Indexed OCR Text

Pages 361-380

- هود -
فاقدِرْ بذَرْعِك وانظر أين تَنْسَلِكُ
٢٦٩٠-
وقد يقع الذِّراعُ موقِعَه قال(١):
إليك إليك ضاقَ بها ذِراعا
٢٦٩١ - إذا التِّيَّازُ ذو العَضَلاتِ قُلْنا
قيل: هو كنايةٌ عن ضِيق الصدر.
وقوله: ((عَصِيْب)) العَصِيْبُ والعَصَبْصَبُ والعَصُوب: اليوم الشديد،
الكثير الشرِّ الملتفُّ بعضُه ببعض قال(٢):
وقد سَلكوك في يومٍ عصيبٍ
٢٦٩٢ - وكنت لِزازَ خَصْمِكَ لم أُعَرِّدْ
وعن أبي عُبَيْد: ((سُمِّي عَصِيباً لأنه يعصب الناسَ بالشرِّ). والعِصَابَةُ:
الجماعة من الناس سُمُّوا بذلك لإِحاطتهم إحاطةَ العِصابة(٣).
قوله: ((يُهْرَعون)) في محل نصب على الحال. والعامَّة على «يُهرعون))
مبنياً للمفعول. والإِهراع: الإِسراع ويقال: هو المَشْيُ بين الهَرْوَلة والجَمَز.
وقال الهروي: هَرَع وَأَهْرَعَ: اسْتَحَثَّ. وقرأت(٤) فرقة: ((يَهْرعون)) بفتح الياء
مبنياً للفاعل مِنْ لغة ((هَرَع)).
قوله: ((هؤلاء بناتي)) جملةٌ برأسها، و((هنَّ أطهرُ لكم)) جملةٌ أخرى،
ويجوز أن يكونَ («هؤلاء)) مبتدأ، و((بناتي)) بدلٌ أو عطفُ بيان، و ((هنَّ)) مبتدأ،
(١) البيت للقطامي وهو في ديوانه: ٤٠؛ والزاهر: ٥٦١/١؛ والبحر: ٢٣٧/٥. والتياز:
الكثير اللحم.
(٢) البيت لعدي بن زيد وهو في ديوانه: ٣٩؛ والطبري: ٤٠٩/١٥؛ ومجاز القرآن:
٢٩٤/١؛ والبحر: ٢٣٧/٥؛ واللسان: سلك لم أعرد: لم أحجم، ولزازه: ملازمه.
وأقحمت ((في)) بعد ((وكنت)) في الأصل.
(٣) العصابة: العمامة.
(٤) البحر: ٢٤٦/٥.
٣٦١

- هود -
و((أَطْهَرُ)) خبره، والجملةُ خبر الأول. ويجوز أن يكونَ ((هنَّ)) فَصْلاً، و((أطهر))
خبر: إِمَّا لـ((هؤلاء))، وإمَّا لـ((بناتي))، والجملةُ خبر الأول.
وقرأ(١) الحسن وزيد بن علي وسعيد بن جبير وعيسى بن عمر والسدي:
((أطهرَ)) بالنصب. وخُرِّجت على الحال. فقيل: ((هؤلاء)) مبتدأ، و ((بناتي هُنَّ))
جملةٌ في محلِّ خبره، و((أطهر)) حال، والعاملُ: إمَّا التنبيهُ وإمَّا الإِشارةُ.
وقيل: ((هنَّ) فَضْلٌ بين الحال وصاحبها، وجُعِل من ذلك قولُهم: ((أكثرُ أكلي
التفاحةَ هي نضيجةً)). ومنعه بعض النحويين، وخرَّج الآيةَ على أن ((لكم)) خبر
((هن)) فلزمه على ذلك أن تتقدَّم الحالُ على عاملها المعنوي، وخرَّجَ المَثَلَ
المذكور على أن ((نضيجة)) منصوبة بـ ((كان)) مضمرة.
