Indexed OCR Text

Pages 521-540

- الكهف -
يجوز أن يتعلَّق بـ ((اتَّخَذَ))، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعولِ
الأول أو الثاني.
والهاءُ في ((سبيلَه)) تعودُ على الحُوْت. وكذا المرفوع في ((اتَّخَذَ)).
آ. (٦٢) قوله: ﴿جاوَزَا﴾: مفعولُه محذوفٌ، أي: جاوزا الموعدَ.
وقيل: جاوزا مجمعَ البحرَیْن.
قوله: ((هذا) إشارةٌ إلى السَّفَر الذي وقع بعد مجاوزتِهما المَوْعِدَ،
أو مجمعَ البحرين. و((نَصَبا)) هو المفعول بـ ((لَقِيْنا)». والعامَّةُ على فتح النون
والصاد. وعبد الله (١) بن عبيد بن عمير(٢) بضمِّهما. وهما لغتان من لغاتٍ أربعٍ
في هذه اللفظة(٣). كذا قال أبو الفضلِ الرازي في ((لوامحه)).
آ. (٦٣) قوله: ﴿أرأيْتَ﴾: قد تقدَّم الكلامُ فيها مُشْبعاً في
الأنعام(٤). وقال أبو الحسن الأخفش(٥) هنا فيها كلاماً حسناً رأيت نَقْلَه وهو:
((أنَّ العربَ أَخْرَجَتْها عن معناها بالكلية، فقالوا: أَرَأَيْتَكِ وأَرَيْتَكَ بحذفٍ
الهمزة إذا كانت بمعنى أَخْبِرْني، وإذا كانت بمعنى أَبْصَرْتَ لم تُحْذَفْ
همزتُها. وشَذَّت أيضاً فألزَمْتَها الخطابَ على هذا المعنى، ولا تقولُ فيها
أبداً: ((أراني زيداً عمراً ما صَنَعَ)) وتقولُ هذا على معنى ((اعلَمْ)). وشدَّتْ أيضاً
(١) البحر ١٤٥/٦.
(٢) عبد الله بن عبيد بن عمير أبو هاشم الليثي المكي. تابعي وردت الرواية عنه في
حروف القرآن. توفي سنة ١١٣. طبقات القراء ٤٣١/١.
(٣) النَّصْبُ والنُّصْب والنُّصُب والنَّصَب. انظر: اللسان ((نصب)).
(٤) الآية ٤٠ من الأنعام. وانظر: الدر المصون ٦١٥/٤.
(٥) ليس في ((معاني القرآن)) هذا النص، وفيه نص قريب تحدَّث فيها عن معانيها
ولغاتها. انظر: معانى القرآن ١٠٠/١. وقد ورد النص في البحر ١٤٦/٦.
٥٢١

=
۔ الكهف -
فَأَخْرَجْتَها عن موضعِها بالكلية بدليلِ دخولِ الفاءِ ألا ترى قوله: ((أَرَأَيْتُ
إذ أَوَيْنا إلى الصخرةِ فإني)) فما دخلتِ الفاءُ إلا وقد أُخْرِجَتْ إلى معنى: أَمَّا
أو تنبّه. والمعنى: أمَّا إذ أَوَيْنا إلى الصخرة فإِنِّي نَسِيْتُ الحوتَ. وقد أَخْرَجْتَها
[٥٩٦ أ] أيضاً إلى معنى أخبرني كما قَدَّمْنا. وإذا كانت / بمعنى أخبِرْنِي فلا بُدَّ بعدها
من الاسمِ المستخبّرِ عنه، وتلزَمُ الجملةُ التي بعدها الاستفهامَ، وقد تَخْرُجُ
لمعنى ((أمَّا)، ويكون أبداً بعدها الشرطُ وظروفُ الزمان، فقوله («فإني نَسِيْتُ))
معناه: أَمَّا إذا أَوَيْنا فإِنِّي، أو تَنَبِّه إذ أوينا، وليستِ الفاءُ إلا جواباً لَّرَأَيْتَ لأنَّ
((إذْ)) لا يَصِحُّ أَنْ يُجازى بها إلا مقرونةً بـ ((ما)» بلا خلافٍ)).
وقال الزمخشري (١): ((أرأيتَ بمعنى أُخبِرْني. فإن قلتَ: ما وجهُ التئامِ
هذا الكلامِ، فإنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ ((أرأيت)) ومِنْ ((إذا أَوَيْن))، ومِنْ ((فإِنِّي نَسِيْتُ
الحوتَ)) [لا متعلَّقَ له](٢)؟ قلت: لَمَّا طَلَب موسى الحوتَ ذکر یوشع ما رأى
منه وما اعتراه مِنْ نِسيانه إلى تلك الغايةِ، ودُهِش فَطَفِقَ يسأل موسى عن سبب
ذلك كأنَّه قال: أرأيتَ ما دهاني إذ أَوَيْنا إلى الصخرة فإِنِّي نسيتُ الحوت.
فحذف ذلك» .
قال الشيخ(٣): ((وهذان مَفْقودانٍ في تقديرِ الزمخشري ((أرأيتَ بمعنى
أخبرني)). يعني بهذين ما تقدَّم في كلام الأخفش مِنْ أَنَّه لا بُدَّ بعدها من
الاسم المستخبّرِ عنه ولزومِ الاستفهامِ الجملةَ التي بعدها.
قوله: (وما أَنْسَانِيْهِ)) قرأ(٤) حفص بضمّ الهاء. وكذا في قوله:
(١) الكشاف ٤٩١/٢.
(٢) سقط سهواً من الأصل وأثبتناه من ((الكشاف)).
(٣) البحر ١٤٦/٦.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٩٤، التيسير ١٤٤، الإتحاف ٢١٩/٢، النشر ٣٠٥/١،
الحجة ٤٢٢، البحر ١٤٧/٦.
٥٢٢

