفةً لنكرةٍ قُدِّم عليها فَنُصِبَ حالاً . آ. (٧٣) قوله: ﴿مَقاماً﴾: قرأ(٣) ابن كثير ((مُقاماً)) بالضم، ورُوِيَتْ عن أبي عمرو(٤)، وهي قراءةُ ابن محيصن. والباقون بالفتح. وفي كلتا القراءتين يحتمل أَنْ يكونَ اسمَ مكانٍ أو اسمَ مصدر، إمَّا من ((قام)) ثلاثياً، أو مِنْ «أقام))، أي : خیر مكانٍ قیام أو إقامةٍ. والنَّدِيُّ: فَعِيل، أَصلُه نَدِيْوٌ لأنَّ لامَه واو، يقال: نَدَوْتُهم أَنْدُوْهم، أي: أَتَيْتُ نادِيَهم، والنادي مثلُه. ومنه ((فَلْيَدْعُ ناديَه))(٥)، أي: أهل ناديه. والنَّدِيُّ والنادي: مجلسُ القومِ ومُتْحَدَّثُهم. وقيل: هو مشتقَّ من النَّدى وهو الكَرَمُ؛ (١) كذا في الأصل بإقحام («إمَّا)). (٢) انظر إعرابه للآية ٦٨ . (٣) السبعة ٤١١، البحر ٢١٠/٦، التيسير ١٤٩، القرطبي ١٤٢/١١، الحجة ٤٤٦، الإتحاف ٢٣٩/٢. (٤) وهي رواية أبي حاتم عنه كما في البحر. (٥) الآية ١٧ من العلق. ٦٢٨ - مريم - لأن الكرماء يجتمعون فيه، وانْتَدَيْتُ المكانَ والْمُنْتدى كذلك. وقال حاتم(١): ٣٢٥١- ودُعِيْتُ في أُوْلَى النَّدِيِّ ولم يُنْظَرْ إليَّ بِأَعْيُنٍ خُذْرِ والمصدرُ: النَّدْوُ. و((مَقاماً) و((نَدِيًّا)) منصوبان على التمييز من أفْعل(٢). وقرأ(٣) أبو حيوةً والأعرجُ وابن محيصن ((يُتْلَىْ)) بالياءِ مِنْ تحتُ، والباقون / بالتاءِ من فوقُ واللامُ في ((للذين)) يحتمل أَنْ تكونَ للتبليغِ، وهو [٦٠٨ ب] الظاهر، وأن تكونَ للتعليلِ . آ. (٧٤) قوله: ﴿وكم أَهْلَكْنا﴾: ((كم)) مفعولٌ مقدمٌ واجبُ التقديم؛ لأنَّ له صدرَ الكلامِ لأنها إمّا: استفهاميةٌ أو خبريةٌ، وهي محمولةٌ على الاستفهامية، و((أهلَكْنا)) مُتَسَلُّطً على ((كم) أي: كثيراً من القرون أَهْلَكْنا. و ((مِن قَرٍ)) تمييزٌ لـ ((كَمْ)) مُبَيِّنَ لها. قوله: ((هم أحسنُ)) في هذه الجملةِ وجهان، أحدهما : - وإليه ذهب الزمخشري (٤) وأبو البقاء(٥) - أنَّها في محلِّ نصب، صفةٌ لـ((كم)). قال الزمخشري: ((ألا ترى أنّك لو أَسْفَظْتَ ((هم)) لم يكن لك بَدٌّ مِنْ نصبٍ (أحسنُ)) على الوصفية)). وفي هذا نظرً لأنَّ النَّحْوبين نَصُوا: على أنَّ ((كم)) (١) ديوانه ٨٥، والبحر ١٩٧/٦، واللسان ( خزر) والأعين الخزر: أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمؤخرها. والأصل: ((قد دعيت)) فينكسر البيت. (٢) أَفْعَل هو ((خير)) وحُذِفت همزته تخفيفاً. الإتحاف ٢٣٩/٢، البحر ٢١٠/٦. (٣) (٤) الكشاف ٥٢١/٢. (٥) الإِملاء ١١٦/٢. ٦٢٩ - مريم - استفهاميةٌ كانت أو خبريةٌ لا تُوْصَفُ ولا يُؤْصَفُ بها. الثاني: أنها في محلّ جرِّ صفةً لـ((قَرْن)) ولا