Indexed OCR Text

Pages 521-540

- يوسف -
آ. (٦٦) قوله تعالى: ﴿لَتَأْتّنِي بِه﴾: هذا جوابٌ للقسم المضمرِ في
قوله: ((مَوْثِقاً)) لأنه في معنى: حتى تحلفوا لي لتأتْتَني به.
قوله: ((إلا أن يُحاطَ بكم)) في هذا الاستثناء أوجه أحدُها: أنه منقطع،
قاله أبو البقاء(١)، يعني فيكون / تقديرُ الكلام: لكن إذا أحيط بكم خَرَجْتُمْ
مِنْ عَتَبي وغضبي عليكم إن لم تأتوني به لوضوح عُذْركم.
[٥١٦/ب]
الثاني: أنه متصل وهو استثناء مِن المفعول له العامِّ. قال
الزمخشري(٢): ((فإن قلت أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناء ففيه إشكال.
قلت: ((أن يُحاط بكم)) مفعولٌ له، والكلامُ المثبت الذي هو قولُه ((لَتَأْتُنّني به)»
في معنى النفي معناه: لا تَمْتنعون من الإِتيان به إلا للإحاطة بكم،
أو (٣) لا تمتنعون منه لعلةٍ من العلل إلا لعلة واحدة وهي أنْ يُحاط بكم، فهو
استثناءٌ مِنْ أَعمِّ العامِّ في المفعول له، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في
النفي وحده، فلا بد مِنْ تأويله بالنفي، ونظيرُه في الإِثبات المتأوَّل بمعنى
النفي قولهم: ((أقسمتُ باللَّه لمّا فعلتَ وإلا فعلت))، تريد: ما أطلبُ منك
إلا الفعلَ)) ولوضوح هذا الوجهِ لم يذكر غيره.
والثالث: أنه مستثنىُ مِنْ أعمِّ العامِّ في الأحوال. قال أبو البقاء(٤):
(تقديره: لَتَأْتُنَّني به على كل حال إلا في حال الإِحاطة بكم)). قلت: قد نَصُّوا
على أنَّ ((أنْ)) الناصبة للفعل لا تقع موقعَ الحال، وإن كانَتْ مؤولةً بمصدر
يجوز أن تقع موقع الحال، لأنهم لم يَغْتفروا في المُؤَول ما يَغْتفرونه في
(١) الإملاء: ٥٥/٢.
(٢) الكشاف: ٣٣٢/٢.
(٣) الكشاف: أي .
(٤) الإملاء: ٥٥/٢.
٥٢١

- يوسف -
الصريح فيجيزون: جئتُك رَكْضاً، ولا يُجيزون: جئتك أن أركضَ، وإن كان
في تأويله .
الرابع: أنه مستثنى من أعم العام في الأزمان والتقدير: لَتَأْتُنْني به في
كلِّ وقتٍ إلا في وقت الإِحاطة بكم. وهذه المسألة تَقدَّم فيها خلافٌ، وأن
أبا الفتح أجاز ذلك، كما يُجَوِّزه في المصدر الصريح، فكما تقول: ((أتيتُكَ
صياحَ الدِّيك)) يُجيز ((أنْ يَصيح الديك)) وجعل من ذلك قول(١) تأبط شراً:
لِأَوَّلِ نَصْلٍ أن يُلاقِيَ مَجْمُعا
٢٨٠٦ - وقالوا لا تَنْكحِيهِ فإنّه
وقولَ أبي ذؤيب الهذلي(٢):
٢٨٠٧ - وتاللَّهِ ما إنْ شَهْلَةٌ أمُّ واحدٍ.
بأوجدَ مني أن يُهانَ صغیرُها
قال: ((تقديره: وقتَ ملاقاتِه الجمعَ، ووقت إهانةٍ صغيرها)). قال
الشيخ (٣): ((فعلَى ما قاله يجوز تخريجُ الآية، ويبقى ((لتأتْنَني به)) على ظاهره
من الإِثبات)). قلت: الظاهر من هذا أنه استثناءٌ مفرغ، ومتى كان مفرَّغاً وَجْبَ
تأويلُه بالنفي .
ومنع ابن الأنباري مِنْ ذلك في ((أنْ)) وفي ((ما)) أيضاً قال: ((فيجوز أن
تقولَ: خروجُنا صياح الديك، ولا يجوز خروجُنا أن يصيحَ، أو: ما يصيح
الديك، فاغتُفِر في الصريح ما لم يُغْتفر في المؤول)). وهذا قياس ما قدَّمْتُه في
مَنْع وقوع ((أنْ)) وما في حَيِّزها موقعَ الحال، ولك أَنْ تُفَرِّق ما بينهما بأن الحال
تلزمُ التنكيرَ، وأنْ وِما في حَيِّزها نَصُّوا على أنها في رتبة المضمر في
(١) الحماسة: ٢٦٣/١؛ الجمع: ٢٣٩/١؛ الدرر: ٢٠٠/١.
(٢) البيت لساعدة بن جؤية وليس لأبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين: ٢١٤/٢؛ والبحر:
٣٢٥/٥.
...
(٣) البحر: ٣٢٥/٥.
٥٢٢

- يوسف -
التعريف، فيُنافي وقوعَها موقعَ الحال بخلاف الظرف، فإنه لا يُشْترط تنكيرُه،
فلا يَمْتنع وقوعُ ((أَنْ)) وما في حيزها موقعه.
آ. (٦٨) قوله تعالى: ﴿ولمّا دخلوا مِنْ حيث﴾: في جواب ((لمَّا)»
هذه ثلاثة أوجه، أحدها : - وهو الظاهر - أنه الجملةُ المنفية من قوله:
((ما كان يُغني)). وفيه حجةٌ لمَنْ يَدَّعي كونَ ((لمَّا)) حرفاً لا ظرفاً، إذ لو كانت
ظرفاً لعمل فيها جوابُها، إذ لا يَصْلح للعملِ سواه، لكن ما بعد ((ما)) النافية
لا يَعْمل فيما قبلها، لا يجوز: ((حين قام أخوك ما قام أبوك)»، مع جواز
(لمَّا قام أخوك ما قام أبوك)).
والثاني: أنَّ جوابَها محذوفٌ، فقدَّره أبو البقاء(١): ((امتثلوا وقَضَوا حاجةً
أبيهم))، وإليه نحا ابن عطية(٢) أيضاً، وهو تَعَسُّفٌ لأنَّ في الكلامِ ما هو جوابُ
صريحٌ كما قَدَّمْتُه.
والثالث: أنَّ الجوابَ هو قولُه: ((آوى)) قال أبو البقاء (٣): ((وهو جوابُ
(لمَّا)) الأولى والثانية كقولك: ((لمَّا جِئْني، ولمَّا كَلَّمْتَك أَجْتَنِي))، وحَسَّن ذلك
أنَّ دخولَهم على يوسف عليه السلام يَعْقُبُ دخولهم من الأبواب» يعني أنَّ
((آوى)) جوابُ الأولى والثانية، وهو واضح.
قوله: ((إلا حاجةً)) فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناءٌ منقطع تقديرُه:
ولكنَّ حاجةً في نفس يعقوب قضاها، ولم يذكر الزمخشري(٤) غيره. والثاني:
أنه مفعولٌ مِنْ أجله، ولم يذكر أبو البقاء(٥) غيره، ويكون التقدير: ما كان
(١) الإِملاء: ٥٥/٢.
(٢) عبارته في المحرر: ٣٣٧/٩: ((فجواب ((لَّ)) في معنى قوله: ((ما كان يغني)).
(٣) الإملاء: ٥٥/٢.
(٤) الكشاف: ٣٣٣/٢.
(٥) الإملاء: ٥٦/٢.
٥٢٣

