Indexed OCR Text
Pages 221-240
- النحل - الموصوفٍ محذوفٍ، أي: داراً حسنة، وفي تفسيرِ الحسن: داراً حسنة، وهي المدينةُ. وقيل: تقديره: منزلةً حسنةً وهي الغَلَبَةُ على أهلِ المشرق والمغربِ وقيل: ((حسنة)) بنفسها هي المفعولُ من غيرِ حَذْفٍ موصوفٍ. وقرأ(١) أميرُ المؤمنين وابنُ مسعود ونعيم بن ميسرة: ((أَنْوِيَنَّهُمْ)) بالثاء المثلثة والياء، مضارع أَثْوَى المنقولِ بهمزةِ التعديةِ مِنْ ثَوَى بمعنى أقام، وسيأتي أنه قُرىء بذلك في السبع في العنكبوت(٢)، و((حسنةً)) على ما تقدَّم. ونزيد أنه يجوز أن يكونَ على نَزْع الخافضِ ، أي: في حسنة. والموصولُ (٣) مبتدأٌ، والجملةُ مِنَ القسمِ المحذوفِ وجوابِهِ خبرُه. وفيه رَدٌّ على ثعلب حيث مَنْعَ وقوعَ جملةِ القسم خبراً. وجَوَّز أبو البقاء(٤) في ((الذين)) النصبَ على الاشتغال بفعلٍ مضمرٍ، أي: لَنُبَوِّثَنَّ الذين. ورَدَّه الشيخُ(٥): بأنه لا يجوز أن يُفَسِّر عاملاً إلا ما جاز أَنْ يعملَ، وأنت لو قلت: ((زيداً لأضْرِبنُّ)) لم يَجُزْ، فكذا لا يجوزُ «زيداً لأضربنَّه)). وقوله: ((لو كانوا يَعْلَمون)) يجوز أن يعودَ الضميرُ على الكفار، أي : لو كانوا يَعْلمون ذلك لرجعوا مسلمين، أو على المؤمنين، أي: لاجتهدوا في الهجرةِ والإِحسانِ، كما فعل غيرُهم. آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿الذين صَبَرُوا﴾: مَحَلُّه رفعٌ على ((هم)) (١) المحتسب، ٩٠/٢، البحر ٤٩٢/٥، والمحرر ٤٢١/٨. وأمير المؤمنين هنا عليّ رضي الله عنه. (٢) الآية ٥٨ وهي قراءة حمزة والكسائي. السبعة ٥٠٢. (٣) في قوله ((والذين هاجروا)). (٤) الإملاء ٨١/٢. (٥) البحر ٤٩٣/٥. ٢٢١ - النحل - أو نصبٌ على ((أمدحُ))، ويجوز أن يكون تابعاً للموصول قبله نعتاً أو بدلاً أو بياناً فمحلُّه محلُّه. آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿نُوْحِي إليهمْ﴾: قد تقدَّم في آخر يوسف(١). وقرأت(٢) فرقةُ ((يُوحي))، أي: الله. آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿بالبيِّنات﴾: فيه ثمانيةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ((رجالاً)) فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: رجالاً ملتبسين بالبينات، أي: مُصاحبين لها. وهو وجهٌ حسنٌ ذكره الزمخشري(٣) لا محذورَ فيه. الثاني: أنه متعلقٌ بـ ((أَرْسَلْنا)) ذكره الحوفيُّ والزمخشريُّ (٤) وغيرُهما، وبه بدأ الزمخشريُّ قال: ((يتعلَّق بـ((أَرسَلْنَا)) داخلً تحت حكمِ الاستثناءِ مع ((رجالاً))، أي: وما أرسَلْنا إلا رجالاً بالبينات كقولك: ((ما ضربْتُ إلا زيداً بالسَّوْطِ))؛ لأنَّ أصلَه: ضربْتُ زيداً بالسَّوْطِ)). وضعَّفه أبو البقاء(٥) بأنَّ ما قبلَ (إلَّ)) لا يعمل فيما بعدها إذا تَمَّ الكلامُ على ((إلا)) وما يليها. قال :: ((إلا أنه قد جاء في الشِّعر(٦): ٢٩٧١ - نُبْتُهُمْ عَذَّبوا بالنارِ جارَتَهِمْ ولا يُعَذِّبُ إلا اللَّهُ بالنَّارِ قال الشيخ (٧): ((وما أجازه الحوفيُّ والزمخشريُّ لا يُجيزه البصريون، (١) الآية ١٠٩ من يوسف. وانظر: الدر ٥٦١/٦. (٢) البحر ٤٩٣/٥، المحرر ٤٢٣/٨، ولم يُشِر المؤلف إلى قراءة ((يُؤْحَى)) وهي قراءة الجمهور ما عدا حفصاً. انظر: السبعة ٣٧٣، المحرر ٤٢٣/٨. (٣) الكشاف ٤١١/٢. (٤) الكشاف ٤١١/٢ . (٥) الإملاء ٨١/٢. (٦) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في معاني القرآن للفراء ١٠١/٢، والإملاء ٨١/٢، والعيني ٤٩٢/٢، والتصريح ٨٤/١، والبحر ٤٩٤/٥. (٧) البحر ٤٩٤/٥. ٢٢٢ - النحل - إذ لا يُجيزون أن يقع بعد ((إلا)) إلا مستثنى أو مستثنى منه أو تابعٌ لذلك، وما ◌ُنَّ بخلافه(١) قُدِّرَ له عاملٌ. وأجاز الكسائيُّ أن يليَها معمولُ ما قبلها(٢) مرفوعاً ومنصوباً ومخفوضاً، نحو: ما ضَرَب إلا عمراً زيدٌ، وما ضَرَب إلا زيدٌ عمراً وما مرَّ إلا زيدٌ بعمرٍو، ووافقه ابنُ الأنباريِّ في المرفوع، والأخفش في الظرف وعديله(٣)، فما قالاه(٤) يتمشّى على قولِ الكسائي والأخفش)). الثالث: أنه يتعلَّقَ بأَرْسَلْنا أيضاً، إلا أنه على نيةِ التقديم قبل أداةٍ الاستثناء تقديرُه: وما أرسلْنا مِنْ قبلك بالبيناتٍ والزبر إلا رجالاً، حتى لا يكونَ ما بعد (( إلا )) معمولَيْنِ متأخِّرَيْنِ لفظاً ورتبةً داخلَيْنِ تحت الحصرِ لِما قبل (((إلا))، حكاه ابنُ عطية(٥). الرابع: أنَّه متعلقٌ بـ ((نُوْجِي)) كما تقول: ((أُوْحي إليه بحق))، ذكره الزمخشري(٦) وأبو البقاء (٧). الخامس: أن الباءَ مزيدةٌ في ((بالبيِّنات)) وعلى هذا فيكون ((بالبيِّات)) هو القائمَ مَقامَ الفاعل(٨) لأنها هي المُؤْحاة. السادس: أن الجارَّ متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنَ القائمِ مَقَامَ الفاعل، وهو ((إليهم))(٩) (١) أي معمول لِما قبل ((إلا)). (٢) الأصل ((بعدها)) وهو سهو، والتصحيح من البحر. (٣) زاد في البحر: والحال. وعديل الظرف الجار والمجرور. (٤) أي الحوفي والزمخشري . (٥) المحرر ٤٢٤/٨ - ٤٢٥، ولم يحك التعليل الذي ذكره. (٦) الكشاف ٤١١/٢. (٧) الإملاء ٨١/٢. (٨) في قراءة غير حفص: ((يُوْحَى))، وعلى قراءة حفص يكون مفعولاً. (٩) في قراءة غير حفص: ((يُوحَىْ))، وعلى قراءة حفص يكون ((بالبينات)) متعلقاً بمحذوف على أنه حال من المجرور في ((إليهم)). ٢٢٣ - النحل - ذكرهما أبو البقاء(١)، وهما ضعيفان جداً معنىًّ وصناعةً. [٥٥٣/ب] السابع: أَنْ يتعلَّق بـ ((لا تعلمون)) على أنَّ الشرطَ / في معنى التبكيتِ والإِلزام، كقولِ الأجير: ((إن كنتُ عَمِلْتُ لك فَأَعْطِني حقي)). قال الزمخشري (٧): «وقوله: ((فاسْألوا أهلَ)» اعتراضٌ على الوجوه المتقدِّمة)) ويعني بقوله ((فاسألوا)) الجزاءَ وشرطَه، وأَمَّا على الوجهِ الأخير فعدَمُ الاعتراضِ واضحٌ. الثامن: أنه متعلقُ بمحذوفٍ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه ڤيل: بم أُرْسِلوا؟ فقيل: أُرْسِلوا بالبينات والزُّبُر. كذا قدَّره الزمخشري(٣)، وهو أحسنُ مِنْ تقديرٍ أبي البقاء(٤): (بُعِثوا))؛ لموافقتِهِ للدالِّ عليه لفظاً ومعنىّ. آ. (٤٥) قوله تعالى: ﴿السيِّئَاتِ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: المَكَرات السيئات، ولم يذكر الزمخشريُّ (٥) غيرَه. الثاني: أنه مفعولٌ به على تضمين ((مَكَروا)) عَمِلوا وفعلوا، وعلى هذين الوجهين فقولُه: ((أن يُخْسِفَ الله)) مفعول(٦) بـ ((أَمِنَ)). الثالث: أنه منصوبٌ بـ ((أَمِنَ))، أي: أَمِنُوا العقوباتِ السيئات، وعلى هذا فقولُه ((أن يَخْسِفَ الله)) بدلٌ من ((السيئات)). آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿على تَخَوُّفٍ﴾: متعلقٌ بمحذوفٍ، فإنه حالٌ إِمَّا مِنْ فاعلِ (يأخذهم)»، وإمَّا مِنْ مفعوله، ذكرهما أبو البقاءِ(٧). (١) الإِملاء ٨١/٢. (٣) الكشاف ٤١١/٢ (٤) الإِملاء ٨١/٢ . (٥) الكشاف ٤١١/٢. (٦) الأصل: ((مفعولاً)» ولعله سهو. (٧) الإملاء ٨١/٢. (٢) الكشاف ٤١١/٢. ٢٢٤ - النحل - والظَاهِرُ كونُه حالاً من المفعولِ دونَ الفاعل(١). والتخوّفُ: التنقُّص. حكى الزمخشري(٢) أن عمر بن الخطاب سألهم على المِنْبر عنها فسكتوا، فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا: التخوّفُ: التنقُّصُ قال: فهل تعرف [العربُ](٣) ذلك في أشعارِها؟ قال: نعم. قال شاعرُنا وأنشد(٤): ٢٩٧٢ - تَخَوَّف الرَّحْلُ منها تامِكاً قَرِدا كما تَخَوَّفَ عُوْدَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ فقال عمر: ((أيها الناسُ، عليكم بديوانِكم لا يَضِلُّ)). قالوا: وما ديواننا؟ قال: ((شعرُ الجاهلية، فإنَّ فيه تفسير كتابكم)). قلت: وكان الزمخشريُّ نَسَبَ البيتَ قبل ذلك لزهيرٍ، وكأنه سهوً، فإنَّه لأبي كبير الهذلي(٥)، ويؤيد ذلك قول الرجل: ((قال شاعرنا)»، وكان هُذَلِيّاً كما حكاه هو. وقيل: التخوُّفُ: الخوفُ. أ. (٤٨) قوله تعالى: ﴿أو لم يَرَوا﴾: قرأ(٦) الأخَوان ((تَرَوْا)) بالخطاب جَرْياً على قولِه ((فإنَّ ربَّكم))، والباقون بالياءِ جَرْياً على قوله: ((أَفَأَمِنَ (١) لا أرى جواز الحال من الفاعل على أي وجه، إن لم يكن على اللغة التي سيذكرها. (٢) الكشاف ٤١١/٢ . (٣) من الكشاف. (٤) نسبه الزمخشري (٤١١/٢) إلى زهير وليس في ديوانه، ونسبه