Indexed OCR Text

Pages 421-440

- الإسراء -
قال الشيخ(١): ((ولا يتأَتَّى تَعَلُّقه بـ((اذكر)) ولا بـ يُخبرونك لأنه ظرفٌ
ماضٍ)). قلت: إذا جعله معمولاً لـ اذكُرْ،، أو لـ يُخْبرونك لم يَجْعَلْه ظرفاً بل
مفعولاً به، كما تقرَّر ذلك غير مرة.
الخامس: أنه مفعولٌ به والعاملُ فيه ((فَسَلْ)). قال أبو البقاء(٢): ((فيه
وجهان، أحدُهما: هو مفعولٌ به باسْأَلْ على المعنى لأنَّ المعنى: اذْكرْ لبني
إسرائيل [إذ جاءهم](٣). وقيل: التقديرُ اذكر إذ جاءهم وهي غيرُ ((اذكر))
الذي قَدَّرْتَ به اسْأَلْ)). يعني أن اذكرْ المقدرةَ غيرُ ((اذكر)» الذي فَسَّرْتَ
((اسأَلْ)) بها، وهذا يؤيد ما ذكرْتُه لك مِنْ أَنَّهم إذا قدَّروا ((اذكر)) جعلوا ((إذا)»
مفعولاً به لا ظرفاً.
إلا أنَّ أبا البقاء ذكر حالَ كونِه ظرفاً ما يقتضي أنْ يعملَ فيه فعلٌ
مستقبلٌ فقال(٤): ((والثاني: أن يكونَ ظرفاً. وفي العامل فيه أوجهٌ، أحدُها:
((آتّيْنا)). والثاني: ((قلنا)) مضمرة. والثالث: ((قُلْ))، تقديرُه قل لخصمِك:
سَلْ. والمرادُ به فرعونُ، أي: قُلْ يا موسى، وكان الوجهُ أن يُقال: إذ جئتهم
بالفتح، فرجع من الخطاب إلى الغيبة)).
قلت: فظاهرُ الوجهِ الثالثِ أنَّ العاملَ فيه ((قُلْ)) وهو ظرفٌ ماضٍ،
على أنَّ هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء؛ إذ يرجع إلى: يا موسى قُلْ
لفرعونَ: سَلْ بني إسرائيل، فيعودُ فرعون هو السائلَ لبني إسرائيل، وليس
المرادُ ذلك قطعاً، وعلى التقدير الذي قَدَّمْتُه عن الزمخشريِّ - وهو أنَّ
(١) البحر ٦ /٨٥.
(٢) الإملاء ٩٧/٢.
(٣) من الإِملاء.
(٤) الإِملاء ٩٧/٢.
٤٢١

- الإِسراء -
المعنى: يا موسى سَلْ بني إسرائيل، أي: اطْلُبْهم من فرعونَ - يكون
المفعولُ الأول للسؤال محذوفاً، والثاني هو ((بني إسرائيل))، والتقدير: سَلْ
فرعونَ بني إسرائيل، وعلى هذا فيجوز أن تكون المسألةُ من التنازع، وأعمل
الثانيَ، إذ التقديرُ: سَلْ فرعونَ فقال فرعونُ، فأعمل الثانيَ فَرَفَع به الفاعلَ،
وحَذَفَ المفعولَ مِنَ الأول وهو المختار من المذهبين.
والظاهرُ غيرُ ذلك كلِّه، وأنَّ المأمورَ بالسؤال إنما هو سيدُنا رسولُ اللَّهِ
صلى الله عليه، وبنو إسرائيل كانوا معاصِرِيه.
والضميرُ في ((إذ جاءهم)): إمَّا للآباء، وإمَّا لهم على حَذْفِ مضافٍ،
أي : جاء آباءهم .
قوله: ((مَسْحُوراً)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه بمعناه الأصلي، أي: إنك
سُجِرْتَ، فمِنْ ثَمَّ اختَلَّ كلامُك، قال ذلك حين جاءَه بما لا تَهْوَىَّ نفسُه
الخبيثةُ. الثاني: أنه بمعنى فاعِل كمَيْمون ومَشْؤوم، أي: أنت ساحرٌ؛ فلذلك
تأتي بالأعاجيبِ، يشير لانقلابِ عصاه حيةً وغير ذلك.
آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿لقد عَلِمْتَ﴾: قرأ(١) الكسائيُّ بضم
التاء أَسْند الفعلَ لضمير موسى عليه السلام، أي: إني متحققُ أني ما جئت به
هو مُنَزَّلٌ مِنْ عندِ الله. والباقون بالفتح على إسناده لضميرٍ فرعونَ، أي: أنت
متحقِّقٌ أنَّ ما جئتُ به هو مُنَزَّل من عند الله وإنما كفرُك ◌ِنادٌ، وعن عليٍّ رضي
الله عنه أنه أنكر الفتحُّ، وقال: ((ما عَلِم عدوُ اللَّهِ قط، وإنما عَلِم موسى)»،
والجملةُ المنفيَّةُ في مخَلِّ نصبٍ لأنها معلِّقةٌ للعِلْم قبلها.
قوله: ((بَصائر)) حالٌ وفي عاملها قولان، أحدُهما: أنه ((أَنْزَلٌ)) هذا
(١) السبعة ٣٨٥، التيسيز ١٤١، النشر ٣٠٩/٢، الحجة ٤١١، البحر ٨٦/٦.
٤٢٢