- الكهف -
((عليهُ الله)) (١) في سورة الفتح. قيل: لأنَّ الياءَ هنا أصلُها الفتح(٢)، والهاءُ
بعد الفتحةِ مضمومةً(٣) فنظر هنا إلى الأصل. وأمَّا في سورة الفتح فلأنَّ الياءَ
عارضةً إذ أصلُها الألفُ (٤)، والهاءُ بعد الألف مضمومةً(٥) فنظر إلى الأصلِ
أيضاً.
والباقون بالكسر نظراً إلى اللفظِ، فإنها بعد ياءٍ ساكنة. وقد جمع
حفص في قراءته بين اللغات في هاء الكناية: فإنه ضمَّ الهاء في ((أنسانِيْه)) في
غيرٍ صلةٍ (٦)، ووصَلَها بياءٍ في قوله: ((فيهي مُهانا))(٧) على ما سيأتي إنْ
شاء الله تعالى. وقرأ كأكثرِ القراء فيما سوى ذلك.
قوله: ((أَنْ أذكرَه)» في محلِّ نصبٍ على البدلِ مِنْ هاء ((أنسانِيْه)» بدلِ
اشتمال ، أي: أَنْساني ذكره.
قوله: ((عَجَبا)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ لـ (اتَّخذ)). و ((في
البحرِ)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالاتخاذِ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعولِ
الأول أو الثاني.
وفي فاعل (اتَّخذ)) وجهان، أحدُهما: هو الحوت، كما تقدَّم في
((اتّخذ)) الأولى. والثاني: هو موسى.
(١) الآية ١٠.
(٢) يعني في قولنا ((نسيَ)).
(٣) يعني في قولنا ((نسيَهُ)).
(٤) لأن الأصل ((على)) ولم تنقلب الألف ياء إلّ بعد اتصال الضمير.
(٥) نجو قولنا: فتاهُ - علاهُ.
(٦) أي لم يشبع كسرة الهاء حتى تتولد منها ياء.
(٧) الآية ٦٩ من الفرقان.
٥٢٣

- الكهف -
الوجهُ الثاني مِنْ وجهَيْ ((عَجَبا)) أنه مفعولٌ به، والعاملُ فيه محذوفٌ،
فقال الزمخشري(١): ((أو قال: عَجَباً في آخرِ كلامِه تعَجُّباً مِنْ حاله. وقوله:
((وما أَنْسانِيْه إلا الشيطان)» اعتراضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه)». فظاهرُ
هذا أنَّه مفعولٌ بـ ((قال))، أي: قال هذا اللفظَ.
الثالث: أنه مصدر، فالعاملُ فيه مقدَّرٌ تقديرُه(٢): فتعجَّب مِنْ ذلك
عَجَباً.
الرابع: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، ناصبُه ((اتَّخِذ))، أي: اتخذ سبيله
في البحر اتّخاذاً عَجَباً. وعلى هذه الأقوالِ الثلاثةِ يكون ((في البحر)) مفعولاً
ثانياً لـ ((اتَّخَذَ)) إن عَدَّيْناها لمفعولين.
آ. (٦٤) قوله: ﴿نَبْغِي﴾(٣): حذفَ(٤) نافع وأبو عمرو والكسائي ياء
(نَبْغي)) وقفاً، وأثبتوها وصلاً. وابن كثير أثبتها في الحالين. والباقون خَذَفوها
في الحالين اتِّباعاً للرسم. وكان مِنْ حَقِّها الثبوتُ، وإنما حُذفت تشبيهاً
بالفواصلِ ، أو لأنَّ الحَذْفَ يُؤْنِسُ بالحذفِ فإنَّ ((ما)) موصولٌ حُذِفَ عائدها،
وهذه بخلافِ التي في يوسف (٥) فإنها ثابتةٌ عند الجميعِ ، وقد تقدَّم ذلك في
مَوْضِعِه(٦).
(١) الكشاف ٤٩٢/٢.
(٢) الأصل ((تقدير)) والتصويب من (ش).
(٣) كذا بإثبات الياء على الأصل.
(٤) الإِتحاف ٢١٩/٢، البحر ١٤٧/٦، السبعة ٣٩١، ٤٠٣، النشر ٣١٦/٢، التيسير
٠١٤٧
(٥) الآية ٦٥.
(٦) انظر: الدر المصون ٥٢٠/٦.
٥٢٤

- الكهف -
قوله: ((قَصَصاً)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه مصدرٌ في موضعِ الحالِ،
أي: قاصِّيْن. الثاني: أنه مصدرٌ منصوبٌ بفعلٍ مِنْ لفظِه مقدٍَّ، أي: يَقُصَّان
قَصَصاً. الثالث: أنه منصوبٌ بـ ((ارتَدًّ)) لأنه في معنى فَقَصًّا.
وقرأ(١) الكسائيُّ ((أنسانِيْهِ)) بالإِمالة.
وعبد الله(٢) ((أَنْ أذكرَكَه)). وأبو حيوة(٣) ((واتخاذَ سبيلِه)) عَطَفَ هذا
المصدرَ على مفعولٍ ((أذكره)).
آ. (٦٥) قوله: ﴿عِلْماً﴾: مفعولٌ ثان لـ «عَلَّمْناه»، قال
أبو البقاء(٤): ((ولو كان مصدراً لكان تعليماً)) يعني لأنَّ فعلَه على فَعَّل
بالتشديد، وقياسُ مصدرِه التفعيلُ.
و ((مِنْ لَدُنَّا)) يجوز أن يتعلَّقَ بالفعلِ قبلَه، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ
مِنْ ((عِلْماً).
آ. (٦٦) قوله: ﴿على أَنْ تُعَلَّمَنِ﴾: في موضعٍ / الحال من [٥٩٦ب]
الكاف في ((أَتَّبِعُك))، أي: أَتَِّعُك باذلاً لي علمَك.
قوله: ((رُشْدا)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((تُعَلَّمَني))، لا لِقوله: ((مِمَّا عُلَّمْتَ)). قال
أبو البقاء(٥): ((لأنَّه لا عائد إذن على الذي)) يعني أنه إذا تعدَّى لمفعولٍ ثان غيرٍ
ضميرٍ الموصولِ لم يَجُزْ أَنْ يتعدَّى لضميرٍ الموصولِ؛ لئلا يتعدَّى إلى
(١) عاد إلى الآية ٦٣. وسبق الإِشارة إلى مظان قراءات ((أنسانيه)).
(٢) الكشاف ٤٩٢/٢.
(٣) البحر ١٤٧/٦.
(٤) الإملاء ١٠٦/٢.
(٥) الإِملاء ١٠٦/٢.
٥٢٥