- يوسف -ـ
يُغْني عنهم لشيء من الأشياء إلا لأجلِ حاجةٍ كانت في نفس يعقوب. وفاعل
(يُغْنِي)) ضميرُ التفرقِ المدلولِ عليه من الكلام المتقدم. وفيما أجازه أبو البقاء
نظرٌ من حيث المعنى لا يَخْفَى على متأمِّله. و((قضاها)) صفةٌ لـ ((حاجةً)).
آ. (٧) قوله تعالى: ﴿جَعَلِ السِّقابة﴾: العامَّة على ((جَعَل)) دون
زيادة واو قبلها. وقرأ(١) عبد الله ((وجَعَلَ))، وهي تحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّ
الجوابَ محذوفٌ. والثاني: أن الواوَ مزيدةٌ في الجواب على رأيٍ مَنْ يُرى
[٥١٧/أ] ذلك، وهم الكوفيون(٢) والأخفش. / وقال الشيخ (٣): ((وقرأ عبداللَّه - فيما
نقل الزمخشري - ((وجعل السِّقاية في رَحْل أخيه: أمهلهم حتى انطلقوا ثم
أذَّن مؤذِّن))، وفي نَقْلَ ابن عطية (٤) ((وجعل)) بزيادة واوٍ في ((جَعَل))، دون
الزيادة التي زادها الزمخشري بعد قوله: ((في رَحْل أخيه))، فاحتمل أن تكونَ
الواوُ زائدةً على مذهب الكوفيين، واحتمل أن يكونَ جوابُ ((لمًّا)) محذوفاً
تقديره: فَقَدها حافظُها، كما قيل: إنما أوحيَ إلى يوسفَ أن يَجْعل السقاية
فقط، ثم إنَّ حافِظَها فَقَدَها فنادى برأيه فيما ظهر له، ورجَّحه الطبري(٥)،
وتفتيشُ الأوعية يَرُدُّ هذا القول)».
قلت: لم ينقلِ الزمخشري هذه الزيادةَ كلَّها قراءةً عن عبداللَّه، إنما
جعل الزيادةَ المذكورةَ بعد قوله: ((رَحْل أخيه)) تقديرَ جوابٍ مِنْ عنده، وهذا
نصّه: قال الزمخشري(٦): ((وقرأ ابن مسعود ((وجَعَل السِّقاية)) على حَذْفٍ
(١) البحر: ٣٢٩/٥؛ الكشاف: ٣٣٤/٢.
(٢) وهو مذهب الفراء في معاني القرآن: ٥٠/٢. وأجاز الأخفش زيادة الواو في جواب إذا.
انظر مذهبه في معاني القرآن له: ٤٥٧/٢.
(٣) البحر: ٣٢٩/٥.
(٤) المحرر: ٣٤٠/٩.
(٥) تفسير الطبري (البابي الحلبي): ١٧/١٣.
(٦) الكشاف: ٣٣٤/٢
٥٢٤

- يوسف -
جواب ((لمَّا)) كأنه قيل: فلمَّا جَهَّزهم بجهازهم وجعل السِّقاية في رَحْل أخيه
أمهلهم حتى انطلقوا ثم أذَّن مؤذِّن)) فهذا من الزمخشري إنما هو تقديرُ لا تلاوةٌ
منقولة عن عبدالله، ولعله وقع للشيخ نسخةٌ سقيمة.
والسِّقاية: إناءٌ مستطيل يُسْقَى به وهو الصُّواعِ، وللمفسرين فيه خلافٌ
طويل.
قوله: ((أيتُها العِيْرُ)) منادَى حُذِفَ منه حرفُ النداء والعِيْر مؤنث، ولذلك
أَتَتْ ((أيّ)) المُتَوَصَّلُ بها إلى ندائه. والعِيْر فيها قولان، أحدهما: أنها في
الأصلِ جماعةُ الإِبل سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَعِيْرِ، أي: تَذْهَبُ وتجيء به.
والثاني: أنها في الأصل قافلة الحمير كأنها جمع غَيْر، والعَيْر: الحمار.
قال(١):
٢٨٠٨ - ولا يُقيم على ضَيْمٍ يُرادُ به إلا الْأَذَلَن عَيْرُ الحَيِّ وَالوَتِدُ
والأصل: عَيْرِ وعُيْر بضم العين ثم فُعِل به ما فُعِل بــ ((بيض))، والأصل:
بُيْض بضم الأول، ثم أُطْلِقَ العِير على كل قافلة حميراً كنَّ أو غيرها، وعلى
كل تقدير فنسبةُ النداء إليها على سبيل المجاز، لأنَّ المنادى في الحقيقة
أهلُها. ونَظَّره الزمخشري(٢) بقوله: ((يا خيلَ اللَّهِ اركبي))، إلا أنه في هذه
الآية التفت إلى المضاف المحذوف في قوله: ((إنكم لسارقون)) ولم يَلْتفت إليه
في ((يا خيل الله اركبي))، ولو التفت لقال: اركبوا. ويجوزُ أن يُعَبَّر عن أهلها
للمجاورة فلا يكونُ مِنْ مجازِ الحَذْف، بل من مجازِ العَلاقة. وتجمعه العرب
قاطبةً، على عَيْرات بفتح الياء، وهذا ممَّ اتَّفِقَ على شذوذه(٣)؛ لأن فِعْلَة
(١) البيت للمتلمس، وهو في ديوانه ٢٠٨، ومعاهد التنصيص: ٢٤٥/١.
(٢) الكشاف: ٣٣٤/٢.
(٣) بل إن الفتح لغة هذيل انظر: الخزانة: ٤٢٩/٣؛ ابن يعيش: ٣٠/٥.
٥٢٥

