Indexed OCR Text

Pages 201-220

- النحل -
بمعنىْ شَواقٌّ(١)، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه حالٌ مِنْ ((مَواخِر))، أو مِنَ الضميرِ
المستگنُّ فیه.
و ((مَواخِر)) جمع ماخِرة، والمَخْرُ: الشَّقُّ، يُقال: مَخَرَتِ السفينةُ
البحرَ، أي: شَقَّتْه، تَمْخُره مَخْراً ومُخُوراً. ويقال للسُّفُنِ: بناتُ مَخْرٍ وبَخْرٍ
بالميم، والباءُ بدل منها (٢). وقال الفراء(٣): ((هوصوتُ جَرْيِ الفُلْكِ)). وقيل:
صوتُ شدَّةِ هُبوبِ الريحِ. وقيل: ((بناتُ مَخْرٍ)) لسَحابِ يِنشَأُ صَيْفاً،
وامْتَخَرْتُ الريحَ واسْتَمْخَرْتُها، أي: استقبلْتَها بأنفك. وفي الحديث(٤):
((اسْتَمْخِروا الريحَ، وأَعِدُّوا النُّبَلَ)) يعني في الاستنجاء، والماخُور: الموضع
الذي يُباع فيه الخمرُ. و((ترى)) هنا بَصَرِيَّةٌ فقط.
قوله: ((ولِتَبْتَغُوا)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ: عطفُه على ((لتأكلوا))، وما بينهما
اعتراضٌ - كما تقدَّم - وهذا هو الظاهرُ. ثانيها: أنه عطفٌ على علةٍ محذوفٍ
تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتَغُوا، ذكره ابن الأنباري، ثالثُها: أنه متعلُّقٌ بفعلِ
محذوفٍ، أي: فَعَل ذلك لتبتغوا، وفيهما تكلُّفٌ لا حاجةً إليه.
(١) لعله جمع (((شاقَّةٌ)) لأن المواخر جمع ماخرة وهي التي تشق، كما سيأتي. ونصَّ
على هذا الجمع صاحب اللسان في (شقق).
(٢) ونقل الفارسي العكس فاشتقه من البخار. وقال: ((فهذا يدلك على أن الميم في
((مخر)) بدل من الباء في بخر». انظر: اللسان (مخر).
(٣) معاني القرآن ٩٨/٢.
(٤) لم أقف عليه حديثاً، وفي المحرر ٣٨٧/٨ هو قولٌ منسوب لواصل مولى أبي عيينة
((فليتمخُّر الريح))، وفي النهاية ٣٠٥/٤: ((ومنه حديث سُراقة ... واستمخروا
الريح)). وفي النهاية ١٠/٥ ((أَعِدُّوا النَُّل)) هي الحجارة الصِّغار التي يُسْتَنْجى بها،
واحدتها نُبْلة .
٢٠١

- النحل -
آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿أَنْ تَمْيْدَ﴾:، أي: كراهةً أَنْ تَمِيْدَ،
أو: لئلاّ تَمِيْدَ.
قوله: ((وأنهاراً)) عطفُ على ((رَواسي)) لأنَّ الإِلقاءَ بمعنى الخَلْقِ.
وادِّعاءُ ابنٍ عطية (١) أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ، أي: وجَعَل فيها أنهاراً، ليس
كما ذكره. وقدَّره أبو البقاء(٢): ((وشَقَّ فيها أنهاراً)) وهو مناسِبٌ، و((سُبْلاً))،
أي: وذَلَّل، أو: وجعل فيها طُرُقاً.
آ. (١٦): و﴿ وعلاماتٍ﴾، أي: ووَضَعَ فيها علاماتٍ.
قوله تعالى: ﴿وبالنجم﴾: متعلَّق بـ ((يهتدون)). والعامَّةُ على
فتحِ النون وسكونِ الجيم بالتوحيد فقيل: المرادُ به کوکبُ بعينه کالجدي.
أو الثُّرَيًّا. وقيل: بل هو اسمُ جنسٍ. وقرأ(٣) ابن وثاب بضمِّهما، والحسنُ
بضمِّ النون فقط، وعَكَسَ بعضُهم النَّقْلَ عنهما.
فأمَّا قراءةُ الضمتين ففيها تخريجان، أظهرُهما: أنها جمعٌ صريحٌ لأنَّ
[٥٥٠/ب] فَعْلَا يُجْمع على فُعُلَ نحو: سَقْف وسُقُف، ورَهْنِ ورُهُن. / والثاني: أنَّ
أصلَه النجومُ، وفَعْلُ يُجمع على فُعُول نحو: فَلْس وفُلُوس، ثم خُقُّف
بحَذْفِ الواوِ كما قالوا: أَسَد وأُسُود وأُسُد. قال أبو البقاء(٤): ((وقالوا في
خِيام: خِيَم، يعني أنه نظيرُه، من حيث حَذَفوا منه حرفَ المدِّ: وقال
(١) المحرر ٣٨٨/٨.
(٢) الإِملاء ٧٩/٢.
(٣) المحتسب ٨/٢، الإتحاف ١٨٢/٢، البحر ٤٨٠/٥، الشواذ ٧٢.
(٤) الإِملاء ٧٩/٢.
٢٠٢
!

- النحل -
ابنُ عصفور: إن قولهم ((النّجُم مِنْ ضرورة الشعر)) وأنشد(١):
٢٩٦٧- إنَّ الذي قَضَی بذا قاضٍ حَكَمْ
أن تَرِدَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
يريد: النجوم، كقوله(٢):
٢٩٦٨ - حتى إذا ابْتَلَّتْ حَلاقِيْمُ الحُلُقْ
يريد الحُلُوق.
وأمَّا قراءةُ الضمِّ والسكونِ ففيها وجهان، أحدهما: أنها تخفيفُ من
الضم. والثاني: أنها لغةٌ مستقلة.
وتقديمُ كلٍّ من الجار والمبتدأ يفيد الاختصاصَ. قال الزمخشري(٣):
((فإن قلت: قوله ((وبالنجم هم يهتدون)) مُخْرَجٌ عن سَنَنِ الخِطاب، مقدَّم فيه
النجم(٣)، مُقْحَمٌ فيه [هم ](٤)، كأنه قيل: وبالنجمِ خصوصاً هؤلاء خصوصاً
يهتدونَ، فَمَنْ المرادُ بهم؟ قلت: كأنَّه أراد قريشاً، كان لهم اهتداءً بالنجوم
في مسائرِهم، وكان لهم به عِلْمٌ لم يكنْ لغيرِهم فكان الشكرُ عليهم أوجبَ
ولهم أَلْزَمَ» .
آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿كَمَنْ لا يَخْلُق﴾: إِنْ أُريد بـ «مَنْ
لا يَخْلُق)) جميعُ ما عُبِد مِنْ دونِ الله كان ورودُ ((مَنْ)) واضحاً؛ لأن العاقلَ
(١) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في الخصائص ١٣٤/٣، والمحتسب ١٩٩/١، واللسان
(نجم)، والبحر ٤٨١/٥. ولم أقف على البيت في كتاب الضرورات لابن عصفور.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في الخصائص ١٣٤/٣، واللسان (حلق)، والبحر ٤٨١/٥.
(٣) الأصل ((النجوم)) والتصحيح من ((الكشاف)).
(٤) من الكشاف.
٢٠٣