- الكهف -
ثلاثةٍ(١)، ولكن لا بدَّ مِنْ عائٍ على الموصول.
وقد تقدَّم خلافُ القرَّاء في ((رُشْدا)» في سورة الأعراف(٢). وهل هما
بمعنی واحدٍ أم لا؟
آ. (٦٨) قوله: ﴿خُبْراً﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه تمييزٌ لقوله
(تُحِطْ))، وهو منقولٌ مِنَ الفاعليةِ، إذ الأصل: مما لم يُحِطْ بهِ خَبَرُك.
والثاني: أنه مصدرٌ لمعنى لم تُحِط، إذ هو في قوة: لم يُخْبِرْه خُبْراً. وقرأ(٣)
الحسن ((خُبْراً)) بضمتين.
آ. (٦٩) قوله: ﴿ولا أَعْصِي﴾: فيه أربعةُ أوجٍ، أحدُها: أنَّها
لا محلَّ لها من الإعراب لاستئنافِها. وفيه بُعْدٌ. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ
عطفاً على ((سَتَجِدُني)) لأنّها منصوبةُ المحلِّ بالقول. وقال الشيخ (٤): ((ويجوزُ
أَنْ يكونَ معطوفاً على ((ستجِدُني)) فلا يكونُ له محلٌّ من الإِعراب)) وهذا
سَهْوٌ؛ فإنَّ ((ستجِدُني)) منصوبُ المحلِّ لأنه منصوبٌ بالقول، فكذلك ما عُطِفَ
عليه، ولكن الذي غَرَّ الشيخَ أنَّه رأى كلامَ الزمخشري كذلك، ولم يتأمُّلْه
فتبعه في ذلك، فمن ثَمَّ جاء السهو. قال الزمخشري(٥): ((ولا أَعْصِي: في
محلِّ النصبِ عطفاً على ((صابراً)، أي: ستجدني صابراً وغيرَ عاصٍ. أو ((لا))
في محلِّ عطفاً على ((ستَجِدُني)).
(١). فإذا قدَّرنا ((رشداً)) مفعولاً لـ ((عُلِّمْتَ)) تَعَدَّى إلى ثلاثة هي: التاء نائب الفاعل
والهاء المقدرة فيها ورشداً. وهذا لا يجوز لأنه يتعدى إلى اثنين فقط.
(٢) الآية ١٤٦. وانظر: الدر المصون ٤٥٧/٥.
(٣) الإِتحاف ٢٢٠/٢، البحر ١٤٨/٦.
(٤) البحر ١٤٨/٦.
(٥) الكشاف ٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣.
٥٢٦

- الكهف -
الرابع(١): أنَّه في محلِّ نصبٍ عطفاً على ((صابراً)(٢) كما تقدَّم تقريرُه.
آ. (٧٠) قوله: ﴿فَلا تَسْأَلْنِي﴾: قد تقدَّم خلافُ القُرَّاء في هذا
الحرفِ في سورة هود(٣): وقرأ أبو جعفر (٤) هنا بفتحِ السينِ واللامٍ وتشديدٍ
النونِ من غير همزٍ.
آ. (٧١) قوله: ﴿لِتُغْرِقَ﴾: في اللام وجهان، أحدُهما: هي لامُ
العلة. والثاني: هي لامُ الصَّيْرورة. وقرأ(٥) الأخَوان: ((لَيَغْرَقَ)) بفتح الياء مِنْ
تحتُ وسكونِ الغين وفتحِ الراء، ((أهلُها)» بالرفع فاعلاً. والباقون بضمِّ التاءِ
مِنْ فوقُ وكسرِ الراء، أي: لِتُغْرِق أنت أهلَها بالنصب مفعولاً به. والحسن
وأبو رجاء كذلك، إلا أنَّهما شَدَّدا الراءَ.
والسفينة معروفةٌ، وتُجمع على سُفُن وسَفائن نحو: صحيفة وصُحُف
وصحائف. وتُحذف منها التاءُ مراداً بها الجمعُ، فتكونُ اسمَ جنسٍ نحو: ثَمْرَ
وبَلَح. إلا أنه هذا في المصنوع(٦) قليلٌ جداً نحو: جَرَّة وجَرَّ(٧)، وعِمامة
وعِمام. قال الشاعر(٨):
(١) لم يذكر الوجه الثالث.
(٢) فيكون في موضع نصب، على تقدير عطف الفعل ((ولا أعصي)) على الاسم
((صابراً)) لأنه في معناه. كقوله تعالى ((صافَّاتٍ ويقبضن))، أي: وقابضات.
(٣) انظر: الدر المصون ٣٣٧/٦.
(٤) البحر ١٤٨/٦.
(٥) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٩٥، التيسير ١٤٤، الإتحاف ٢٢١/٢، الشواذ ٨١،
البحر ١٤٩/٦، الحجة ٤٢٣.
(٦) أي غير المخلوق.
(٧) الجرة: إناء مِنْ خَزَف كالفَخَّار. انظر: اللسان (جرر). وثمة جمع آخر: جرار.
(٨) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في البحر ١٤١/٦، وفيه جَزْمُ فعلِ الشرط والجزاء فينكسر =
٥٢٧

- الكهف -
:.
٣١٧٩- متى تَأْتيهِ تأتي لُجِّ بَحْرٍ تقاذَفُ في غواربِه السَّفينُ
واشتقاقها مِن السَّفْنِ وهو القَشْر؛ لأنها تقشُّر الماءَ. كما سُمِّيَتْ ((بِنْتَ
مَخْرٍ) لأنها تَمْخُرِ الماءِ، أي: تَشُقُه.
قوله: ((إِمْرا) شيئاً عظيماً، يقال: أَمِرَ الأَمْرُ، أي: عَظُم وتفاقَمَ.
قال(١):
٣١٨٠- داهِيَةً دَهْياءَ إِذَاً إمْرأ
آ. (٧٣) قوله: ﴿عُسْرًا﴾: مفعولٌ ثانٍ لـ ((تُرْهِقْني)) مِنْ أَرْهَقَه كذا
إذا حَمَّله إياه وغشَّاه به. و((ما)) في ((بما نَسِيْتُ)) مصدريةٌ أو بمعنى الذي،
والعائدُ محذوفٌ.
آ. (٧٤) قوله: ﴿زاكِيَة﴾ (٢): قرأ(٣) ((زاكية)) بألفٍ وتخفيف الياءِ
نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو. وبدون الألف وتشديد الياء الباقون. فَمَنْ قَرَأ
(«زاكية)) فهو اسمُ فاعلٍ على أصلِه. ومَنْ قرأ ((زَكِيَّة)) فقد أخرجه إلى فَعِيلة
للمبالغة.
البيت لأنه من الوافر. وقد أثبته السمين بإشباع كسرتي التاء في الشرط والجزاء
مراعاةً للوزن فهو ضرورة شعرية .
=
قد لقي الأقْرانُ مني نُكْراً
(١) رجز لم أهتدِ إلى قائله وقبله:
وهو في مجاز القرآن ٤٠٩/١، واللسان (أمر)، والقرطبي ١٩/١١، والماوردي
٤٩٦/٢. وأقحم السمين في نسخة الأصل واواً قبل ((داهية)) وهي مفعولٌ به.
(٢) كذا على قراءة نافع ومن معه.
(٣) السبعة ٣٩٥، الحجة ٤٢٤، الإتحاف ٢٢١/٢، البحر ٦ / ١٥٠، التيسير ١٢٤،
القرطبي ٢١/١١، النشر ٢١٦/٢.
٥٢٨