في اللسان لابن مقبل (اللسان: خوف) وهو في المحرر ٤٢٧/٨، والقرطبي ١١٠/١٠. والتامك: السَّنام. والقرد: الذي تراكم لحمه من السِّمَن. والنبعة: ضرب من الشجر الصلب. والسَّفَنِ: المِبْرَد. ويُروى البيت: تَخَوَّفَ السِّيْرُ. (٥) لم يردْ في ديوان الهذليين. (٦) الإتحاف ١٨٤/٢، البحر ٤٩٦/٥، التيسير ١٣٧، القرطبي ١١١/١٠. ٢٢٥ - النحل - الذين مكروا)). وأمَّا قولُه: ((ألم يَرَوْا إلى الطير))(١) فقرأه حمزةُ أيضاً بالخطاب، ووافقه أبنُ عامر فيه، فحصل من مجموعِ الآيتين أنَّ حمزةَ بالخطاب فيهما، والكسائيَّ بالخطابِ في الأول والغَيْبة في الثاني، وابنَ عامر بالعكس، والباقون بالغيبة فيهما . فَأَمَّا توجيهُ الأولى فقد تقدَّم، وأمَّ الخطابُ في الثانية فَجَرْياً على قوله (والله أَخْرَجَكم مِنْ بُطون أمهاتكم))(٢). وأَمَّا الغيبةُ فَجَرْياً على قوله ((ويَعْبُدُون : مِنْ دون الله))(٣) إلى آخره، وأمَّا تفرقَةُ الكسائيِّ وابنٍ عامٍ بين الموضعين فجمعاً بين الاعتبارين وأنَّ كلّ منهما صحيحٌ . قوله: ((مِنْ شَيْءٍ)) هذا بيانٌ لِما في قوله: ((ما خَلَقَ اللَّهُ)) فإنها موصولةٌ بمعنى الذي. فإن قلتَ: كيف يُبَيِّنُ الموصولُ - وهو مبهمٌ - بـ ((شيء)) وهو مبهمٌ، بل أَبْهَمُ ممَّا قبله؟ فالجواب أنَّ شيئاً قد اتضح وظهر بوصفِه بالجملة بعده، وهي ((يتفيَّا ظلالُه)). قال الزمخشري(٤): (وما موصولة بـ ((خَلَقَ اللَّهُ)) وهو مبهمُ، بيانُه ((مِنْ شيء يتفيَّأُ ظلالُه)). وقال ابن عطية (٥): ((وقولُه ((مِنْ شيء)» لفظُ عامٌّ في كل ۔۔ ما اقتضَتْه الصفةُ مِنْ قوله ((يتفيَّأ ظلالُه)) فظاهر هاتين العبارتين أنَّ جملةَ ((يتفيَّأُ ظلالُه)) صفةٌ لشيء، وأمَّا غيرُهما (٦) فإنه قد: صَرَّح بعدمِ كونِ الجملةِ صفةً فإنه قال: ((والمعنى: من شيءٍ له ظِلّ من (١) من الآية ٧٩ من النحل. وانظر: القرطبي ١٥٢/١٠، والنشر ٣٠٤/٢: (٢) من الآية ٧٨ من النحل. (٣) من الآية ٧٣ من النحل. (٤) الكشاف ٤١١/٢ - ٤١٢ (٥) المحرر ٤٣٠/٨. (٦) انظر: البحر ٤٩٦/٥. ٢٢٦ - النحل - جبلٍ وشجرٍ وبناءٍ وجسمٍ قائمٍ. وقوله ((يتفيَّأ ظلالُه)) إخبارٌ عن قوله ((مِنْ شيء)) ليس بوصفٍ له، وهذا الإِخبارُ يَدُلُّ على ذلك الوصفِ المحذوفِ الذي تقديرُه: هو له ظلَّ)) وفيه تكلُّفٌ لا حاجةَ له، والصفةُ أبينُ. و((من شيء)» في محلٌّ نصبٍ على الحال من الموصول، أو متعلقٌ بمحذوفٍ على جهةٍ البيان، أي: أَعْني مِنْ شيءٍ. والتفيُّ: تَفَعُّل مِنْ فاء يَفِيْءُ، أي: رَجَع، و((فاء)) قاصرٌ، فإذا أُريد تعديتُه عُدِّي بالهمزة كقوله تعالى: ((ما أفاء / اللَّهُ على رسوله))(١) أو بالتضعيف نحو: فَيَّا اللَّهُ الظِلَّ فَفَيَّ. وَتَفَيَّا مطاوِعٌ فهو لازمٌ. ووقع في شعر أبي تمام متعدياً في قوله(٢) (٣): [٥٥٤/أ] ٢٩٧٣- طَلَبَتْ ربيعَ ربيعةَ المُمْرَىّ لها وتفيَّأَتْ ظِلالَه مَمْدودا واخْتُلِفَ في الفَيْءِ فقيل: هو مُطْلَقُ الظُّلِّ سواءً كان قبلِ الزَّوالِ أو بعده، وهو الموافقُ لمعنى الآيةِ ههنا. وقيل: ((ما كان [قبل](٤) الزوال فهو ظلَّ فقط، وما كان بعده فهو ظِلُّ وفَيْءٌ))، فالظلُّ أعمُّ، يُرْوَى ذلك عن رؤبةً ابن العجاج(٥). وقيل: بل يختصُّ الظُّلُّ بما قبل الزوالِ والفَيْءُ بما بعده. قال الأزهري(٦): ((تَفَيُّوُ الظلالِ رجوعُها بعد انتصافِ النهارِ، فالتفُّوُ لا يكون (١) الآية ٧ من الحشر. (٢) ديوانه ٤١١/١، والبحر ٤٩٦/٥. والمُمْرَى: مِنْ مَرَيْتُ الناقة إذا مسحتَ ضَرْعها ليدرَّ، ويروى المُمْهِى مِنْ أَمْهَيْتُ الحبل: إذا أرخيتَه. وقوله ((ظلاله)) ينبغي أن يقرأ بإشباع كسرة الظاء ليستقيم الوزن العروضي لأنه من الكامل . (٣) قال أبو حيان (البحر ٤٩٦/٥): ((ويحتاج ذلك إلى نَقْلِه من كلام العرب متعدياً)). (٥) انظر: اللسان (فيأ). (٤) سقط سهواً من الأصل، وأثبتناه من (ش). (٦) معجم تهذيب اللغة ٥٧٨/١٥. وقوله ((فالتفُّؤ)) إلى آخر النص يحكيه الأزهري عن أبي طالب النحوي وليس من كلامه . ٢٢٧ - النحل - إلا بالعَشِيّ، وما انصرفَتْ عنه الشمسُ، والظلُّ ما يكون