- النحل -
يُغَلَّبُ على غيرِهِ، فُعبَّر عن الجميع بـ ((مَنْ)) ولو جِيْءٍ بـ ((ما)) أيضاً
لجازٌ، وإنْ أريد به الأصنامُ ففي إيقاعِ ((مَنْ)) عليهم أوجهٌ، أحدُها:
إجراؤهم لها مُجْرِى أُولي العلمِ في عبادتهم إياها واعتقادِ أنها تَضُرُّ وتنفع
كقوله(١):
٢٩٦٩ - بَكَّيْتُ إلى سِرْبِ القَطا إذْ مَرَرْنَ بي
فقلتُ ومِثْلي بالبكاءِ جَديِرُ
أُسِرْبَ القَطا هلِ مَنْ يُعيرُ جناحَه
لعلِّي إلى مَن قدِ هَوِيْتُ أطيِرُ
فأوقعَ على السِّرْب ((مَنْ)) لمّا عاملها معاملةَ العقلاءِ. الثاني:
المشاكلةُ بينه وبين مَنْ يَخْلُق. الثالث: تخصيصُه بمَنْ يَعْلَمُ، والمعنى: أنه
إذا حَصَلَ التبايُنُ بِينِ مَنْ يَخْلُقُ وبِين مَنْ لا يَخْلُقَ مِنْ أولي العلم، وأنَّ غيرَ
الخالقِ لا يَسْتحق العبادةَ البتة، فكيف تستقيم عبادةُ الجمادِ المنحطِّ رتبةً،
الساقطِ منزلةً عن المخلوق من أولي العلم كقوله: ((ألهم أَرْجُلٌ يَمْشُون بها))(٢)
إلى آخره؟ وأمَّا مَنْ يُجيز إيقاعَ ((مَنْ)) على غيرِ العقلاء مِنْ غير شرطٍ كقطرب
فلا یحتاج إلی تاويل .
قال الزمخشريُّ (٣): («فإن قلتَ: هو إلزامٌ للذين عَبَدوا الأوثانَ ونحوَها،
تشبيهاً بالله تعالى، وقد جعلوا غيرَ الخالقِ مثلَ الخالق، فكان حَقُّ الإلزامِ أن
يُقال لهم: أَفَمَنْ لا يَخْلُقُ كَمَنْ يَخْلق؟ قلت : حين جعلوا غيرَ الله مِثْلَ
اللَّهِ لتسميتِهم باسمِه، والعبادةِ له، جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيهاً
(١) البيتان للعباس بن الأحنف وهما في ديوانه ١٤٣، والعيني ٤٣١/١، والهمع.
٩١/١، والدرر ٦٩/١.
(٢) الأية ١٩٥ من الأعراف.
(٣) الكشاف ٤٠٥/٢.
٢٠٤

- النحل -
بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله ((أفمن يَخْلُقُ كمن لا يَخْلُقُ)).
آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما تُسِرُّون﴾: قرأ العامّةُ ((تُسِرُّون))
و ((تُعْلِنون)) بتاء الخطاب. وأبو جعفر (١) وشيبة بالياء مِنْ تحتُ.
آ. (٢٠): وقرأ(٢) عاصم وحده ((يَدْعُون)) بالياء، والباقون بالتاءُ مِنْ
فوقُ. وَقُرِىءٍ(٣) ((يُدْعَوْن)) مبنياً للمفعول. وهنَّ واضحاتٌ.
آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿أمواتٌ﴾: يجوز أن يكونَ خبراً ثانياً،
أي: وهم يُخْلَقُون وهم أمواتٌ. ويجوز أن يكون ((يُخْلَقون)) و ((أمواتٌ))
كلاهما خبراً من بابٍ: ((هذا حُلْوٌ حامِض)) ذكره أبو البقاء(٤)، ويجوزُ أن يكونَ
خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هم أمواتٌ.
قوله: ((غيرُ أحياءٍ)) يجوزُ فيه ما تقدم، ويكون تأكيداً. وقال
أبو البقاء(٥): «ويجوزُ أَنْ يكونَ قصد بها أنهم في الحال غيرُ أحياءٍ لَيَرْفَعَ به
توهّمَ أنَّ قولَه ((أمواتٌ)) فيما بعد إذ قال تعالى: ((إنَّك مَّيِّتْ وإنهم مَيِّتون))(٦).
قلت: وهذا لا يُخْرِجُه عن التأكيدِ الذي ذكره قبل ذلك.
قوله: ((أَيَّان يُبْعَثُوْن)) ((أيَّان)) منصوبٌ بما بعده لا بما قبلَه لأنه استفهامٌ،
(١) المحرر ٣٩٢/٨، وفي القرطبي ٩٤/١٠: ((أنها رواية هبيرة عن حفص عن
عاصم)). وانظر: السبعة ٣٧١.
(٢) السبعة ٣٧١، الإتحاف ١٨٢/٢، البحر ٤٨٢/٥، التيسير ١٣٧، الحجة ٣٨٧.
(٣) وهي قراءة محمد اليماني. الشواذ ٧٢، البحر ٤٨٢/٥.
(٤) الإِملاء ٢ /٧٩.
(٥) الإملاء ٧٩/٢.
(٦) الآية ٣٠ من الزمر.
٢٠٥