- الكهف -
والغُلامِ: مَنْ لم يَبْلُغْ. وقد يُطْلق على البالغِ الكبيرِ. فقيل: مجازاً
باعتبار ما کان. ومنه قولُ لیلی(١):
٣١٨١- شَفاها مِنَ الدَّاءِ الذي قد أصابها
غُلامٌ إذا هَزَّ القناةَ شَفاها
وقال آخر(٢):
غلامٌ إذا هُوجِيْتُ لَسْتُ بشاعرٍ
٣١٨٢- تَلَقَّ ذُبابَ السَّيْفِ عني فإنني
وقيل: بل هو حقيقةٌ لأنه مِن الإِغلام وهو السَّبْق، وذلك إنما يكونُ في
الإِنسانِ المحتلِمِ. وقد تقدَّم ترتيبُ أسماءِ الآدمي مِنْ لَدُن هو جنينٌ إلى أن
يصير شيخاً ولله الحمد(٣) /.
[١٥٩٧]
قال الزمخشري(٤): ((فإن قلت: لِمَ قيل: ((حتى إذا رَكِبا في السفينةِ
خَرَقَها)) بغير فاءٍ، و((حتى إذا لَقِيا غلاماً فَقَتَله)) بالفاء؟ قلت: جَعَل ((خَرَقَها))
جزاءً للشرطِ، وجَعَل ((قَتَله)) من جملةِ الشرط معطوفاً عليه، والجزاءُ ((قال:
أَقَتَلْتَ)). فإنْ قلت: لِمَ خُولِف بينهما؟ قلت: لأنَّ الخَرْقَ لم يتعقَّبِ الركوبَ،
وقد تعقَّبَ القتلُ لقاءَ الغلامِ)).
قوله: (بغيرِ نَفْسٍ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها متعلقةً بـ ((قَتَلْتَ)).
الثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ على أنها حالٌ مِنَ الفاعلِ أو من المفعولِ،
(١) تقدم برقم ٩٨٧ برواية قريبة:
شفاها من الداءِ العُضالِ الذي بها
(٢) البيت لصفوان بن المعطل وهو في السيرة ٣٠٥/٣، والقرطبي ٢١/١١، والبحر
١٥٠/٦.
(٣) انظر: الدر المصون ١٦٠/٣.
(٤) الكشاف ٤٩٣/٢.
٥٢٩

- الكهف -
أي: قَتَلْتَه ظالماً أو مظلوماً، كذا قَدَّرَه أبو البقاءِ(١). وهو بعيدٌ جداً. الثالث:
أنها صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قَتْلاً بغيرِ نفسٍ .
قوله: ((نُكْراً)) قرأ(٢) نافع(٣) وأبو بكر وابن ذكوان بضمتين، والباقون
بضمة وسكون. وهما لغتان، أو أحدهما أصل. و((شيئاً)): يجوز أن يُراد به
المصدرُ، أي: مَجيئاً نُكْرا، وأن يُراد به المفعولُ به، أي: جِئْتَ أمراً مُنْكَراً.
وهل النُّكْرُ أَبْلَغُ من الإِمر أو بالعكس؟ فقيل: الإِمْرُ أبلغُ؛ لأنَّ قَتْلَ أَنْفُسِ
بسبب الخَرْقِ أعظمُ مِنْ قَتْل نفسٍ واحدة. وقيل: بل النُّكْر أبلغُ لأن معه
القَبْلَ الحَتْمَ، بخلاف خَرْقِ السفينة فإنه يمكن تدارُكُه، ولذلك قال: ((ألم أَقُلْ
لك» ولم يأتِ بـ «لك)) مع ((إِمْراً».
آ. (٧٦) قوله: ﴿فلا تُصاحِبْنِي﴾: العامَّةُ على ((تصاحِبْني)) من
المفاعلة. وعيسى(٤) ويعقوب: ((فلا تَصْحَبِّنِّي)) مِنْ صَحِبَه يَصْحَبُه(٥).
وأبو عمروٍ في روايةٍ وَأُبَيِّ بضمِّ التاءِ مِنْ فوقُ وكسرٍ الحاء، مِنْ أَصحب
يُصْحِب، ومفعولُه محذوفٌ تقديره: فلا تُصْحِبْنِي نفسك. وقرأ أُبَيِّ
((فلا تُصْحِبْنِي عِلْمَك))(٦) فأظهر المفعول.
قوله: ((مِنْ لَدُنِّي)) العامَّةُ على ضَمِّ الدالِ وتشديد النون. وذلك أنَّهم
(١) الإملاء ١٠٦/٢.
(٢) السبعة ٣٩٥، النشر ٢١٦/٢، التيسير ١٤٤، الحجة ٤٢٤، البحر ١٥٠/٦.
(٣) قال صاحب السبعة: ((واختلف عن نافع فروى إسماعيل بن جعفر ((نُكْراً)). وروى
ابن جماز وقالون والمسيبي وابن أبي أويس وورش مثقلاً)). السبعة ٣٩٥.
(٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٢٢/٢، البحر ١٥١/٦، القرطبي ٢٢/١١، النشر
٣١٣/٢، الشواذ ٨١°.
(٥) نسبها في الشواذ إلى ابن عامر في روايةٍ له.
(٦) يحملون مثل هذا على التفسير.
٥٣٠

