Indexed OCR Text
Pages 241-260
- النحل - آ. (٥٥) قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾: في هذه اللامِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها لامُ كي، وهي متعلقةً بـ ((يُشْرِكون))، أي: إنَّ إشراكهم سبُبه كفرُهم به. الثاني: أنها لامُ الصيرورةِ، أي: صار أمرُهم إلى ذلك. الثالث: أنها لامُ الأمرِ، وإليه نحا الزمخشريُّ(١). وقرأ(٢) أبو العالية - ورواها مكحول(٣) عن أبي رافع(٤) مولَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه صلى الله عليه وسلم ((فَيُمْتَعُوا)) بضمِّ الياء مِنْ تحتُ، ساكنَ الميم مفتوحَ التاء، مضارعَ مُتِع مبنياً للمفعول. ((فسوف يَعْلمون)» بالياءِ مِنْ تحتُ أيضاً. وهذا المضارع في هذه القراءةِ يجوز أن يكونَ حَذْفُ النونِ فيه: إمَّا للنصبِ عطفاً على ((ليكفروا)) إنْ كانت لامَ كي، أو للصيرورة، وإمَّا للنصبِ أيضاً، ولكنْ على جوابٍ الأمر إنْ كانت اللامُ للأمر. ويجوز أن يكونَ حَذْفُها للجزمِ عَطْفاً على ((لَيَكْفُروا)) إن كانت للأمر أيضاً. آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿لما لا يَعْلَمون﴾: الضميرُ في «يَعْلمون» يجوز أن يكونَ للكفار، أي: لِما لا يَعْلم الكفار، ومعنى لا يَعْلمونها: أنهم يُسَمُّونها آلهةً، ويعتقدون أنها تَضُرُّ وتنفع وتسمع، وليس الأمرُ كذلك. ويجوز أن يكونَ للآلهة وهي الأصنامُ، أي: لأشياءَ غيرِ موصوفةٍ بالعلم. (١) الكشاف ٤١٤/٢. (٢) انظر في قراءاتها: البحر ٥٠٢/٥، المحتسب ١١/٢، الشواذ ٧٣. (٣) مكحول بن أبي مسلم الهذلي بالولاء، فقيه الشام في عصره، محدِّث. قال الزهري: ((لم يَكُن في زمنه أبصر منه بالفتيا)). توفي سنة ١١٢هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ١٠١/١، ميزان الاعتدال ١٩٨/٣. (٤) اختُلِف في اسمه بين: إبراهيم وأسلم وثابت وهرمز، القبطي. مات في أول خلافة علي. انظر: تقريب التهذيب ٦٣٩ . ٢٤١ - النحل - و ((نصيباً)) هو المفعول الأول، والجارُّ قبلَه هو الثاني، أي: ويُصيِّرون للأصنام نصيباً. و((ممَّا رَزَقْناهم)) يجوز أن يكونَ نعتاً لـ((نصيباً))، وأن يتعلَّقَ بالجَعْلِ. فـ ((مِنْ)) على الأول للتبعيض، وعلى الثاني للابتداء. آ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿وَهُمْ ما يَشْتَهُون﴾: يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أن هذا جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبر، أي: يجعلون لله البناتِ، ثم أخبر أنَّ لهم ما يَشْتهون. وجوَّز الفراء(١) والحوفيُّ والزمخشريُّ(٢) وأبو البقاء(٣) أن تكونَ ((ما)) منصوبةً المحلُّ عطفاً على ((البناتِ)) و((لهم)) عطفُ على ((الله))، أي: ويجعلون لهم ما يشتهون. قال الشيخ(٤): ((وقد ذَهَلُوا عن قاعدةٍ نحوية: وهو أنه لا يتعدَّى فِعْلُ المضمرِ المتصلِ إلى ضميره المتصل إلا في باب ظنَّ وفي عَدِمَ وفَقَّدِ، ولا فرقَ بين أن يتعدَّى الفعلُ بنفسِه أو بحرفِ الجر، فلا يجوز: ((زيدٌ ضربه))، أي: ضربَ نفُسَه، ولا ((زيدٌ مَرَّ به))، أي: مرَّ بنفسه، ويجوز: ((زيدٌ ظَنَّه قائماً))، و((زيدٌ فَقَده)) و((عَدِمه))، أي: ظنَّ نفسَه قائماً وفَقّد نفسه وعَدِمها(٥). إذا تقرّر هذَا فَجَعْلُ ((ما)) منصوبةً عطفاً على ((البنات)) يؤدِّي إلى [٥٥٧/ب] تعدِّي فِعْلِ المضمرِ المتصل وهو واو / ((يَجْعَلُون)) إلى ضميرٍه المتصل، (١) معاني القرآن ١٠٥/٢ . (٢) الکشاف ٤١٤/٢ . (٣) عبارة أبي البقاء وقيل ((ما)) في موضع نصب عطفاً على ((نصيبا)). الإملاء ٨٢/٢. (٤) البحر ٥٠٣/٥ - ٥٠٤. (٥) قال بعد ذلك: ((والضمير المجرور بالحرف كالمنصوب المتصل، فلا يجوز: زيد غضب عليه تريد: غضب على نفسه». ٢٤٢ - النحل - وهو (هم)) في ((لهم))(١). انتهى ملخصاً. وما ذكره(٢) يحتاج إلى إيضاحٍ أكثرَ مِنْ هذا فأقول فيها مختصِراً: اعلمْ أنه لا يجوز تَعَدِّي فِعْلِ المضمرِ المتصلِ ولا فعلِ الظاهرِ إلى ضميرِهما المتصلِ ، إلا في بابٍ ظَنَّ وأخواتِها من أفعال القلوب، وفي فَقَد وعَدِم، فلا يجوز: ((زيد ضربه)) ولا ((ضربه زيد))، أي: ضربَ نفسه. ويجوز: ((زيد ظنّه قائماً))، وظنّه زيدٌ قائماً، و((زيد فَقَّده وعَدِمه))، و((فَقَده وعَدِمَه زيد)»، ولا يجوز تَعَذِّي فِعْلِ المضمر المتصل إلى ظاهره في بابٍ من الأبواب، لا يجوز: «زيداً ضرب)»، أي: ضربَ نفسَه. وفي قولي: ((إلى ضميرِهما المتصلِ)) قيدان أحدُهما: كونُه ضميراً فلو كان ظاهراً كالنفس لم يمتنع نحو: ((زيدٌ ضَرَبَ نفسَه)) و((ضَرَبَ نفسَه زيدٌ)). والثاني: كونُه متصلاً، فلو كان منفصلاً جاز نحو: ((زيدٌ ما ضربَ إلا إياه))، و(«ما ضرب زيدٌ إلا إياه))، وعِلَلُ هذه المسألةِ وأدلتُها موضوعُها غيرُ هذا الموضوعِ ، وقد أَنْقَنْتُها في ((شرح التسهيل)). وقال مكي (٣): ((وهذا لا يجوزُ عند البصريين، كما لا يجوز جعلتُ لي طعاماً، إنما يجوز: جعلتُ لنفسي طعاماً، فلو كان لفظُ القرآن ((ولأنفسِهم ما يَشْتَهون)) جاز ما قال الفراء عند(٤) البصريين. وهذا أصلٌ يحتاج إلى تعليلٍ وبَسْطٍ كثير)). قلت: ما أشارَ إليه من المَنْع قد عرفْتَه ولله الحمدُ مما قدَّمْتُه لك. (١) وقال: فهو نظير ((زيد غضب عليه)). (٢) قوله ((ما ذكره)) من (ش) وفي الأصل رُسِمت: عده. (٣) مشكل إعراب القرآن ١٦/٢. (٤) تكرر قوله ((عند)) في الأصل. ٢٤٣ - النحل - وقال الشيخ(١) بعد ما حكى أنَّ ((ما )) في موضعِ نصبٍ عن الفراءِ ومَنْ تبعه: ((وقال أبو البقاء(٢) - وقد حكاه -: وفيه نظرٌ)) قلت: وأبو البقاء لم يجعلِ النظرَ في هذا الوجه، إنما جعله في تضعيفه بكونِه يؤدِّي إلى تَعَدِّي فِعْلِ المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غيرِ ما اسْتُثْني فإنه قال: ((وضَعَّف قومٌ هذا الوجهَ وقالوا: لو كان كذلك لقال: ولأنفسهم، وفيه نظرٌ)) فجعل النظر في تضعیفِه لا فيه. وقد يُقال: وَجْهُ النظرِ الممتنعُ تعدِّي ذلك الفعلِ، أي: وقوعُه على ما جُرَّ بالحرف نحو: ((زيدٌ مَرَّ به)) فإن المرورَ واقعٌ بزيد، وأَمَّا ما نحن فيه فليس الجَعْلُ واقعاً بالجاعِلِين، بل بما يَشْتهون، وكان الشيخُ يَعْترض دائماً على القاعدةِ المتقدمةِ بقوله تعالى: ((وهُزِّي إليك بِجِدْعِ النخلة))(٣) ((واضْمُمْ إليك جناحَك))(٤) والجوابُ عنهما ما تقدَّم: وهو أنَّ الهَزَّ والضَّمَّ ليسا واقعين بالكاف، وقد تقدَّم لنا هذا في مكانٍ آخرَ، وإنما أَعَدْتُه لصعوبته وخصوصیةٍ هذا بزيادة فائدةٍ. آ. (٥٨) قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُه﴾: يجوز أن تكون على بابها مِنْ كونها تدلُّ على الإِقامة نهاراً على الصفةِ المسندةِ إلى اسمها، وأن تكونَ بمعنى صار، وعلى التقديرَيْن فهي ناقصةٌ، و((مُسْوَدَّا) خبرُها. وأمَّا ((وجهُهِ)) ففيه وجهان، المشهور - وهو المتبادَرُ إلى الذهن - أنه اسمها. والثاني: أنه (١) البحر ٥٠٣/٥. (٢) الإملاء ٨٢/٢. (٣) الآية ٢٥ من مريم. (٤) الآية ٣٢ من القصص. ٢٤٤ - النحل - بدلٌ من الضميرِ المستتر في ((ظل)) بدلُ بعضٍ من كل، أي: ظلَّ أحدُهم وجهُه، أي: ظلَّ وجهُ أحدِهم. قوله: ((كَظِيم)) يجوز أن يكونَ بمعنى فاعِل، وأن يكونَ بمعنى مَفْعول كقوله «وهو مَكْظُوم))(١). والجملة حال(٢) من الضمير في ((ظَلَّ))، أو مِنْ («وجهه))، أو من الضمير في ((مُسْوَدًّا)). وقال أبو البقاء(٣) هنا: ((فلو قُرِىء (مُسْوَدِّ) يعني بالرفع لكان مستقيماً، على أن تَجْعَلَ اسَمَ ((ظَلَّ)) مضمراً(٤)، والجملةُ خبرها)). وقال في سورة الزخرف(٥): ((ويُقرآن بالرفع على أنه مبتدأٌ وخبر في موضعٍ خبرِ «ظلَّ)). آ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى﴾: يحتمل أن تكونَ مستأنفةً، وأن تكونَ حالاً ممَّا كانت الأَوْلى حالاً منه، إلا [ مِنْ] ((وجهُه)) فإنه لا يليق ذلك به، ويجوز أن تكونَ حالاً من الضمير في («كظيم». قوله: ((مِنَ القومِ مِنْ سُوْء)) يُعَلَّق هنا جارَّان بلفظٍ واحدٍ لاختلافٍ معناهما؛ فإنَّ الأولى للابتداء، والثانية للعلة، أي: من أجلِ سُوْءٍ ما بُشِّر به. قوله ((أَيُمْسِكُه)). قال أبو البقاء(٦): ((في موضع الحال تقديرُه: يَتّوارى متردِّداً: هل يُمْسكه أم لا))، وهذا خطأً عند النَّحْوبين؛ لأنهم نَصُّوا على أن (١) ((إذ نادى وهو مكظوم)) الآية ٤٨ من القلم. (٢) الأصل: ((حالاً» وهو سهو. (٣) الإملاء ٨٢/٢. (٤) الأصل: «مضمر)) وهو سهو. (٥) في الآية ١٧ ((ظلَّ وجهُه مُسْوَدّاً وهو كظيم)). الإِملاء ٢٢٧/٢. ولم أَجد مَنْ نسب هذه القراءة، وانظر فيها القرطبي ١٦/ ٧٠. (٦) الإملاء ٨٢/٢. ٢٤٥ - النحل - الحالَ لا تقع(١) جملةً طلبيةً. والذي يظهر أنَّ هذه الجملة الاستفهاميةَ معمولةٌ لشيءٍ محذوفٍ هو حالٌ مِنْ فاعل ((يتوارى)» المتممِ للكلام، أي : يتوارى ناظراً أو مفكّراً: أَيُمْسِكُه على مُوْن. والعامَّةُ على تذكير الضمائر اعتباراً بلفظ ((ما)» وقرأ(٢)/ الجحدريُّ ((أَيُمْسِكها))، ((أم يَدُسُها)) مُراعاةً للأنثى أو لمعنى ((ما)). وقُرِىء (أَيَمْسِكه ◌ُم يَدُسُّها» [٥٥٨/أ] والجحدريُّ(٣) وعيسى قرآَ على ((هَوان)) بزنة ((قَذَالٍ))، وفرقةٌ على (هَوْنٍ)) بفتح الهاء، وهي قَلِقَةٌ هنا؛ لأن ((الهَوْن)) بالفتح الرِّفقُ واللين، ولا يناسب معناه هنا، وأمَّا (الهَوان)) فبمعنى هُوْن المضمومة . قوله: ((على هُوْن)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وهو مَرْوِيٌّ عن ابن عباس فإنه قال: يُمْسِكه مع رضاه بهوانٍ نفسه وعلى رغمِ أُنفِه . والثاني: أنه حالٌ من المفعولِ، أي: يُمْسِكها ذليلةً مُهانةً. والدَّسُ: إخفاءُ الشيءِ وهو هنا عبارةٌ عن الوَأْد. آ. (٦٢) قوله تعالى: ﴿أَلْسِتْتُهم الكذبَ﴾: العامَّةُ على أنَّ ((الكذبَ)) مفعولٌ به، و((أنَّ لهم الحسنى)) بدلٌ منه بدلُ كلٍ مِنْ كل، أو على إسقاط الخافض، أي: بأنَّ لهم الحسنى. (١) قوله ((لا تقع)) مخروم في الأصل. (٢) القرطبي ١١٧/١٠، البحر ٥٠٤/٥. (٣) القرطبي ١١٧/١٠، البحر ٥٠٤/٥. ٢٤٦ - النحل - وقرأ(١) الحسن ((أَلْسِنْهُمْ)) بسكونِ التاءِ تخفيفاً، وهي تُشْبه تسكينَ لامِ ((بلى ورُسُلْنا لديهم يكتبون))(٢)، وهمزة ((بارِثْكم))(٣) ونحوه. والأَلْسِنَةُ جمع (((لِسان)) مراداً به التذكير(٤) فُجُمِع كما يُجْمَعُ فِعال المذكر نحو: حِمار وأَحْمِرة، وإذا أُريد به التأنيثُ جُمِعَ جمعَ أفْعُل كذِراع وَذْرُع . وقرأ(٥) معاذ بن جبل ((الكُذُّبُ)) بضمِّ الكاف والذال ورفعِ الباء، على أنه جَمْعُ كَذُوْب كصَبُور وصُبُر، وهو مقيسٌ، وقيل: جمع کاذِب نحو: شارِف(٦) وشُرُف، كقولها(٧): ٢٩٨٨ - ألا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النَّواءِ لكنه غيرُ مقيسٍ، وهو حينئذٍ صفةٌ لـ((ألسنتهم))، وحينئذٍ يكون ((أنَّ لهم الحُسْنِى)) مفعولاً به. وقد تقدَّم الكلامُ في ((لا حَرَمَ))(٨) مستوفی في هود. قوله: ((وأنهم مُفْرَطون)) قرأ نافع (٩) بكسرِ الراءِ اسمَ فاعلٍ مِنْ أَفْرَطَ (١) البحر ٥٠٦/٥. (٢) الآية ٨٠ من الزخرف. ولم أقف على صاحب هذه القراءة. (٣) الآية ٥٤ من البقرة، وهي رواية عن أبي عمرو. انظر: الدر المصون ٣٦١/١. (٤) انظر: المذكر والمؤنث للفراء ٧٤. (٥) البحر ٥٠٦/٥، المحتسب ١١/٢. (٦) الشارف: الناقة المسنّة. (٧) تقدم برقم (١٧٥٥). (٨) انظر: الدر ٣٠٣/٦. (٩) السبعة ٣٧٤، الإتحاف ١٨٥/٢، النشر ٣٠٤/٢، البحر ٥٠٦/٥، الحجة ٣٩١، التيسير ١٣٨. ٢٤٧ - النحل - إذا تجاوزَ، فالمعنى: أنهم يتجاوزون الحَدَّ في معاصي الله تعالى. فأفْعَلَ هنا قاصرٌ. والباقون بفتحها اسمَ مفعولٍ مِنْ أَفْرَطْتُه، وفيه معنيان، أحدُهما: أنَّه مِنْ أَفْرطته خلفي، أي: تركتُهُ ونَسِيْتُه، حكى الفراء (١) أنَّ العرب تقول: أَفْرَطْتُ منهم ناساً، أي: خَلَّقْتُهم، والمعنى: أنهم مَنْسِيُّون متروكون في النار. والثاني: أنه مِنْ أَفْرَطْتُه، أي: قَدَّمْتُه إلى كذا، وهو منقولٌ بالهمزة مِنْ فَرَط إلى كذا، أي: تقدَّم إليه، كذا قال الشيخ(٢)، وأنشد للقطامي (٣): ٢٩٨٩ - واسْتَعْجَلُوْنا وكانوا مِنْ صحابَتِنا كما تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادٍ. فَجَعَلَ ((فَرَط)) قاصراً و((أفرط)) منقولاً. وقال الزمخشري (٤): ((بمعنى. يتقدَّمون إلى النار، ويتعجَّلون إليها، مِنْ أَفْرَطْتُ فلاناً وفَرَطْتُه إذا قدَّمته إلى الماء)»، فجعل فَعَلِ وأفْعَل بمعنى، لا أن أَفْعل منقولٌ مِنْ فَعَل، والقولان محتملان، ومنه ((الفَرْطُ))، أي: المتقدم. قال عليه السلام(٥): ((أنَّا فَرَطُكم على الحوض))، أي: سابِقُكم. ومنه(٦) ((واجعله فَرَطاً وذُخْراً))، أي: متقدِّماً بالشفاعةِ وتثقيلِ الموازين. وقرأ(٧) أبو جعفر - في روايةٍ ـــ ((مُفَرِّطون)) بتشديدِ الراءِ مكسورةً مِنْ (١) معاني القرآن ١٠٧/٢. (٢) البحر ٥٠٦/٥. (٣) اللسان (فرط)، والمحرر ٤٥٢/٨. (٤) الكشاف ٤١٥/٢ (٥) رواه البخاري: الفتح كتاب الرقاق ٤٦٣/١١، ٥٣ باب في الحوض. ابن حنبل ٢٥٧/١. : (٦) رواه البخاري: الفتح كتاب الجنائز ٢٠٣/٣، ٦٥ باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، ابن ماجة كتاب الزهد ٢/ ١٤٤٠، ٣٦ باب ذكر الحوض. (٧) الإتحاف ٢/ ١٨٥، البحر ٥٠٦/٥، القرطبي ١٢١/١٠، النشر ٣٠٤/٢. ٢٤٨ - النحل - فَرَّط في كذا: أي: قَصِّر، وفي روايةٍ : مفتوحةً، مِنْ فَرَّطته مُعَدَّى بالتضعيفِ مِنْ فَرَط بالتخفيف، أي: تَقَدَّم وسَبَقَ . وقرأ(١) عيسى بن عمر والحسن ((لا جَرَمَ إنَّ لهم النارَ وإنهم)) بكسرٍ ((إنَّ)) فيهما على أنَّها جوابُ قسمٍ أَغْنَتْ عنه ((لا جَرَم)). آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿فهو وَلِيُّهم اليوم﴾: يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ حكايةً حالٍ ماضيةٍ، أي: فهو ناصرُهم، أو آتيةٍ، ويراد باليوم يومٌ القيامة، هذا إذا عاد الضمير على ((أُمَم)) وهو الظاهر. وجَوَّز الزمخشريُّ (٢) أن يعودَ على قريش، فيكونَ حکایةً حالٍ في الحال لا ماضيةٍ ولا آتيةٍ، وجَوَّز أن يكون عائداً على ((أمم )) ولكنْ على حَذْفٍ مضافٍ تقديره: فهو وَلِيُّ أمثالِهم اليومَ. واستبعده الشيخُ(٣)، وكأنَّ الذي حمله على ذلك قولُه ((اليومَ)) فإنه ظرفٌ حالِيٌّ، وقد تقدَّم أنه على حكايةٍ الحالِ الماضية أو الآتية (٤). آ. (٦٤) قوله تعالى: ﴿وَهُدَىِّ ورحمةً﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنهما انتصبا على أنهما مفعولان مِنْ أجلهما، والناصبُ ((أَنْزَلْن))، ولَمَّا اتَّحد الفاعلُ في العِلَّة والمعلول وَصَل الفعلُ إليهما بنفسه، ولَمَّا لم يتَّحِدْ في قوله: (وما أَنْزَلْنَا إِلَّ لِتُبِيِّن))؛ لأنَّ فاعلَ الإِنزالِ اللَّهُ، وفاعلَ التبيينِ الرسولُ / وَصَلَ [٥٥٨/ب] (١) البحر ٥٠٦/٥. (٢) الكشاف ٤١٦/٢. (٣) البحر ٥٠٧/٥. (٤) ليس هذا وجه الاستبعاد من الشيخ؛ لأن الشيخ نفسه أقرَّ تقدير الحال الماضية أو الآتية، وإنما وجهُ الاستبعاد كما يقول ((لاختلاف الضمائر من غير ضرورة تدعو إلى ذلك)». ٢٤٩ - النحل - الفعلُ إلى العلةِ بالحرفِ فقيل: ((إلا لتبِيِّنَ))، أي: لِإِنْ تُبَيِّنَ، على أنَّ هذه اللامَ لا تَلْزَمُ من جهةٍ أخرى: وهي كونُ مجرورِها ((أنْ)). وفيه خلافٌ في خصوصية هذه المسألةِ . وهذا معنى قولِ الزمخشري(١) فإنه قال: ((معطوفان على محلِّ ((لتبيِّنَ)) إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعولٌ لهما، لأنَّهما فِعْلُ الذي أَنْزَلَ الكتابَ، ودخلت اللامُ على ((لنَبيِّنَ)) لأنه فِعْلُ المخاطبِ لا فِعْلُ المُنَزِّلِ، وإنما ينتصِبُ مفعولاً له ما كان فعلَ الفاعلِ (٣) الفعل المعلل)). قال الشيخ(٣): ((قوله ((معطوفان على محل ((لتبيِّنَ)) ليس بصحيح؛ لأنَّ مَحَلَّه ليس نصباً فُيُعطَفَ منصوبٌ [عليه](٤)، ألا ترى أنه لو نصبه لم يَجُزْ لاختلافِ الفاعل». قلت: الزمخشريُّ لم يجعلِ النصبَ لأجل العطفِ على المحلِّ، إنما جَعَلَه بوصولِ الفعلِ إليهما لاتحادِ الفاعلِ كما صَرَّح به فيما حكيْتُه عنه آنفاً، وإنما جَعَلَ العطفَ لأجل التشريكِ في العِلِّيَّةِ لا غير، يعني أنهما علتان، كما أنَّ (لتبيِّنَ)) علةٌ. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنه نُصِب عطفاً على المحلِّ فلا يَضُرُّ ذلك. قوله (٥): ((لأنَّ محلّه ليس نصباً)) ممنوعٌ، وهذا ما لا خلافَ فيه: مِنْ أنَّ محلَّ الجارِّ والمجرورِ النصبُ لأنه فَضْلَةٌ، إلا أنْ يقومَ مقامَ مرفوعٍ، ألا ترى إلى تخريجِهم قولَّه ((وأرجلكم))(٦) في قراءة النصبِ على العطف على محلٌّ (١) الكشاف ٤١٦/٢ (٢) الكشاف: فاعل. (٣) البحر ٥٠٧/٥. (٤) من البحر. (٥) أي قول أبي حيان. (٦) الآية ٦ من المائدة، والنصب قراءة نافع وابن عامر والكسائي وحفص. انظر: الذر المصون ٤ / ٢٠٩. ٢٥٠ - النحل - ((برؤوسكم))، ويُجيزون ((مَرَرْتُ بزيدٍ وعمراً) على خلافٍ في ذلك، بالنسبة إلى القياسِ وعدمِه لا في أصلِ المسألة. وهذا بحثٌ حسنٌ تركه المَرْدُودُ عليه . آ. (٦٦) قوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾: يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ مفسرةً للعِبْرة، كأنه قيل: كيف العِبْرة؟ فقيل: نُسْقيكم من بينِ فَرْثٍ ودم. لبناً خالصاً. ويجوز أن تكونَ خبراً لمبتدأ مضمر، والجملةُ جوابٌ لذلك السؤالٍ، أي: هي، أي: العِبْرةُ نُسْقيكم، ويكون كقولهم(١): تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أَنْ تَراه)». وقرأ(٢) نافع وابنُ عامر وأبو بكر ((نَسْقيكم)) بفتح النون هنا وفي المؤمنين (٣). والباقون بضمُّها فيهما. واختلف الناس: هل سَقَى وأَسْقى لغتان (٤) بمعنىٍ واحدٍ أم بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهور. فقيل: هما بمعنىٍّ، وأنشد جمعاً بين اللغتين(٥): ٢٩٩٠- سقى قومي بني مَجْدٍ وأسْقی نُمَيْراً والقبائلَ من هلالٍ دعا للجميع بالسَّقْيِ والخِصْب. و((نُمَيْراً)) هو المفعول الثاني، أي: ماءً نُمَيْراً. وقال أبو عبيد: (مَنْ سقىُ الشَّفَةِ: سَقَى فقط، ومَنْ سقى الشجرَ والأرضَ: أَسْقَى، وللداعي لأرضٍ بالسُّقْيا وغيرها: أَسْقَى فقط)). وقال (١) مجمع الأمثال ١٢٩/١. (٢) السبعة ٣٧٤، النشر ٣٠٤/٢، البحر ٥٠٨/٥، القرطبي ١٢٣/١٠، الحجة ٣٩١، الإتحاف ١٨٦/٢. (٣) الآية ٢١ . . (٤) الأصل: «لغتين» وهو سهو. (٥) تقدم برقم (٤٩١). ٢٥١ - النحل - الأزهري(١): ((العربُ تقول لكل ما كان من بطون الأنعام، ومن السماء، أو نهرٍ يجري: أَسْقَيْتُ، أي: جَعَلْتُ شِرْباً له وجَعَلْتُ له منه سُقْيًا، فإذا كان للشَّفَة قالوا: سَقَى، ولم يقولوا: أسقى)). وقال الفارسي(٢): ((سَقَيْتُه حتى رَوِيَ، وأَسْقَيْتُه نهراً، أي: جَعَلْتُه له شِرْباً)). وقيل: سَقاه إذا ناوله الإِناءَ ليشربَ منه، ولا يُقال مِنْ هذا: أَسْقاه. وقرأ(٣) أبو رجاء ((يُسْقِيْكم)) بضمِّ الياء من أسفلَ وفي فاعلِه وجهان، أحدُهما: هو الله تعالى، الثاني: أنه ضميرُ النَّعَمِ المدلولُ عليه بالأنعامِ ، أي: نَعَماً يُجْعَلُ لكم سُقْيا. وقُرىءٍ(٤) ((تَسْقيكم)) بفتح التاء من فوق(٥). قال ابن عطية (٦): ((وهي ضعيفةٌ)). قال الشيخ(٧): ((وضَعْفُها عنده - والله أعلمُ - أنه أُنَّثَ في (( تَسْقِيْكم ))، وذَكَّر في قوله «مما في بطونِه))، ولا ضَعْفَ مِنْ هذه الجهةِ؛ لأنَّ التذكير والتأنيثَ باعتبارين)). قلت: وضَعْفُها عنده من حيث المعنى: وهو أنَّ المقصودَ الامتنانُ على الخَلْقِ فنسبةُ السَّقْيِ إلى اللَّهِ تعالى هو الملائِمُ، لا نِسْبتُه إلى الأنعام. قوله: ((ممَّا [في ] بطونِهِ)) يجوز أن تكونَ ((مِنْ)) للتبعيض، وأن تكونَ لابتداءِ الغاية. وعاد الضميرُ هنا على الأنعام مفرداً مذكراً. قال (١) تهذيب اللغة ٢٢٨/٩. (٢) الحجة (خ) ٠٣٣٢/٣ (٣) البحر ٥٠٨/٥. (٤) وهي قراءة أبي جعفر. انظر: الإتحاف ١٨٦/٢، البحر ٥٠٨/٥، القرطبي ١٢٣/١٠، النشر ٣٠٤/٢. (٥) الأصل: ((أسفل)) وهو سهو كما يبدو من المناقشة التالية. (٦) المحرر ٤٥٦/٨. (٧) البحر ٥٠٨/٥. ٢٥٢ - النحل - الزمخشري (١): ((ذكر سيبويه(٢) الأنعامَ في باب ((ما لا ينصرف)) في الأسماءِ المفردةِ الواردةِ على أَفْعال كقولهم: ثوبٌ أَكْياش(٣)، ولذلك رَجَع الضميرُ إليه مفرداً، وأمَّا ((في بطونها))(٤) في سورة المؤمنين فلأنّ معناه جمع. ويجوز أن يُقال في ((الأنعام)) وجهان، أحدهما: أن يكون تكسير (( نَعَم)) كأَجْبال في جَبَل، وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمع [ كنّعَم ](٥)، فإِذا ذُكِّر فكما يُذَكَّرُ ((نَعَم)) في قوله(٦): ٢٩٩١- في كل عام نَعَمُ تَحْوُوْنّهُ يَلْقِحُه قومٌ وَتَنْتِجُونَهْ وإذا أُنَّثَ ففيه وجهان: أنه تكسير ((نَعَم ))، وأنَّه في معنى الجمع)). قال