- النحل :-
وهو مُعَلَّقٌ لـ ((يَشْعُرونَ)) فجملتُه في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافضِ ، هذا
هو الظاهرُ. وفي الآيةِ قولٌ آخرُ: وهو أن ((أيَّان)) ظرفٌ لقولِه ((إلَهُكم إلّهٌ
واحدٌ)) يعني أن الإِلّهَّ واحدٌ يومَ القيامة، ولم يَدَّعِ أحدٌ الإِلتهيةَ في ذلك
اليومِ بخلاف أيَّام الدنيا، فإنه قد وُجد فيها مَن ادَّعَى ذلك، وعلى هذا فقد
تَمَّ الكلامُ على قوله ((يَشْعُرون))، إلا أن هذا القول مُخْرِجٌ لـ((أيَّان)) عن
[٥٥١/ أ] موضوعها - وهو: إمَّا/ الشرطُ، وإمَّا الاستفهامُ ـ إلى مَحْضِ الظرفيةِ بمعنى
وقت، مضافٌ للجملة بعده كقولك: ((وقتَّ تَذْهَبُ عمرو منطلق)) فوقت
منصوبٌ بمُنْطَلِقٍ، مضافٌ لتذهب.
آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾: قد تقدَّمَ الكلامُ على هذه
اللفظةِ في سورةِ هود(١). والعامَّةُ على فتحِ الهمزة مِنْ ((أنَّ اللَّهَ)) وكَسَرَها
عيسى الثقفيُّ(٢)، وفيها وجهان، أظهرُهما: الاستئنافُ. والثاني: جَرَيانٌ
((لَا جَرَم)) مَجْرَى القسمِ فَتُتَلَقَّى بما يُتَلَقَّى به. وقال بعضُ العرب: ((لَا جَرَم
واللَّهِ لا فارَقْتُك)) وهذا عندي يُضْعِفُ كونَها للقسم لتصريحه بالقسمِ بعدها،
وإن كان الشيخ (٣) أتنى بذلك مُقَوِّياً لجريانِها مَجْرىُ القسم.
آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿ماذا أُنْزَلَ﴾: قد تقدَّم الكلامُ على
((ماذا)) أولَ البقرة(٤). وقال الزمخشري(٥): ((أو مرفوعٌ بالابتداءِ بمعنى: أُّ
شيءٍ أَنزِلَه ربُّكم؟)) قال الشيخ(٦): ((وهذا غيرُ جائزٍ عند البصريين)). يعني مِنْ
(١) انظر: الدر المصون ٣٠٣/٦.
(٢) البحر ٤٨٣/٥، الشواذ ٧٢ .
(٣) البحر ٤٨٣/٥.
(٤) الدر ٢٢٩/١.
(٥) الكشاف ٤٠٦/٢.
(٦) البحر ٤٨٤/٥.
٢٠٦

- النحل -
كونِهِ حَذَفَ عائدَه المنصوب نحو: ((زيدٌ ضربتُ)) وقد تقدَّم خلافُ الناس في
هذا، والصحیحُ جوازه.
والقائمُ مَقامَ فاعلِ ((قيل)) الجملةُ مِنْ قولِه ((ماذا أَنْزِلَ)) لأنها المَقُولَةُ،
والبصريون يَأْبُوْن ذلك، ويجعلون القائمَ مقامَه ضميرَ المصدرِ؛ لأنَّ الجملةَ
لا تكونُ فاعلةً ولا قائمةً مقامَ الفاعلِ، والفاعلُ المحذوفُ: إِمَّا المؤمنون،
وإمَّا بعضُهم، وإمَّا المقتسِمون(١).
وقرىء(٢) ((أساطيرَ)) بالنصب، على تقدير: أَنْزَلَ أساطيرَ على سبيل
التهكُّم، أو ذكرتُمْ أساطيرَ، والعامَّةُ برفعِه على خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: المنزَّلُ
أساطيرُ على سبيل التهكُّم، أو المذكورُ أساطيرُ. وللزمخشريِّ(٣) هنا عبارةٌ
فظيعةٌ يقف منها الشَّعْرُ.
آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلوا﴾: في هذه اللام ثلاثةُ أوجه،
أحدها: أنها لامُ الأمرِ الجازمةُ على معنى الحَتْمِ عليهم، والصَّغارِ الموجبِ
لهم، وعلى هذا فقد تَمَّ الكلامُ عند قولِه ((الأوَّلين))، ثم اسْتُوُنِف أَمْرُهم
بذلك. الثاني: أنها لامُ العاقبة، أي: كان عاقبةُ قولِهم ذلك، لأنهم لم يقولوا
((أساطير)) لِيَحْمِلوا، فهو كقولِه تعالى(٤) ((ليكون لهم عَدُوَّاً وحَزَناً)، وقوله(٥):
٢٩٧٠ - لِدُوا للموتِ وابْنُوا للخرابِ
(١) الذين اقتسموا مداخل مكةً يُنَفَّرون عن رسول الله وَ ﴿ إذا سألهم عنه وفود الحجاج.
انظر: الكشاف ٤٠٦/٢ .
(٢) البحر ٤٨٤/٥ .
(٣) انظر: الكشاف ٤٠٦/٢.
(٤) الآية ٨ من القصص.
(٥) تقدم برقم (١٩٣٢).
٢٠٧