- الإسراء-
الملفوظُ به، وصاحبُ الحال هؤلاء، وإليه ذهب الحوفيُّ وابنُ عطيةَ
وأبو البقاء(١)، وهؤلاء يُجيزون أن يَعْمل ما قبلَ ((إلا)) فيما بعدها، وإنْ
لم يكنْ مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعاً له. والثاني: وهو مذهب الجمهور
أنَّ ما بعد ((إلا)) لا يكون معمولاً لما قبله، فيُقدَّر لها عاملٌ تقديرُه: أَنْزَلها
بصائِرَ، وقد تقدَّم نظيرُ هذه في ((هود)) عند قولِه ((إلا الذين هم أراذِلُنا باديَ
الرَّأْيِ))(٢).
قوله: ((مَثْبورا)) ((مَثْبوراً)) مفعولٌ ثانٍ، واعترض بين المفعولين بالنداء.
والمُثْبُور: المُهْلَكُ. يقال: ثَبَرِه اللَّهُ، أي: أَهْلكه، قال ابن الزِّبَعْرى(٣):
٣١١٦- إذا أُجاريْ الشيطانَ في سَنَّنِ الغَيْ
يٍ ومَنْ مالَ مَيْلَه مَثْبورُ
والثُّبُور: الهَلاكُ قال تعالى: ((لا تَدْعوا اليوم ثُبوراً واحداً))(٤).
/ آ. (١٠٤) قوله تعالى: ﴿لَفِيْفاً﴾: فيه وجهان، أحدُهما: [٥٨٣/أ]
أنه حالٌ، وأن أصلَه مصدرُ لفَّ يَلُفُّ لفيفاً نحو: النَّذير والنكير،
أي: جِئْنا بكم منضمَّأَ بعضُكم إلى بعض، مِنْ لفَّ الشيءَ يَلْقُّه لَقَّاً، والأَلَفُّ:
المتداني الفَخِذَيْنِ، وقيل: العظيمُ البطن. والثاني: أنه اسمُ جمعٍ لا واحدَ
له من لفظه، والمعنى: جئنا بكم جميعاً فهو في قوةِ التأکیدِ.
آ. (١٠٥) قوله تعالى: ﴿وبالحقِّ أَنْزَلْناه﴾: في الجارِّ ثلاثةُ
(١) الإِملاء ٢ /٩٧.
(٢) الآية ٢٧ من هود. وانظر المسألة في الدر المصون ٣١٢/٦.
(٣) البيت في مجاز القرآن ٣٩٢/١، والقرطبي ٣٣٨/١٠.
(٤) الآية ١٤ من الفرقان.
٤٢٣
٠١٢٠

- الإسراء ــ
أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلق بأَنْزَلْناه، والباء سببية، أي: أنزلناه بسبب الحق.
والثاني: أنه حالٌ من مفعول ((أنزلناه))، أي: ومعه الحق. والثالث: أنه حالٌ
من فاعلِه، أي: ملتبسين بالحقِّ. وعلى هذين الوجهين يتعلَّقُ بمحذوفٍ.
والضمير في ((أَنْزَلْناه)) الظاهرُ عَوْدُه للقرآن: إمَّا الملفوظِ به في قولِه قبل
ذلك ((على أن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القرآنِ))(١)، ويكون ذلك جَرْياً على قاعدةٍ
أساليب كلامِهِم، وهو أَنْ يستطردَ المتكلمُ في ذِكْر شيءٍ لم يَسْبِقْ لهَ كلامُه
أولاً، ثم يعودُ إلى كلامِه الأولِ، وإمّا للقرآنِ غيرِ الملفوظ أولاً؛ الدلالة
الحالِ عليه كقوله تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْناه في ليلة القدرِ))(٢) وقيل: يعودُ على
موسى كقوله: ((وأَنْزَلْنا الحديدَ))(٣). وقيل: على الوعد. وقيل: على الآيات
التسعِ ، وذكَّر الضميرَ وأفرده حملاً على معنى الدليل والبرهان.
قوله: ((وبالحقِّ نَزَل)» فيه الوجهان الأوَّلان دونَ الثالث لعدمٍ ضميرٍ آخرَ
غيرٍ ضمير القرآن. وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها للتأكيد، وذلك
أنه يُقال: أنزلْتُه فَنَزَل، وأنزلّتُه فلم يَنْزِلْ، فجيْءَ بقولِه ((وبالحقُّ نَزَل)) دَفْعاً لهذا
الوهم. وقيل: ليست للتأكيد، والمغايرةُ تَحْصُل بالتغاير بين الحقّيْنِ، فالحقُّ
الأول التوحيد، والثاني الوعدُ والوعيدُ والأمر والنهي. وقال الزمخشري(٤).
((وما أَنْزَلْنا القرآنَ إلا بالحكمةِ المقتضية لإِنزاله، وما نَزَلَ إلا ملتبساً بالحق
والحكمةِ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خير، أو ما أَنْزَلْناه من السماء
إلا بالحقِّ محفوظاً بالرَّصْدِ من الملائكةِ، وما نَزَلَ على الرسول إلا محفوظاً
(١) الآية ٨٨ من الإِسراء
(٢) الآية ١ من القدر.
(٣) أي جُعل مُنَزَّلاً كما هو شأن الحديد، والآية ٢٥ من الحديد.
(٤) الكشاف ٤٦٩/٢.
٤٢٤