- يوسف -
المعتلةَ بالعين حقّها في جمعها بالألف والتاء أن تُسَكَّن عينُها نحو: قيمة
وقِيْمات ودِيْمة ودِيْمات، وكذلك فَعْل(١) دون ياء إذا جُمِعَ حَقُّه أنْ تُسَكَّن
عينُه. وقال امرؤ القيس(٢):
٢٨٠٩ - غَشِيْتُ ديارَ الحي بالبَكَرَاتِ فَعارِمَةٍ فُبُرْقَةِ الْعِيَراتِ
وقال الأعلم الشنتمري: ((العِيَرات هنا: مواضع الْأَعْيار وهي الحُمُر))
قلت: وفي عِيَرات شذوذٌ آخرُ وهو جَمْعُها بالألف والتاء مع جَمْعِها على
(أعْيار)) أيضاً جمعَ تكسير، وقد نَصُّوا على ذلك. قيل: ولذلك لُحِّن المتنبي
في قوله(٣) :
٢٨١٠ - إذا كان بعضُ الناسِ سَيْفاً لدولةٍ ففي الناسِ بُوْقَاتٌ لهم وطبولُ
قالوا: فجمع بوقاً على بوقات مع تكسيرهم له على أبواق.
آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿وأقْبلوا عليهم﴾: هذه الجملة حالية من
فاعل ((قالوا))، أي: قالوا وقد أقبلوا، يعني في حال إقبالهم عليهم.
قوله: ((ماذا تَفْقِدون)) تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ أولَ هذا
الموضوع. وقرأ العامَّةُ (تَفْقِدون)) بفتح حرف المضارعة؛ لأنَّ المستعملَ مِنْه
((فَقَد)) ثلاثياً. وقرأ(٤) السُّلَمي بضمِّه مِنْ أَفْقَدْتُه إذا وجدتَه مفقوداً كَأَحْمَدْتَه
وَأَبْخَلْتُه، أي: وَجَدْتَه محموداً بخيلاً. وضَعَّف أبو حاتم هذه القراءةَ، ووَجْهُها
ما ذَكَرْتُه.
آ. (٧٢) قوله تعالى: ﴿صُواع): هو المِكْيال وهو السِّقاية المتقدمة
(١) نحو: جَوْزة.
(٢) ديوانه ٧٨؛ ورصف المباني ٣٧٨.
(٣) ديوانه: ٨٧/٢؛ والمحتسب: ٢٩٥/١؛ والجمع: ٢٣/١؛ والدرر: ٦/١ ..
(٤) البحر: ٣٣٠/٥.
٥٢٦

- يوسف -
سَمَّاه تارةً كذا وتارةً كذا، وإنما اتُّخِذ هذا الإِناء مكيالاً لعِزَّة ما يُكال به في
ذلك الوقت. وفيه قراءاتٌ(١) كثيرةٌ كلُّها لغاتٌ في هذا الحرفِ، ويذكّر
ويؤنَّث:
فالعامَّةُ ((صُواعِ)) بزنة غُراب، والعين مهملة. وقرأ ابن جبير والحسن
كذلك إلا أنه بالغين معجمةً. وقرأ يحيى بن يعمر كذلك، إلا أنه حَذَفَ
الألف وسكّن الواو، وقرأ زيد / بن علي ((صَوْغ)) كذلك، إلا أنه فتح الصاد(٢) [٥١٧/ب]
جعله مصدراً لصاغ يَصُوغ، والقراءتان قبله مشتقتان منه، وهو واقع موقعَ
مفعولٍ، أي: مَصُوغ المَلِك. وقرأ أبو حيوة وابن جبير والحسن في روايةٍ
عنهما ((صِواع)) كالعامَّة إلا أنهم كسروا الفاء.
وقرأ أبو هريرة ومجاهد ((صَاعَ)) بزنة باب، وألفه كألفه في كونها منقلبةً
عن واوٍ مفتوحة. وقرأ أبو رجاء ((صَوْعَ)) بزنة ((قَوْسٍ)). وقرأ عبد الله بن عون(٣)
كذلك إلا أنه ضمَّ الفاءَ فهذه ثمانٍ قراءات متواتِرُها واحدةٌ.
آ. (٧٣) قوله تعالى: ﴿تاللَّهِ﴾: التاءُ حرفُ قسمٍ، وهي عند
الجمهور بدلٌ من واو القسم، ولذلك لا تدخُل إلا على الجلالةِ المقدسة
أو الرب مضافاً للكعبة أو الرحمن في قولٍ ضعيف. ولو قلت: تالرحيم
لم يَجُزْ. وهي فرع الفرع (٤). هذا مذهبُ الجمهور، وزعم السهيلي أنها أصل
(١) انظر في قراءاته: البحر: ٣٣٠/٥؛ القرطبي: ٢٣٠/٩؛ المحتسب: ٣٤٦/١؛
الشواذ ٦٤ .
(٢) فتكون قراءة ابن يعمر كقراءة زيد: صَوْغ، وثمة رواية ثانية ليحيى بن يعمر بضم
الصاد: صُوْغ. القرطبي: ٢٣٠/٩.
(٣) عبد اللَّه بن عون بن أرطبان، أبو عون ابصري، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة
٥٠. تقريب التهذب ٣١٧.
(٤) يرى النحاة أن المرتبة الأولى للباء لأنها تدخل على كل مقسم به من الظواهر
والمضمرات، والمرتبة الثانية للواو لأنها تدخل على الظواهر. وانظر أوجه المقارنة بين هذه
الأحرف في رصف المباني ١٧٢ .
٥٢٧

- يوسف -
بنفسها ويلازِمُها التعجبُ غالباً كقوله تعالى: ((تاللَّهِ تَفْتَأ)(١).
وقال ابن عطية (٢): ((والتاء في ((تاللَّه)) بدلٌ من واو، كما أُبْدِلتِ فِي
(تُراث)) وفي ((التوراة)(٣) وفي ((التَّخَمَة))(٤)، ولا تدخل التاء في القسم، إلا في
المكتوبة(٥) من أسماء الله تعالى وغير(٦) ذلك، لا تقول: تالرحمن،
وتالرحيم)). وقد عرفْتُ أنَّ السهيلي خالَفَ في كونها بدلاً من واو. وأمَّا قولُه:
((وفي التوراة)) يريد عند البصريين. وزَعَمَ بعضُهم أنَّ التاء فيها زائدة.
وأمَّا قوله: ((إلا في المكتوبة)) هذا هو المشهور. وقد تقدَّم دخولُها على غير
ذلك.
قوله: ((ومَا كُنَّا سارقين)) يُحْتمل أن يكونَ جواباً للقسم، فيكونون قد
أَقْسموا على شيئين: نَفْيِ الفساد ونَفْيِ السَّرِقة .
وقوله: ((ما جِئْنَا) يجوز أَنْ يكونَ مُعَلِّقاً للعلم، ويجوز أن يُضَمَّنَ العلمُ
نفسُه معنى القسم فيجاب بما يُجاب القسم. وقيل: هذان الوجهان في قولٍ
الشاعر(٧):
٢٨١١ - ولقد عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتَي
إِنَّ المَنايا لا تَطيشُ سِهامُها
آ. (٧٤) قوله تعالى: ﴿فما جزاؤه﴾: الھاء تعودُ على الصُّواع، ولا بد .
(١) الآية ٨٥ من سورة يوسف.
(٢) المحرر: ٣٤٣/٩.
(٣) أصلها وَوْراة، مِنْ وري الزند. انظر: الممتع: ٣٨٣/١.
(٤) من الوخامة. الممتع :: ٣٨٤/١.
(٥) وهي لفظ الجلالة: اللَّه، مصطلح لابن عطية.
(٦) عبارة المحرر: ((لا في غير ذلك))، ولعلها أقرب إلى مقصود ابن عطية .
(٧) البيت للبيد من معلقته، وهو في الكتاب: ٤٥٦/١؛ والخزانة: ١٣/٤؛ والجمع:
١٥٤/١؛ والدرر :: ٣٧/١.
٥٢٨