- النحل -
الثالث: أنَّها للتعليل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه تعليلٌ مجازيٍّ. قال
الزمخشري(١): ((واللامُ للتعليلِ مِنْ غيرِ أن يكونَ غرضاً نحو قولك: خرجْتُ
من البلد مخافةَ الشّرِّ». والثاني: أنه تعليلٌ حقيقةً. قال ابن عطية (٢) - بعد
حكاية وجهٍ لامِ العاقبة - ((ويُحتمل أن تكونَ صريحَ لامٍ كي، على معنى:
قَدَّر هذا لكذا)) انتهى. لكنه لم يُعَلِّقْها بـ ((قالوا)) إنما قَدَّرَ لها عِلةً
((كيلا))(٣)، وهو قَدَّر هذا، وعلى قول الزمخشري يتعلَّقُ بـ ((قالوا))؛ لأنها
ليست لحقيقةِ العَّةِ. و((كاملةً)) حالٌ.
قوله: ((ومِنْ أَوْزَارِ)) فيه وجهان، أحدهما: أنَّ ((مِنْ)) مزيدةٌ، وهو قولُ
الأخفش(٤)، أي: وأوزارِ الذين على معنى: ومثل أوزارٍ، كقوله: ((كان عليه
وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِل بها))(٥). والثاني: أنها غيرُ مَزيدةٍ وهي للتبعيضِ ، أي:
وبعض أوزارٍ الذين. وقَدَّر أبو البقاء(٦) مفعولاً حُذِف وهذه صفته، أي:
وأوزاراً مِنْ أوزارٍ، ولا بدَّ مِنْ حذف ((مثل)) أيضاً.
وقد منع الواحديُّ أن تكونَ ((مِنْ)) للتبعيض قال: ((لأنه يَسْتَلِمُ
تخفيفَ الأوزارِ عن الأتباع، وهو غيرُ جائزٍ لقوله عليه السلام ((من غير أن
ينقصّ من أوزارهم شيءٌ)» لكنها للجنس، أي: ليحملوا من جنس أوزارٍ
(١) الكشاف ٤٠٦/٢.
(٢) المحرر ٣٩٨/٨.
(٣) قوله ((علة كيلا)) غير واضح في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٤) لم يُشر الأخفش إلى زيادتها هنا. وانظر أمثلة على ذلك في معاني القرآن ٩٨،
٢٠٩، ٢٥٤.
(٥) ((ومن سَنَّ سنَّة سيئة ... )). حديث رواه ابن ماجة: المقدمة ٧٤/١٠، ١٤ باب من
سَنَّ سُنَّة، وابن حنبل في المسند ٣٥٧/٤ .
(٦) الإملاء ٧٩/٢.
٢٠٨

- النحل -
الأتباع)). قال الشيخ(١): ((والتي لبيانِ الجنسِ لا تتقدَّر هكذا، إنما تتقدَّر:
والأوزار التي هي أوزارُ الذين، فهو من حيث المعنى كقول الأخفش، وإن
اختلفا في التقدیر)».
قوله: ((بغير عِلْمٍ)) حالٌ، وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ
(يُضِلُّونهم))، أي: يُضِلُّون مَنْ لا يعلم أنهم ضُلَّاّلٌ، قاله الزمخشري(٢).
والثاني: أنه الفاعل، ورُجِّح هذا بأنه هو المُحَدَّث عنه. وقد تقدَّم(٣) الكلامُ
في إعرابٍ نحو («ساءَ ما يَزِرون))، وأنها قد تجري مَجْری بِئْس.
آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿من القواعد﴾: ((مِنْ)) لابتداءِ الغاية،
أي: من ناحيةِ القواعدِ، أي: أتى أمرُ الله وعذابُه.
قوله: ((مِنْ فوقِهم)) يجوز أن يتعلَّقَ بـ ((خَرَّ)) وتكون ((مِنْ)) لابتداء
الغاية، ويجوز/ أَنْ يتعلق بمحذوفٍ على أنها حالٌ من ((السقف)) وهي [٥٥١/ب]
حالٌ مؤكِّدة؛ إذ السقفُ لا يكون تحتهم . وقال جماعة (٤) : ليس
قوله ((مِنْ تحتِهم)) تأكيداً؛ لأنَّ العرب تقول: ((خَرَّ علينا سَقْفٌ، ووقع علينا
حائط)) إذا كان يملكه وإنْ لم يَقعْ عليه، فجاء بقوله ((من فوقهم)) لُيُخْرج هذا
الذي في كلام العرب، أي: عليهم وَقَعَ وكانوا تحته فهلكوا. وهذا معنىٍّ
غيرُ طائلٍ ، والقولُ بالتأكيد أَنْصَحُ منه.
والعامَّةُ على ((بُنْيَانَهم)). وفرقة (٥): ((بِنْيَتَهُمْ)). وفرقةٌ - منهم أبو جعفر -
(١) البحر ٤٨٤/٥.
(٢) الكشاف ٤٠٦/٢ .
(٣) الدر ٤ / ٥٩٧ .
(٤) نسبه القرطبي ٩٧/١٠ إلى ابن الأعرابي.
(٥) المحرر ٤٠٠/٨، البحر ٤٨٥/٥.
٢٠٩

- النحل -
((بَيْتهم))(١). والضحاك (( بُيوتهم)).
والعامَّةُ أيضاً ((السَّقْفُ)) مفرداً. وفرقةٌ(٢) بفتحِ السين وضمِّ القاف بزنةٍ
عَضُد، وهي لغةٌ في السَّفْف، ولعلها مخففةٌ من المضموم، وكَثُرَ استعمالُ
الفرع لحقّتهِ كقول تميم: ((رَجْل))، ولا يقولون: ((رَجُل)). وقرأ الأعرج
((السُّقُف)) بضمتين. وزيدُ بن علي بضم السين وسكونِ القاف، وقد تقدَّم
مثلُ ذلك في قراءةِ ((وبالنُجْم هم يَهْتدون))(٣).
آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿أين شركائي﴾: مبتدأ وخبر(٤). والعامَّة
على ((شركائي)) ممدوداً. وسَكَّن ياءَ المتكلم فرقةٌ(٥)، فَتُحْذَفُ(٦) وصلاً
لالتقاء الساكنين. وقرأ البزي بخلافٍ عنه بقصره (٧) مفتوحَ الياء. وقد أنكر
جماعةٌ هذه القراءةَ، وزعموا أنَّها غيرُ مأخوذٍ بها؛ لأنَّ قصرَ الممدودِ لا يجوز
إِلَّ ضرورةً. وتعجَّب أبو شامةً من أبي عمرٍو الداني حيث ذكرها في كتابه(٨)
مع ضعفها، وترك قراءاتٍ شهيرةً واضحة .
(١) ثمة اختلاف في القارىء والقراءة، ففي المحرر ٤٠٠/٨: وقرأ جعفربن محمد
((بَنِيَّتَهُمْ))، وفي الشواذ ٧٢: أبو جعفر محمد بن علي ((بَيْنَهم)). وفي البحر ٤٨٥/٥ :
((وقرأ جعفر ((بَيْتَهم)). وأثبتنا في النص عبارة الأصل.
(٢) انظر في قراءاتها: البحر ٤٨٥/٥.
(٣) انظر إعرابه للآية ١٦ من النحل، وهي قراءة الحسن.
(٤) المبتدأ ((شركائي)) و((أين)) اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب ظرف
مكان متعلق بالخبر المحذوف.
(٥) أنظر في قراءاتها: السبعة ٣٧١، الإتحاف ١٨٢/٢، التيسير ١٣٧، القرطبي
٩٨/١٠، النشر ٣٠٣/٢، البحر ٤٨٥/٥.
(٦) أي الياء .
(٧) أي قصر الممدود: شُرَكاي.
(٨) التيسير ١٣٧ .
٢١٠

- النحل -
قلت: وقد رُوِي عن ابنٍ كثير أيضاً قَصْرُ التي في القصص(١)، ورُوي
عنه أيضاً قَصْرُ ((ورائي)) في مريم(٢)، ورَوى عنه قنبل أيضاً قَصْرَ («أنْ رآه
استغنى)) في العلق(٣)، فقد رَوَى عنه قصرَ بعضِ الممدوداتِ، فلا تَبْعُدُ روايةٌ
ذلك عنه هنا، وبالجملة فَقَصْرُ الممدودِ ضعيفٌ، ذكره غيرُ واحدٍ لكن لا يَصِلُ
به إلى حَدِّ الضرورة.
قوله: ((تُشّاقُون)): نافع(٤) بكسرِ النونِ خفيفةً والأصل: تُشاقُّوني،
فَحَذَّفَها مجتزِئاً عنها بالكسرة، والباقون بفتحها خفيفةً، ومفعولُه محذوفٌ،
أي: تُشَاقُون المؤمنين أو تشاقُون اللَّهَ، بدليلِ القراءةِ الأولى. وقد ضَعَّفَ
أبو حاتمٍ هذه القراءةَ، أعني قراءةً نافعٍ. وقرأَتْ فرقةٌ بتشديدِها مكسورةً،
والأصل: تُشَاقُوني فأدغم، وقد تقدَّم تفصيلُ ذلك في ((أَتْحاجُونِّي))(٥)
و ((فبم تُشرون))(٦) وسيأتي في قولِه تعالى ((أفغيرَ اللّه تَأْمُرُونِي))(٧).
قوله: ((اليومَ)) منصوب بالخِزْي، وعَمِل المصدرُ وفيه أل. وقيل:
هو منصوبٌ بالاستقرار في ((على الكافرين)) إلا أنَّ فيه فَضْلاً بالمعطوفِ بين
العاملِ ومعمولِه، واغْتُفِر ذلك لأنهم يَّتَّسِعُون في الظروفِ.
آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمْ﴾: يجوز أن يكونَ
(١) الآية ٦٢ .
(٢) الآية ٥ .
(٣) الآية ٧ .
(٤) السبعة ٣٧١، الإِتحاف ١٨٣/٢، الحجة ٣٨٨، النشر ٣٠٣/٢، التيسير ١٣٧،
القرطبي ٩٨/١٠، البحر ٤٨٦/٥.
الآية ٨٠ من الأنعام. وانظر: الدر ١٥/٥.
(٥)
(٦) الآية ٥٤ من الحجر. وانظر: الدر، الورقة ٥٤٥ أ.
(٧) الآية ٦٤ من الزمر.
٢١١

- النحل -
الموصولُ مجرورَ المحَلِّ نعتاً لِما قبله، أو بدلاً منه، أو بياناً له، وأن يكونَ
منصوباً(١) على الذمّ، أو مرفوعاً عليه، أو مرفوعاً بالابتداء، والخبرُ قولُه ((فَأَلْقَوُا
السِّلَمْ)) والفاءُ مزيدةٌ في الخبر، قاله ابن عطية (٢)، وهذا لا يجيْءُ إلَّ على
رأي الأخفش(٣) في إجازته زيادةً الفاء في الخبر مطلقاً، نحو: «زيد فقام))،
أي: قام. ولا يُتَوَهَّم أن هذه الفاءَ هي التي تدخل مع الموصولِ المتضمِّنِ
معنى الشرط؛ لأنه لو صُرِّح بهذا الفعلِ مع أداةِ الشرط لم يَجُزْ دخولُ الفاء
عليه(٤)، فما ضُمِّن معناه أَوْلَى بالمنع، كذا قاله الشيخ(٥)، وهو ظاهر.
وعلى الأقوالِ المتقدمةِ خلا القولِ الأخيرِ يكون ((الذين)» وصلتُه داخلاً في
المَقُول، وعلى القولِ الأخيرِ لا يكونُ داخلاً فيه.
وقرأ ((يَتَوَفَّاهُمْ) في الموضعين(٦) بالياء حمزة(٧)، والباقون بالتاء مِنْ
فوق، وهما واضحتان ممَّا تقدَّم في قوله(٨) ((فنادّتْه الملائكةُ)) ((فناداه)).
وقرأت فرقةٌ بإدغام إحدى التاءين في الأخرى(٩)، في مصحفِ عبدِ الله
((تَوَفَّاهم)) بتاءٍ واحدة، وهي مُحْتَمِلةٌ للقراءةِ بالتشديد على الإِدغام،
وبالتخفيفِ على حَذْفِ إحدى التاءَيْن.
(١) الأصل: «منصوب)» وهو سھو.
(٢) المحرر ٤٠٣/٨.
(٣) لم يُشر الأخفش في هذا الموضع إلى زيادة الفاء، وانظر مذهبه في معاني القرآن
له: ١٢٤.
(٤) أي لم يجُز دخول ألفاء على جواب الشرط ((ألقوا)) لأنه ليس من مواضع اقتران
جواب الشرط بالفاء.
(٥) البحر ٤٨٦/٥.
(٦) الموضع الثاني في الآية ٣٢.
(٧) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٧٢، النشر ٣٠٣/٢، القرطبي ١٠١/١٠، التيشير
١٣٧، الإتحاف ١٨٤/٢، المحرر ٤٠٨/٨.
(٨) الآية ٣٨ من آل عمران. وانظر: الدر ١٥٠/٣.
(٩) نسبها في الشواذ ٧٣ إلى ابن كثير.
٢١٢