- الكهف -
أَدْخلوا نونَ الوقايةِ على ((لَذُن)» لِتَقِيّها من الكسرِ محافَظَةٌ على سكونِها، كما
حُوْفِظَ على سكونِ نون ((مِنْ)) و((عَنْ)) فأُلْحِقَتْ بهما نونُ الوقايةِ فيقولون: مِنِّي
وعَنِّي بالتشديد .
ونافعٌ(١) بتخفيف النون. والوجهُ فيه: أنه لم يُلْحِقْ نونَ الوقاية
لـ «لَدُن)». إلا أنَّ سيبويه(٢) منع مِنْ ذلك وقال: «لا يجوزُ أَنْ تأتيَ بـ ((لَدُنْ)» مع یاء
المتكلم دون نونٍ وقاية)). وهذه القراءةُ حجةٌ عليه. فإنْ قيل: لِمَ لا يُقال: إن
هذه النونَ نونُ الوقايةِ، وإنما اتصلَتْ بـ((لَدُ)) لغةً في ((لَدُن)» حتى يتوافَقَ قولُ
سيبويه مع هذه القراءة؟ قيل: لا يَصِحُّ ذلك من وجهين، أحدهما: أنَّ نونَ
الوقاية إنما جِيءَ بها لتقيَ الكلمةَ الكسرَ محافظةً على سكونها. ودون النون
لا يُسَكِّنون؛ لأن الدالَ مضمومةٌ، فلا حاجةَ إلى النون.
والثاني: أنَّ سيبويهِ يمنع أَنْ يُقال: (لَدُني) بالتخفيف.
وقد حُذِفَتِ النونُ مِنْ ((عَنْ)) و((مِنْ)) في قوله(٣):
٣١٨٣ - أيُّها السَّائِلُ عنهم وعَنِيْ لستُ من قِيسٍ ولا قيسٌ مِنِيْ
ولكن تَحْتمل هذه القراءةُ أن تكون النونُ فيها أصليةً، وأن تكونَ للوقاية
على أنها دخلَتْ على ((لَدْ)) الساكنة الدال، لغةً في ((لدن)) فالتقى ساكنان
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٩٦، الإتحاف ٢٢٢/٢، البحر ١٥١/٦، التيسير ١٤٥،
الحجة ٤٢٥، النشر ٣١٣/٢.
(٢) الكتاب ٣٨٦/١ - ٣٨٧. قال: ((ليس من حرف تلحقه ياء الإضافة إلّ كان متحركاً
مكسوراً ولم يريدوا أن يحركوا (أي نون لدن) فلم يكن لهم بُدَّ من أن يجيئوا بحرف
لياء الإِضافة متحركٍ ... )).
(٣) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في ابن يعيش ١٢٥/٣، والخزانة ٤٤٨/٢، والعيني ٣٥٢/١،
والدرر ٤٣/١، والهمع ٦٤/١.
٥٣١

- الكهف -
فَكُسِرَتْ نونُ الوقاية على أصلها. وإذا قلنا بأنَّ النونَ أصليةٌ فالسكونُ تخفيفٌ
كتسكين ضاد ((عَضْد) وبابِهِ .
وقرأ أبو بكرٍ بسكونِ الدال وتخفيفِ النون أيضاً، ولكنه أَشَمَّ الدالَ
الضَّمَّ مَنْبَهة على الأصل. واختلف القرَّاء في هذا الإِشمامِ، فقائلٌ: هو إشارةٌ
بالعضوِ من غيرٍ صوتٍ كالإِشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف.
وقائلٌ: هو إشارةٌ للحركةِ المُدْرَكةِ بالحسِّ فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني: أنه
إتيانٌ ببعض الحركة. وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قوله ((لا تأمنًّا))(١)،
وفي قوله في هذه السورةِ ((مِنْ لدنه)) في قراءة شعبة(٢) أيضاً، وتقدَّم لك بحثٌ
يعودُ مثلُه هنا.
وقرأ(٣) عيسى وأبو عمروٍ في روايةٍ ((عُذُراً)) بضمتين. وعن أبي عمرو(٤)
أيضاً ((عُذْرِي)) مضافاً لياءِ المتكلم.
و ((مِنْ لَدُنِّي)) متعلقٌ بـ ((بَلَغْتَ))، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ
«عذرا)).
آ. (٧٧) قوله: ﴿اسْتَطْعَمَا أهلَها﴾: جواب ((إذا))، أي: سألاهم
الطعامَ. وفي تكريرِ ((أهلَها)) وجهان، أحدهما: أنه توكيدٌ من بابٍ إقامةِ الظاهر
مُقامِ المضمر كقوله(٥).
(١) الآية ١١. وانظر: الدر المصون ٤٤٨/٦.
(٢) قراءة شعبة هي قراءة أبي بكر بإشمام الدال الضمة. انظر: المظان السابقة .:
(٣) القرطبي ٢٣/١١، البحر ١٥١/٦.
(٤) ورويت كذلك عن أُبَيّ. انظر: المظان السابقة.
(٥) تقدم برقم ٤٩٠. ووقع في الأصل مكسوراً: ((أرى الموت لا يسبق)).
٥٣٢