بالغداة، وهو ما لم تَتَلْهُ [ الشمسُ }(١) قال الشاعر(٢): ٢٩٧٤ - فلا الظِلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطيعُه ولا الفيْءُ من بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوْقُ وقال امرؤُ القيسِ أيضاً(٣): ٢٩٧٥- تَیَمِّمَتِ العینَ التي عند ضارِجِ. يَفِيْءُ عليها الظُّلُّ عَرْمَضُها ظامٍ وقد خطَّأ ابن قتيبة (٤) الناسَ في إطلاقهم الفيْءَ على ما قبلَ الزَّوال، وقال : إنما يُظْلَقُ على ما بعده، واستدلَّ بالاشتقاق ، فإن الفيْءَ هو الرجوعُ وهو متحقّقٌ ما بعد الزوال، فإنَّ الظلِّ يَرْجِعُ إلى جهةِ المشرق بعد الزوال بعدما نَسَخَتْه الشمسُ قبل الزَّوال. وقرأ(٥) أبو عمرو ((تَتَفيَّ)) بالتاء مِنْ فوقُ مراعاةً لتأنيث الجمع، وبها قرأ يعقوب، والباقون بالياء لأنه تأنيثُ مجازي. وقرأ العامَّة (( ظلالُهِ)) جمع ظِلّ، وعيسى(٦) بن عمر ((ظُلَّلُهُ)) جمع (١) من تهذيب اللغة. (٢) البيت لحميد بن ثور الهلالي وهو في ديوانه ٤٠، والمحرر ٤٣٠/٨، والبحر ٤٩٦/٥، واللسان (فيأ). (٣) ملحق ديوانه ٤٧٦، واللسان (عرمض)، والبحر ٤٩٦/٥. وضارج: اسم موضع، والعرمض: الطُّحْلُبِ. والأصل ((العين الذي)) ولعله سهو. (٤) تفسير غريب القرآن ٢٤٣، تأويل مشكل القرآن ٤١٦. (٥) السبعة ٣٧٣، الحجة ٣٩١، الإتحاف ١٨٥/٢، البحر ٤٩٦/٥، القرطبي ٠١١١/١٠ (٦) المحتسب ٢ /١٠، البحر ٤٩٦/٥. ٢٢٨ - النحل - (ظلَّة)) كغُرْفَة وَغُرَف. قال صاحب ((اللوامح)) في قراءة عيسى(١) ((ظُلَلُهُ)): (والظُلَّة: الغَيْمُ، وهو جسمٌ، وبالكسرِ الفَيْءُ وهو عَرَضٌ، فرأى عيسى أنَّ التفيّ الذي هو الرجوعُ بالأجسام أَوْلَى منه بالأعْراضِ ، وأمَّا في العامَّة فعلى الاستعارة». قوله: ((عن اليمين)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها تتعلَّق بـ ((يتفيًّا))، ومعناها المجاورةُ، أي: تتجاوز الظلالُ عن اليمينِ إلى الشَّمائل. الثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من ((ظلالُه)). الثالث: أنها اسمُ بمعنى جانب، فعلى هذا تَنْتَصِبُ على الظرف. وقوله: ((عن اليمينِ والشَّمائلِ)) فيه سؤالان، أحدهما: ما المراد باليمين والشَّمائل؟ والثاني : كيف أفرد الأولَ وجمع الثاني؟ وأُجيب عن الأول بأجوبةٍ، أحدُها: أنَّ اليمينَ يمينُ الفَلَك وهو المشرقُ، والشَّمائلُ شمالُه وهي المغرب، وخُصَّ هذان الجانبان لأنَّ أقوى الإِنسانِ جانباه وهما يمينُه وشماله، وجعل المشرقَ يميناً؛ لأن(٢) منه تظهر حركةُ الفَلَكِ اليومية. الثاني: البلدةُ التي عَرْضُها أقلُّ مِنْ مَيْل الشمس تكون الشمس صيفاً عن يمينِ البلدِ فيقع الظلُّ عن يمينهم. الثالث(٣): أنَّ المنصوبَ للعِبْرة: كلُّ جِرْمٍ له ظِلٌّ كالجبل والشجر، والذي يترتَّبُ فيه الأيمان والشَّمائل إنما هو البشرُ فقط، لكنَّ ذِكْرَ الأَيْمانِ والشَّمائلِ هنا على سبيل الاستعارة. (١) انظر: البحر ٤٩٦/٥. (٢) اسم ((أنّ)) هنا ضمير الشأن. (٣) انظر: المحرر ٤٣٣/٨. ٢٢٩ - النحل - الرابع: قال الزمخشري(١): ((أو لم يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ من الأَجْرَامِ التي لها ظلالٌ متفيَِّةٌ عَن أَيْمانِها وشَمائِلها عن جانبي كل واحدٍ منها وشِقِيْه استعارةً من يمين الإِنسان وشماله لجانبي الشيءٍ، أي: تَرْجِعُ من جانبٍ إلى جانب)). وهذا قريبٌ ممَّا قبله. وأُجِيْب عن الثاني(٢) بأجوبةٍ، أحدُها: أن الابتداءَ يقع من اليمين [٥٥٤/ب] وهو شيءٌ واحدٌ، فلذلك وَحَّد اليمين ثم يَنْتَقِصُ شيئاً فشيئاً، حالاً بعد حال/ فهو بمعنى الجمعِ ، فَصَدَق على كلِّ حالٍ لفظةُ ((الشمال))، فَتَعَدَّدَ بتعدُّدٍ الحالات. وإلى قريب منه نحا أبو البقاء(٣). والثاني: قال الزمخشري (٤): ((واليمين بمعنى الأيمان)) يعني أنه مفردٌ قائمٌ مقامَ الجمع، وحينئذٍ فهما في المعنى جمعان كقوله ((ويُوَلُّوْن الدُّبُر))(٥)، أي: الأدبار. الثالث: قال الفراء(٦): ((كأنه إذا وَحَّدٍ ذَهَبَ إلى واحدٍ من ذواتِ الظلال، وإذا جَمَع ذَهَبَ إِلى كلِّها)) لأنَّ قولَه ((ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شيءٍ)) لفظُه واحدٌ ومعناه الجمعُ، فعبّر عن أحدِهما بلفظِ الواحدِ كقوله تعالى: ((وجعل الظُّلُماتِ والنور))(٧) وقوله: ((خَتّمَ اللَّهُ على قلوبِهم وعلى سمعِهم))(٨): (١) الكشاف ٤١٢/٢ (٢) وهو: كيف أفرد الأول وجمع الثاني؟ (٣) الإِملاء ٨١/٢. (٤) الكشاف ٤١٢/٢ (٥) الآية ٤٥ من القمر. (٦) معاني القرآن ١٠٢/٢. (٧) الآية ١ من الأنعام (٨) الآية ٧ من البقرة. ٢٣٠ - النحل - الرابع: أَنَّا إذا فَسَّرْنا اليمينَ بالمشرِقِ كانت النقطةُ التي هي مَشْرِقُ الشمسٍ واحدةً بعينها، فكانت اليمينُ واحدةً، وأمَّا الشمائلُ فهي عباراتٌ عن الانحرافاتِ الواقعة في تلك الظلال بعد وقوعها على الأرضِ وهي كثيرةٌ، فلذلك عَبَّر عنها بصيغةِ الجمع . الخامس: قال الكرماني: ((يُحتمل أَنْ يُراد بالشمائل الشِمالُ والخَلْفُ والقُدَّامُ؛ لأنَّ الظُّلَّ يفيُ من الجهاتِ كلِّها، فَبُدِىء باليمين لأنَّ ابتداءَ التفيُّؤِ منها أو تَيَّمُّناً بذِكرها، ثم جَمَع الباقي على لفظ الشِّمال لما بين اليمين واليسار مِنَ التَّضادِّ، ونَزَّلَ القُدَّام والخلفَ منزلةَ الشَّمائل لِما بينهما وبين الیمینِ من الخلافِ». السادس: قال ابن عطية(١): ((وما قال بعضُ الناس: مِنْ أنَّ اليمينَ أولُ وَقْعَةٍ (٢) للظلِّ بعد الزوالِ ثم الآخرُ الغروبُ(٣) هي عن الشَّمائل؛ ولذلك جَمَعَ الشمائل وأَفْرد اليمين، فتخليطٌ من القول، ويَبْطُلِ مِنْ جهات. وقال ابن عباس: ((إذا صَلَّيْتَ الفجرَ كان ما بين مَطْلَعِ الشمس ومَغْرِبِها ظِلًا ثم بَعَثَ الله عليه الشمسَ دليلاً، فقبضَ إليه الظلَّ، فعلى هذا فأوَّلُ ذُرُوْرٍ (٤) الشمس فالظُّلُّ عن يمينِ مستقبِلِ الجنوب، ثم يبدأ الانحرافُ فهو عن الشَّمائل؛ لأنه حركاتٌ كثيرة وظلالٌ متقطعةٌ فهي شمائلُ كثيرةٌ، فكان الظلُّ عن اليمينِ متصلاً واحداً عاماً لكلِّ شيء)). (١) المحرر ٤٣٤/٨. (٢) المحرر: دفعة. (٣) المحرر: إلى الغروب. (٤) الأصل: دور. ٢٣١ - النحل - السابع: قال ابن الضائع(١): ((أَفْرَدَ وجَمَع بالنظر إلى الغايتين؛ لأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حتى لا يبقى منه إلا اليسيرُ، فكأنه في جهةٍ واحدة، وهي في العَشِيِّ على العكس لاستيلائه على جميع الجهات، فلُحِظَت الغايتان في الآية. هذا من جهة المعنى، وأمَّا مِنْ جهةِ اللفظ ففيه مطابقةٌ؛ لأنَّ (( سُجَّداً)) جمع فطابقه جَمْعُ الشِّمائل لاتصاله به، فَحَصَل في الآية مطابَقَةُ اللفظِ للمعنى ولَحْظُهما معاً، وتلك الغايةُ في الإِعجاز))(٢). قوله: ((سُجَّداً)) حالٌ مِنْ ((ظلالُه)) و((سُجَّداً)) جمع ساجِد كشاهِد وشُهَّد، وراكِع ورُكَّع. قوله: ((وهم داخِرُون)) في هذه الجملة ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها حالٌ من الهاء في ((ظلالُه)). قال الزمخشري(٣): ((لأنه في معنى الجمع، وهو ما خلق اللَّهُ مِنْ شيءٍ له ظِلُّ وجُمِع بالواوِ والنون؛ لأنَّ الدُّخِورَ من أوصافِ العقلاء، أو لأن في جملة ذلك مَنْ يَعْقِلِ فَغُلُّبَ)). وقد رَدَّ الشيخُ(٤) هذا: بأن الجمهور لا يُجيزون مجيءَ الحال من المضافِ إليه، وهو نظيرُ: ((جاءني غلامُ هنٍ ضاحكةً)) قال: ((ومَنْ أجاز مجيئَها منه إذا كان المضافُ جزءاً أو كالجزء جوّز الحاليةَ منه هنا، لأنَّ الظُّلَّ کالجزء إذ هو ناشِىءٌ عنه)). الثاني: أنها حالٌ من الضميرِ المستتر في ((سُجَّداً)) فهي حالٌ متداخِلٌ . (١) علي بن محمد الكتامي، أبو الحسن، لازم الشَّلوبين، له إملاء على الإِيضاح، وشرح كتاب سيبويه، توفي سنة ٦٨٠. انظر: البغية ٢٠٤/٢. (٢) انظر: البحر ٤٩٧/٥. (٣) الكشاف ٤١٢/٢. (٤) البحر ٤٩٨/٥. ٢٣٢ - النحل - الثالث: أنها حالٌ مِنْ ((ظلالُه)) فينتصبُ عنه حالان. ثم لك في هذه الواو اعتباران، أحدُهما: أن تجعلَها عاطفةً حالاً على مثلِها فهي عاطفةً، وليست بواوِ حال، وإن كان خُلُوُّ الجملةِ الاسميةِ الواقعةِ حالاً من الواو قليلاً أو ممتنعاً على رأيٍ. وممَّن صَرَّح بأنها عاطفةٌ أبو البقاء (١). والثاني: أنها واوُ الحال، وعلى هذا فيقال: كيف يقتضي العاملُ حالين؟ فالجوابُ أنه جاز ذلك لأنَّ الثانيةَ بدلٌ مِن الأولى، فإن أُريد بالسجودِ التذلُّلُ والخضوعُ فهو / بدلُ كلٍ من كل، وإن أُريد به حقيقته فهو بدلُ [٥٥٥/أ] اشتمالٍ ؛ إذ السجودُ مشتملٌ على الدُّخور، ونظير ما نحن فيه: ((جاء زید ضاحكاً وهو شاكٍ)) فقولك ((وهو شاكٍ)) يحتمل الحاليةَ من ((زيد)) أو من ضمير (( ضاحكاً)). والدُّخور: التواضعُ قال(٢): ٢٩٧٦ - فلم يَبْقَ إلا داخِرُ في مُخَيَّسٍ ومُنْجَحِرٌ في غير أرضِكَ في جُحْرٍ وقيل: هو القهرُ والغلبةُ. ومعنى داخِرُون: أَذِلَاءُ صاغِرون. آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿مِنْ دابةٍ﴾: يجوز أن يكونَ بياناً لِما في السموات وما في الأرض، ويكون لله تعالى في سمائِه خَلْقٌ يَدِبُون كما يَدِبُ الخَلْقُ الذي في الأرض. ويجوز أن يكون بياناً لِما في الأرض فقط. قال (١) الإملاء ٨٢/٢. (٢) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٩٧٩/٢. ونسبه في اللسان (خيس) إلى الفرزدق، وهو في المحرر ٤٣٦/٨، والقرطبي ١١١/١٠، والبحر ٤٨٧/٥. والمخيس: السجن. والمنجحر: الداخل في الجحر. ٢٣٣ : - النحل - الزمخشري (١): (فإن قلت: فهلََّ جيْءَ بـ((مَنْ)) دونَ ((ما)) تغليباً للعقلاء مِن الدوابٌّ على غيرهم؟ قلت: لأنه لوجِيْءَ بـ ((مَنْ)) لم يكنْ فيه دليلٌ على التغليب فكان متناوَلا للعقلاءِ خاصةً فجيء بما هو صالحٌ للعقلاءِ وغيرِهم إرادةَ العمومِ». قال الشيخ(٢) :: ((وظاهرُ السؤالِ تسليمُ أنَّ ((مَنْ)) قد تشمل العقلاءَ وغيرَهم على جهةِ التغليبِ، وظاهرُ الجوابِ تخصيصُ ((مَنْ)) بالعقلاء، وأنَّ الصالحَ للعقلاء [وغيرِهم](٣) ((ما)) دون ((مَنْ)) وهذا ليس بجواب؛ لأنه أورد السؤالَ على التسليم، ثم أورد الجوابَ على غير التسليم، فصار المعنى: أنَّ ((مَنْ)) يُغَلَّبُ بها والجوابَ لا يُغَلَّبُ بها، وهذا في الحقيقة ليس بجواب)). قوله: ((وهم لا يَسْتَكْبِرُون)) يجوز أن تكونَ الجملةُ استئنافاً أخبر عنهم بذلك، وأن تكونَ حالاً مِنْ فاعلِ (( يَسْجُدُ )). آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿يَخافُون﴾: يجوز فيها أن تكونَ مفسِّرةً لعدم استكبارِهم، كأنه قيل: ما لهم لا يَسْتكبرون؟ فَأُجِيْبَ بذلك، ويُحْتمل أن تكونَ حالاً مِنْ فاعلِ ((لا يَسْتكبرون)) ومعنى («يخافون ربَّهم))، أي: عقابه. قوله: ((مِنْ فوقهم)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن تتعلَّقَ بـ ((يخافون))، أي: يخافون عذابَ ربهم كائناً مِنْ فوقهم؛ لأنَّ العذابَ إنما ينزل مِنْ فوقُ. الثاني: أنه متعلق بمحذوفٍ علی أنه حالٌ من « ربهم )» أي يخافون ربّهم عالياً عليهم، قاهراً لهم، كقوله تعالى: ((وهو القاهرُ فوقَ عبادِه))(٤). (١) الكشاف ٤١٢/٢. (٢) البحر ٤٩٩/٥. (٣) سقط سهواً من الأصل، وأثبتناه من البحر. (٤) الآية ١٨ من الأنعام. ٢٣٤ - النحل - آ. (٥١) قوله تعالى: ﴿اثنين): فيه قولان، أحدُهما: أنه مؤكد لـ ((إِلتَهَيْن)) وعليه أكثرُ الناسِ، و((اتَّخذ)) على هذا يحتمل أن تكونَ متعديةً لواحدٍ، وأن تكونَ متعديةً لاثنين، والثاني منها محذوفٌ، أي: لا تَتَّخذوا إلتهين اثنين معبوداً. والثاني: أنَّ ((اثنين)) مفعولٌ أولُ، وإنما أُخِّر، والأصلُ: لا تَتَّخذوا اثنين إلتھین، وفيه بُعْدٌ. وقال أبو البقاء (١): ((هو مفعولٌ ثانٍ)) وهذا كالغلط إذ لا معنى لذلك البتّةَ، وكلامُ الزمخشري هنا يُفْهِم أنه ليس بتأكيدٍ فإنه قال(٢): ((فإنْ قلتَ: إنما جمعوا بين العددِ والمعدودِ فيما وراء الواحدِ والاثنين، فقالوا: عندي رجالٌ ثلاثةٌ وأفراسٌ أربعةٌ؛ لأنَّ المعدودَ عارٍ عن العدد الخاص، فأمّا رجل ورجلان وفَرَسٌ وفَرَسان فمعدودان فيهما دلالةً على العدد، فلا حاجةَ إلى أَنْ يقال: رجل واحد، وجلان اثنان، فما وجهُ قوله تعالى ((إلَهين اثنين))؟ قلت: الاسمُ الحاملُ لمعنى الإِفرادِ أو التثنيةِ دَلَّ على شيئين: على الجنسيةِ والعددِ المخصوصِ ، فإذا أُريدت الدلالةُ على أن المعنيَّ به منهما والذي يُساق إليه الحديثُ هو العددُ شُفِع بما يؤكّد العددَ، فدلَّ به على القصدِ إليه والعنايةِ به، ألا ترى أنك لو قُلْتَ: إلته، ولم تؤكّدْه بواحدٍ لم يَحْسُنْ، وخُيِّل أنك تُثْبِتُ الإِلتهيةَ لا الوَحْدانيةَ)). وقال الشيخ(٣): (لَمَّا كان الاسمُ الموضوع للإفراد والتثنية قد يُتْجَوَّزُ به فَيُراد به الجنسُ نحو: نِعم الرجلُ زيدٌ، ونِعْم الرجلان الزيدان، وقول (١) الإِملاء ٨٢/٢، واستبعده أبو البقاء. (٢) الكشاف ٤١٣/٢. (٣) البحر ٥٠١/٥. ٢٣٥ - النحل - [٥٥٦/ب] الشاعر (١): / وإنَّ الحربَ أوَّلُها الكلامُ ٢٩٧٧- فإِنَّ النارَ بالعُوْدَيْنِ تُذْكَىْ أَكَّدَ الموضوعَ لهما بالوصفِ فقيل: إلتهين اثنين، وقيل: إله واحد» .. قوله: ((فإِيَّايَ)) منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ مقدرٍ بعده، يُفَسِّره هذا الظاهرُ، أي: إياي ارهبوا فارْهَبون. وقدَّر ابنُ عطية(٢) ((ارهَبوا إيَّاي فارهبون)). قال الشيخ(٣): ((وهو ذُهولٌ عن القاعدةِ النحوية، وهي أنَّ المفعولَ إذا كان ضميراً منفصلاً والفعلُ متعدٍّ لواحد وَجَبَ تأخيرُ الفعلِ نحو: ((إِيَّاكِ نَعْبُدُ»(٤) ولا يجوزُ أن يتقدَّمَ إلا في ضرورةٍ كقوله(٥): ٢٩٧٨ - إليك حتى بَلَغَتْ إِيَّاكا وهذا قد مَرَّ تقريرُه في أولِ البقرة(٦). وقد يُجاب عن ابنٍ عطية: بأنه لا يَقْبُحُ في الأمور التقديرية ما يقبح في [ الأمورِ] اللفظيةِ. وفي قولهِ: ((فإِيَّايَ)) التفاتُ من غَيْبة وهي قولُه ((وقال الله)) إلى تكلُّمٍ وهو قوله ((فأيَّي ) ثم التفت إلى الغَيْبة أيضاً في قوله ((وله ما في السموات)). آ. (٥٢) قوله تعالى: ﴿واصِباً﴾: حالٌ من ((الدِّين)) العاملُ فيها (١) لم أهتدٍ إلى قائله، مع كثرة تداوله، وهو في البحر ٥٠١/٥. (٢) المحرر ٤٣٨/٨. (٣) البحر ٥٠١/٥. (٤) الآية ٥ من الفاتحة . (٥) تقدم برقم (٨١٥). (٦) انظر: الدر المصون ٥٩/١، ٢٣٥/٢. --- ٢٣٦ - النحل - الاستقرارُ المتضمِّنُ الجارِّ الواقعَ خبراً. والواصِبُ: الدائم، قال حسَّان(١): ٢٩٧٩ - غَيَّرَتْهُ الريحُ تَسْفِي بِهِ وهَزِيْمُ رَعْدُهُ واصِبُ [ وقال ] أبو الأسود(٢): ٢٩٨٠ - لا أبتغيْ الحَمْدَ القليلَ بقاؤه يوماً بِذَمِّ الدهرِ أَجْمَعَ واصِبا والوَصِبُ: العليلُ لمداوَمَةِ السَّقَّمِ له. وقيل(٣): مِنَ الوَصَبِ وهو النَّعَبُ، ويكون حينئذٍ على النَّسَب، أي: ذا وَصَبٍ؛ لأن الدينَ فيه تكاليفُ ومَشَاقُّ على العبادِ، فهو كقوله(٤): أضحى فؤادي بهفاتِنا ٢٩٨١- أي: ذا فُتُوْن. وقيل: الواصِبُ: الخالِصُ. وقال ابن عطية (٥): والواوُ في قوله: ((وله ما في السموات)) عاطفةٌ على قولِه (إله واحد))، ويجوزُ أن تكونَ واوَ ابتداء)». قال الشيخ(٦): ((ولا يُقال واوُ ابتداءٍ إلا لواوِ الحال، ولا تظهر هنا الحالُ)). قلت: وقد يُطْلِقون واوَ (١) ديوانه ٢٨٢، وهو من المديد، والمحرر ٤٣٩/٨، والبحر ٥٠٠/٥، تسفي: تحمل التراب. والهزيم: السحاب الممطر. يصف مكاناً غيَّرَتْه الريحُ والأمطار. (٢) ديوانه ٣٧، والقرطبي ١١٤/١٠، والمحرر ٤٣٩/٨، والمجاز ٣٦١/١. (٣) نسب أبو حيان هذا القول لابن الأنباري. انظر: البحر ٥٠١/٥. (٤) تمامه : م رخيمُ الكلامِ قطيعُ القيا ولم أهتدٍ إلى قائله، وهو في اللسان (فتن)، والبحر ٥٠١/٥، والمحرر ٤٤٠/٨. (٥) المحرر ٤٣٨/٨، وقد عاد إلى أول الآية. (٦) البحر ٥٠١/٥. ٢٣٧ - النحل :- الابتداء، ويريدون واوَ الاستئناف، أي: التي لم يُقْصَدْ بها عطفُ ولا تَشْريكٌ، وقد نصُّوا على ذلك فقالوا: قد يُؤْتَى بالواو أولَ كلامٍ من غير. قَصْدٍ إلى عَطْفٍ. واسْتَدَلُّوا على ذلك بإتيانهم بها في أولِ قصائدِهم وأشعارِهم، وهو كثيرٌ جداً. ومعنى قولِهِ (١) ((عاطفة على قوله (إلهٌ واحدٌ))، أي: أنها عَطَفَتْ جملةً على مفرد، فيجبُ تأويلُها بمفردٍ لأنها عَطَفَتْ على الخبرِ فيكونُ خبراً، ويجوز على كونِها عاطفةً أن تكونَ عاطفةً على الجملة بأسرها، وهي قوله ((إنما هو إلَّهٌ واحدٌ)) وكأنَّ ابنَ عطية قَصَدَ بواوِ الابتداءِ هذا، فإنها استئنافيةٌ. آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿وما بكم﴾: يجوز في ((ما )» وجهان، أحدهما: أنْ تكونَ موصولةً، والجارُّ صلتُها، وهي مبتدأُ، والخبرُ قولُه ((فمِن الله)) والفاءُ زائدةٌ في الخبر لتضمُّنِ الموصولِ معنى الشرطِ، تقديره: والذي استقرَّ بكم. و((من نعمةٍ)) بيان للموصول. وقدَّر بعضُهم متعلَّق ((بكم )) خاصَّأَ فقال: ((وما حَلَّ بكم أَو نزل بكم)) وليس بجيدٍ؛ إذ لا يُقَدَّر إلا كونٌ مطلقٌ . والثاني: أنها شرطية، وفعلُ الشرطِ بعدها محذوفٌ وإليه نحا الفراء(٢)، وتبعه الحوفيُّ وأبو البقاء (٣). قال الفراء: ((التقدير: وما يكنْ بكم)). وقد رُدَّ هذا بأنه لا يُحْذَفُ فعلٌ إلا بعد ((إِنْ)) خاصةً، في موضعين، أحدُهما: أن يكون في باب الاشتغال نحو: ((وإنْ أحدٌ مِن المشركين استجارك))(٤) لأنَّ المحذوفَ في حكمِ المذكورِ. والثاني: أن تكونَ ((إنْ)) متلوَّةً بـ((لا)) (١) أي قول ابن عطية. (٢) معاني القرآن ١٠٤/٢. (٣) الإملاء ٨٢/٢. (٤) الآية ٦ من التوبة. ٢٣٨ - النحل - النافية، وأنْ يَدُلَّ على الشرطِ ما تقدَّمه من الكلامِ كقوله (١): وإلَّ يَعْلُ مَفْرِقَك الحُسامُ ٢٩٨٢- فطلِقْھا فَلَسْت لها بگُفوٍ أي: وإن لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ لدلالةِ قوله ((فَطَلِّقْها)) عليه فإن لم توجَدْ (( لا)) النافيةُ، أو كانت الأداةُ غيرَ ((إنْ)) لم يُحْذَفْ إلا ضرورةً، مثالُ الأول (٢): ٢٩٨٣ - قالَتْ بناتُ العمِّ يا سَلْمى وإنْ كان غنياً مُعْدِماً قالت: وإِنْ أي: وإن كان غنياً رَضِيْتُه. ومثالُ الثاني (٣): ٢٩٨٤ - صَعْدَة نابتةٌ في حائرٍ أَيْنَما السريحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ وقول الآخر(٤): ٢٩٨٥ - فمتىْ واغِلٌ يَنْهُمْ يُحَيُّو ٥ وتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقي قوله: ((فإليه تَجْأَرُوْن)) الفاءُ جوابُ ((إذا)). والجُؤار رَفْعُ الصوتِ، قال رؤبة يصفُ راهباً(٥): / [٥٥٧/أ] (١) البيت للأحوص، وهو في ديوانه ١٩٠، والإنصاف ٧٢، وشرح التصريح ٢٥٢/٢، والعيني ٤ /٤٣٥، والهمع ٦٢/٢، والدرر ٧٨/٢. والمفرق: وسط الرأس. (٢) تقدم برقم (٢٧٠). وقوله ((غنياً) كذا في الأصل. والمشهور ((فقيراً)). (٣) البيت لكعب بن جعيل أو لحسام بن ضرار. وهو في الكتاب ٤٥٨/١، والمقتضب ٧٥/٢، وأمالي الشجري ٣٣٢/١، والإنصاف ٦١٨، وابن يعيش ١٠/٩، والخزانة ٤٥٧/١. والصعدة: القناة المستوية. الحائر: المكان المطمئن الوسط تتحيَّر فيه المياه. يشبه قَدَّ المرأة بقناة. (٤) تقدم برقم (١٦٦١). (٥) البيت للأعشى وليس لرؤية، وهو في الديوان ٥٣، والمحرر ٤٤٢/٨. والقصيدة في مديح قيس بن معديكرب. ٢٣٩ - النحل - ٢٩٨٦ - يُراوِحُ مِنْ صلواتِ المَليـــكِ طَوْراً سُجوداً وطَوْراً جُؤاراً ومنهم مَنْ قَيَّده بالاستغاثة، وأنشد الزمخشري(١): ٢٩٨٧ - جَأَّرُ ساعاتِ النيامِ لربِّه وقيل: الجُوَّار كألخُوار، جَأَّر الثورُ وخارَ واحد، إلا أنَّ هذا مهموزُ العين وذاك معتلُّها. وقال الراغب(٢): ((جَأَر إذا أفرط في الدعاء والتضرع، تشبيهاً بِجُوَّارِ الوَحْشِيَّات)). وقرأ(٣) الزهري: ((تَجَرِون)) بحذفِ الهمزةِ وإلقاء حركتها على الساكنِ قبلَها، كما قرأ نافع ((رِدَاً)) (٤) في ((رِدْء)). آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿إِذا كَشَفَ﴾: ((إذا)) الأولى شرطيةٌ والثانيةُ فجائية جوابُها. وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ ((إذا)) الشرطية لا تكونُ معمولةٌ لجوابها؛ لأنَّ ما بعد (( إذا)) الفجائية لا يعمل فيما قبلَها. وقرأ(٥) قتادة ((كاشَفَ)) على فاعَلَ. قال الزمخشري(٦): ((بمعنى فَعَلِ، وهو أقوى مِنْ ((كَشَفَ)) لأنَّ بناءَ المغالبةِ يدلُّ على المبالغة)). قوله: ((منكم )) يجوز أن يكونَ صفةً لـ ((فريق)) و((مِنْ)) للتبعيض، ويجوز أن تكونَ للبيان. قال الزمخشري (٧): ((كأنه قال: إذا فريقٌ كافرٌ، وهم أنتم)). (١) أساس البلاغة ٥٠ (جأر) ولم أقف على البيت. (٢) المفردات ١٠٣. (٣) المحتسب ١٠/٢، البحر ٥٠٢/٥. (٤) من الآية ٣٤ من القصص. وانظر: السبعة ٤٩٤. (٥) المحتسب ١٠/٢، البحر ٥٠٢/٥، الشواذ ٧٣. (٦) الكشاف ٤١٣/٢ . (٧) الكشاف ٤١٣/٢. ٢٤٠