- الإسراء -
بهم مِنْ تخليط الشياطين)). و((مبشِّراً ونذيراً حالان من مفعول أَرْسَلْنَاك)).
آ. (١٠٦) قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَاً فَرَقْناه﴾: في نصبه أوجهٌ،
أحدُها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: وآتَيْناك قرآناً)) يدلُّ عليه قوله ((ولقد
آتَيْنا موسى))(١). الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على الكافِ في ((أَرْسَلْناك)). قال
ابنُ عطية: ((من حيث كان إرسالُ هذا وإنزال هذا معنى واحداً))(٢).
الثالث: أنه منصوبٌ عطفاً على ((مُبَشِّراً ونذيراً)) قال الفراء(٣):
((هو منصوبٌ بـ((أَرْسَلْناك))، أي: ما أرسلناك إلا مبشِّراً(٤) ونذيراً وقرآناً، كما
تقول: ورحمة (٥) لأنَّ القرآنَ رحمةً)). قلت: يعني أنه جُعِل نفسُ القرآن مُراداً
به الرحمةُ مبالغةً، ولو ادَّعى ذلك على حَذْفٍ مضافٍ كان أقربَ، أي: وذا
قرآنٍ. وهذان الوجهان متكلَّفان .
الرابع: أن ينتصِبَ على الاشتغال(٦)، أي: وفَرَقْنا قرآناً فرقناه. واعتذر
الشيخُ(٧) عن ذلك، أي: عن كونِه لا يَصِحُّ الابتداءُ به لو جَعَلْناه مبتدأً لعدم
مُسَوِّغ (٨)؛ لأنه لا يجوزُ الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسمِ الابتداءُ،
بأنَّ ثَّ صفةً محذوفةً، تقديرُه: وقرآناً أيَّ قرآنٍ، بمعنى عظيم. و((فَرَفْناه)) على
(١) الآية ١٠١ .
(٢) الأصل ((واحد)» وهو سهو.
(٣) معاني القرآن ١٣٢/٢.
(٤) الأصل ((بشيراً» وهو سهو.
(٥) سقطت الواو من الأصل وأثبتناها من الفراء.
(٦) قال أبو حيان: ((ورجَّحه على الرفع كونه عطفاً على جملة فعلية وهي قوله
وما أرسلناك)). انظر: البحر ٨٧/٦.
(٧) البحر ٨٧/٦.
(٨) لأنه لا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تُفِدْ.
٤٢٥

- الإسراء-
هذا لا محلَّ له بخلاف الأوجهِ المتقدمةِ؛ فإن محلَّه النصبُ لأَنَّه نعتُّ
لـ « قرآناً )».
والعامَّةُ ((فَرَقْناه)) بالتخفيف، أي: بَيَّنَا حلالَه وحرامَه، أو فَرَقْنا فيه بين
الحق والباطل. وقرأ(١) علي بن أبي طالب - كرَّم اللَّهُ وجهَه ــ وأُبَيّ
وعبدُ اللَّه وابنُ عباس والشعبي وقتادة وحميد في آخرين بالتشديد. وفيه
وجهان، أحدُهما: أنَّ التضعيفَ فيه للتكثير، أي: فَرَّقْنا آياتِه بين أمرٍ ونهي
وحِكَمٍ وأحكامٍ ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار ماضيةٍ ومستقبلةٍ. والثاني : أنه
دالٌّ على التفريق والتنجيم.
قال الزمخشري (٢): ((وعن ابن عباس أنه قرأ مشدّداً، وقال: لم يَنْزِلْ
في يومين ولا في ثلاثةٍ، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنةً، يعني أنَّ
((فَرَقَ)) بالتخفيف يدلُّ على فصلٍ متقاربٍ)).
قال الشيخ (٣): (وقال بعضُ من اختار ذلك - يعني التنجيمَ - لم يَنْزِلْ
في يومٍ ولا يومين ولا شهرٍ ولا شَهْرَيْن، ولا سنةٍ ولا سنتين. قال ابنُ عباس:
كان بين أوله وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشريُّ عن ابن عباس».
[٥٨٣/ ب] قلت: وظاهرُ / هذا أنَّ القولَ بالتنجيم ليس مرويّاً عن ابن عباس ولا سيما وقد
فَصَلَ قولَه ((قال ابن عباس)) مِنْ قولِه ((وقال بعضُ مَنْ اختار ذلك))، ومقصودُه
أنه لم يُسْنِده لابن عباسُ لِيَتِمَّ له الردُّ على الزمخشري في أنَّ فَعَّل بالتشديد
لا يَدُلُّ على التفريق، وقد تقدَّم له معه هذا المبحثُ أولَ هذا الموضوع.
(١) الإتحاف ٢٠٦/٢، منسوبة إلى ابن محيصن، البحر ٨٧/٦، القرطبي ٣٣٩/١٠،
المحتسب ٢٣/٢.
(٢) الكشاف ٢/ ٤٦٩ .
(٣) البحر ٨٧/٦.
٤٢٦٠

- الإسراء -
قوله: ((لتقرأَه) متعلقٌ بـ((فَرَقْناه). و((على مُكْثٍ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ،
أحدُها: أنه متعلَّق بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول في
(تقرأه))، أي: متمهِّلًا مترسِّلاً. والثاني: أنه بدلٌ مِنْ ((على الناس)) قاله
الحوفيُّ، وهو وهمٌ، لأنَّ قوله ((على مُكْثٍ)) من صفاتِ القارىء أو المقروء من
جهةِ المعنى، لا من صفاتِ الناس حتى يكون بدلاً منهم. الثالث: أنه متعلِّقٌ
بـ «فَرَقْنا)».
وقال الشيخ(١): ((والظاهرُ تَعَلُّق ((على مُكْث)) بقوله ((لتقرأه))، ولا يُبالَى
بكونِ الفعلِ يتعلَّق به حرفا جرِّ من جنسٍ واحدٍ لأنه اختلف معنى الحرفين؛
لأنَّ الأولَ في موضعِ المفعول به، والثاني في موضعِ الحالِ، أي: متمهِّلاً
مترسِّلاً)».
قلت: قولُه أولاً إنه متعلقٌ بقوله ((لتقرأَه)) ينافي قولَه في موضع الحال؛
لأنه متى كان حالاً تعلَّق بمحذوف. لا يُقال: أراد التعلق المعنوي لا الصناعي
لأنه قال: ولا يُبالَى بكون الفعل يتعلق به حرفا جرّ من جنسٍ [واحد))]،
وهذا تفسيرُ إعرابٍ لا تفسیرُ معنى .
والمُكْثُ: التطاولُ في المدة وفيه ثلاثُ لغاتٍ (٢): الضمُّ والفتحُ
- ونقل القراءةُ بهما الحوفي وأبو البقاء(٣) - والكسرُ، ولم يُقرأ به فيما
علمتُ. وفي فعله الفتحُ والضم (٤) وسيأتيان إن شاء الله تعالى في النمل (٥)
(١) البحر ٨٧/٦.
(٢) أي في الميم، وقراءة الفتح قراءة ابن محيصن كما في القرطبي ١٠ /٣٤٠، أو قتادة
كما في الشواذ ٧٧ .
(٣) الإملاء ٩٧/٢.
(٤) أي في الكاف: مَكَثَ، ومَكُث. انظر: اللسان (مكث).
(٥) الآية ٢٢، قرأ عاصم بفتح الكاف وقرأ الباقون بالضم. السبعة ٤٨٠.
٤٢٧

- الإِسراء-
آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿للأذقان﴾: في هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه،
أحدُها: أنها بمعنى ((على))، أي: على الأذقان كقولهم: خرَّ على وجهِه.
والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري(١): ((فإن قُلْتَ: حرفُ الاستعلاءِ
ظاهرُ المعنى إذا قلت: خَرَّ على وجهه وعلى ذَقَّنه فما معنى اللام في ((خَرِّ
لذقَنِه ولوجهه)»؟ قال(٢)
٣١١٧-
فخرَّ صريعاً لليدين وللفمِ
قلت: معناه جَعَلَ ذقْنَه ووجهَه للخُرور، واختصّ به؛ لأنَّ اللامَ
للاختصاص. وقال أبو البقاء(٣): ((والثاني هي متعلقةٌ بـ ((يَخِرُّون)) واللامُ على
بابها، أي: مُذِلُّون للأذقان)».
والأذْقان: جمعُ ذَقَنٍ وهو مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْن. قال الشاعر(٤):
٣١١٨- فَخَرُّوا لَأَذْقَانِ الوجوه تنوشُهُمْ سِباعٌ من الطير العوادِي وَتَنْتِفُ
و((سُجَّداً) حال. وجوّز أبو البقاء(٥) في ((للأذقان)) أن يكونَ حالاً. قال:
((أي: ساجدين للأذقان)) وكأنه يعني به ((للأذقان)) الثانية(٦)؛ لأنه يصير
المعنى: ساجدين للأذقان سُجَّداً، ولذلك قال: «والثالث: أنها - يعني
اللامَ - بمعنى ((على))، فعلى هذا تكون حالاً مِنْ ((يَيْكُون)) و ((ینْكُون)»
حال)) .
(١) الكشاف ٤٧٠/٢.
(٢) تقدم برقم (٣٠٣٠).
(٣) الإملاء ٩٨/٢.
(٤) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ٦٩/٦.
(٥) الإملاء ٩٨/٢.
(٦) في الآية ١٠٩.
٤٢٨

- الإسراء -
آ. (١٠٩) قوله تعالى: ﴿ويَزِيدُهم): فاعلُ ((يزيد)): إمّا
القرآنُ، أو البكاءُ أو السجودُ أو المتلوُّ، لدلالةِ قوله: ((إذا يتْلى)». وتكرَّر
الخُرور لاختلافِ حالتِه بالبكاء والسجود، وجاءتِ الحالُ الأولى (١) اسماً
لدلالتِه على الاستقرار، والثانية فعلًا لدلالتِه على التجدُّدِ والحدوث.
آ. (١١٠) قوله تعالى: ﴿أياً ما تَدْعُوا﴾: ((أيّاً)) منصوب
بـ ((تَدْعُوا)) على المفعول به، والمضافُ إليه محذوفٌ، أي: أيَّ الاسمين.
و ((تَدْعوا)) مجزوم بها فهي عاملةٌ معمولةٌ، وكذلك الفعلُ، والجوابُ الجملةُ
الاسمية مِنْ قوله ((فله الأسماء الحسنى)). وقيل: هو محذوفٌ تقديرُه: جاز،
ثم استأنفَ فقال: فله الأسماء الحسنى)). وليس بشيءٍ.
والتنوين في ((أيًّاً)) عوضٌ من المضافِ إليه. وفي ((ما) قولان،
أحدهما: أنها مزيدةٌ للتأكيد. والثاني: أنها شرطيةً جُمِعَ بينهما تأكيداً كما
جُمِع بين حَرْفَيْ الجرِّ للتأكيد، وحَسَّنه اختلافُ اللفظ كقوله(٣):
٣١١٩- فَأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْني عن بما به
ويؤيِّد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرف(٤) ((أياً مَنْ تَدْعُوا)) فقيل: ((مَنْ))
تحتمل الزيادة على رأي الكسائي كقوله في قوله(٥):
(١) وهي قوله ((سُجَّداً)).
(٢) وهي قوله ((يبكون)).
(٣) تقدم برقم (٩١٦).
(٤) البحر ٩٠/٦.
(٥) تقدم برقم (١٦٠). و((في قوله)) مقحمة.
٤٢٩

- الإِسراء -
٣١٢٠- يا شاةَ مَنْ قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ له
واحتُمِل أن تكونَ شرطيةً، وجُمِع بينهما تأكيداً لِما تقدم. و((تَدْعُوا))
هنا يحتمل أن يكونَ من الدعاء وهو النداء فيتعدَّى لواحدٍ، وأن يَكونَ بمعنى
التسمية فيتعدَّى لاثنين، إلى الأولِ بنفسه، وإلى الثاني بحرفِ الجر، ثم
يُتْسَعُ في الجارِّ فُيُحذف كقوله(١):
٣١٢١ - دَعَتْني أخاها أمُّ عمرٍ .....
والتقدير: قل: ادعُوا معبودَكم بالله أو بالرحمن / بأيّ الاسمين سَمَّيتموه.
[٥٨٤/أ]
وممَّن ذهب إلى كونها بمعنى ((سَمِّى » الزمخشري(٢).
ووقف(٣) الأخوان على ((أيّا)) بإبدال التنوين ألفاً، ولم يقفا على ((ما))
تبييناً لانفصال ((أيَّ)) مِنْ ((ما)). ووقف غيرُهما على ((ما)) لامتزاجها
بـ ((أيّ))، ولهذا فُصِل بها بين ((أيّ)) وبين ما أُضيفت إليه في قوله تعالى
((أيُّ ما الأجلين))(٤). وقيل: ((ما)) شرطيةٌ عند مُنْ وقف على ((أياً)) وجعل
المعنى: أيَّ الاسمينِ دَعَوْتموه به جاز ثم استأنف («ما تَدْعُوا فله الأسماء
الحسنى))، يعني أنَّ ((ما)) شرطٌ ثانٍ، و((فله الأسماءُ)) جوابُه، وجوابُ الأول
مقدَّرُ. وهذا مردودٌ بأنَّ ((ما)) لا تُطلق على آحاد أولي العلم، وبأنَّ الشرطَ
يقتضي عموماً، ولا يَصِحُّ هنا، وبأن فيه حَذْفَ الشرط والجزاء معاً .
آ. (١١١) قوله تعالى: ﴿مِنْ الذُّلِّ﴾: فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها:
(١) تقدم برقم (٤٩٨).
(٢) الكشاف ٤٧٠/٢.
(٣) التيسير ٦١، الإتحاف ٢٠٦/٢.
(٤) الآية ٢٨ من القصص. أي فرسمت ((أيما)).
٤٣٠