قوله: ((ولا تُخْزوني في ضيفي)): الضيف في الأصل مصدرٌ، ثم أطلق
على الطارق لميلانه إلى المُضيف، ولذلك يقع على المفرد والمذكر وضدَّيهما
بلفظٍ واحدٍ، وقد يُثَنَّى فيقال: ضَيْفان، ويُجْمع فيقال: أضياف وضُيوف
کأبیات وبیوت وضِیفان کحوْض وحِیضان.
آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿مِنْ حق﴾: يجوز أن يكون مبتدأ، والجارّ
خبره، وأن يكونَ فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتماده على نفي، و((مِنْ)) مزيدةٌ على
كلا القولين.
قوله: ((ما نريدُ)) يجوز أن تكونّ مصدريةً، وأن تكونَ موصولةً بمعنى
الذي. والعلم عرفانٌ، فلذلك يتعدَّى لواحدٍ أي: لتعرف إرادتنا، أو الذي
نريده. ويجوز أن تكونَ (ما)) استفهامية وهي مُعَلَّقة للعلم قبلها.
(١) البحر: ٢٤٧/٥؛ المحتسب: ٣٢٥/١.
٣٦٢

- هود -
آ. (٨٠) قوله تعالى: ﴿لو أنَّ﴾: جوابُها محذوف تقديره: لفعلتُ
بكم وصنعْتُ كقوله: ((ولو أنَّ قرآناً سُيِّرَتْ))(١) ..
قوله: ((أو آوي)) يجوز أن يكونَ معطوفاً على المعنى، تقديره: أو أني
آوي، قاله أبو البقاء(٢) والحوفي. ويجوز أن يكون معطوفاً على ((قوة)) لأنه
منصوبٌ في الأصل بإضمار أن فلمَّا حُذِفَتْ ((أن)) رُفع الفعل كقوله: ((ومِنْ آيَاتِه
یُریکم»(٣).
واستضعف أبو البقاء(٤) هذا الوجه بعدم نصبِه. وقد تقدم جوابه. ويدُّ
على اعتبار ذلك قراءةُ (٥) شيبة وأبي جعفر ((أو آويَ)) بالنصب كقوله(٦):
٢٦٩٣ - ولولا رجالٌ من رِزامٍ أُعزَّةٍ وآلُ سبيعٍ أو أسُوْءَكْ عَلْقما
وقولها(٧) :
أحبُّ إليَّ من لُبْس الشُّفوف
٢٦٩٤- لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عَيْني
ويجوز أن يكون عَطْفُ هذه الجملةِ الفعلية على مثلها إن قدَّرْتَ أنَّ
((أنَّ) مرفوعة بفعل مقدرٍ بعد ((لو)) عند المبرد(٨)، والتقدير: لو يستقر
- أو يثبت - استقرار القوة أو آوي، ويكون هذان الفعلان ماضيَيْ المعنى؛
(١) الآية ٣١ من سورة الرعد.
(٢) الإملاء: ٤٣/٢.
(٣) الآية ٢٤ من سورة الروم.
(٤) الإملاء: ٤٣/٢.
(٥) البحر: ٢٤٧/٥؛ المحتسب: ٣٢٦/١.
(٦) تقدم برقم ١٠١٦.
(٧) تقدم برقم ٧٠١ .
(٨) المقتضب: ٧٧/٣.
٣٦٣

- هود -
لأنها تَقلب المضارع إلى المضيِّ. وأمَّا على رأي سيبويه(١) في كونِ أنَّ ((أنَّ))
في محل الابتداء، فيكون هذا مستأنفاً. وقيل: (أو)) بمعنى بل وهذا عند
الكوفيين.
و ((بكم)) متعلق بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «قوة»، إذ هو في الأصل صفةٌ
للنكرة، ولا يجوز أن يتعلَّق بـ ((قوة)) لأنها مصدر(٢).
والرُّكُنْ بسكون الكاف وضمها الناحية من جبل وغيره، ويُجمع على
أرکان واُرْکُن قال(٣).