- النحل -
و ((ظالِمِيْ أنفسهم)) حالٌ مِنْ مفعولٍ ((تَتَوَفَّاهم)) و((تَتَوَفَّهم)) يجوز أن
يكونَ مستقبلاً على بابه إن كان القولُ واقعاً في الدنيا، وأن يكونَ ماضياً على
حكاية الحال إن كان واقعاً يوم القيامة .
قوله: ((فَأَلْقَوا)) يجوز فيه أوجة، أحدها: أنه خبر الموصول وقد تقدَّم
فسادُه. الثاني: أنه عطفٌ على ((قال الذين)). الثالث: أن يكون مستأنفاً،
والكلامُ قد تَمَّ عند قولِه ((أنفسِهم))، ثم عاد بقولِه ((فألْقَوا)) إلى حكاية كلام
المشركين يومَ القيامة، فعلى هذا يكون قولُه ((قال الذين أُوْتوا العِلْم)) إلى قوله
((أنفسهم)) جملةَ اعتراض. الرابع: أن يكونَ معطوفاً على ((تَتَوفَّاهم )) قاله
أبو البقاء (١)، وهذا إنما يتمشّى على أنَّ ((تَتَوفَّهم)) بمعنى المُضِيِّ، ولذلك
لم يذكرْ أبو البقاء في (( تَتَوفَّاهم)) سواه.
قوله: ((ما كنَّا نعملُ)) فيه أوجه، أحدها: أن يكون تفسيراً للسَّلَم الذي
أَلْقَوه؛ لأنه بمعنى القول بدليلِ الآيةِ الأخرى: ((فألْقَوْا إليهم القول))(٢)، قاله
أبو البقاء(٣)، ولو قال: ((يحكي ما هو بمعنى القول)» كان أوفقَ لمذهب
الكوفيين. الثاني: أن يكونَ «ما كنَّا)) منصوباً بقولٍ مضمرٍ، ذلك الفعلُ منصوب
على الحال، أي: فألقَوا السَّلَم قائلين ذلك. / و((مِنْ سوء)) مفعول ((نعمل))، [٥٥٢/أ]
زِيْدَتْ فيه ((مِنْ))، و((بلى)) جوابٌ لـ((ما كنَّا)) فهو إيجابٌ له.
آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ﴾: هذه لامُ التأكيدِ، وإنما دخَلَتْ
على الماضي لجمودِهِ وقُرْبِهِ من الأسماء. والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي:
۵ مـ
جهنم .
(١) الإملاء ٨٠/٢.
(٢) الآية ٨٦ من النحل.
(٣) الإملاء ٨٠/٢.
١
٢١٣

- النحل :-
آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿خيراً﴾: العامَّةُ على نَصْبِه، أي: أَنْزُل
خيراً. قال الزمخشري(١): ((فإن قلتَ: لِمَ رَفَعَ الأولَ(٢) ونَصَبَ هذا؟ قلت:
فصلا بين جواب المُقِرِّ وجوابِ الجاحد)). يعني أن هؤلاء لمَّا سُئِلوا
لم يَتَلَعْثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بَيِّناً مكشوفاً مفعولاً للإنزال فقالوا:
خيراً، وأولئك عَدَلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطيرُ الأولين، وليس
هو من الإنزال في شيء.
وزيدُ بن علي (٣): ((خِيرٌ)) بالرفع، أي: المُنْزَل خيرٌ، وهي مؤيدةٌ
لِجَعْلِ ((ذا)) موصولةً، وهو الأحسنُ لمطابقة الجواب لسؤاله، وإن كان
العكسُ جائزاً، وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة(٤).
قوله: ((للذين أَحْسنُوا في هذه الدنيا حسنةُ)) هذه الجملةُ يجوز فيها
أوجهٌ، أحدها: أن تكونَ منقطعةً مِمَّا قبلها، إخبارَ استئنافٍ بذلك. الثاني:
أنها بدلٌ مِنْ ((خيراً)). قال الزمخشري(٥): ((هو بدل من ((خيراً)) حكايةً لقول
الذين اتَّقَوا، أي: قالوا هذا القولَ فقدَّم تسميته خيراً ثم حكاه)). الثالث: أن
هذه الجملةَ تفسيرٌ لقوله ((خيراً))؛ وذلك أن الخيرَ هو الوحي الذي أنزل الله
فيه: مَنْ أَحْسَنَ في الدنيا بالطاعة حسنةٌ في الدنيا وحسنةٌ في الآخرة.
وقوله: ((في هذه الدنيا)) الظاهرُ تعلُّقه بـ ((أَحْسَنُوا))، أي: أَوْقَعُوا
الحسنةَ في دار الدنيا. ويجوز أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ على أنه حال مِنْ
(١) الكشاف ٤٠٧/٢
(٢) وهو قوله ((ماذا أنزل ربكم؟ قالوا أساطير الأولين)) الآية ٢٤.
(٣) البحر ٤٨٧/٥.
(٤) الدر المصون ٢٢٩/١.
(٥) الكشاف ٢ /٤٠٧ .
--
٢١٤

- النحل -
((حَسَنة)) إذ لو تأخّر لكان صفةً لها، ويَضْعُفُ تعلُّقه بها نفسِها لتقدُّمِه
عليها(١).
آ. (٣١) قوله تعالى: ﴿جنَّاتُ عَدْنٍ﴾: يجوز أن يكونَ
هو المخصوصَ بالمدح فيجيءُ فيها ثلاثةُ الأوجهِ: رفعُها بالابتداء، والجملةُ
المتقدمة خبرُها، أو رفعُها خبرَ المبتدأ المضمر، أو رفعُها بالابتداءِ والخبرُ
محذوفٌ، وهو أضعفُها، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك. ويجوز أن يكون («جناتُ
عدنٍ)) خبرَ مبتدأ مضمرٍ لا على ما تقدَّم، بل يكونُ المخصوصُ محذوفاً،
تقديرُه: ولَنِعْمَ دارُ المتقين دارُهم هي جنات. وقَدَّره الزمخشريُّ(٢) ((وَلَنِعْمَ دارُ
المتقين دارُ الآخرة)). ويجوز أن يكونَ مبتدأً، والخبرُ الجملةُ مِنْ قوله: ((يَدْخلونها))،
ويجوز أن يكونَ الخبرُ مضمراً تقديره: لهم جنات عدن، ودلَّ على ذلك قولُه
((للذين أحسنوا في هذه الدنيا حَسَنَةٌ)).
والعامَّةُ على رفع ((جناتُ)) على ما تقدَّم. وقرأ(٣) زيد بن ثابت
والسُّلَمي ((جناتٍ)) نصباً على الاشتغال بفعل مضمر تقديره: يَدْخلون جناتٍ
عدن يَدْخُلونها، وهذه تُقَوِّي أن يكون ((جنات)) مبتدأً، و((يَدْخلونها)) الخبر
في قراءةِ العامَّة .
وقرأ (٤) زيد بن علي ((ولَنِعْمَةُ دارٍ)) بتاءِ التأنيثِ مرفوعةٌ بالابتداء،
و ((دارٍ)) خفضٌ بالإِضافة، و((جناتُ عدن)) الخبر. و((يَدْخُلونها)) في جميعِ
ذلك نصبُ على الحال، إلّ إذا جَعَلْناه خبراً لـ ((جنات عدن)).
(١) في هذا نظر، فلو كانت ((حسنة)) صفةً لجاز تعلُّق ((في هذه الدنيا)) بها ولو تقدَّمت.
(٢) الكشاف ٤٠٨/٢.
(٣) البحر ٤٨٨/٥، المحرر ٤٠٧/٨.
(٤) البحر ٤٨٨/٥.
٢١٥