- يوسف -
من حَذْفِ مضاف أي: فما جزاءُ سَرِقته. و((إنْ كنتم)) يجوز أن يكونَ جوابُه
محذوفاً أو متقدِّماً.
آ. (٧٥) قوله تعالى: ﴿جزاؤُهُ مَنْ وُجِد﴾: أربعةُ أوجه، أحدها: أن
يكونَ ((جزاؤه)) مبتدأً والضميرُ للسارق، و((مَنْ)) شرطية أو موصولةٌ مبتدأٌ ثانٍ،
والفاءُ جوابُ الشرط أو مزيدةٌ في خبر الموصول لشبهه بالشرط، و((مَنْ))
وما في حَيِّزها على وَجْهَيْها خبر المبتدأ الأول، قاله ابن عطية (١)، وهو مردودٌ
بعدم رابطٍ بين المبتدأ وبين الجملةِ الواقعةِ خبراً عنه، هكذا رَدَّه الشيخُ(٢)
عليه. وليس بظاهر؛ لأنه يُجاب عنه بأنَّ هذه المسألةَ من باب إقامة الظاهرِ
مُقَامَ المضمرِ، وَيَتَّضِحُ هذا بتقرير الزمخشري(٣) قال رحمه الله: ((ويجوز أن
يكونَ («جزاؤه)) مبتدأً، والجملةُ الشرطية كما هي خبره، على إقامة الظاهر فيها
مُقَامَ المضمر، والأصل: جزاؤه مَنْ وُجِدَ في رحله فهوهو، فوضع الجزاء
موضِعَ ((هو)) كما تقول لصاحبك: مَنْ أخو زيد؟ فيقول لك: ((أخوه مَنْ يقعد
إلى جنبه، فهو هو)) يرجع الضمير الأول إلى ((مَنْ)) والثاني [إلى](٤) الأخ، ثم
تقول: فهو أخوه، مقيماً للمظهر مقام المضمر)).
والشيخ جعل هذا الذي حكيته عن الزمخشري وجهاً ثانياً بعد الأول
ولم يَعْتقدْ أنه هو بعينه، ولا أنَّه جوابٌ عَمَّا رَدَّ به على ابن عطية. ثم قال:
((ووَضْعُ الظاهرِ موضعَ المضمر للربط إنما هو فصيح في مواضع التفخيم
والتأويل، وغير فصيحٍ فيما سوى ذلك نحو: زيدٌ قام زيد، ويُتَزَّه عنه القرآنُ،
قال سيبويه(٥): ((لو قلت: ((كان(٦) زيدٌ منطلقاً زيد)) لم يكن حَدَّ الكلام، وكان
(١) المحرر: ٣٤٣/٩.
(٢) البحر: ٠٠٣٣١/٥
(٣) الكشاف: ٣٣٤/٢.
(٤) من الكشاف.
(٥) الكتاب: ٣٠/١.
(٦) الكتاب ((ما زيد)).
٥٢٩

- يوسف -
ههنا ضعيفاً ولم يكنْ كقولك: ما زيدٌ منطلقاً هولأنك قد اسْتَغْنَيْتَ عن
إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تُضْمِرَه)). قلت: ومذهب الأخفش أنه جائزٌ مطلقاً.
وعليه بنى الزمخشري .
وقد جَوَّز أبو البقاء (١) ما تَوَهَّم أنه جواب عن ذلك فقال: ((والوجه الثالث:
أن يكونَ («جزاؤه)) مبتدأً، و ((مَنْ وُجد)) مبتدأ ثان، و((فهو)) مبتدأٌ ثالث،
و((جزاؤه)) خبر الثالث، والعائد على المبتدأ الأول الهاء الأخيرة، وعلى الثاني:
((هو) انتهى. وهذا الذي ذكره أبو البقاء لا يَصِحُّ، إذ يصير التقديرُ: فالذي
وُجِدَ فِي رَحْله جزاء الجزاء؛ لأنه جَعَل ((هو)) عبارةً عن المبتدأ الثاني، وهو (مَنْ:
وُجد في رَحْله))، وجعل الهاءَ الأخيرةَ وهي التي في «جزاؤه)» الأخير عائدةً على
((جزاؤه)) الأول، وصار التقديرُ كما ذكّرْتُه لك.
الوجه الثاني من الأوجه المتقدمة: أن يكون ((جزاؤه)) مبتدأً، والهاءُ تعود
على المسروق، و((مَنْ وُجِد في رحله)) خبره، و ((مَنْ)) بمعنى الذي، والتقدير:
جزاء الصُّواعِ الذي وُجد في رَحْله، كذلك كانت شريعتُهم: يُسْتَرَقُّ السارق،
فلذلك اسْتُفْتوا في جزائه. وقوله ((فهو جزاؤه)) تقرير للحكم أي: فَأَخْذُ السارقِ
نفسِه هو جزاؤه لا غير كقولك: حَقُّ زيدٍ أن يُكسَىْ ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عليه، فذلك
[١/٥١٨] حَقُّه)) أي فهو حَقُّه لِتُقَرِّرَ / ما ذكرْتَه مِن استحقاقه وتُلْزِمَه، قاله الزمخشري(٢).
ولمَّا ذكر أبو البقاء(٣) هذا الوجه قال: ((والتقدير: استعبادُ مَنْ وُجِد في رَحْله،
وقوله: ((فهو جزاؤه) مبتدأ وخبر، مؤكّد لمعنى الأول)).
ولمَّا ذَكَر الشيخُ(٤) هذا الوجهَ ناقلاً له عن الزمخشري قال: ((وقال معناه
(١) الإملاء: ٥٦/٢.
(٢) الكشاف: ٣١٤/٢.
(٣) الإملاء: ٥٦/٢.
(٤) البحر: ٣٣١/٥.
٥٣٠