[٤٩٣/أ] ٢٦٩٥- وزَحْمُ رُكْنَيْكَ شديدُ الْأَرْكُنِ /
آ. (٨١) قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ﴾: قرأ(٤) نافع وابن كثير: «فاسْرِ
بأهلك)» هنا وفي الحجر(٥)، وفي الدخان(٦): ((فاسْر بعبادي))، وقوله: ((أنّ
اسْرِ» في طه(٧) والشعراء(٨)، جميع ذلك بهمزة الوصل تسقط دَرْجاً وتَثْبُتُ
مكسورة ابتداءً. والباقون ((فَأَسْر)) بهمزة القطع تثبت مفتوحةٌ دَرْجاً وابتداء،
والقراءتان مأخوذتان من لُغَتي هذا الفعل فإنه يُقال: سَرَى، ومنه ((والليل إذا
يَسْر))(٩)، وأَسْرى، ومنه: ((سبحانَ الذي أَسْرى))(١٠) وهل هما بمعنى واحدٍ
(١) الكتاب: ٤١٠/١، ٤٦٢.
(٢) يبدو أن سبب المنع أن معمول المصدر لا يتقدم عليه.
(٣) البيت لرؤية وهو في ديوانه: ١٦٤؛ والكتاب: ١٨١/٢؛ واللسان: ركن.
(٤) السبعة: ٣٣٨؛ البحر: ٢٤٨/٥؛ النشر: ٢٩٠/٢؛ الحجة: ٣٤٧.
(٥) ((فأسر بأهلك)) الآية ٦٥.
(٦) ((فأسر بعبادي)) الآية ٢٣.
(٧) الآية ٧٧ .
(٨) الآية ٥٢ .
(٩) الآية ٤ من سورة الفجر.
(١٠) الآية ١ من سورة الإِسراء.
٣٦٤

- هود -
أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهور. فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو قول أبي عبيد.
وقيل: بل أَسْرى لأولِ الليل، وسَرَى لآخره، وهو قولُ الليث، وأمَّا سار
فمختص بالنهار، وليس مقلوباً مِنْ سَری.
قوله: ((بأهلك)) يجوز أَنْ تكونَ الباءُ للتعدية، وأن تكونَ للحال أي:
مصاحباً لهم. وقوله: ((بقِطْعِ)) حال من ((أهلك)) أي: مصاحبين لقِطْع، على
أن المرادَ به الظلمة. وقيل: الباء بمعنى ((في)). والقِطْع هنا نصف الليل، لأنه
قطعةٌ منه مساويةٌ لباقيه، وأنشدوا(١):
٢٦٩٦- ونائحةٍ تُنُوْعُ بِقِطْعِ ليلٍ على رَجُلٍ بقارعةِ الصعيد
وقد تقدَّم الكلامُ على القِطْع في يونس(٢) بأشبع من هذا.
قوله: ((إلا امرأتك)) ابن كثير(٣) وأبو عمرو برفع ((امرأتك)) والباقون
بنصبها. وفي هذه الآية الكريمة كلامٌ كثيرٌ لا بد من استيفائه. أمَّ قراءةُ الرفع
ففيها وجهان، أشهرُهما عند المعربين: أنَّه على البدل من ((أحد)) وهو أحسن
من النصب، لأنَّ الكلام غيرُ موجَب. وهذا الوجهُ قد رَدَّه أبو عبيد بأنه يَلْزَمُ منه
أنهم نُهوا عن الالتفات إلا المرأة، فإنها لم تُنْهَ عنه، وهذا لا يجوزُ، ولو كان
الكلامُ ((ولا يلتفت)) برفع ((يلتفت)) يعني على أنْ تكونَ ((لا)) نافيةً، فيكون
الكلام خبراً عنهم بأنهم لم يَلْتفتوا إلا امرأته فإنها تلتفت، لكان الاستثناء
بالبدلية واضحاً، لكنه لم يقرأ برفع ((يلتفت)) أحد.
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر: ٢٤٨/٥؛ والقرطبي: ٨٠/٩، وذكر محقق القرطبي
أنه لمالك بن كنانة .
(٢) الآية ٢٧ .
(٣) السبعة: ٣٣٨؛ البحر: ٢٤٨/٥؛ التيسير: ١٢٥؛ الحجة: ٣٤٧.