الشيخ(٧): «أمّا ما ذكره عن سيبويه ففي كتابه في: «هذا بابُ ما كان على مِثال مَفاعِل ومفاعِيل ما نصُّه(٨): ((وأمَّا أَجْمال وفُلُوس فإنها تَنْصَرِفُ وما أشبهها؛ لأنها ضارَعَتْ الواحد / ألا ترى أنك تقول: أَقْوال [٥٥٩/أ] وأقاويل، وأعراب وأعاريب وأَيْدٍ وأيادٍ، فهذه الأحرفُ تَخْرُج إلى مثال مفاعِل (١) الكشاف ٤١٦/٢. (٢) الكتاب ١٧/٢. (٣) الأصل: ((أسمال)) وهو تحريف، والتصويب من الكتاب والكشاف والبحر. والأکیاش : ضرب من برود اليمن. (٤) الآية ٢١ . (٥) من الكشاف. (٦) البيت لقيس بن حصين الحارثي وهو في الكتاب ٦٥/١، والخزانة ١٩٦/١، واللسان (نعم)، والعيني ٥٢٨/١. (٧) البحر ٥٠٩/٥. (٨) الكتاب ١٦/٢. ٢٥٣ - النحل - ومفاعيل(١)، كما يَخْرُج إليه الواحد إذا كُسِّر للجمع. وأمَّا مَفاعِل ومَفاعيل فلا يُكسِّرُ، فلا يَخْرُجُ(٢) الجمعُ إلى بناءٍ غيرِ هذا؛ لأن هذا البناءَ هو الغايةُ، فلمَّا ضارَعَتِ الواحدَ صُرِفَتْ)). ثم قال: ((وكذلك الفُعُوْل لو كَسَّرْتَ مثل الفُلوس لِإِنْ تُجْمَعَ جميعاً لُأُخْرَجَتْه إلى فَعائِل، كما تقول: جَدُود(٣) وجَدائد وَرَكوب وركائب، ولو فَعَلْتَ ذلك بمَفاعِلِ ومَفاعيل لم تجاوِزْ هذا البناءَ، ويُقَوِّي ذلك أنَّ بعضَ العربِ يقول: أُتِيٌّ(٤) فَيَضُمُّ الألفَ. وأَمَّا أَفْعَال فِقْد يقع للواحد، مِنَ العرب مَنْ يقول: هو الأنعام، قال الله عز وجل («نُسْقيكم ممَّا في بطونِهِ)). وقال أبو الخطاب: ((سَمِعْتِ مِنَ العرب مَنْ يقول: هذا ثوبٌ أکیاش)». قال(٥): ((والذي ذكر سيبويه هو الفرق بين مَفاعِل ومفاعِيل وبين أفعال وفُعول، وإن كان الجميعُ أبنيةً للجمع من حيث إنَّ مفاعِل ومفاعِيل لا يُجْمعان وأَفْعالاً وفُعولاً قد يَخْرُجان إلى بناءٍ يُشبِه مَفاعِلٍ أو مفاعيل، فلمّا كانا قد يَخْرُجان إلى ذلك انصرفا، ولم ينصَرِفْ مَفاعِل ومفاعيل لشِبْه ذَيْنك بالمفردِ؛ من حيث إنه يمكن جمعُهما وامتناعُ هذين من الجمع، ثم قَوِي شَبَهُهما بالمفرد بأنَّ بعض العرب يقول في أُتِيّ: ((أُتِّ)) بضمِّ الهمزة، يعني أنه قد جاء نادراً فُعول من غير المصدرِ للمفردِ، وبأنَّ بعضَ العربِ قد يُوْقعُ أفعالاً للمفرد من حيث أفرد الضميرَ فيقول: ((هو الأنعامُ))، وإنما يعني أنَّ ذلك(٦) على سبيل المجاز؛ لأن الأنعامَ في (١) إذا كُسِّر للجمع. (٢) كذا في الأصل، وفي الكتاب والبحر: ((فَيُخْرج)) والمعنى واحد. (٣) الجدود: النعجة التي قلَّ لبنها من غير بأس. (٤) للواحد. والآتي: النهر يسوقه الرجل إلى أرضه. (٥) أي أبو حيان. (٦) كرّر المؤلف في نسخة الأصل السطر السابق بعد قوله ((أن ذلك)). ٢٥٤ ! - النحل - معنى النَّعَم، والنَّعَمُ مفردٌ كما قال(١): ٢٩٩٢ - تَرَكْنا الخيلَ والنَّعَمَ المُفَدَّى وقلنا للنساء بها أَقيمي ولذلك قال سيبويه(٢): ((وأمَّا أَفْعال فقد(٣) يقع للواحد)) فقوله ((قد يقع للواحد)» دليلٌ على أنه ليس ذلك بالوضْعِ، فقولُ الزمخشري (٤) «أنه ذكره في الأسماء المفردة على أَفْعال)» تحريفٌ في اللفظ، وفَهِمَ عن سيبويه ما لم يُرِدْهِ. ويَدُلُّ على ما قلناه أنَّ سيبويه حين ذَكَر أبنيةَ الأسماء المفردةِ نَصَّ على أنَّ أَفْعالاً ليس من أبنيتها. قال سيبويه في باب ما لحقته الزيادةُ من بنات الثلاثة(٥): ((وليس في الكلام أُفْعِيل ولا أَفْعَوْل ولا أُفْعال ولا أَفْعِيْل ولا أَفْعال، إلا أن تُكَسِّرَ عليه اسماً للجمع)). قال(٦): ((فهذا نصّ منه على أنَّ أَفْعالاً لا يكون في الأسماء المفردة». قلتُ: الذي ذكره الزمخشريُّ هو ظاهرُ عبارةٍ سيبويه وهو كافٍ في تسويغ عَوْدِ الضمير مفرداً، وإن كان أَفْعال قد يقع موقعَ الواحد مجازاً فإنَّ ذلك ليس بضائرٍ فيما نحن بصددِهِ، ولم يُحَرِّفْ لفظَه، ولم يَفْهَمْ عنه غيرَ مرادِهِ، لِما ذكَرْتُه من هذا المعنى الذي قَصَده. وقيل: إنما ذَكَّر الضميرَ لأنه يعودُ على البعض وهو الإِناث؛ لأنَّ الذكور (١) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في شرح الجمل لابن عصفور ٣٩٦/٢. (٢) الكتاب ١٧/٢ . (٣) الأصل ((قد)). (٤) الكتاب ٣١٦/٢. (٥) الكتاب ٣١٦/٢. (٦) أي أبو