- الكهف -
٣١٨٤- لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ
نغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا
والثاني: أنَّه للتأسيس ؛ وذلك أنَّ الأهلَ المَأْتِيِّين ليسوا جميعَ الأهل،
إنما هم البعضُ، إذ لا يمكن أَنْ يأتيا جميعَ الأهلِ في العادة في وقتٍ واحد،
فلمّا ذَكَرَ الاستطعامَ ذكره بالنسبة إلى جميع الأهل كأنهما تَتَبَّعا الأهلَ واحداً
واحداً، فلو قيل: استطعماهم لاحتمل أنَّ الضميرَ /يعودُ على ذلك البعضِ [٥٩٧ب]
المأتِيِّ دونَ غيرِهِ، فكرَّر الأهلَ لذلك.
قوله: ((أَنْ يُضَيِّفُوهما)) مفعولٌ به لقوله ((أَبُوْا)). والعامَّة على التشديد مِنْ
ضَيَّفَه يُضَيُّفه. والحسن(١) وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف مِنْ: أضافَه يُضيفه
وهما مثل: مَيِّله وأماله.
قوله: ((أَنْ يَنْقَضَّ)) مفعولُ الإِرادة. و («انقَضَّ)) يُحتمل أن يكونَ وزنُه(٢)
انْفَعَلَ، من انقضاضِ الطائرِ أو مِنْ القِضَّة وهي الحَصَى الصِّغار. والمعنى:
يريدُ أَنْ يتفتَّتَ كالحصى، ومنه طعامٌ قَضَضٌ إذا كان فيه حَصَى صِغارٌ. وأن
يكونَ وزنُه افْعَلَّ(٣) كاحْمَرَّ مِن النّقْضِ يقال: نَقَضَ البناءَ يَنْقُضُه إذا هَدَمه.
ويؤيِّد هذا ما في حرفِ عبدِ الله (٤) وقراءةِ الأعمش ((يريد ليُنْقَضَ)) مبنياً
للمفعول واللام ، كهي في قولِه ((يريد الله ليخفِّفَ عنكم))(٥). وما قرأ به أُبيِّ
كذلك إلا أنَّه (يريد أَنْ يُنْقَضَ)» بغيرٍ لام كي.
(١) الإِتحاف ٢٢٢/٢، البحر ١٥١/٦.
(٢) انظر: اللسان (قضض).
(٣) وهو مذهب الفارسي في التكملة ٢١٨.
(٤) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣١/٢، الإتحاف ٢٢٢/٢، البحر ١٥٢/٦، الشواذ ٨١.
(٥) ليس ثمة آية بهذا اللفظ لعله يريد قوله تعالى: ((يريد الله ليبيِّن لكم)) الآية ٢٦ من
النساء.
٥٣٣

- الكهف -
وقرأ الزُّهْري ((أَنْ يَنْقَاضَ)) بألفٍ بعد القاف. قال الفارسيُّ: ((هو مِنْ
قولهم قِضْتُه فانقاضَ)) أي: هَدَمْتُه فانهدم)). قلت: فعلى هذا يكونُ وزنُه
يَنْفَعِل. والأصل انْقَيَضِ فَأُبْدِلَت الياءُ ألفاً. ولمَّا نَقَل أبو البقاء هذه القراءةَ
قال(١): (مثل: يَحْمارٌ))(٢) ومقتضى هذا التشبيه أن يكونَ وزنُه يَفْعالَّ. ونقل
أبو البقاء أنه قُرِىء كذلك بتخفيفِ الضاد قال: ((هو مِنْ قولِك: انقاضَ البناءُ
إذا تهدَّم)).
وقرأ عليَّ أميرُ المؤمنين رضي الله عنه وعكرمة في آخرين ((يُنْقاصِ))
بالصاد مهملةً، وهو مِنْ قاصَه يَقِيْصُه، أي: كسره. قال ابنُ خالويه(٣):
((وتقول العرب: انقاضَتِ السِّنُّ: إذا انشقَّتْ طولاً)). وأُنْشِدُ لذي الرُّمَّة (٤).
٣١٨٥-
مُنْقاص ومُنْكَئِبُ
وقيل: إذا تَصَدَّعَتْ كيف كان. وأُنْشِد لأبي ذؤيب(٥):
٣١٨٦ - فِراقٌ كَقَيْصِ السِّنِّ، فالصَّبْرَ إِنَّه لكلِّ أُناسٍ عَثْرَةً وُجُبُورُ
ونسبةُ الإِرادةِ إلى الجدارِ مجازٌ وهو شائعٌ جداً. ومَنْ أُنكر المجازّ
(١) الإِملاء ٢ /١٠٧.
(٢) لم يمثِّل أبو البقاء بـ ((يحمار)) على قراءة تخفيف الضاد وإنما مثّل على قراءة
التشديد قال: ((ويقرأ بالألف والتشديد مثل يحمارُ ويقرأ كذلك بغير تشديد ... )).
(٣) الشواذ ٨١. وانظر: اللسان: اللسان (قيص).
(٤) تمامه:
يَغْشَى الْكِنَاسَ بِرَوْقَيْهِ وَيَهْدِمُهُ مِن هائلِ الرَّمْلَ
وهو في ديوانه ٨٨/١، والبحر ١٥٢/٦. ورَوْقَيْه: قرنّيْه. ومنقاض ومنكثب:
ما انهال وسقط من الرمل. يقول: كلما تحرك هذا في الثور في كناسه أصاب قرناه
الرمل فيسقط. ورواية الديوان بالضاد .
(٥). ليس في ديوان الهذليين وهو في اللسان (قيص).
٥٣٤

۔ الکھف -
مطلقاً أو في القرآنِ خاصةً تَأَوَّلَ ذلك على أنه خُلِقَ للجِدار حياةٌ وإرادة
كالحيوانات. أو أنَّ الإِرادةَ صدرت من الخَضِرِ لَيَحْصُلَ له ولموسى من العَجَبِ.
وهو تَعَسُّفٌ كبيرٌ. وقد أنحى الزمخشريُّ(١) على هذا القائل إنحاءً بليغاً.
قوله: ((لاَتَّخَذْتَ)) قرأ(٢) ابن كثير وأبو عمرو (لتَخِذْتَ)) بفتح التاءِ وكسرٍ
الخاءِ مِنْ تَخِذَ يَتْخَذُ كَتَعِبَ ويتعَبُ. والباقون: ((لاتَّخَذْتَ)) بهمزةِ الوصلِ
وتشديد التاءِ وفتحِ الخاءِ مِنَ الاتّخاذ. واختُلِفَ: هل هما مِن الأُخْذ، والتاءُ
بدلٌ من الهمزة، ثم تُحْذَفُ التاءُ الأولى(٣) فيُقال: تَخِذَ، كَتَقِيَ مِنْ اتَّقَى
نحو (٤):
٣١٨٧-
تَقِ اللَّهَ فينا والكتابَ الذي تَتْلُوْ
أم هما مِنْ تَخِذَ والتاءُ أصيلةٌ، ووزنُهما فَعِل وافْتَعَل؟ قولان تقدَّم
تحقيقُهما في هذا الموضوع (٥). والفِعْلُ هنا على القراءتين متعدٍّ لواحدٍ لأنَّه
بمعنی الکسب.
آ. (٧٨) قوله: ﴿فِراقُ بيني﴾: العامَّةُ على الإِضافةِ اتِّساعاً في
(١) الكشاف ٤٩٤/٢.
(٢) السبعة ٣٩٦، النشر ٣١٤/٢، القرطبي ٣٢/١١، التيسير ١٤٥، الحجة ٤٢٥،
البحر ١٥٢/٦.
(٣) عبارة المؤلف غير محررة، الأولى أن يقول: أصله التخذ اجتمعت همزتان مكسورة
وساكنة فقلبت الثانية ياء فصار ايتخذ. وقعت الياء فاء قبل تاء افتعل فأبدلت تاء
وأدغمت في تاء الافتعال. انظر: معجم مفردات الإبدال والإِعلال في القرآن الكريم
٣١٣.
(٤) تقدم برقم ٢٨٠ .
(٥) انظر: الدر المصون ٣٥٤/١.
٥٣٥