٣٦٥

- هود-
وقد استحسن ابنُ(١) عطيةَ هذا الإِلزامَ من أبي عبيد، وقال: ((إنه وارِدٌ
على القول باستثناءِ المرأة من ((أحد)) سواءً رَفَعْتَ المرأة أو نَصَبْتها)). قلت:
وهذا صحيحٌ، فإن أبا عبيد لم يُرِدِ الرفعَ لخصوصٍ كونه رفعاً، بل لفسادٍ
المعنى، وفسادُ المعنى دائر مع الاستثناء من «أحد)»، وأبو عبيد يُخَرِّج النصبَ
على الاستثناء من ((بأهلك))، ولكنه يَلْزم من ذلك إبطالُ قراءة الرفع، ولا سَبِيلَ
إلى ذلك لتواترها .
٠ ٠
وقد انفصل المبردُ عن هذا الإشكالِ الذي أورده أبو عبيد بأن النهي في
اللفظ لـ ((أحد)) وهو في المعنى للوط عليه السلام، إذ التقدير: لا تَدَعْ منهم
أحداً يلتفت، كقولك لخادمك: ((لا يَقُمْ أحدٌ)) النهيُ لأحد، وهو في المعنى
للخادم، إذ المعنى: ((لا تَدَعْ أحداً يقوم)). قلت: فآل الجواب إلى أنَّ المعنى:
لا تَدَعْ أحداً يلتفت إلا امرأتك فَدَعْها تلتفت، هذا مقتضى الاستثناء كقولك:
((لا تَدَعْ أحداً يقوم إلا زيداً، معناه: فَدَعْه يقوم. وفيه نظر؛ إذ المحذور الذي
قد فرَّ منه أبو عبيد موجودٌ هو أو قريب منه هنا.
والثاني (٢): أن الرفعَ على الاستثناءِ المنقطع، والقائلُ بهذا جعل قراءةً
النصبِ أيضاً من الاستثناء المنقطع، فالقراءتان عنده على حَدٍّ سواء، ولنِسْرُدْ
كلامه لنعرفَه فقال: ((الذي يظهر أن الاستثناءَ على كلتا القراءتين منقطع،
لم يُقْصَدْ به إخراجُها من المأمور بالإِسراء معهم، ولا من المنهيين عن
الالتفاتِ، ولكن استؤنف الإِخبار عنها، فالمعنى: لكن امرأتَك يَجْري لها كذا
وكذا، ويؤيد هذا المعنى أن مثلَ هذه الآية جاءت في سورة الحجر(٣)، وليس
فيها استثناءٌ البتةَ، قال تعالى: ((فأسْرِ بأهلك)) الآية. فلم تقع العنايةُ في ذلك
(١) المحرر: ٢٠١/٩.
(٢) من وجهي قراءة الرفع.
(٣) الآية ٦٥ ((فأسر بأهلك بقطع من الليل واتَبع أدبارهم)).
٣٦٦

- هود -
إلا بذكر مَنْ أنجاهم اللَّه تعالى، فجاء شرح حالٍ امرأتِه في سورة هود تبعاً
لا مقصوداً بالإِخراج مما تقدم، وإذا اتضح هذا المعنى عُلم أن القراءتين وردتا
على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع، وفيه النصب والرفع، فالنصب
لغة أهل الحجاز وعليه الأكثر، والرفع لغة تميم وعليه اثنان من القراء». قال
الشيخ(١): ((وهذا الذي طوَّل به لا تحقيق فيه، فإنه إذا لم يُقْصَدْ إخراجُها من
المأمور بالإِسراء بهم ولا من / المَنْهِّين عن الالتفاتِ، وجُعل استثناءً منقطعاً، [٤٩٣/ب]
كان من المنقطع الذي لم يتوجّه عليه العاملُ بحال، وهذا النوع يجب فيه
النصبُ على كلتا اللغتين، وإنما تكون اللغتان في ما جاز توجُّهُ العاملِ عليه،
وفي كلا النوعين يكون ما بعد ((إلا)) من غير الجنس المستثنى، فكونُه جازَ فيه
اللغتان دليل على أنه يمكن أن يتوجّه عليه العامل، وهو قد فرض أنه لم يُقْصَدْ
بالاستثناء إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات،
فكان يجب فيه إذ ذاك النصبُ قولاً واحداً».