حيان. ٢٥٥ - النحل - لا أَلْبَانَ لها، فكأنَّ العِبْرَة هي في بعض الأنعام. وقال الكسائي(١): ((أي في بطونِ ما ذَكَرَ)). قال المُبرد: ((وهذا شائعٌ في القرآن، قال تعالى: ((إنَّ هذه تذكرةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرِه)(٢)، أي: ذَكَرَ هذا الشيءَ. وقال تعالى: ((فلمَّا رأى الشمسَ بازغةً قال: هذا ربِّي))(٣)، أي: هذا الشيءُ الطالعُ، ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازيِّ، لا يجوز: جاريتُك ذهب)). قلت: وعلى ذلك خُرِّج قوله(٤): ٢٩٩٣ - فيها خطوطٌ مِنْ سوادٍ وبَلَقْ كأنه في الجِلْدِ تَوْلِيْعُ البَهَقْ أي: كأنَّ المذكورَ. وقيل: جمعُ التكسير فيما لا يَعْقل يُعامَلِ معاملةً الجماعةِ ومعاملةَ الجمع، ففي هذه السورةِ اعتُبِر معنى الجمع، وفي سورة [٥٥٩/ب] المؤمنين(٥) اعتُبر معنى الجماعة، ومن الأولِ قولُ الشاعر (٦): / ٢٩٩٤- مثل الفراخِ نُتِفَتْ حواصِلُهُ وقيل: لأنه يَسُدُّ مَسَدَّه واحدٌ يُفْهِمُ الجمعَ، فإنه يَسُد مَسَدَّهِ ((نَعَم )، و «نَعَم )) يُفْهِم الجمعَ، ومثلُه قولُه(٧) : (١) معاني القرآن للفراء: ١٠٩/٢. (٢) الآية ١١ من عبس. (٣) الآية ٧٨ من الأنعام. (٤) تقدم برقم (٥٣٩). (٥) الآية ٢١ ((مما في بطونها)). (٦) لم أهتدِ إلى قائله وهو في معاني القرآن للفراء ١٣٠/١، ١٠٩/٢، واللسان (نعم)، والمحرر ٤٥٦/٨، وثمة رواية ((نَتَقَتْ))، أي سَمِنت. والحوصلة: أسفل البطن .. (٧) تقدم برقم (١٥٣٩). ٢٥٦ - النحل - وطابَ أَلْبانُ اللُّقاحِ وبَرَدْ ٢٩٩٥- لأنه يَسُدُّ مَسَدَّها لَبَن، ومثلُه قولهم ((هو أحسنُ الفتيان وأجملُه))، أي: أحسنُ فتىٍّ، إلا أن هذا لا ينقاس عند سيبويه وأتباعِه . وذكر أبو البقاء (١) ستةَ أوجهٍ، تقدَّم منها في غضون ما ذكرْتُه خمسةٌ. والسادس: أنه يعود على الفحل؛ لأن اللبن يكون مِنْ طَرْقِ الفحلِ الناقةَ، فأصلُ اللبنِ [ ماءٌ ](٢) الفحلِ قال: ((وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ اللبن وإن نُسِب إلى الفحلِ فقد جَمَعَ البطون، وليس فحلُ الأنعام واحداً ولا للواحد بطونٌ. فإن قال: أراد الجنسَ فقد ذُكِر)). يعني أنه قد تقدَّم أن التذكيرَ باعتبارٍ جنسٍ الأنعام فلا حاجة إلى تقدير عَوْدِه على ((فَحْل)) المرادِ به الجنسُ. قلت: وهذا القولُ نقله مكي (٣) عن إسماعيل القاضي (٤) ولم يُعْقِبْه بنكير. قوله: ((من بين فَرْكٍ)) يجوز فيه أوجهٌ، أحدها: أنه متعلقٌ بالسَّفْي، على أنها لابتداءِ الغاية، فإن جَعَلْنا ما قبلها كذلك تَعَيَّن أن يكونَ مجرورُها بدلاً مِنْ مجرور (( مِنْ)) الأولى؛ لئلا يتعلَّقَ عاملان متحدان لفظاً ومعنىَّ بعاملٍ واحد وهو ممتنعٌ. وهو مِنْ بدلِ الاشتمالِ ؛ لأن المكانَ مشتمِلٌ على ما حَلَّ فيه. وإن جعلْتَها للتبعيض هان الأمرُ. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ ((لَبَناً))؛ إذْ لو تأخَّرَتْ (١) الإملاء ٨٣/٢. (٢) من أبي البقاء. (٣) المشكل ١٨/٢. (٤) هو إسماعيل بن إسحاق أبو إسحاق الأزدي، وُلِّي قضاء جانبي بغداد في خلافة المتوكل، له ((معاني القرآن)) كان ابن مجاهد يقول: ((القاضي إسماعيل أعلم بالتصريف مني)). توفي سنة ٢٨٢. انظر: البغية ٤٤٣/١. ٢٥٧ - النحل - لكانَتْ مع مجرورِها نعتاً له. قال الزمخشري(١): ((وإنما تقدَّم لأنه موضعُ العِبْرة، فهو قَمِنْ بالتقدیم)» .. الثالث: أنَّها مع مجرورِها حالٌ من الموصولِ قبلها. والفَرْث : فُضالةُ ما يَبْقِى مِنَ العَلَفِ في الكِرْش، وكثيفُ ما يبقى من الأكل في المَعِيّ. ويقال: فَرَثَ كَبِدَه، أي: فتَّتَها، وأَفْرِث فلانٌ فلاناً: أوقعه فِي بَلِيَّةٍ تجري مجرى الفَرْثِ. قوله: ((لَبَناً)) هو المفعولُ الثاني لنُسْقِي. وقرىءٍ(٢) ((سَيِّغاً)) بتشديد الياء بزِنة ((سَيِّد))، وتصريفُه كتصريفِه. وخَفَّفه عيسى بن عمر نحو: مَيْت وهَيْن. ولا يجوز أن يكون فَعْلًا؛ إذ كان يجب أن يكونَ ((سَوْغاً)) كَقَوْل(٣) .. آ. (٦٧) قوله تعالى: ﴿ومن ثَمَرَاتِ النخيل﴾: فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، فقدَّره الزمخشريُّ (٤): ((ونُسْقيكم