- يوسف -
ابن عطية(١)، إلا أنه جعل القول الواحد قولين، قال: ((ويَصِحُّ أن يكونَ ((مَنْ))
خبراً على أن المعنى: جزاءُ السارق مَنْ وُجِد في رَحْله، - عائد على ((مَنْ)) -
ويكون قوله: ((فهو جزاؤه)) زيادةَ بيانٍ وتأكيدٍ))، ثم قال(٢): ((ويُحتمل أن يكونَ
التقدير: جزاؤه استرقاقُ مَنْ وجِد في رَحْلِهِ(٣)، وفيما قبله لا بد مِنْ تقديره؛ لأنَّ
الذاتَ لا تكونُ خبراً عن المصدر، فالتقدير في القول قبله: جزاؤه أَخْذُ مَنْ
وُجِد في رَحْله أو استرقاقه، هذا لا بد منه على هذا الإِعراب)»(٤) قلت: وهذا
كما قال الشيخُ ظاهره أنه جَعَل القول الواحد قولين.
الوجه الثالث مِن الأوجه المتقدِّمة: أن يكون ((جزاؤه)) خبرَ مبتدأ
محذوفٍ أي: المسؤول عنه جزاؤه، ثم أَفْتَوا بقولهم: ((مَنْ وُجِد في رَحْله
فهو جزاؤه)» كما يقول مَنْ يَسْتفتي في جزاء صيد المُحْرِمِ: جزاءُ صيد المُحْرِمِ،
ثم يقول: ((وَمَنْ قَتَله منكم مُتَعَمِّداً فجزاءٌ مثلُ ما قَتَل من النَّعَم))(٥)، قاله
الزمخشري(٦). قال الشيخ (٧): ((وهو متكلف إذ تصير الجملة من قوله:
((المسؤول عنه جزاؤه)) على هذا التقدير ليس فيه كبيرُ فائدة؛ إذ قد عُلِمَ مِنْ
قوله: ((فما جزاؤه)» أن الشيء المسؤولَ عنه جزاءُ سَرِقته، فأيُّ فائدةٍ في نُطْقهم
بذلك؛ وكذلك القول في المثال الذي مَثَّل به مِنْ قول المستفتي)).
قلت: قوله: ((ليس فيه كبيرُ فائدة)) ممنوعٌ بل فيه فائدةُ الإِضمار المذكور
في علم البيان، وفي القرآن أمثالُ ذلك.
(١) المحرر: ٣٤٣/٩ - ٣٤٤.
(٢) أي ابن عطية .
(٣) بعده في البحر نقلًا عن ابن عطية: ((ثم يؤكد بقوله فهو جزاؤه)) ثم قال أبو حيان: ((وهذا
القول هو الذي قبله، غير أنه أبرز المضاف المحذوف في قوله: ((استرقاق مَنْ وجد في
رحله)).
(٤) ينتهي الآن نَّقْلُ السمين عن أبي حيان. (٥) الآية ٩٥ من المائدة.
(٦) الكشاف: ٣٣٤/٢ - ٣٣٥.
(٧) البحر: ٣٣١/٥.
٥٣١

- يوسف -
الوجه الرابع: أن يكونَ ((جزاؤه)) مبتدأً، وخبرُه محذوف تقديره: جزاؤه
عندنا كجزائِه عندكم، والهاءُ تعودُ على السارق أو على المسروق، وفي
الكلام المتقدم دليلٌ عليهما، ويكون قولُه: ((مَنْ وُجِدَ في رَحْله فهو جزاؤه
على ما تقدَّم في الوجه الذي قبله(١)، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء(٢)، ولم يذكرْه
الشيخ، فقد جَعَلَ في الآية الكريمة أربعة أوجهٍ، وتقدَّم أن الأولَ والثاني وَجْهٌ
كما بَيِّنْتُه، فإذا ضَمَمْنا هذا الوجهَ الأخيرَ الذي بدأ به أبو البقاء إلى الأربعةِ التي
ذكرها الشيخُ صارت خمسةً، ولكن لا تحقيقَ لذلك، وكذلك إذا التفَتْنا إلى
قول ابن عطية في جَعْلِه القولَ الواحدَ قولين تصيرُ ستةً في اللفظ، فإذا حَقَّقَتْها
لم تجِىءُ إلا أربعةٌ كما ذكرتُها لك(٣).
قوله: ((كذلك نَجْزي الظالمين)) محل الكاف نصب: إمَّا على أنها نعتٌ
المصدر محذوف، وإمّا حالٌ من ضميره، أي: مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيع نجزي
الظالمين.
آ. (٧٦): وقرأ العامَّة: ((وِعاء)) بكسر الواو، وقرأ(٤) الحسن بضمها،
وهي لغةً نُقِلَتْ عن نافع أيضاً. وقرأ(٥) سعيد بن جبير ((مِنْ إِعاء)) بإبدالِ الواوِ
همزةٌ، وهي لغة هُذَيْلية: يُبْدلون من الواو المكسورة أولَ الكلمة همزة فيقولون:
(١) أي: ((مَنْ وُجد)) مبتدأ و ((فهو)) مبتدأثان، وجزاؤه خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره
خبر الأول. ا. هـ. من كلام أبي البقاء.
(٢) الإملاء: ٥٦/٢.
(٣) وملخص هذه الأوجه:
١ - جزاؤه مبتدأ، و((مَنْ مبتدأ ثان، والجملة خبر الأول.
٢ - جزاؤه مبتدأ، و ((مَنْ)) خبر.
٣ - جزاؤه خبر مبتدأ محذوف، و ((مَنْ)) مبتدأ.
٤ - ((جزاؤه)» مبتدأ خبره محذوف، و ((مَنْ)) مبتدأ.
(٤) الإِتحاف: ٢٦٦؛ البحر: ٣٣٢/٥.
(٥) المحتسب: ٣٤٨/١؛ البحر: ٣٣٢/٥. وانظر في هذا الإبدال: الممتع: ٣٣٤/١
٥٣٢