[قلت: القائل بذلك هو الشيخ شهاب الدين أبو شامة](٢). وأمَّا قولُه:
(إنه لم يتوجّه عليه العامل)) ليس(٣) بمسلَّم، بل يتوجّه عليه في الجملة،
والذي قاله النحاة ممَّا لم يتوجَّهْ عليه العاملُ من حيث المعنى نحو: ما زاد إلا
ما نقص، وما نفع إلا ما ضر، وهذا ليس مِنْ ذاك، فكيف يُعْترض به على
أبي شامة؟ .
وأمّا النصبُ ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مستثنى مِنْ ((بأهلك))،
واستَشْكلوا عليه إشكالاً من حيث المعنى: وهو أنه يلزم ألَّ يكونَ سَرَى بها،
لكن الفرضِ أنه سرى بها، يدلُّ عليه أنها التفتّتْ، ولو لم تكن معهم لمّا حَسُن
(١) البحر: ٢٤٩/٥.
(٢) ما بين معقوفين لم يظهر في المصورة عن الأصل واضحاً.
(٣) لعل الأفصح ((فليس)).
٣٦٧

- هود -
الإِخبار عنها بالالتفات، فالالتفاتُ يدلُّ على كونها سَرَتْ معهم قطعاً. وقد
أُجيب عنه بأنه لم يَسْرِ هو بها، ولكن لمَّا سَرَى هو وبنتاه تَبِعَتْهم فالتفتت،
ويؤيِّد أنه استثناء من الأهل ما قرأ به عبدالله(١) وسقط مِنْ مصحفه ((فَأَسْر
بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك)) ولم يذكر قوله ((لا يلتفت منكم أحد)) ...
والثاني: أنه مستثنى مِنْ ((أحد)) وإن كان الأحسنُ الرفعَ إلا أنه جاء
كقراءة ابن عامر ((ما فعلوه إلا قليلاً منهم))(٢) بالنصبِ مع تقدُّم النفي الصريح.
وقد تقدَّم لك هناك تخريجٌ آخرُ لا يمكن ههنا.
والثالث: أنه مستثنى منقطعٌ على ما قدَّمْتُه عن أبي شامة. وقال
الزمخشري(٣): ((وفي إخراجها مع أهله روايتان، روي أنه أخرجها معهم،
وأُمِرَ أَنْ لا يلتفتَ منهم أحد إلا هي، فلما سَمِعَتْ هِذَّة العذاب التفتّتْ
وقالت: يا قوماه، فأدركها حجرٌ فقتلها، ورُوي أنه أُمِر بأن يُخَلِّفَها مع قومها
فإنَّ هواها إليهم ولم يَسْرِ بها، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين).
قال الشيخ (٤): ((وهذا وهمّ فاحشٌ، إذ بنى القراءتين على اختلاف
الروايتين مِنْ أنه سَرَى بها أو لم يَسْرِ بها، وهذا تكاذُبُ في الإِخبار، يستخيل
أن تكون القراءتان - وهما مِنْ كلام اللَّه تعالى - يترتبان على التكاذب)).
قلت: وحاشَ للَّه أن تترتب القراءتان على التكاذُب، ولكن ما قاله الزمخشري
صحيحٌ، الفرض أنه قد جاء في التفسير القولان، ولا يَلْزم من ذلك التكاذبُ،
لأنَّ مَنْ قال إنه سَرَىْ بُها يعني أنها سَرَتْ هي بنفسها مصاحِبةً لهم في أوائل
الأمر، ثم أخذها العذاب فانقطع سُراها، ومن قال إنه لم يَسْرِ بها، أي :
(١) البحر: ٢٤٨/٥ .
(٢) الآية ٦٦ من سورة النساء. انظر: السبعة: ٢٣٥.