- الكهف -
الظرف. وقيل: هو بمعنى الوَصْلِ. ومِثْلُه قولُه(١):
وجِلْدَةُ بين العَيْنِ والأَنْفِ سالِمُ
٣١٨٨-
وقرأ(٢) ابنُ أبي عبلة ((فِراقٌ)) بالتنوين على الأصل. وتكريرُ المضافِ
إليه عطفاً بالواو هو الذي سَوِّغ إضافةً ((بَيْنَ)) إلى غيرٍ متعدِّدٍ، ألا ترى أنَّك
لو اقتصَرْتَ على قولك: ((المالُ بيني)» لم يكن كلاماً حتى تقول: بيننا،
أو بيني وبين فلان. وَقرأ(٣) ابن وثاب ((سَأَنْبِيْكَ)) بإخلاص الياء بدلَ الهمزة.
آ. (٧٩) قوله: ﴿المساكينَ﴾: العامَّةُ على تخفيفِ السِّينِ، جمعَ
((مِسْكين)). وقرأ (٤) عليَّ أميرُ المؤمنين - كرَّم اللَّهُ وجهَه - بتشديدِها جمع
((مَسَّاك)). وفيه قولان، أحدُهما : أنه الذي يُمْسِك سكان السفينة .
وفيه بعضُ مناسبة . والثاني : أنه الذي يَذْبَغُ المُسُوكُ جمِعَ
((مَسْك)) بفتح الميم وهي الجُلود(٥). وهذا بعيدٌ، لقولِه: ((يَعْملون في
البحر)). ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين، و((يَعْملون)) صفةٌ
لمساکین.
قوله: ((وراءَهُمْ مَلِكٌ)) ((وراء)» هنا قيل: يُراد بها المكانُ. وقيلَ:
الزمانُ. واخْتُلِف / أيضاً فيها: هل هي على حقيقتها أو بمعنى أمام؟ وأنشدوا
على هذا الثاني (٦):
[٥٩٨أ]
(١) تقدم برقم ١٩٩٢ .
(٢) البحر ١٥٢/٦، الكشاف ٤٩٥/٢.
(٣) البحر ١٥٢/٦.
(٤) البحر ١٥٣/٦، القرطبي ٣٤/١١.
(٥) انظر: اللسان ( مسك ).
(٦) البيت لعروة بن الورد وهو في ديوانه ١١٤، والأضداد للأنباري ٦٩، البحر
١٥٤/٦.
٥٣٦

- الكهف -
٣١٨٩- أليس ورائي أَنْ أَدِبَّ على العَصا
فَيَأْمَنَ أعدائي ويَسْأَمَنِي أَهْلِي
وقولَ لبيد(١):
لُزومُ العَصاتُحْنَى عليها الأصابعُ
٣١٩٠ - أليس ورائي إنْ تراخَتْ مَنَّتي
وقول سَوَّار بن المُضَرِّبِ السَّعْدي(٢):
وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائیا
٣١٩١- أَيَرْجُو بنو مروانَ سَمْعي وطاعتي
ومثله قولُه تعالی: «مِنْ ورائِه جهنم)»(٣)، أي: بین یدیه.
قوله: ((غَصْباً)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مصدرٌ في موضعِ الحال،
أو منصوبٌ على المصدرِ المبيِّنِ لنوعِ الأخْذِ، أو منصوبٌ على المفعولِ له.
وهو بعيدٌ في المعنى. وادَّعى الزمخشري (٤) أنَّ في الكلامِ تقديماً وتأخيراً
فقال: ((فإنْ قلتَ: قولُه: ((فَأَرَدْتُ أَنْ أعيبَها)) مُسَبَّبٌ عن خوفِ الغَصْبِ عليها
فكان حقُّه أن يتأخرَ عن السبب فلِمَ قُدِّم عليه؟ قلت: النيةُ به التأخيرُ، وإنما
قُدِّمَ للعنايةِ به، ولأنَّ خَوْفَ الغصبِ ليس هو السببَ وحدَه، ولكن مع كونها
للمساكينِ، فكان بمنزلةٍ قولِك: زيدٌ ظِنِّي مقيمٌ)).
آ. (٨٠) قوله: ﴿فكان أبواه مُؤْمِنَيْنْ﴾: التثنيةُ للتغليبِ، یرید:
أباه وأمه، فغلّب المذكرَ، وهو شائعٌ. ومثلُه: القمران والعُمَران. وقد تقدَّم
(١) ديوانه ١٧٠، واللسان (وري)، والبحر ١٥٤/٦. وتراخت: أبطأت.
(٢) اللسان (وري)، والمجاز ٤١٢/١، والبحر ١٥٤/٦، والماوردي ٥٠١/٢.
(٣) الآية ١٦ من إبراهيم.
(٤) الكشاف ٤٩٥/٢.
٥٣٧