- النحل -
وقرأ(١) نافع في روايةٍ ((يُدْخَلُونها)) بالياءِ مِنْ تحتُ مبنياً للمفعول،
وأبو عبد الرحمن ((تَدْخُلونها)) بتاء الخطاب مبنياً للفاعل.
قوله: ((تَجْري)) يجوز أن يكونَ منصوباً على الحالِ مِنْ ((جنات)) قاله
ابن عطية(٢)، وأن يكونَ في موضعِ الصفة لـ ((جنات)) قاله الحوفي،
والوجهان مبنيًّان على القولِ في ((عَدْن)): هل هو معرفةٌ لكونه علماً،
أو نكرةٌ، فقائلُ الحالِ لَحَظ الأولَ، وقائلُ النعتِ لحظَ الثاني.
قوله: ((لهم فيها ما يشأوُّون)) الكلامُ في هذه الجملةِ كالكلام في
الجملة قبلَها، والخبرُ: إِمَّا ((لهم)) وإمَّا (( فيها)).
قوله: (كذلك)) الكافُ في محلٌّ نصب على الحال من ضمير
المصدرِ، أو نعتٌ لمصدرٍ مقدرٍ، أو في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ مضمر، أي:
الأمرُ كذلك. و((يَجْزِي الله المتقين)) مستأنفٌ.
آ. (٣٢): و((الذين تَتَوفَّاهم)) يَحْتَمل ما ذكرناه فيما تقدَّم، إذا جَعَلْنا
((يقولون)) خبراً فلا بُدَّ مِنْ عائدٍ محذوفٍ، أي: يقولون لهم، وإذا لم نَجْعَلْه
[٥٥٢/ب] خبراً كان حالاً من ((الملائكة)) / فيكون ((طيبين)) حالاً مِنَ المفعولِ،
و «يقولون)» حالاً مِن الفاعل. وهي يجوز أن تكونَ حالاً مقارِنَةً إن كان القولُ
واقعاً في الدنيا، ومقدَّرةً إنْ كان واقعاً في الآخرة.
و((ما) في ((بما)) مصدريةٌ، أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ.
آ. (٣٣) وقوله تعالى: ﴿إلا أن تأتيهم الملائكةُ﴾: وقد تقدَّم في
(١) البحر ٤٨٨/٥، المحرر ٤٠٨/٨.
(٢) المحرر ٤٠٨/٨
٢١٦

- النحل -
آخرِ الأنعام(١) أن الأُخَوَيْنِ يَقْرآن بالياءِ مِنْ تحتُ، والباقين يقرؤون بالتاءِ من
فوقُ، وهما واضحتان لكونه تأنيثاً مجازياً.
آ. (٣٤) وقوله تعالى: ﴿فأصابهم﴾: عطفُ على ((فَعَل الذين)»
وما بينهما اعتراضٌ.
آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدوا الله﴾: يجوز في ((أَنْ)) أَنْ
تكونَ تفسيريةً؛ لأن الْبَعْثَ(٢) يتضمّن قولاً، وأن تكونَ مصدريةً، أي: بَعَثْناه
بأَنِ اعْبُدُوا.
قوله: (مَنْ هَدَىْ)) و((مَنْ حَقَّتْ)) يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً، وأن تكون
نكرةً موصوفةٌ، والعائدُ على كلا التقديرينِ محذوفٌ من الأولِ.
آ. (٣٧) وقرأ العامَّةُ ((إِنْ تَحْرِص)): بكسرِ الراءِ مضارعَ ((حَرَص)»
بفتحِها، وهي اللغةُ العاليةُ لغةُ الحجاز. والحسن (٣) وأبو حَيْوة ((تَحْرَصْ))
بفتح الراء مضارعَ ((حَرِص)) بكسرِها، وهي لغةً لبعضِهم، وكذلك النخعي،
إلا أنه زاد واواً قبل ((إنْ)) فقرأ ((وإنْ تَحْرَصْ)).
قوله: ((لا يَهْدِي)) قرأ(٤) الكوفيون ((يَهْدِي)) بفتح الياءِ وكسرِ الدالِ،
(١) انظر: الدر المصون ٢٣٢/٥.
(٢) في قوله ((ولقد بعثنا)).
(٣) البحر ٤٩٠/٥، المحتسب ٩/٢، الشواذ ٧٣.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٧٢، النشر ٣٠٤/٢، الإتحاف ١٨٤/٢، التيسير ١٣٧،
البحر ٤٩٠/٥، القرطبي ١٠٤/١٠.
٢١٧