- الإسراء-
أنها صفةٌ لـ((وليّ))، والتقدير: وليّ من أهلِ الذل، والمرادُ بهم: اليهودُ
والنصارى؛ لأنهم أذلُّ الناسِ. والثاني: أنها تبعيضية. الثالث: أنها للتعليل،
أي: مِنْ أجل الذُّلِّ. وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشريُّ(١) فإنه قال: ((وليّ
من الذل: ناصرٌ من الذل، ومانعٌ له منه، لاعتزازه به، أو لم يُوالِ أحداً
لَأَجْلِ مَذَلَّةٍ به ليدفعَها بموالاتِه)».
وقد تقدَّم الفرقُ بين الذُّل والذِّل في أولِ هذه السورة(٢).
والمخافَتَةُ: المُسَارَّةُ بحيث لا يُسْمَعُ الكلامُ. وضَرَبْتُه حتى خَفَتَ،
أي: لم يُسْمَعْ له حِسٌ.
(١) الكشاف ٢ / ٤٧٠.
(٢) الآية ٢٤ .
٤٣١

- الکھف -
سورة الكهف
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿ولم يَجْعَلْ﴾: في هذه الجملةِ أوجهٌ، أحدُها: أنَّها
معطوفةٌ على الصلةٍ قبلَها. والثاني: أنها اعتراضيةً بين الحالِ وهي ((قَيِّما))
وبين صاحبِها وهو (الكتابَ)). والثالث: أنَّها حالٌ من ((الكتابَ))، ويترتَّبُ على
هذه الأوجهِ القولُ في ((قَيِّماً)).
آ. (٢) قوله: ﴿قَيِّمْ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه حالٌ من ((الكتاب)).
والجملةُ مِنْ قولِه ((ولم يَجْعَلْ)) اعتراضٌ بينهما. وقد مَنَع الزمخشريُّ(١) ذلك
فقال: ((فإِنْ قُلْتَ: بم انتصَبَ ((قَيِّماً))؟ قلت: الأحسنُ أن ينتصِبَ بمضمرٍ،
ولم يُجْعَلْ حالاً من ((الكتابَ)) لأنَّ قولَه ((ولم يَجْعَلْ)) معطوفٌ على ((أَنْزَلَ)) فهو
داخلٌ في حَيِّزِ الصلةِ، فجاعِلُه حالاً فاصِلٌ بين الحالِ وذي الحالِ ببعضٍ
الصلة)). وكذلك قال أبو البقاء (٢). وجوابُ هذا ما تقدَّمَ مِنْ أَنَّ الجملةً
اعتراضٌ لا معطوفةٌ على الصلةِ.
الثاني: أنَّه حالٌ مِنَ الهاءِ في ((له)). قال أبو البقاء(٣): ((والحالُ مؤكِّدةٌ.
وقيل: منتقلةٌ)). قلت: القولُ بالانتقالِ لا يَصِحُ.
(١) الكشاف ٤٧١/٢.
(٢) الإملاء ٩٨/٢.
(٣) الإِملاء ٩٨/٢.
٤٣٣

الكهف -
الثالث: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، تقديرُه: جَعَلَه قَيِّماً. قال
الزمخشريُّ (١): ((تقديرُه: ولم يَجْعَلْ له ◌ِوَجاً، جعله قيماً، لأنه إذا نفى عنه
العِوَج فقد أثبتَ له الاستقامةَ)). قال: ((فإنْ قلتَ: ما فائدة الجمعِ بين نَفْيِ
العِوَجِ وإثباتِ الاستقامةِ وفي أحدِهما غِنَىِّ عن الآخر؟. قلت: فائدتُه التأكيدُ
فَرُبَّ مستقيمٍ مشهودٌ له بالاستقامةِ، ولا يَخْلُو مِنْ أدنى عِوَجٍ عند السُّبْرِ
والتصفّح)).
الرابع: أنَّه حالٌ ثانيةٌ، والجملةُ المنفيَّةُ قبلَه حالٌ أيضاً، وتعدُّدُ الحالِ
الذي حالٍ واحدٍ جائزٌ، والتقديرُ: أُنزلَه غيرَ جاعلٍ له عِوجاً قيِّماً.
الخامس: أنه حال أيضاً، ولكنه بدلٌ من الجملةِ قبلَه لأنَّها حالٍ،
وإبدالُ المفردِ من الجملةِ إذا كانت بتقدير مفردٍ جائزٌ، وهذا كما أُبْدِلَتِ
الجملةُ من المفردِ في قولهم: ((عَرَفْتُ زيداً أبو مَنْ ه))(٢) ..
والضميرُ في ((له)) فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه للكتاب، وعليه التخاريجُ
المتقدمةُ. والثاني: أنَّه يعودُ على ((عبدِه)»، وليس بواضحٍ .
وقرأ العامَّةُ بتشديد الياء(٣). وأبانُ بنُ تَغْلبَ (٤) بفتحِها خفيفةً. وقد
تَقَدَّم القولُ فيها(٥).
ووقف حفصٌ(٦) على تنوينِ ((عِوَجاً)) يُبْدله ألفاً، [ويسكت] سكنةً لطيفةً
(١) الكشاف ٤٧٢/٢.
(٢) انظر: الارتشاف ٦٢٦/٢ - ٦٢٧، البحر ٩٦/٦.
(٣) في ((قَيِّما)).
(٤) الشواذ ٧٨ .
(٥) انظر: الدرّ المصون ٥٨١/٣.
(٦) انظر: التيسير ١٤٢، النشر: ٣١٠/٢، الإتحاف ٢٠٨/٢. وفي هذا الوقف تنبيه إلى
أنَّ ((قَيِّماً)) ليس وصفاً لـ((عِوَجاً)) لأنه يؤدي إلى فساد المعنى، كما يشير المؤلف.
٤٣٤