(٣) الكشاف: ٢٨٤/٢.
(٤) البحر: ٢٤٨/٥ .
٣٦٨

- هود -
لم يَأْمرها ولم يأخذها وأنه لم يَدُم سُراها معهم بل انقطع فَصَحَّ أن يقال: إنه
سَرَى بها ولم يَسْرِ بها، وقد أجاب الناسُ بهذا وهو حسنٌ.
وقال الشيخ أبو شامة: ((ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاةُ معنى
حسنٌ، وذلك أن يكون في الكلام اختصارَ نَبَّهَ عليه اختلافُ القراءتين فكأنه
قيل: فَأَسْرِ بأهلِك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيدة وغيره أنها في مصحف
عبدالله هكذا، وليس فيها ((ولا يلتفتْ منكم أحدٌ)) فهذا دليلٌ على استثنائها مِن
السُّرى بهم، ثم كأنه قال سبحانه: فإن خرجَتْ معكم وتَبِعَتْكم - غيرَ أن تكونَ
أنت سَرَيْتَ بها - فانْهَ أهلك عن الالتفات غيرَها، فإنها ستلتفت فيصيبها
ما أصاب قومها، فكانت قراءةُ النصبِ دالَّةً على المعنى المتقدم، وقراءةُ الرفع
دالَّةٌ على المعنى المتأخر، ومجموعُهما دالٌّ على جملة المعنى المشروح))
وهو كلامٌ حسنُ شاهدٌ لِما ذكرته .
قوله: ((إنَّه مُصِيبها)) الضميرُ ضمير الشأن، و((مُصيبها)) خبرٌ مقدم،
و ((ما أصابهم)) مبتدأ مؤخر وهو موصولٌ بمعنى الذي، والجملة خبرُ إنَّ؛ لأن
ضمير الشأن يُفَسَّر بجملةٍ مُصَرَّحٍ بجزْأَيْها .
وأعرب الشيخ(١) (مُصيبها)) مبتدأً، و((ما أصابهم)) الخبر، وفيه نظرٌ من
حيث الصناعة: فإن الموصولَ معرفة، فينبغي أن يكونَ المبتدأ و((مُصيبها)»
نكرةً لأنَّه عامل تقديراً فإضافتُه غيرُ محضةٍ، ومن حيث المعنى: إنَّ المراد
الإِخبار عن الذي أصابهم أنه مُصِيبها من غيرِ عكسٍ ، ويجوز عند الكوفيين أن
يكونَ («مصيبُها)» مبتدأَ، و ((ما)) / الموصولةُ فاعلٌ لأنهم يُجيزون أن يُفَسَّر ضميرُ [١/٤٩٤]
الشأنِ بمفرد عاملٍ فيما بعده نحو: ((إنه قائمٌ أبواك)).
(١) البحر: ٢٤٩/٥.
٣٦٩

- هود -
:
قوله: ((إنَّ موعدَهم))، أي: موعد هلاكهم. وقرأ عيسى بن(١) عمر
((الصبح)) بضمتين فقيل: لغتان، وقيل: بل هي إتباعٌ، وقد تقدَّم البحثُ في
ذلك.
آ. (٨٢) قوله تعالى: ﴿عاليَها سافلها﴾: مفعولا الجعل الذي بمعنى
التصيير، و((سِجِّيل)) قيل: هو في الأصل مركّب من: ((سكر كل))
وهو بالفارسية حجر وطين فعُرِّب وغيِّرت حروفهُ. وقيل: سِجِّيل اسمُ للسماء
وهو ضعيف أو غلط؛ لوصفه بمَنْضود. وقيل: مِنْ أَسْجَلَ، أي: أرسل فيكون
فِعِيلاً، وقيل: هو مِن التسجيل، والمعنى: أنه مِمَّ كتب اللَّهُ وأَسْجل أن يُعَذَّب
به قوم لوط، وينصرُ الأولَ تفسيرُ ابن عباس أنه حجرٌ وطين كالآجرّ المطبوخ،
وعن أبي عبيد(٢) هو الحجر الصُّلْب. و((منضود)) صفةٌ لسِجِّيل. والنَّضْدُ:
جَعْلُ الشيءِ بعضَه فوقَ بعضٍ ، ومنه ((وطَلْحٍ منضود))(٣)، أي: متراكب،
والمرادُ وصفُ الحجارة بالكثرة.