مجذورَ في هذا، وإنما جُمِعَ في قوله: ((هم)) لأنَّ قَرْناً وإن كان لفظُه مفرداً فمعناه جمعٌ، فـ(قَرْن)) كلفظِ ((جميع)) و ((جميع)) يجوز مراعاةُ لفظِهِ تارةً فيُفْرَدُ كقولِه تعالى: ((نحن جميعٌ منتصِرٌ))(١) ومراعاةُ معناه أخرىْ فُيُجمع مالَه كقوله تعالى: ((لَمًّا جمیعُ لدنيا مُحْضَرون»(٢). قوله: ((ورِثْياً)) الجمهورُ على ((رِثْيا)) بهمزةٍ ساكنةٍ بعدَها ياءٌ صريحةٌ وَصْلاً ووقفاً، وحمزةُ (٣) إذا وَقَفَ يُبْدِلُ هذه الهمزةَ ياءً على أصلِه في تخفيفٍ الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإِظهارُ اعتباراً بالأصل، والإِدغامُ اعتباراً باللفظ، وفي الإظهار صعوبةٌ لا تَخْفَى، وفي الإِدغامِ إبهامُ أنها مادةٌ أخرى: وهو الرِّيُّ الذي بمعنى الامتلاء والنَّضارة، ولذلك تَرَكَ أبو عمروٍ أصلَه في تخفيف همزه. : وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر ((ورِيًّا)) بياءٍ مشددةٍ بعد الراءِ، فقيل: هي مهموزةُ الأصلِ، ثم أُبْدِلَتِ الهمزةُ ياءً وأُدْغِمَتْ. والرِّأَيُ بالهمز، قيل: مِنْ رُوِّيَة العَيْن، وفِعْل فيه بمعنى مَفْعول، أي: مَرْئِيٌّ. وقيل من الرُّواء وحُسْنِ المنظر. وقيل: بل هو مِنَ الرِّيّ ضد العطش وليس مهموز الأصلِ ، والمعنى: أحسنُ منظراً لأنَّ الرِّيَّ والامتلاءَ أحسنُ مِنْ ضِدَّيْهما. وقرأ حميد وأبو بكر عن عاصم في رواية الأعشى ((وَرِيْئاً)) بياءٍ ساكنةٍ (١) الآية ٤٤ من القمر (٢) الآية ٣٢ من يس ((وإن كلِّ لمَّا ... )). (٣) انظر في أوجه قراءتها: السبعة ٤١١، الإتحاف ٢٣٩/٢، البحر ٢١٠/٦، التيسير ١٤٩، القرطبي ١٤٣/١١، النشر ٣٩٣/٢، المحتسب ٢٤٣/٢، الشواذ ٨٦. ٦٣٠ - مريم - بعدَها همزةٌ وهو مقلوبٌ مِنْ ((رِثْياً)) في قراءةِ العامَّةِ، ووزنه فِلْعٌ، وهو مِنْ راءه يَرْآه كقولِ الشاعر(١): مِنَ آجلِكَ: هذا هامةُ اليوم أو غدٍ ٣٢٥٢ - وكلُّ خليلٍ راءَني فهو قائلٌ وفي القلب من القلبِ ما فيه(٢). وَرَوَىْ اليزيديُّ قراءةَ ((ورِياء)) بياءٍ بعدها ألف، بعدها همزة، وهي من المُراءاة، أي: يُرِيْ بعضُهم حُسْنَ بعضٍ ، ثم خَفَّف الهمزةَ الأولى بقلبِها یاءً، وهو تخفيفٌ قیاسِيِّ . وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة ((وَرِياً)) بياء فقط مخففةٍ. ولها وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ أصلُها كقراءةٍ قالون، ثم خَفَّفَ الكلمةَ بحذفٍ إحدى الياءَيْن، وهي الثانيةُ لأنَّ (٣) بها حَصَلِ الثّقْلُ، ولأنَّها لامُ الكلمةِ، والأواخرُ أَحْرَىْ بالتغيير. والثاني: أن يكونَ أصلُها كقراءةٍ حميد ((وَرِيْئا)» بالقلب، ثم نَّقَلَ حركةَ الهمزةِ إلى الياءِ قبلها، وحَذَفَ الهمزةَ على قاعدةِ تخفيفِ الهمزةِ بالنقل، فصار ((وَرِيا)» كما ترى. وتجاسَرَ بعضُ الناسِ (٤) فجعل هذه القراءة لَحْناً، وليس اللاحنُ غيرَه، لخَفاءِ توجيهِها عليه. وقرأ ابن عباس أيضاً وابنُ جُبَيْر وجماعةٌ ((وزِيًّا)) بزايٍ وياءٍ مشددة، والزِّيُّ: البِزَّة الحسنة والآلاتُ المجتمعة، لأنه مِنْ زَوَىْ كذا يَزْوِيه، أي: يَجْمعه، والمُتَزَيِّنُ يَجْمع الأشياء التي تُزَيِّنه وتُظهِرُ زِيَّه. (١) البيت لكثير وهو في ديوانه ٤٣٥، والكتاب ١٣٠/٢، واللسان (رأي)، والبحر ٢١١/٦، ومعاني القرآن للزجاج ٣٤٣/٣، ووصلت همزة ((أجل)) للوزن. (٢) أي في القلب المكاني من قلب الناظر ما فيه. (٣) اسم ((أنَّ)) ضمير الشأن. (٤) نقل هذا صاحب البحر ٢١١/٦ . ٦٣١ بـ مريم - آ. (٧٥) قوله: ﴿مَنْ كان في الضلالة﴾: ((مَنْ)) يجوز أن تكون شرطيةً، وهو الظاهر، وأن تكونَ موصولةً، ودخلت الفاءُ في الخبرِ لِما تَضَمَّنه الموصولُ مِنْ معنى الشرط. وقولُه: ((فَلْيَمْدُدْ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه طَلَبُ على بابه، ومعناه الدُّعاءُ. والثاني: لفظُه لفظُ الأمرِ، ومعناه الخبر. قال الزمخشري(١): أي: مَدَّ له الرحمنُ، بمعنى أَمْهَلَه فأُخْرِجَ على لفظِ الأمرِ إيذاناً بوجوبٍ ذلك. أو فَمُدَّ له في معنى الدعاء بأن يُمْهِلَه الله ويُنْفُسَ في مدةِ حیاته» . قوله: ((حتى إذا)) في ((حتى)) هذه ما تقدَّمَ في نظائرِها مِنْ كونِها: حرفَ جرِّ أو حرفَ ابتداءٍ (٢)، وإنما الشأنُ فيما هي غايةٌ له على كلا القولين. فقال الزمخشري (٣): ((وفي هذه الآية وجهان: أن تكونَ متصلةً بالآيةِ التي هي رابِعَتُها، والآيتان اعتراضٌ بينهما، أي: قالوا: أيُّ الفريقينِ خيرٌ مقاماً وأَحْسَنُ نَدِيَّاً، حتى إذا رَأَوْا مَا يُؤْعَدون، أي: لا يَبْرَحون يقولون هذا القولَ ويَتَوَلِّمُون. [به](٤) لا يَتَكافَوْن عنه إلى أن يُشاهدوا الموعودَ رأيَ العينِ)) وذكر كلاماً حسناً. ثم قال (٥): ((والثاني: أن تتصلَ بما يليها، والمعنى أنَّ الذينَ في [٦٠٩أ] الضلالةِ ممدودٌ لهم)) وذكر كلاماً طويلاً. ثم قال: ((إلى أَنْ يُعاينوا نُصْرَةَ / اللَّهِ للمؤمنين، أو يشاهدوا السَّاعةَ ومُقَدِّماتها. فإنْ قلت: ((حتى)) هذه ما هي؟ (١) الكشاف ٢/ ٥٢١ .. (٢) انظر: الدر المصون ٤٣٦/٣. (٣) الكشاف ٥٢١/٢. (٤) من الكشاف. (٥) الكشاف ٥٢٢/٢. ٦٣٢ - مريم - قلت: هي التي تُحْكى بعدها الجملُ، ألا ترى الجملةَ الشرطيةً واقعةٌ بعدها، وهي ((إذا رَأَوْا ما يُوْعَدون فَسَيَعْلمون)). قال الشيخ(١) : - مُسْتبعداً للوجه الأول ــ((وهو في غاية البُعْدِ لطولٍ الفَصْلِ بين قولِه: ((قالوا أيُّ الفريقينِ)) وبين الغايةِ، وفيه الفصلُ بجملتيْ اعتراضٍ ولا يُجيزه أبو علي)). وهذا الاستبعادُ قريبٌ. وقال أبو البقاء(٢): (حتى)) يُحْكى ما بعدها ههنا، وليست متعلقةٌ بفعلٍ». قوله: ((إِمَّ العذابَ وإمَّا الساعةَ)) قد عَرَفْتَ [ما](٣) في ((إِمَّا)): من كونها حرف عطفٍ أو لا(٤)، ولا خلاف أن أحدَ معانيها التفصيل كما في الآية الكريمة. و((العذابَ)) و((الساعةَ)) بدلان مِنْ قوله: ((ما يُؤْعَدُون)) المنصوبةِ بـ ((رَأَوْا)) و((فَسَيَعْلمون)) جوابُ الشرط. و((مَنْ هو شَرَّ مَكانً) يجوز أَنْ تكونَ ((مَنْ)) موصولةٌ بمعنى الذي، وتكونَ مفعولاً لـ((يَعْلَمون)». ويجوزُ أَنْ تكونَ استفهاميةً في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و((هو)) مبتدأٌ ثانٍ، و((شَرَّ) خبرُه، والمبتدأُ والخبرُ خبرُ الأول. ويجوز أَنْ تكونَ الجملةُ مُعَلِّقةً لفعل الرؤيةِ فالجملةُ في محلِّ نصبٍ على التعليق . آ. (٧٦) قوله: ﴿ويَزِيْدُ اللَّهُ﴾: في هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها لا مَحَلَّ لها لاستئنافِها، فإنها سِيْقَتْ للإخبار بذلك. وقال (١) البحر ٢١٢/٦. (٢) الإملاء ١١٦/٢. (٣) زيادة من (ش ) وهي موصولة. (٤) انظر: الدر المصون ٤١٥/٥. ٦٣٣ جـ مريم - الزمخشري(١): ((إنها معطوفةً على موضعِ ((فَلْيَمْدُدْ)) لأنه واقعٌ موقعَ الخبر، تقديرُه: ((مَنْ كان في الضلالة مَدَّ - أو يَمُدُّ - له الرحمنُ ويَزيدُ)). قال الشيخ(٢): ولا يَصِحُ أَنْ يكونَ ((وَيَزِيدُ)) معطوفً على ((فَلْيَمْدُدْ)) سواءً كان دعاءً أم خبراً بصورةِ الأمر؛ لأنه في موضع الخبرِ إنْ كانت ((مَنْ)) موصولةً، أو في موضعِ الجوابِ إن كانت ((مَنْ)) شرطيةً، وعلى كلا التقديرين فالجملةُ مِنْ قوله: ((ويزيدُ اللَّهُ الذين اهتدوا هدىًّ عاريةٌ من ضميرٍ يعود على ((مَنْ)) يَرْبِطُ جملةَ الخبرِ بالمبتدأ، أو جملةَ الشرطِ بالجزاء الذي هو ((فَلْيَمْدُدْ)) وما عُطِفَ عليه؛ لأنَّ المعطوفَ على الخبر خبرٌ، والمعطوفَ على جملةِ الجزاءِ جزاءً. وإذا كانت أداةُ الشرطِ اسماً لا ظرفاً تَعَيَّنَ أَنْ يكونَ في جملة الجزاءِ ضميرُه أو ما يقوم مقامه، وكذا في الجملةِ المعطوفةِ عليها)». قلت: وقد ذكر أبو البقاء(٣) أيضاً كما ذكر الرمخشري. وقد يُجاب عمَّا قالاه: بأنَّا نختار على هذا التقدير أَنْ تكونَ ((مَنْ)) شرطيةً. قوله: ((لا بُدَّ من ضميرٍ يعود على اسمِ الشرطِ غيرِ الظرف)» ممنوعٌ لأنَّ فيه خلافاً قدَّمْتُ تحقيقَه وما يُسْتَدَلَّ به عليه في سورة البقرة. فقد يكون الزمخشريُّ وأبو البقاء من القائلين بأنه لا يُشْتَرَطُ . آ. (٧٧) قوله: ﴿أَفَرَ أَيْتَ﴾: عطفٌ بالفاء إيذاناً بإفادة التعقيبِ كأنه قيل: أَخْبَرَ أيضاً بقصة هذا الكافر عَقِيْبَ قصةٍ أولئك. و((أَرَأَيْتَ)) بمعنى أَخْبِرْني كما قد عَرَفْتَهِ. والموصولُ هو المفعول الأول، والثاني هو الجملةُ (١) الكشاف ٥٢٢/٢. (٢) البحر ٢١٢/٦. (٣) الإملاء ١١٦/٢. ٦٣٤ - مريم - الاستفهاميةُ مِنْ قولِه ((أطّلعَ الغيبَ)). و((لُأُوْتَيَنْ)) جوابُ قسمٍ مضمرٍ، والجملةُ القسميةُ كلُّها في محلِّ نصبٍ بالقول. وقوله هنا: ((وَوَلَداً)) وفيها ((قالوا اتَّخذ الرحمنُ وَلَدًا) موضعان(١). وفي الزخرف ((إن كان للرحمن وَلَد))(٢) وفي نوح ((مالُه وولدُه))(٣). قرأ الأربعةَ الأخَوان بضم الواو وسكونِ اللام. وافقهما ابن كثير وأبو عمرو .... (٤) على الذي في نوحٍ دون السورتين، والباقون وهم نافعٌ وابن عامر وعاصمٌ قرؤوا ذلك كلَّه بفتح الواو واللام(٥). فأمّا القراءةُ بفتحتين فواضحةٌ وهو اسمُ مفردٌ قائمٌ مقامَ الجمع. وأمّا قراءةُ الضمّ والإِسكانِ، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: وَلَد ووُلْد، كما يقال: عَرَب وعُرْب، وعَدَم وعُدْم. وقيل(٦): بل هي جمع لوَلَّد نحو: أَسَد وأُشْد، وأنشدوا على ذلك(٧): ٣٢٥٣ - ولقد رَأَيْتُ معاشراً قد ثَمَّروا مالاً وَوُلْدا (١) الآية ٨٨، والآية ٩١: ((أَنْ دعوا للرحمن ولداً)). (٢) الآية ٨١. (٣) الآية ٢١ . (٤) كلمة لم أتبينها، أسقطها (ش) هي أقرب إلى ((رحمهما)) ويكون لفظ الجلالة بعدها سقط سهواً. (٥) انظر في قراءاتها: السبعة ٤١٢، النشر ٣١٩/٢، الحجة ٤٤٧، التيسير ١٤٩، البحر ٢١٣/٦، القرطبي ١٤٦/١١، الشواذ ٨٦. (٦) نسبها في اللسان إلى قيس. انظر: اللسان ( ولد). (٧) البيت الحارث بن حِلِّزة وهو في القرطبي ١٤٦/١، واللسان (ولد)، والبحر ٢١٣/٦، وتفسير الماوردي ٥٣٥/٢. ٦٣٥ - مريم - وأنشدوا شاهداً على أنَّ الوَلَد والوُلْد مترادِفان قول الآخر(١): ٣٢٥٤- فَلَيْتَ فلاناً كان في بَطْنِ أُمِّه وليت فلاناً كان وُلْدَ حِمَارٍ. وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر ((ووِلْدا)) بكسر الواو، وهي لغةً في الوَلَد، ولا يَبْعُدُ أَنْ يكون هذا من باب الذِّبْحِ والرِّعْي، فيكون وِلْدٌ بمعنى مَوْلود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو: القَبَض بمعنىُ المَقْبوض. آ. (٧٨) قوله: ﴿أَطَّلَعَ﴾: هذه همزةُ استفهامٍ سَقَطَ من أجلها همزةُ الوصل. وقد