- الكهف -
من غير قَطْعِ نَفَسٍ ، إشْعاراً بأنَّ ((قَيِّماً)) ليس متصلاً بـ((عِوَجاً))، وإنما هو مِنْ صفةِ
الكتاب. وغيرُه لم يَعْبأ بهذا الوهمِ فلم يسكتْ اتِّكالا على فَهْمِ المعنى.
قلت: قد يتأيّد ما فعله حفصٌ بما في بعضِ مصاحفٍ(١) الصحابةِ:
((ولم يَجْعَلْ له ◌ِوَجاً، لكنْ جَعَلَه قَيِّماً)). وبعض القراء يُطْلِقُ فيقول: يَقِف
على ((عِوَجا))، ولم يقولوا: يُبدل التنوين ألفاً، فيُحْتمل ذلك، وهو أقربُ
لغرضِه فيما ذكرْتُ.
ورَأَيْتُ الشيْخَ شهاب الدين أبا شامة قد نقل هذا عن ابنٍ غلبون(٢)
وأبي علي الأهوازيِّ، أعني الإِطلاقَ. ثم قال: ((وفي ذلك نَظَرُ - أي في
إبدالِ التنوين ألفاً - فإنه لو وَقَفَ على التنوين لكان أَدَلَّ على غرضِه، وهو أنه
واقفٌ بنيَّةِ الوصلِ)). انتهى.
وقال الأهوازيُّ: ((ليس هو وَقْفاً مختاراً، لأنَّ في الكلامِ تقديماً
وتأخيراً، معناه: أَنْزَلَ على عبدِه الكتاب قيِّماً ولم يَجْعَلْ له ◌ِوَجاً)). قلت:
دَعْوى التقديمِ والتأخيرِ وإنْ كان قال به غيرُه، إلا أنها مَرْدودةٌ بأنَّها على
خلافِ الأصل، وقد تقدَّم تحقيقُه .
وفَعَلَ حفص(٣) في مواضعَ من القرآن مثلَ فِعْلِهِ هنا مِنْ سكتةٍ لطيفةٍ
نافيةٍ لوَهْمٍ مُخِلِّ. فمنها: أنَّه كان يقفُ على ((مَرْقَدِنا))، ويَبْتدىء: ((هذا
ما وعَدَ الرَحمنُ))(٤). قال: ((لئلا يُتَوَهِّمَ أنَّ ((هذا)) صفةٌ لـ ((مَرْقَدِنا)) فالوقفُ
(١) البحر ٩٦/٦، وقال أبو حيان: ((ويُحمل ذلك على تفسير المعنى لا أنها قراءة)).
(٢) عبد المنعم بن عبيد الله أبو الطيب الحلبي نزيل مصر. له ((الإِرشاد)» في السبع.
توفي سنة ٣٨٩. انظر: طبقات القراء ١/ ٤٧٠، النشر ٧٩/١.
(٣) النشر ٢٤٣/١، التيسير ١٤٢.
(٤) الآية ٥٢ من يس.
٤٣٥

- الكهف -
[٥٨٤ب] يبِيِّن أنَّ كلامَ الكفارِ انقَضى، ثم ابتُدِىء بكلامٍ / غيرِهم. قيل: هم
الملائكةُ. وقيل: هم المؤمنون. وسيأتي في يس ما يَقْتضي أنْ يكونَ ((هذا))
صفةً لـ ((مَرْقَدِنا)» فيفوتُ ذلك.
ومنها: ((وقيل مَنْ راقٍ))(١). كان يقف على نونِ ((مَنْ)) ويَبْتَدِىء ((راقٍ))
قال: ((لئلا يُتَوَهَّمَ أنَّها كلمةٌ واحدةٌ على فَعَّال اسمَ فاعلٍ للمبالغة مِنْ مَرّق
يَمْرُق فهو مَرَّاق.
ومنها: ((بَلْ ران))(٢) كان يقفُ على لام بل، ويَبْتدىء ((رانَ)) لِما تقدَّم.
قال المهدويُّ: ((وكان يَلْزَمُ حفصاً مثلُ ذلك، فيما شاكَّلَ هذه المواضعَ،
وهو لا يفعلُه، فلم يكن لقراءتِه وَجْهٌ من الاحتجاجِ إلا اتباعُ الأثَرِ فِي
الرواية)). قال أبو شامة(٣): ((أَوْلَى من هذه المواضعِ بمراعاةِ الوقفِ عليها: ((ولا
يَحْزُنْكَ قولُهم. إنَّ العِزَّة للَّهِ جميعا))(٤)، الوقفُ على ((قَوْلُهم)) لئلا يُتَوَهَّم أنَّ
ما بعده هو المقولُ))، وكذا ((أنَّهم أصحابُ النارِ. الذين يَحْمِلون العَرْشَ))(٥)
ينبغي أن يُعْتَنَى بالوقفِ على ((النار)) لئلا تُتَوَهَّم الصفةُ)).
قلت: وَتَوَهُّمُ هذه الأشياءِ مِنْ أبعدِ البعيدِ. وقال أبو شامةً أيضاً:
(ولو لَزِمِ الوقفُ على اللامِ والنونِ لَيَظْهرا لَلَزِمَ ذلك في كلِّ مُدْغَمٍ)). قلت:
يعني في («بَلْ رَانَ)) وفي ((مَنْ راقٍ)».
قوله: ((لِيُنْذِرَ)) في هذهِ اللامِ وجهان، أحدُهما: أنَّها متعلقةٌ بـ((قَيِّماً)
(١) الآية ٢٧ من القيامة !
(٢) الآية ١٤ من المطففين.
(٣) إبراز المعاني له ٥٦٦.
(٤) الآية ٦٥ من يونس.
(٥) الآية ٧،٦ من غافر: ((وكذلك حَقَّتْ كلمةُ ربِّك على الذين كفروا أنَّهم أصحابُ
النارِ * الذين يَحْملون العرشَ ومَنْ حولَه يُسَبِّحون بحمدِ ربِّهم ... ».
٤٣٦