من ثمراتٍ النخيل والأعناب، أي: مِنْ عصيرِها، وحُذِف لدلالةِ ((نُسْقيكم )) قبلَهِ عليهِ)). قال: ((وَتَتَّخذون: بيانٌ وكَشْفٌ عن كيفية (٥) الإِسقاء)). وقدَّره أبو البقاء (٦): ((خَلَقَ لِكم وجَعَل(٧) لِكم)). (١) الكشاف ٤١٦/٢. (٢) انظر في قراءاتها: البحر ٥١٠/٥، المحتسب ١١/٢، الشواذ ٧٣، المجرر ٤٥٧/٨. (٣) فلا موجب لقلب الواو ياء فتصحُّ الواو، وأما سَيْخ فهو فَيْل، وحُذفت العين قبل قلبها ياء وإدغام الياء في الياء. (٤) الكشاف ٤١٧/٢. (٥) الكشاف: کنه. (٦) الإِملاء ٨٣/٢. (٧) الإِملاء : أو جعل: ٢٥٨ - النحل - وما قدَّره الزمخشريُّ أَلْيَقُ، لا يُقال: لا حاجةَ إلى تقدير ((نُسْقِيكم)) بل قولُه ((ومن ثمراتٍ)) عطفٌ على قولِه (ممَّا في بطونِه)) فيكون عَطَفَ بعضَ متعلُّقاتِ الفعلِ الأولِ على بعضٍ، كما تقول: ((سَقْتُ زيداً من اللبن ومن العسل)) فلا يحتاج إلى تقديرِ فعلٍ قبل قولك ((من العسل))، لا يُقال ذلك لأنَّ ( نُسْقيكم)) الملفوظَ به وقع تفسيراً لعِبْرة الأنعام فلا يَليقُ تَعَلُّق هذا به، لأنه ليس من العِبْرة المتعلقةِ بالأنعام. قال الشيخ(١): ((وقيل: متعلّقٌ بـ ((نُسْقيكم)). فيكونُ معطوفاً على ((ممِّ في بُطونِه)» أو بـ((نُسْقيكم)) محذوفةٌ دلَّ عليها (( نُسْقِيكم)). انتهى. ولم يُعْقِبْه بنكير، وفيه ما قَدَّمْتُه آنفاً. الثاني: أنه متعلَّقٌ بـ ((تَتَّخذون)) و ((منه)) تكريرٌ للظرف توكيداً نحو: ((زيدٌ في الدارِ فيها)) قاله الزمخشريُّ(٢). وعلى هذا فالهاءُ في ((منه)) فيها ستةُ أوجهٍ: أحدها: أنها تعودُ على المضافِ المحذوفِ الذي هو العصيرُ، كما رَجَعَ في قوله ((أوهم قائِلون))(٣) إلى الأهلِ المحذوفِ. الثاني: أنها تعود على معنى الثمراتِ لأنها بمعنى الثَّمَر. الثالث: أنها تعودُ على النخيل. الرابع: أنها تعودُ على الجنس. الخامس: أنها تعودُ على البعض. السادس: أنها تعود علی المذكور. الثالث من الأوجهِ الأَوَلِ: أنه معطوفٌ على قولِه «في الأنعام))، فيكونُ في المعنى خبراً عن اسمٍ ((إِنَّ)) في قوله: ((وإنَّ لكم في الأنعام لَعِبْرة)»، التقدير: وإنّ لكم في الأنعام ومن ثمرات النخيل لَعِبْرَةً، ويكونُ قوله (( تتخذون)) بياناً وتفسيراً للعِبْرة كما وقع ((نُسْقِيْكم)) تفسيراً لها أيضاً. (١) البحر ٥١٠/٥. (٢) الكشاف ٤١٧/٢. (٣) الآية ٤ من الأعراف «وكم مِنْ قريةٍ أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائِلون». ٢٥٩ - النحل - الرابع: أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ فقدَّره الطبريُّ(١): ((ومن ثمراتٍ [٥٦٠/أ] النخيل ما تَتَّخذون)) / قال الشيخ(٢): ((وهو لا يجوزُ على مذهبِ البصريين)). قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ له أن يقول: ليسَتْ ((ما)) هذه موصولةً، بل نكرةٌ موصوفةٌ، وجاز حَذْفُ الموصوفِ والصفةُ جملةٌ، لأن في الكلام (( مِنْ))، ومتى كان في الكلام ((مِنْ)) اطّرد الحذفُ نحو: ((منا ظَعَنَ ومنا أَقَامِ)) ولهذا نظّره مكيُّ (٣) بقوله تعالى: ((وما منَّا إلا له مقامٌ)) (٤)، أي: إلا مَنْ له مقام. قال: ((فَحُذِفَتْ ((مَنْ)) لدلالةِ ((مِنْ)) عليها في قوله ((وما مِنَّا)). ولما قدَّر الزمخشري(٥) الموصوفَ قدَّره: ثَمَرٌ تتخذون، ونظّره بقول الشاعر(٦): يَرْمِي بكفِّيْ كان مِنْ أَرْمى البشر ٢٩٩٦- تقديرُه: بكفَّيْ رجل، إلاّ أنَّ الحذفَ في البيت شاذٌّ لعدم ((مِنْ)): ولمَّا ذكر أبو البقاء هذا الوجهَ قال(٧): ((وقيل: هو صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: شيئاً تتخذون منه، بالنصب، أي: وإنَّ من ثمراتِ النخيل. وإن شئت (( شيء)) بالرفعِ بالابتداء، و ((مِنْ ثمرات)) خبرُه)). والسَّكَر :- بفتحتين - فيه أقوال، أحدها: أنه من أسماءِ الخمر، كقول الشاعر(٨): (١) تفسير الطبري ١٣٣/١٤. (٢) البحر ٥١٠/٥. (٣) المشكل ١٩/٢. (٤) الآية ١٦٤ من الصافات. (٥) الكشاف ٤١٧/٢ . (٧) الإملاء ٨٣/٢. (٦) تقدم برقم (٢١٠٩) (٨) البيت للأخطل، وهو في ديوانه ٢٠٨/١، والقرطبي ١٢٨/١٠، وتفسير الماوردي ٣٩٨/٢. والمزاء: ضرب من النبيذ. ٢٦٠