قُرِىءٍ(٢) بسقوطِها دَرْجاً وَكَسْرِها ابتداءً على أنَّ همزةَ الاستفهام قد حُذِفَتْ لدلالةِ ((أم)) عليها كقوله(٣): ٣٢٥٥ - لَعَمْرُكَ مَّا أَدْري وإن كنتُ دارِیا بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أُمْ بثمانٍ واطّلع مِنْ قولهم: اطَّلَعَ فلانٌ الجبلَ، أي: ارتقىْ أَعْلاه. قال جرير (٤): ٣٢٥٦- لاقَيْتُ مُطَّلَعَ الْجِبالِ وُعُوْرا (١) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في المحتسب ٣٦٥/١، واللسان (ولد)، والبخر ٠٢١٣/٦ (٢) البحر ٢١٣/٦ . (٣) تقدم برقم ٣٤١. (٤) صدره : إني إذا مُضَرٌ عليَّ تَحَدُّبَتْ وهو في ديوانه ٢٩١، واللسان ( طلع ). ٦٣٦ - مريم - فـ ((الغيبَ)) مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيبِ، کما زعمه بعضُهم . [٦٠٩ ب] آ. (٧٩) قوله: ﴿كَلّ﴾: للنحويين في هذه اللفظةِ ستةُ مذاهبٌ. أحدها : - وهو مذهبُ جمهور البصريين كالخليل وسيبويه(١) وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس - أنها حرفُ رَدْعٍ وزَجْر، وهذا معنىٌ لائقٌ بها حيث وَقَعَتْ في القرآن، وما أحسنَ ما جاءَتْ في هذه الآية حيث زَجْرَتْ ورَدَعَتْ ذلك القائلَ / . والثاني(٢) : - وهو مذهبُ النَّضْر بن شميل أنها حرفُ تصديقٍ بمعنى نعم، فتكون جواباً، ولا بُدَّ حينئذٍ مِنْ أَنْ يتقدَّمَها شيءٌ لفظاً أو تقديراً. وقد تُسْتعمل في القسم. والثالث : - وهو مذهب الكسائي وأبي بكر بن الأنباري ونصير بن يوسف(٣) وابن واصل(٤) - أنها بمعنى حقاً. والرابع : - وهو مذهبُ أبي عبد الله محمد بن الباهلي(٥) - أنها رَدُّ لِما قبلها وهذا قريبٌ من معنى الرَّدْعِ. الخامس: أنها صلةٌ في الكلام بمعنى ((إي)) كذا قيل(٦). وفيه نظرً فإِنَّ ((إي)) حرفُ جوابٍ ولكنه مختصٍّ بالقسم. السادس: أنها حرفُ استفتاحٍ وهو قولُ أبي حاتم. ولتقريرِ هذه المواضعِ موضوعٌ هو أليقُ بها قد حققتُها بحمد الله تعالى فيه. (١) الكتاب ٣١٢/٢. (٢) انظر في هذه المذاهب: الجنى الداني ٥٧٧، والمغني ٢٤٩، والارتشاف ٢٦٢/٣. (٣) نصير بن يوسف أبو المنذر الرازي النحوي، أخذ عن الكسائي. كان من الأئمة في رسم المصحف وله فيه تصنيف. توفي سنة ٢٤٠. انظر: طبقات القراء ٣٤٠/٢. (٤) محمد بن أحمد بن وأصل أبو العباس، مقرىء ضابط أخذ عن أبيه أحمد عن اليزيدي والكسائي. توفي سنة ٢٧٣. انظر: طبقات القراء ٢ /٩١. (٥) في الارتشاف ٢٦٢/٣، والجنى الداني ٥٧٧: عبد الله بن محمد الباهلي ولعله أبو محمد من أهل سمرقند، روى عنه الدارقطني. انظر: تاريخ بغداد ١١٩/١٠. (٦) نسب أبو حيان هذا القول إلى الباهلي السابق. ٦٣٧ - مريم - وقد قُرِىء(١) هنا بالفتح والتنوين في ((کلا)» هذه، وتُرْوى عن أبي نُهَيْك. وسيأتي لك أن الزمخشريَّ يحكي هذه القراءةَ ويَعْزِيْها(٢) لابن نُهَيْك في قوله: ((كَلَّ سيكفرون))(٣) ويحكي أيضاً قراءةُ بضم الكاف والتنوين، ويَعْزِيْها لابن نهيك أيضاً. فأمَّا قوله: (ابن نهيك)) فليس لهم ابنُ نهيك، إنما لهم أبو نُهَيْك بالكُنْبة . وفي قراءةِ الفتحِ والتنوينِ أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه منصوبٌ على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ مِنْ لفظها تقديرُه: كُلُّوا كَلَّ، أي: أَعْيَوْا عن الحق إِعْياءً، أو كُلُّوا عن عبادةِ الله لتهاونهم بها، من قولِ العرب: ((كَلَّ السيفُ)) إذا نَّبا عن الضَّرْب، وكَلَّ زيد، أي: تَعِبَ. وقيل: المعنى: كُلُّوا فِي دَعْواهم وانقطعوا. والثاني: أنَّهِ مفعولٌ به بفعلٍ مقدرٍ من معنى الكلام تقديره: حَمَلُوا كَلَّ، والكَلُّ أيضاً: الثّقْل. تقول: فلانَ كَلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى: (وهو كَلُّ على مَوْلاه))(٤) والثالث: أنَّ التنوين بدلٌ مِنْ ألف ((كلَّا)) وهي التي يُراد بها الرَّدْعُ والزَّجْرِ، فيكونُ صَرْفاً أيضاً. قال الزمخشري(٥): ((ولقائلٍ أَنْ يقول: إنْ صَحَّتْ هذه الروايةُ فهي (كلَّ)) التي للردع، قَلَبَّ الواقفُ عليها ألفّها نوناً كما في قوله: ((قواريراً))(٦). قال الشيخ(٧): ((وهذا ليس بجيد لأنه قال: ((التي للرِّدْع)) والتي للرَّدْعِ حرفِّ (١) انظر: المحتسب ٤٥/٢، البحر ٢١٣/٦، القرطبي ١٤٨/١١. (٢) كذا على اللغة الثانية، واللغة المشهورة: يعزوها. (٣) الآية ٨٢ من مريم. وانظر: الكشاف ٥٢٣/٢. (٤) الآية ٧٦ من النحل. (٥) الكشاف ٥٢٣/٢. (٦) الآية ١٥ من الإِنسان ولم أقف على هذه القراءة عند غير الزمخشري. (٧) البحر ٢١٤/٦. ٦٣٨ ٠٠ ١ - مريم - ولا وجهَ لقَلْبٍ ألفِها نوناً، وتشبيهُه بـ ((قواريراً)) ليس بجيدٍ لأن ((قواريراً)) اسمٌ رُجِعَ به إلى أصلِه، فالتنوينُ(١) ليس بدلاً مِنْ ألف بل هو تنوينُ الصَّرْف، وهذا الجمعُ مختلفٌ فيه: أيتحتَّم مَنْعُ صَرْفِه أم يجوز؟ قولان ومنقول أيضاً أنَّ لغةَ بعضِ العرب يصرفون ما لا يَنْصَرِفُ فهذا القولُ: إمّا على قولِ مَنْ لا يَرَىْ بالتحتُّم، أو على تلك اللغة)). والرابع: أنه نعتُ لـ ((آلهة))(٢) قاله ابن عطية. وفيه نظرً، إذ ليس المعنى على ذلك. وقد يظهر له وجهُ: أن يكونَ قد وَصَفَ الآلهة بالكَلِّ الذي هو المصدرُ بمعنى الإِعياءُ والعَجْز، كأنه قيل: آلهةً كالَّيْنَ، أي: عاجِزين منقطعين، ولمَّا وَصَفهم بالمصدر وَحَّده. آ. (٨٢) وروى(٣) ابن عطية والدانيُّ وغيرُه عن أبي نهيك أنه قرأ (كُلّ)) بضم الكافِ والتنوين. وفيها تأويلان، أحدهما: أن ينتصِبَ على الحالِ، أي: سيكفرون جميعاً. كذا قَدَّره أبو البقاء(٤) واستبعدَه. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ، أي: يَرْفُضون أو (٥) يَجْحَدون أو يُتْرَكُون كُلَّ، قاله ابن عطية . وحكى ابن جرير(٦) أنَّ أبا نهيك قرأ ((كُلُّ)) بضم الكاف ورفع اللام منونةً على أنَّه مبتدأ، والجملةُ الفعليةُ بعده خبرُه. وظاهرُ عبارةٍ هؤلاء أنه لم يُقرأ بذلك إلا في ((كُلَّا)) الثانية. (١) الأصل ((النون)) والتصحيح من البحر. (٢) ((كلا)) هذه في الآية ٨٢، و((آلهةً)) من قوله ((واتخذوا من دون الله آلهة)). (٣) انظر مظان قراءة أبي نهيك في الآية ٧٩. (٤) الإملاء ١١٧/٢. (٥) سقطت الواو من ((أو)) في الأصل سهواً. (٦) تفسير الطبري ١٢٥/١٦. ٦٣٩ .. - مريم - وقرأ(١) عليّ بن أبي طالب ((ونُمِدُّ)) مِنْ أمَدَّ. وقد تقدَّم القولُ في مَدَّه وأمدَّه(٢). قوله(٣): ((ونَرِثُه ما يقولُ)) يجوز في ((ما)) وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ مفعولاً بها. والضميرُ في ((نَرِثُه)) منصوبٌ على إسقاط الخافضِ تقديرُه: ونَرِثُ منه ما يقولُه. الثاني: أن تكونَ بدلاً من الضمير في ((فَرِثُه)) بدلَ الاشتمال. وقدَّر بعضُهم مضافاً قبل الموصولِ ، أي: نَرِثُه معنى ما يقول، أو مُسَمَّى ما يقول، وهو المال والولد؛ لأنَّ نفس القول لا يُؤَرَّث. و ((فَرْدًا) حال: إِمَّا مقدَّرةُ نحو: ((فادْخُلوها خالدين))(٤) أو مقارنة، وذلك مبنيّ على اختلافٍ في معنى الآية مذكور في الكشاف(٥). والضمير في ((سَيَكْفرون))(٦) يجوز أن يعودَ على الآلهةِ لأنه أقربُ مذكورٍ، ولأنَّ الضميرَ في ((يكونون)) أيضاً عائدٌ عليهم فقط. ومثلُه: ((وإذا رَأَى الذين أَشْركوا شركاءهم»(٧) ثم قال: ((فَأَلْقَوا إليهم القولَ إنكم لكاذِبُون». وقيل: يعود على المشركين)). ومثلُه قولُه: ((واللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مشركين)»(٨). إِلا أنَّ فيه عَدَمَ توافقِ الضمائرِ إذ الضميرُ في ((يكونون)) عائدٌ على الآلهةِ، و ((بعبادتِهم)) مصدرٌ مضافٌ إلى فاعِلِه إنْ عاد الضميرُ في ((عبادتهم)) على المشركين العابدين، وإلى المفعولِ إنْ عاد إلى الآلهة. (١) عاد إلى الآية ٧٩. وانظر: البحر ٢١٤/٦، والكشاف ٥٢٣/٢. (٢) انظر: الدر المصون ١٤٩/١. (٣) الآية ٨٠. (٤) الآية ٧٣ من الزمر. (٥) الكشاف ٥٢٣/٢. (٦) في الآية ٨٢. (٧) الآية ٨٦ من النحل. (٨) الآية ٢٣ من الأنعام. ٦٤٠