- الكهف -
قاله الحوفيُّ. والثاني : - وهو الظاهرُ - أنها تتعلَّق بـ ((أَنْزَلَ)). وفاعلُ ((لِيُنْذِرَ))
يجوز أن يكونَ ((الكتابَ)) وأن يكونَ الله، وأن يكون الرسول.
و ((أَنْذَرَ) يتعدَّى لاثنين: ((إِنَّا أَنْذَرْناكم عذاباً قريباً))(١)، فَقُلْ أَنْذَرْتُكم
صاعقةً))(٢). ومفعولُه الأولُ محذوفٌ، فقدَّره الزمخشريُّ (٣): ((لِيُنْذِرَ الذين
كفروا، وغيره: ((ليُنْذِرَ العبادَ))، أو ((لُيُنذِرَكم))، أو لِيُنْذِرَ العالَم. وتقديرُه أحسنُ
لأنه مقابلٌ لقوله ((ويُبَشِّرَ المؤمنين))، وهم ضِدُّهم.
وكما حَذَفَ المُنْذَرَ وَأَتَى بِالْمُنْذَرِ به هنا، حَذَفَ المُنْذَرَ به وأتىْ بِالمُنْذَر
في قولِه ((ويُنْذِرَ الذين قالوا))(٤) فَحَذَفَ الأولَ مِنَ الأولِ لدَلالةِ ما في الثاني
عليه، وحذَفَ الثاني مِنَ الثاني لدلالةٍ ما في الأوَّلِ عليه، وهو في غايةٍ
البلاغة، ولمّا لم تتكررِ البِشارةُ ذَكَرَ مفعوليها فقال: ((ويُبَشِّر [المؤمنين] الذين
يَعْملون الصالحاتِ أنَّ لهم أَجْراً».
قوله: ((مِنْ لَدُنْه)) قرأ(٥) أبو بكر عن عاصم بسكون الدالِ مُشَمِّةً الضمّ
وكسرٍ النونِ والهاءِ موصلةً بياءٍ، فيقرأ ((مِنْ لَدْنِهِيْ)) والباقون يَضُمون الدالَ،
ويسكِّنون [النونَ] ويَضُمُّون الهاءَ، وهم على قواعدهم فيها: فابنُ كثيرٍ يَصِلها
بوارٍ نحو: مِنْهو وعَنْهو، وغيرُه لا يَصِلُها بشيء.
ووَجهُ أبي بكرٍ: أنه سَكَّن الدالَ تخفيفاً كتسكين عين ((عَضُد)» والنونُ
(١) الآية ٤٠ من النبأ.
(٢) الآية ١٣ من فصلت.
(٣) الكشاف ٤٧٢/٢ .
(٤) الآية ٤ من الكهف.
(٥) السبعة ٣٨٨، النشر ٣١٠/٢، التيسير ١٤٢، الإتحاف ٢٠٩/٢، البحر ٩٦/٦.
وقال في النشر: ((وانفرد نفطويه عن الصريفيني عن يحيى عن أبي بكر بكسر الهاء
من غير صلة)).
٤٣٧

- الكهف -
ساكنةٌ، فالتقى ساكنانِ فكسَرَ النونَ لالتقاء الساكنين، وكان حقُّهِ أن یکسِرَ
الأولَ على القاعدةِ المعروفةِ إلا أنَّه يَلْزَمُ منه العَوْدُ إلى ما فَرَّ منه، وسيأتي
لتحقيق هذا بيانٌ في قولِهِ ((ويَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ))(١) في سورة النورِ، فهناك
نتكلّم فيه، ولَمَّا كَسر النونَ لِما ذکرْتُه لك کَسَرَ الھاءَ إنْباعاً على قاعدته
ووَصَلَها بياء. وأَشَمَّ الدالَ إِشارةً إلى أصلِها في الحركة.
والإِشمامُ هنا عبارةٌ عن ضَمِّ الشفتين مِنْ غير نطق، ولهذا يختصُّ به
البصيرُ دونَ الأَعْمى، هكذا قرَّره القراءُ وفيه نَظَرُ، لأنَّ الإِشمامَ المشارَ إِليه
إنما يتحقَّقُ عند الوقفِ على آخرِ الكلمةِ فلا يليق إلا بأنْ يكونَ إشارةٌ إلى
حركةٍ الحرفِ الأخيرِ المرفوعِ إذا وُقف عليه نحو: ((جاء الرجل))، وهكذا :
ذكره النحويون. وأمَّا كونُهُ يُؤْتِى بِه فِي وَسَط الكلمةِ فلا يُتَصَوَّرُ إِلاَّ أَنْ يقِفَ
المتكلمُ على ذلك الساكنِ ثم يُنْطِقَ بباقي الكلمة. وإذا جَرَّبْتَ نُطْقَك في هذا
الحرفِ الكريمِ وَجَدْتَ الأمرَ كذلك، لا تَنْطِقُ بالدالِ ساكنةٌ مشيراً إلى ضمِّها
إلا حتى تقفَ عليها، ثم تأتي بباقي الكلمةِ.
فإِنْ قلتَ: إنما آتي بالإشارة إلى الضمةِ بعد فراغي من الكلمة
بأَسْرِها. قيل لك: فاتَتِ الدلالةُ على تعيينِ ذلك الحرفِ المشارِ إلى حركتِه.
ويمكن أَنْ يُجابَ عن هذا بأنه ليس في الكلمة ما يَصْلُحِ أَنْ يُشارَ إلى حركتِه
إلا الدالُ. وقد تقدَّم في ((يوسف)» أن الإِشمامَ في ((لا تَأْمَنَّا))(٢) إذا فَسَّرناه
بالإشارة إلى الضمة: منهم مَنْ يفعلُه قبل كمالِ الإِدغام، ومنهم مَنْ يفعلُه
بعده، وهذا نظيرُه. وتقدَّم أنَّ الإِشمامَ يقع بإزاء معانٍ أربعةٍ تقدَّم تحقيقُها(٣).
(١) الآية ٥٢ من النور.
(٢) الآية ١١.
(٣) انظر: الدرّ المصون ٤٤٨/٦.
٤٣٨