- النحل -
وهذه القراءةُ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن يكون الفاعلُ ضميراً عائداً على
الله، أي: لا يَهْدِي اللَّهُ مَنْ يُضِلُّه، فـ((مَنْ)) مفعولُ ((يَهْدِي))، ويؤيده قراءةُ
أُبَيّ ((فإِنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَنْ يُضِلُّ، ولِمَنْ أَضلَّ))(١)، وأنه في معنى قوله:
((ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فلا هادِيَ له))(٢).
والثاني: أن يكونَ الموصول هو الفاعلَ، أي: لا يَهْدِيْ المُضِلُّون،
و «يهدي» يجيءُ في معنی يهتدي. يقال: هداه فَهَدى، أي: اهتدى. ويؤيد
هذا الوجهَ قراءةُ عبدِ الله ((يَهِدِّيْ)) بتشديدِ الدالِ المكسورةِ، فَأَدْغم. ونقل
بعضُهم في هذه القراءةِ كسرَ الهاءِ على الإِتباع، وتحقيقُه تقدَّمَ في يونس (٣).
والعائدُ على ((مَنْ)) محذوفٌ: ((مَنْ يُضِلُّ))، أي: الذي يُضِلُّه اللَّهُ.
والباقون ((لا يُهْدَى)) بضمُّ الياءِ وفتحِ الدالِ مبنياً للمفعول، و ((مَنْ))
قائمٌ مَقامَ فاعلِه، وعائدُه محذوفٌ أيضاً.
وجَوَّز أبو البقاء (٤) في (( مَنْ)) أن يكونَ مبتدأُ و((لا يَهْدِي)) خبره،
يعني: مقدَّمٌ عليه. وهذا خطأٌ؛ لأنه متى كان الخبرُ فعلًا رافعاً لضميرٍ مستترٍ
وجب تأخُّرُه نحو: ((زيدٌ لا يَضْرِبُ))، ولو قَدَّمْتَ لالتبس بالفاعل.
وقُرِىء ((لا يُهْدِيْ)) بضمِّ الياءِ وكسرِ الدالِ. قال ابن عطية(٥): ((وهي
(١) الظاهر أن المؤلف ينقل عن أبيّ هذه القراءة معتمداً على الزمخشري ٤٠٩/٢،
ويبدو أن لُأَبَيّ قراءتين: الأولى ((لِمَنْ يُضِلُّ))، والثانية: ((لِمَنْ أضل))، انظر:
الشواذ ٧٣، والبحر ٤٩٠/٥.
(٢) الآية ١٨٦ من الأعراف. وسقطت الواو من الأصل سهواً، من قولِه ((ومَرْ)).
(٣) الدر المصون ١٩٩/٦.
(٤) الإملاء ٨١/٢.
(٥) المحرر ٤١٤/٨
٢١٨
.

- النحل -
ضعيفةٌ)). قال الشيخ(١): ((وإذا ثَبَتَ أنَّ ((هَدَى)) لازمٌ بمعنى اهتدى لم تكنْ
ضعيفةً؛ لأنه أدخل همزةَ التعديةِ على اللازم، فالمعنى: لا يُجْعَلُ مهتدياً مَنْ
أضلَّه اللَّهُ)).
وقوله: ((ومالهم)) حُمِلَ على معنى ((مَنْ))، فلذلك جُمِعَ.
وقُرِىء (٢) (مَنْ يَضِلُ)) بفتحِ الياءِ مِنْ ((ضَلَّ))، أي: لا يَهْدِي مَنْ ضَلَّ
بنفسِه.
آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿وأَقْسموا﴾: ظاهرُه أنه استئنافُ خبرٍ،
وجعله الزمخشريُّ (٣) نَسَقاً على ((وقال الذين أشركوا))، إيذانٌ بأنهما كَفْرتان
عظيمتان .
قوله: ((وَعْداً عليه حَقّاً)) هذان منصوبان على المصدرِ المؤكِّد، أي:
وَعَذَ ذلك، وحَقَّ حقاً. وقيل: ((حقاً)) نعتٌ لـ((وَعْد)) والتقدير: بلى يَبْعثهم
وَعَدَ بذلك. وقرأ(٤) الضحاك: ((وَعْدٌ عليه حقٍّ)) برفعِهما علىْ أَنَّ وَعْداً خبرُ
مبتدأ مضمٍ، أي: بلى بَعْثُهم وَعْدٌ على الله، و((حَقٍّ )) نعتٌ لـ ((وعدٌ))،
آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿لِيُّبَينَ﴾: هذه اللامُ متعلقةٌ بالفعلِ المقدَّرِ
بعد حرفِ الإِيجاب، أي: بلى يَبْعثهم لِيُبَيِّنَ.
آ. (٤٠) وقوله تعالى: ﴿كُنْ فيكونُ﴾: قد تقدَّم ذلك في
(١) البحر ٤٩٠/٥.
(٢) البحر ٤٩٠/٥.
(٣) الكشاف ٢ / ٤٠٩.
(٤) البحر ٤٩٠/٥.
٢١٩

- النحل -
البقرة(١). واللامُ في ((لِشيءٍ) وفي ((له)) لامُ التبليغِ كهي في: ((قلت له
قم)). وجعلها الزجاج(٢) للسببٍ فيهما، أي: لأجل شيءٍ، أَنْ نقولَ لأجلهِ،
وليس بواضح. وقال ابن عطية(٣): ((وقوله تعالى ((أَنْ نقولَ)) يُنَزَّلُ مَنْزِلةً
المصدرِ، كأنه قال: قولُنا، ولكنَّ ((أنْ)) مع الفعلِ تعطي استقبالاً (٤) ليس
في المصدر في أغلبٍ أَمْرِها، وقد تجيءُ في مواضعَ لا يُلْحَظُ فيها الزمنُ
كهذه الآيةِ، وكقوله: ((ومِنْ آياتِه أن تقومَ السماءُ والأرضُ بأمرِه))(٥) إلى غيرٍ
ذلك» .
قال الشيخ(٦): ((وقوله ((في أغلبِ أمرِها)» ليس بجيدٍ بل تَدُلُّ على
المستقبل في جميع أمورِها، وقوله ((وقد تجيءُ إلى آخره)) لم يُفْهَمْ ذلك مِنْ
((أنْ))، إنما فُهِمَ من نسبةٍ قيامِ السماءِ والأرض بأمرِ الله لأنه لا يختصُّ
بالمستقبلِ دونَ الماضي في حَقِّه تعالى، ونظيرُه: ((وكان اللَّهُ غفوراً
رحيماً))(٧)، و((كان)) تدل على اقترانِ مضمون الجملةِ بالزمنِ الماضي،
[٥٥٣/أ] وهو تعالى / متصفٌ بذلك في كلِّ زمن.
:
آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿حَسَنَةً﴾: فيها أوجهٌ، أحدُها: أنها نعت
المصدرٍ محذوفٍ، أي: تَبْوِثَةً حسنةً. والثاني: أنها منصوبةٌ على المصدر
الملاقي لعامله في المعنى؛ لأنَّ معنى ((لَنُبَوِّثَنَّهم)): لَنُحْسِنَنَّ إليهم. الثالث:
أنها مفعولٌ ثانٍ لأنَّ الفعلَ قبلها مضمِّنٌ معنى: لَنُعْطِنَّهم. و((حسنةً)) صفةٌ
(١) انظر: الدر ٨٧/٢.
(٢) معاني القرآن ١٩٩/٣ بعبارة قريبة.
(٣) المحرر ٤١٨/٨ .
(٤) قوله ((استقبالاً)) ورد في ((المحرر) وما نقله عنه أبو حيان: ((استئناف)).
(٥) الآية ٢٥ من الروم.
(٦) البحر ٤٩٢/٥.
٢٢٠