- يوسف -
إشاح وإسادة وإعاء في : وشاحٍ ووسادة ووِعاء. وقد تقدَّم ذلك في الجلالةِ
المعظمة أولَ هذا الموضوع.
قوله: ((ثم استخرجها)) في الضمير المنصوب قولان، أحدهما: أنه عائدٌ
على الصُّواعِ، لأنَّ فيه التذكير والتأنيثَ كما تقدم. وقيل: بل لأنه حُمِل على
معنى السقاية. قال أبو عبيد: ((يؤنَّث الصُّواع من حيث يُسَمَّى ((سقاية))، ويُذكّر
من حيث هو صُواع)). قالوا: وكأنَّ أبا عبيد لم يَحْفظُ في الصُّواعِ التأنيثَ.
وقال الزمخشري(١): ((قالوا: رَجَع بالتأنيث على السُّقاية)) ثم قال: ((ولعل
يوسف كان يُسَمِّيه («سِقاية)» وعبيدَهُ ((صُواعاً)) فقد وقع فيما يتصل به من الكلام
سقاية، وفيما يتصل بهم صواع)). قلت: هذا الأخيرُ حَسَنٌ.
الثاني: أن الضميرَ عائدٌ على السَّرِقة. وفيه نظر؛ لأن السُّرقة
لا تُسْتخرج، إلا بمجازٍ.
قوله: ((كذلك كِدْنا)» الكلامُ في الكاف كالكلام فيما قبلها (٢) أي: مثلَ
ذلك الكَيْدِ العظيمِ كِدْنا ليوسُفَ أي: عَلَّمْناه إياه. وقوله: «ما كان ليأخذَ))
تفسيرٌ للكيد وبيان له، وذلك أنه كان في دينٍ مَلِك مِصْرَ أن يُغَرَّمَ السارقُ مِثْلَيْ
ما أَخَذَ، لا أنه يُلْزَمُ ويُسْتَعْبَدُ.
قوله: ((إلا أنْ يشاءَ اللَّه)) فيه وجهان أحدهما: أنه استثناءً منقطعٌ تقديرُه:
ولكن بمشيئة اللَّه أَخَذَه في دين غيرِ الملك، وهو دينُ آلِ / يعقوب: أن [٥١٨/ب]
الاسترقاقَ جزاءُ السارق. الثاني: أنه مفرٌ من الأحوال العامة، والتقدير:
ما كان ليأخذه في كل حال إلا في حال التباسِه بمشيئة الله أي إذنه في ذلك.
(١) الكشاف: ٣٣٥/٢.
(٢) في الآية ٧٥.
٥٣٣

- يوسف -
وكلامُ ابنِ(١) عطية مُجْتَمِلٌ فإنه قال: ((والاستثناء حكاية حال، التقدير: إلا أن
يَشاء اللَّه ما وقع من هذه الحيلة)).
وتقدَّم القراءتان في ((نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نشاء)) في الأنعام(٢) . وقرأ(٣)
يعقوب بالياء مِنْ تحت في ((يرفع)) و((يشاء)»، والفاعل اللَّه تعالى: وقرأ(٤)
عيسى البصرة ((نَرْفع)) بالنون ((درجات)) منونة، ((يشاء)) بالياء. قال صاحب
((اللوامح)): ((وهذه قراءةٌ مرغوبُ عنها تلاوةً وجملة، وإن لم يمكنْ إنكارُها)).
قلت: وتوجيهُها: أنه التفتَ في قولِه ((يشاء)) من التكلم إلى الغَيْبةَ، والمرادُ
واحد .
قوله: ((وفوق كلَّ ذي عِلْم)) قرأ عبدالله بن مسعود(٥) ((وفوق كل ذي عالم))
وفيها ثلاثةُ أوجه، أحدها: أن يكون ((عالم)) هنا مصدراً، قالوا: مثل ((الباطل))
فإنه مصدرٌ فهي كالقراءة المشهورة. الثاني: أنَّ ثَمَّ مضافاً محذوفاً تقديرُه:
وفوقَ كلِّ ذي مُسَمَّى عالم، كقول لبيد(٦):
٢٨١٢ - إلى الحَوْلِ ثم اسمِ السَّلامِ عليكما
أي: مُسَمَّى السلام. الثالث: أنَّ ((ذو)) زائدة، كقول الكميت(٧):
(١) المحرر: ٣٤٥/٩.
(٢) الآية ٨٣.
(٣) الإِتحاف: ٢٦٦؛ البحر: ٣٣٢/٥.
(٤) البحر: ٠٣٣٢/٥
(٥) المحتسب: ٣٤٦/١؛ البحر: ٣٣٣/٥.
(٦) تقدم برقم ١٨.
(٧) تمامه:
إليكم ذوي آلِ النبيّ تطلَّعَتْ نوازِعُ من قلبي ظِمَاءٌ وَأَلْبُِّبُ
وهو في الخصائص: ٢٧/٣؛ وابن يعيش: ١٢/٣؛ واللسان: لبب.
٥٣٤

- يوسف -
٢٨١٣- إليكم ذوي آل النبيِّ .....
.
البيت.
آ. (٧٧) قوله تعالى: ﴿فقد سَرَقَ﴾: الجمهور على ((سَرَق)) مخففاً
مبنياً للفاعل. وقرأ(١) أحمد بن جبير الأنطاكي(٢) وابن أبي شريح عن
الكسائي والوليد بن حسان عن يعقوب في آخرين ((سُرِّق)) مشدداً مبنياً
للمفعول أي: نُسِب إلى السَّرِقة. وفي التفسير: أنَّ عَمَّته رَبَّتْه فأخذه أبوه
منها، فَشَدَّت في وَسَطِه مِنْطَقَة كانوا يتوارثونها من إبراهيم عليه السلام ففتَّشوا
فوجدوها تحت ثيابه. فقالت: هولي فَأَخَذَتْه كما في شريعتهم، وهذه القراءةُ
منطبقة على هذا.
قوله: ((فَأَسَرَّها)) الضميرُ المنصوبُ مفسَّر بسياق الكلام أي: فَأَسَرَّ
الحزازة التي حَصَلَتْ له مِنْ قولهم ((فقد سَرَقَ أخ له)) كقول الشاعر(٣):
٢٨١٤ - أما وِيَّ ما يُغْنِي الثَّراء عن الفتى
إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاق بها الصدرُ
والضمير في ((حَشْرَجَتْ)) يعود على النفس، كذا ذكره الشيخ(٤)، وقد
جعل البيتَ مِمَّا فُسِّر فيه الضميرُ بذِكْر ما هو كلِّ لصاحب الضمير، فلا يكون
مما فُسِّر فيه بالسياق. ولتحقيق هذا موضعٌ آخرُ.
وقال الزمخشري(٥): ((إضمارٌ على شريطة التفسير، تفسيره ((أنتم شرٌّ
(١) البحر: ٣٣٣/٥.
(٢) أحمد بن جبير الكوفي نزيل أنطاكية، أخذ عن الكسائي ويعقوب الأعشى. توفي سنة
٢٥٨ . طبقات القراء: ٤٢/١.
(٣) البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه: ١١٨؛ وأمالي الشجري: ٥٩/١؛ والجمع:
٦٥/١؛ والدرر: ٤٤/١؛ واللسان حشرج.
(٤) البحر: ٣٣٣/٥.
(٥) الكشاف: ٣٣٦/٢.
٥٣٥