آ. (٨٣) و ((مُسَوَّمة)» نعتٌ لحجارة، وحينئذ يلزمُ تقدُّمُ الوَصْفِ غيرِ
الصريح على الصريح لأنَّ ((مِنْ سجيل)) صفةٌ لحجارة، والْأُوْلى أن يُجْعل حالاً
من حجارة، وسوَّغْ مجيئَها مِن النكرة تخصُّصُ النكرة بالوصف. والتَّسْويم:
العلامَةُ. قيل: عُلِّم على كلِّ حجرٍ اسمُ مَنْ يُرْمَى به، وتقدَّم اشتقاقُه في آل
عمران (٤). و((عند)): إمّا منصوبٌ بـ ((مُسَوَّمة))، وإمَّا بمحذوفٍ على أنها صفة
لـ «مُسَوَّمة)).
قوله: ((وما هي)) الظاهرُ عَوْدُ هذا الضمير على القرى المُهْلَكة. وقيل:
(١) البحر: ٢٤٩/٥؛ القرطبي: ٨١/٩.
(٢) لعلها ((وعن أبي عبيدة)) انظر المجاز: ٢٩٦/١.
(٣) الآية ٢٩ من سورة الواقعة.
(٤) الآية ١٢٥ .
٣٧٠

- هود -
يعودُ على الحجارة وهي أقربُ مذكور. وقيل: يعودُ على العقوبة المفهومة من
السياق. ولم يُؤَنَّث (ببعيد)): إمَّا لأنه في الأصلِ نعتٌ لمكانٍ محذوف
تقديره: وما هي بمكان بعيدٍ بل هو قريبٌ، والمرادُ به السماء أو القرى
المهلَكة، وإمَّا لأن العقوبةَ والعقابَ واحد، وإمَّا لتأويل الحجارة بعذاب
أو بشيءٍ بعید.
آ. (٨٤) قوله تعالى: ﴿ولا تَنْقَصُوا﴾: ((نَقَصَ» يتعدَّى لاثنين، إلى
أولهما بنفسه، وإلى ثانيهما بحرف الجر، وقد يُحْذَفُ، تقول: نَقَصْت زيداً
مِنْ حقه، وحقّه، وهو هنا كذلك؛ إذ المرادُ: ولا تَنْقُصوا الناسَ من المكيال،
ويجوز أن يكون متعدِّياً لواحدٍ على المعنى، والمعنى: لا تُقْلِّلوا وتُطَفِّفوا،
ويجوز أن يكون ((المكيالَ)) مفعولاً أول والثاني محذوف، وفي ذلك مبالغةٌ،
والتقدير: ولا تَنْقُصوا المكيالَ والميزانَ حَقَّهما الذي وَجَبَ لهما وهو أبلغُ في
الأمر بوفائهما .
قوله: ((محيط)) صفة لليوم، ووُصِف به من قولهم: أحاط به العدوُ،
وقوله: ((وأُحيط بثمره))(١). قال الزمخشري(٢): ((إنَّ وَصْفَ اليوم بالإِحاطة أبلغُ
مِنْ وصف العذاب بها)) قال: ((لأنَّ اليومَ زمانٌ يشتمل على الحوادث، فإذا
أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذَّب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه)).
وزعم قومٌ أنه جُرَّ على الجوار، لأنه في المعنى صفةٌ للعذاب،
والأصلُ: عذاب يوم محيطاً. وقال آخرون: التقدير: عذاب يومٍ محيطٍ
عذابُه. قال أبو البقاء(٣): ((وهو بعيدٌ؛ لأنَّ محيطاً قد جَرَى على غير مَنْ هوله،
فيجب إبرازُ فاعله مضافاً إلى ضمير الموصوف)).
(١) الآية ٤٢ من سورة الكهف.