- الكهف -
و((مِنْ لَدُنْه)) متعلق بـ ((لِيُنْذِرَ)) /. ويجوز تعلُّقُه بمحذوفٍ نعتاً [٥٨٥أ]
لـ (بأساً)، ويجوز أنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في ((شديداً)).
وقُرِىء(١) ((ويُبَشِّرُ)) بالرفعِ على الاستئنافِ.
آ. (٣) قوله: ﴿ماكثين﴾: حالٌ: إمَّا من الضميرِ المجرورِ في
(لهم))، أو المرفوعِ المستترِ فيه، أو مِنْ ((أجراً) لتخصُّصِه بالصفةِ، إلا أنَّ هذا
لا يجيءُ إلا على رَأْيِ الكوفيين: فإنهم لا يشترطون بروزَ الضميرِ في الصفةِ
الجاريةِ على غير مَنْ هي له إذا أُمِنَ اللَّبْسُ(٢)، ولو كان حالاً منه عند
البصريين لقال: ماكثين هم فيه. ويجوز على رَأْيِ الكوفيين أن يكونَ صفةً
ثانيةً لـ ((أَجْراً)). قال أبو البقاء(٣): ((وقيل: هو صفةٌ لـ ((أَجْرا))، والعائدُ: الهاءُ
مِنْ ((فيه)). ولم يَتَعَرَّضْ لبروزِ الضميرِ ولا لعدمِه بالنسبة إلى المذهبين.
و (أبداً)) منصوبٌ على الظرفِ بـ ((ماکثین)).
آ. (٥) قوله: ﴿ماهُمْ به﴾: أي: بالولدِ، أو باتخاذه، أو بالقولِ
المدلول عليه بـ ((اتَّخذ)) وبـ ((قالوا))، أو بالله .
وهذه الجملةُ المنفيةُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها مستأنفةٌ سِيقَتْ
للإِخبارِ بذلك. والثاني: أنها صفةً للولدِ، قاله المهدويُّ. وردّه ابنُ عطيةً:
بأنه لا يَصِفُه بذلك إلا القائلون، وهم لم يَقْصِدوا وَصْفَه بذلك. الثالث: أنها
حالٌ مِنْ فاعلِ ((قالوا))، أي: قالوه جاهلين.
(١) البحر ٩٦/٦. ولم يشر السمين هنا إلى قراءة حمزة والكسائي ((ويَبْشُر)) بالتخفيف.
انظر: الإتحاف ٢٠٩/٢.
(٢) الإنصاف ٥٧/١.
(٣) الإملاء ٩٨/٢.
٤٣٩

- الکھف -
و((مِنْ علمٍ)) يجوز أَنْ يكونَ فاعلاً (١)، وأن يكون مبتدأ. والجارّ(٢) هو
الرافع (٣)، أو الخبر(٤). و((مِنْ)) مزيدةٌ على كلا القولين.
قوله: ((كَبْرَتْ كلمةً)) في فاعلِ ((كَبُرَتْ)) وجهان، أحدُهما: أنه مضمرٌ
عائدٌ على مقالتِهم المفهومة مِنْ قوله: ((قالوا: اَّخذ الله))، أي: كَبُرَ مقالُهم،
و ((كلمةً)) نصبٌ على التمييز، ومعنى الكلامِ على التعجب، أي: ما أكبرها
كلمةٌ. و((تَخْرُجُ)) الجملةُ صفةٌ لـ ((كلمة)). ودَلَّ استعظامُها لأنَّ بعضَ
ما يَهْجِسُ بالخاطرِ لا يَجْسُرِ الإِنسانُ على إظهاره باللفظ(٥).
والثاني: أن الفاعلَ مضمرٌ مفسَّرٌ بالنكرةِ بعده المنصوبةِ على التمييزِ،
ومعناها الذمُّ كـ ((بِئْس رجلًا)»، فعلى هذا: المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ
تقديرُه: كَبِرَتْ هي الكلمةُ كلمةً خارجةً مِنْ أفواهِهم تلك المقالةُ الشَّنعاءُ.
وقرأ العامَّةُ ((كلمةً)) بالنصبِ، وفيها وجهان: النصبُ على التمييز، وقد
تقدَّم تحقيقُه في الوجهين السابقين. والثاني: النصبُ على الحالِ. وليس
بظاهر.
وقوله: ((تَخْرُجُ)) في الجملة وجهان، أحدُهما: هي صفةٌ لكلمة.
والثاني: أنها صفةٌ للمخصوصِ بالذِّ المقدَّرِ تقديرُه: كَبُرَت كلمةٌ خارجةٌ
كلمةً.
(١) لأنَّ ((مِنْ)) زائدة، فقد دخلت على نكرة وسبقت بنفي.
(٢) وهو ((لهم)).
(٣) التقدير: ما استقرَّ لهم.
(٤) التقدير: ما علم كائن لهم.
(٥) انظر: البحر ٦ /٩٧.
٤٤٠