- يوسف -
مكاناً))، وإنما أنَّثَ لأنَّ قولَه ((شَرَ مكاناً) جملة أو كلمةٌ على تسميتهم الطائفة
من الكلام كلمة، كأنه قيل: فَأَسَرَّ الجملةَ أو الكلمةَ التي هي قولُه: ((أنتم شرٌّ
مكاناً)(١)، لأنَّ قوله: ((قال أنتم شرٌّ مكاناً)) بدلٌ مِنْ أَسَرَّها)). قلت: وهذا عندَ
مَنْ يُبْدل الظاهرَ من المضمر في غير المرفوع نحو: ضربته زيداً، والصحيح
وقوعه، کقوله(٢):
٢٨١٥ - فلا تَلُمْهُ أن يَخافَ البائسا
وقرأ(٣) عبد اللَّهُ وابن أبي عبلة: ((فَأَسَرَّه)) بالتذكير. قال الزمخشري(٤).
(يريد القول أو الكلام). وقال أبو البقاء(٤): ((المضمر يعود إلى نِسْبتهم إياه
إلى السَّرقة، وقد دَلَّ عليه الكلامُ، وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ تقديرُه:
قال في نفسه: أنتم شرِّ مكاناً، وأَسَرَّها أيْ هذه الكلمةَ)). قلت: ومِثْلُ هذا
يُنْبغي أن لا يُقال، فإنَّ القرآنَ يُنَزَّهُ عنه.
قوله: ((مكاناً) تمييزٌ أي: منزلةً من غيركم.
آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿مكانّه﴾: فيه وجهان أحدهما:
- وهو الظاهر - أنَّ (مكانَه)) نصب على الظرفِ، والعامل فيه ((خُذْ)). والثاني:
أنه ضَمِّن ((خُذْ)) معنى ((اجْعَلْ)) فيكونُ ((مكانَه)) في محل المفعول الثاني. وقال
الزمخشري(٥): ((فَخُذْه بَدَلَه على جهةِ الاسترهان أو الاستعباد)).
(١) قال الزمخشري بعد ذلك: ((والمعنى قال في نفسه: أنتم شر مكانا)).
(٢) قبله :
فأصبحت بقر قرى كوانسا
وهو للعجاج، وليس في ديوانه، وورد في الكتاب: ٢٥٥/١؛ والمغني: ٥٩٣؛ والدرر:
٤٥/١؛ والجمع: ٦٦/١.
(٣) البحر: ٣٣٣/٥.
(٤) الإِملاء ٥٧/٢.
(٥) الكشاف: ٣٣٦/٢.
٥٣٦

- يوسف -
آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذَنْ﴾: هذه حرفُ جوابٍ وجزاء، وتقدم
الكلامُ على أحكامِها.
آ. (٨٠) قوله تعالى: ﴿استيْئَسُوا﴾: استفعل هنا بمعنى فَعِل المجرد
يقال: يَئِس واستيئس بمعنىٍّ، نحو عَجِب واستعجب، وسَخِر واستخسر. وقال
الزمخشري(١): ((وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو مامَرَّ في
((استعصم))(٢).
وقرأ(٣) البزي عن ابن كثير بخلافٍ عنه ((اسْتَأْيَسوا)) بألفٍ بعد التاء ثم ياء،
وكذلك في هذه السورة: ((لا تايَسوا))، إنه لا يايَس))(٤) ((إذا اسْتايَسَ
الرسلُ))(٥)، وفي الرعد(٦): ((أفلم يايَسِ الذين)) الخلافُ واحد. فأمَّا قراءةُ
العامة فهي الأصل إذ يُقال: يَئِس، فالفاء ياء، والعين همزة، وفيه لغةٌ أخرى
وهي القلبُ بتقديم العين على الفاء فيقال: أَيِس، ويدلُّ على ذلك شيئان،
أحدُهما: المصدرُ الذي هو اليأس. والثاني: أنه لو لم يكنْ مقلوباً لَلَزِمِ قَلْبُ
الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولكنْ مَنْعَ من ذلك كونُ الياء في موضعٍ
لا تُعَلَّ فيه ما وقعَتْ موقعَه، وقراءةُ ابن كثير من هذا، ولمَّا قَلَبَ الكلمةَ أَبْدَلَ
مِن الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة إذ صارَتْ كهمزة رَأْس وكأس، / وإنْ لم يكنْ [١/٥١٩]
مِنْ أصله قَلْبُ الهمزة الساكنة حرف علة، وهذا كما تقدم (٧) أنه يقرأ ((القران))
بالألف، وأنه يُحْتمل أنْ يكون نَقَل حركة الهمزة وإن لم يكنْ من أصلِه النقلُ.
(١) الكشاف ٣٣٦/٢. وانظر: الكشاف: ٣١٨/٢.
(٢) الآية ٣٢.
(٣) البحر: ٣٣٥/٥؛ السبعة: ٣٥٠؛ الحجة: ٣٦٦؛ التيسير: ١٢٩.
(٤) الآية ٨٧.
(٥) الآية ١١٠.
(٦) الآية ٣١.
(٧) انظر: الدر المصون: ٢٨٠/٢.
٥٣٧

- يوسف ــ
وقال أبو شامة - بعد أن ذكر هذه الكلماتِ الخمس(١) التي وقع فيها
الخلافُ -: ((وكذلك رُسِمَتْ في المصحف)) يعني كما قرأها البزي، يعني
بألفٍ مكان الياء وبياء مكان الهمزة. وقال أبو عبد الله(٢): ((واختلفَتْ هذه
الكلمات في الرسم فَرُسِمَ ((يايَس)) ((ولا تَايَسُوا)) بالألفِ، ورُسِم الباقي بغير
ألف)) قلت: وهذا هو الصوابُ، وكأنها غَفْلَةٌ حَصَلَتْ من أبي شامة
رحمه الله.
قوله: ((نَجِيَّا)) حال مِنْ فاعل ((خَلَصوا)) أي: اعتزلوا في هذه الحالِ،
وإنما أَفْرِدَت الحالُ وصاحبُها جَمْعٌ: إمَّا لأنَّ النَّجِيَّ فَعِيل بمعنى مُفاعِل
كالعشير والخليط بمعنى المُخالِط والمُعاشِر، كقوله: ((وقَرَّبْناه نَجِيّا))(٣) أي:
مُناجِياً، وهذا في الاستعمال يُفْرَدُ مطلقاً، يقال: هم خليطُكَ وعَشِيرُكَ أي :
مُخالِطوك ومُعاشِروك، وإمَّا لأَنَّه صفةٌ على فَعِيل بمنزلة صَديق، وصديق وبابُه
يُوحَّدُ لأنه بزِنَةِ المصادر كالصَّهيل والوَجِيب(٤) والذَّمِيل(٥)، وإمَّا لأنه مصدر
بمعنى التناجي كما قيل: النجوى بمعناه، قال تعالى: ((وإذهم نَجْوى))(٦)،
وحينئذ يكون فيه التأويلاتُ المذكورةُ في ((رجل عَدْل)) وبابه، ويُجمع على
((أَنْجَيَة))، وكان مِنْ حَقِّه إذا جُعِل وصفاً أن يُجْمع على أفْعِلاء كغَنِيّ: وأَغْنِياءِ
وشَقِيّ وأَشْقِياء. ومِنْ مجيئه على أَنْجية قولُ الشاعر(٧):
(١) استايسوا، لا تايسوا، لا يايس، استايس، يايس، وتقدَّم قبل قليل الإِشارةُ إلى سورها
وآیاتها .
(٢) لا نملك ما يجعلنا نحدِّد أبا عبداللَّه هذا؛ لأن كثيراً من المصنفين تَسَمِّوا بهذه الكنية.
(٣) الآية ٥٢ من سورة مريم.
(٤) وجب قلبه : اضطرب.
(٥) الذميل: ضرب من سير الإِبل: ذَعَل يَذْمُل ويَذْمِلُ.
(٦) الآية ٤٧ من سورة الإِسراء.
(٧) البيت لسحيم بن وثيل اليربوعي وبعده:
واضطرب القومُ اضطرابَ الأَرْشِيَهْ.
٥٣٨