- الكهف -
في يوسف(١): أنَّ الأبوين يُراد بهما الأبُ والخالَةُ فهذا أقربُ .
والعامَّةُ على ((مُؤمِنَيْنٍ) بالياء. وأبو سعيد الخُدريُّ (٢) والجحدري ((مؤمنان))
بالألف. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ. أجدُها: أنه على لغة بين الحارث(٣) وغيرهم.
الثاني: أنَّ في ((كان)) ضميرَ الشأنِ، و «أبواه مؤمنان)» مبتدأ وخبرٌ في محلّ
النصبِ كقوله(٤) :
٣١٩٢- إذا مِتُّ كأن الناسُ صِنْفانٍ شامِتٌ
فهذا أيضاً محتمِلٌ للوجهين. الثالث: أن في ((كان)) ضميرَ الغلامِ،
أي: فكان الغلامُ، والجملةُ بعده الخبرُ. وهو أحسنُ الوجوهِ.
آ. (٨١) قوله: ﴿أَنْ يُبْدِهَما﴾: قرأ(٥) نافع وأبو عمرو بفتح الباء
وتشديد الدال مِنْ ((بَدَّل)) هنا، وفي التحريم (٦) ((أن يُبْدِلَه))، وفي القلم (٧) ((أَنْ
يُبْدِلَنا)) والباقون بسكونِ الباءِ وتخفيفِ الدالِ مِنْ ((أَبْدَلَ)) في المواضعِ
الثلاثة. فقيل: هما لغتان بمعنىِّ واحد. وقال ثعلب: الإِبدالُ تَنْحِيَةُ جوهرَةٍ،
(١) انظر: الدر المصون ٥٥٧/٦.
(٢) المحتسب ٣٣/٢، البحر ١٥٥/٦، وأبو سعيد سعد بن مالك. من علماء الصحابة
وحفاظهم. توفي سنة ٧٤. انظر: الاستيعاب ١٦٧١/٤.
:
(٣) بنو الحارث يُجرون المثنى وشبهه مجرى المقصور فَتَثْبُت ألفه في النصب والجر
والرفع. انظر: شرح الكافية الشافية ١٨٨/١.
(٤) تقدم برقم ١١٨٨.
(٥) السبعة ٣٩٧، النشر ٣١٤/٢، البحر ١٥٥/٦، التيسير ١٤٥، الحجة ٤٢٧.
(٦) الآية ٥.
(٧) الآية ٣٢.
٥٣٨

- الكهف -
واستئنافُ أخرى. وأنشد(١):
٣١٩٣- عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ
قال: ألا تراه نَخَّى جسماً، وجعل مكانَه آخرَ. والتبديلُ: تغييرُ الصورةِ
إلى غيرِها، والجوهرةُ باقيةٌ بعينها. واحتجِّ الفراء بقوله تعالى: ((يُبَدِّلُ اللَّهُ
سيئاتِهم حسناتٍ))(٢) قال: ((والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلا أنَّهم يجعلون أَبْدَلْتُ
بمعنى بَدَّلْتُ)). قلت: ومِنْ ثَمَّ اختلف الناسُ في قولِه تعالى: ((يوم تُبَدَّلُ
الأرضُ))(٣): هل يتغير الجسمُ والصفةُ، أو الصفةُ دونَ الجسمِ؟
قوله: ((رُحْماً)) قرأ(٤) ابنُ عامر ((رُحُماً)) بضمتين. والباقون بضمةٍ
وسكونٍ وهما بمعنى الرحمة. قال رؤبة(٥):
ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إِبْليسا
٣١٩٤- یا مُنْزِلَ الرُخْمِ علی إدريسا
وقيل: الرُّحْم بمعنى الرَّحِم. وهو لائقٌ هنا مِنْ أجلِ القَرابةِ بالولادة.
ويؤيِّده قراءةُ ابنِ عباس(٦) ((رَحِماً) بفتحِ الراءِ وكسرٍ الحاءِ. و((زكاةً ورُحْماً»
منصوبان على التمييز.
آ. (٨٢) قوله: ﴿رَحْمَةٌ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أوضحُها: أنَّه مفعولٌ
له. الثاني: أَنْ يكونَ في موضعِ الحالِ من الفاعل، أي: أراد ذلك راحماً،
(١) تقدم برقم ٤٨٥.
(٢) الآية ٧٠ من الفرقان.
(٣) الآية ٤٨ من إبراهيم.
(٤) السبعة ٣٩٧، النشر ٢١٦/٢، التيسير ١٤٥، الحجة ٤٢٧، البحر ١٥٥/٦.
(٥) ملحق ديوانه ١٧٥، واللسان (رحم)، والبحر ١٥٥/٦، والقرطبي ٣٧/١١.
(٦) البحر ١٥٥/٦.
٥٣٩

- الكهف -
وهي حالٌ لازمةٌ. الثالث: أَنْ ينتصِبَ انتصابَ المصدرِ لأنَّ معنى ((فأراد ربُّك
أَنْ يَبْلُغا)) معنى ((فَرَحِمَهما)).
قوله: ((تَسْطِعْ))، قيل: أصلُه استطاع، فَحُذِفَتْ تاءُ الافتعالِ (١). وقيل:
المحذوفُ: الطاءُ الأصلية ثم أَبْدِلت تاءُ الافتعال طاءً بعد السِّين. وهذا تكلُّفٌ
بعيدٌ. وقيل: السينُ مزيدةٌ عوضاً من قلبٍ الواوِ ألفاً، والأصلُ: أطاع.
ولتحقيقِ القول فيه موضعّ غیرُ هذا ..
ويقال: ((استتاعَ)) بتاءين، و((اسْتَاعَ)) بتاء واحدة، فهذه أربعُ لغاتٍ،
حكاها ابن السكيت.
آ. (٨٣) قوله: ﴿منه ذكراً﴾: أي: مِنْ أخبارِهِ وقصصِه .
آ. (٨٤) قوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا له﴾: مفعولُه محذوفٌ، أي: أمره
وما یرید.
آ. (٨٥) قوله: ﴿فَأَتْبِع﴾: قرأ(٢) نافعٌ وابن كثير وأبو عمرو ((فَأَتْبَعَ))
و((ثم أَتْبَعَ)) في المواضعِ الثلاثة(٣) بهمزةٍ وصلٍ وتشديدٍ التاء. والباقون
بهمزةٍ القطع وسكونِ التاء. فقيل: هما بمعنى واحدٍ فيتعدَّيان لمفعولٍ واحدٍ.
وقيل: ((أتبع)) بالقطع متعدٍ لاثنين حُذِف أحدُهما تقديرُه: فأتبع سبباً سبباً آخَرَ،
أو فأتبع أمرَه سباً. ومنه ((وأَتْبَعْناهم في هذه الدنيا لَعْنَةً)) (٤) فعدَّاه لاثنين /
[٥٩٨ب]
(١) قال الزجاج: ((التاء والطاء من مخرج واحد فحذفت التاء لاجتماعهما ويخف
اللفظ)). انظر: معاني القرآن ٣١٢/٣.
(٢) السبعة ٣٩٧، النشر ٣١٤/٢، التيسير ١٤٥، الحجة ٤٢٨، البحر ١٥٩/٦.
(٣) الآيات ٨٥، ٩٢،٨٩.
(٤) الآية ٤٢ من القصص.
٥٤٠
---