- يوسف -
٢٨١٦- إنّي إذا ما القومُ كانوا أَنْجِيَهْ
وقول الآخر - هو لبيد - (١):
٢٨١٧- وشَهِدْتُ أَنْجِيَةَ الْأَفَاقَةِ عالياً كَعْبِي وَأَرْدَافُ المُلوكِ شُهودُ
وجَمْعُه كذلك يُقَوِّي كونَه جامداً، إذ يصير كرغيف وأَرْغِفَة.
قوله: ((ومِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتم)) في هذه الآيةِ وجوهٌ ستة، أحدها:
- وهو الأظهر - أنَّ ((ما)) مزيدةُ، فيتعلَّقُ الظرفُ بالفعل بعدها، والتقدير: ومِنْ
قبلِ هذا فَرَّطْتم، أي: قَصِّرْتُمْ في حَقِّ يوسف وشأنِه، وزيادةُ ((ما)) كثيرةٌ، وبه
بدأ الزمخشر ي(٢) وغيرُه.
الثاني: أن تكونَ (ما)) مصدريةً في محلٌّ رفع بالابتداء، والخبرُ الظرف
المتقدم. قال الزمخشري(٣): ((على أنَّ محلّ المصدرِ الرفعُ بالابتداء، والخبرُ
الظرفُ، وهو ((مِنْ قبل))، والمعنى: وقع مِنْ قَبْل تفريطكم في يوسف، وإلى
هذا نحا ابنُ عطية أيضاً فإنه قال (٤): ((ولا يجوز أن يكونَ قوله ((مِنْ قَبْلُ)) متعلقاً
بـ «ما فَرَّطْتُمْ))، وإنما تكونُ على هذا مصدريةً، والتقدير: مِنْ قبلُ تفريطُكم في
يوسف واقعٌ أو مستقرُ، وبهذا المقدرِ يتعلَّقُ قولُه ((مِنْ قبل)). قال الشيخ (٥):
((وهذا وقولُ الزمخشري راجعان إلى معنى واحد وهو أنَّ ((ما فَرَّطْتُمْ)) يُقَدَّرُ
= وهو في اللسان ((نجا))؛ والبحر: ٣٣٥/٥؛ والقرطبي: ٢٤١/٩. والأرشية: الحبال
التي يُستقى بها.
(١) ديوانه (بيروت): ٤٧؛ والمحرر: ٣٥٣/٩؛ والبحر: ٣٣٥/٥. الأفاقة: موضع بعينه.
والردف : نائب الملك.
(٢) الكشاف: ٣٣٧/٢.
(٣) الكشاف: ٣٣٧/٢.
(٤) المحرر: ٣٥٣/٩.
(٥) البحر: ٣٣٦/٥.
٥٣٩

- يوسف -
بمصدرٍ مرفوعٍ بالابتداء، و((مِنْ قبل)» في موضعِ الخبرِ، وذَهِلا عن قاعدةٍ
عربية - وحُقَّ لَهما أن يَذْهَلا - وهو أن هذه الظروفَ التي هي غاياتٌ إذا بُنِيَّتْ
لا تقع أخباراً للمبتدأ جَرَّتْ أو لم تجرَّ تقول: ((يومُ السبت مباركٌ، والسفر
بعده))، ولا تقول: ((والسفر بعدُ، وعمرو وزيد خلفَه))، ولا يجوز: «زيد وعمرو
خلفُ)) وعلى ما ذكراه يكون ((تفريطكم)) مبتدأً، و((من قبل)) خبر [وهو مبني](١)
وذلك لا يجوز، وهو مقرر في علم العربية».
قلت: قوله ((وحُقَّ لهما أن يَذْهلا)» تحاملٌ على هذين الرجلين المعروفِ
موضعُهما من العلم. وأمَّا قولُه ((إنَّ الظرف المقطوعَ لا يقع خبراً فمُسَلَّمٌ، قالوا
لأنه لا يفيد، وما لا يفيد فلا يقع خبراً، ولذا لا يقع صلةً ولا صفةً ولا حالاً،
لو قلت: ((جاء الذي قبلُ))، أو («مررت برجل قبلُ)) لم يجز لِماذكرت. ولقائلٍ
أن يقولَ: إنما امتنع ذلك لعدم الفائدة، وعدمُ الفائدة لعدمِ العلمِ بالمضاف
إليه المحذوف، فينبغي - إذا كان المضاف إليه معلوماً مَدْلولاً عليه - أن يقع
ذلك الظرفُ المضافُ إلى ذلك المحذوفِ خبراً وصفةً وصلةً
وحالاً، والآيةُ الكريمة من هذا القبيل، أعني ممَّا عُلِم فيه المضافُ إليه
كما مرَّ تقريره. ثم هذا الردُّ الذي رَدَّ به الشيخ سبقه إليه أبو البقاء فقال(٢):
((وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ ((قبل)) إذا وقعت خبراً أو صلة لا تُقْطع عن الإِضافة لئلا
تبقى ناقصة)).
الثالث: أنَّها مصدريةٌ أيضاً في محلٌّ رفع بالابتداء، والخبر هو قولُه ((في
يوسف))، أي: وتفريطكم كائن أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب
[٥١٩/ب] الفارسى، كأنه اسْتَشْغُر أن الظرفَ المقطوعَ / لا يقع خبراً فعدل إلى هذا،
(١) زيادة ضرورية من البحر.
(٢) الإملاء: ٥٧/٢.
٥٤٠