(٢) الكشاف: ٢٨٥/٢.
(٣) الإملاء: ٤٤/٢.
٣٧١

- هود-
آ. (٨٦) قوله تعالى: ﴿إِنْ كنتم مؤمنين﴾: قال ابن عطية(١):
((وجواب هذا الشرط متقدم)) يعني على مذهب مَنْ يراه لا على [مذهب](٢).
جمهور البصريين. والعامَّة على تشديد ياء ((بقيّة)). وقرأ إسماعيل(٣) بن جعفر
- من أهل المدينة - بتخفيفها. قال ابن عطية (٤): ((وهي لغةٌ)). وهذا لا ينبغي
أن يُقال، بل يُقال: إنْ لم يُقْصد الدلالةُ على المبالغة جيء بها مخففةً، وذلك
أن فَعِل بكسر العين إذا كان لازماً فقياسُ الصفة منه فَعِل بكسر العين نحو:
سَجِيَت المرأة(٥) فهي سَجِيَة فإن قَصَدْت المبالغة قيل: سَجِيَّة لأنَّ فعيلاً من
أمثلة المبالغة فكذلك بقيّة وبَقِية أي بالتشديد والتخفيف(٦).
آ. (٨٧): وتقدَّم الخلاف في قوله ((أصلاتك)) بالنسبة إلى الإفراد
والجمع في سورة براءة(٧).
قوله ((أو أن نفعلَ)) العامة على نون الجماعة أو التعظيم في ((نفعل)).
و «نشاء)». وقرأ(٨) زيد بن علي وابن أبي عبلة والضحاك بن قيس بتاء الخطاب
فيهما. وقرأ أبو عبدالرحمن وطلحة الأول بالنون والثاني بالتاء، فَمَنْ قرأ بالنون
. (١) المحرر: ٢٠٨/٩
(٢) من ش.
(٣) البحر: ٢٥٢/٥. وهو إسماعيل بن جعفر المدني، جليل ثقة، قرأ على شيبة بن نصاح،:
وروى عنه الكسائي والدوري. توفي سنة ١٨٠. طبقات القراء: ١٦٣/١.
(٤) المحرر: ٢٠٨/٩.
(٥) امرأة ساجية: فاترة الطرف، والذي في كتاب الأفعال لابن القطاع: ١٧٠/٢ ((سَجْت
العينُ فَتَر ◌َحْظُها، وسَجِيت الناقة سكنت عند الحلب)) ولم أقف على نَقْلٍ يُثبت ((سَجِيت
المرأة».
(٦) بعد قوله ((بالتخفيف)) جملة من بضعة كلمات مخرومة في الأصل وأسقطتها النسخ كافة.
وقد كُتِبت على طرف الورقة .
(٧) الآية ١٠٣. وانظر معجم القراءات: ١٢٩/٣.
(٨) البحر: ٢٥٣/٥؛ القرطبي: ٨٧/٩.
٣٧٢

- هود -
فيهما عطفه على مفعول ((نترك)) وهو ((ما)) الموصولةُ /، والتقدير: أصلواتُك [٤٩٤/ب]
تأمركَ أن نَتْرُكَ ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعلَ في أموالنا ما نشاء،
وهو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ المقدَّم ذكرُهما. و((أو)) للتنويع أو بمعنى الواو،
قولان، ولا يجوز عَطْفُه على مفعول ((تأمرك))؛ لأن المعنى يتغير، إذ يصير
التقدير: أصلواتُك تأمرك أن نفعلَ في أموالنا.
ومَنْ قرأ بالتاء فيهما جاز أن يكونَ معطوفاً على مفعول ((تأمرك))، وأن
يكون معطوفاً على مفعول ((نترك))، والتقدير: أصلواتك تأمرك أن تفعل أنت
في أموالنا ما تشاء أنت، أو أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن تفعل أنت في أموالناما
تشاء أنت.
ومَنْ قرأ بالنون في الأول(١) وبالتاء في الثاني(٢) كان ((أن نفعل)) معطوفاً
على مفعول ((تأمرك))، فقد صار ذلك ثلاثة أقسام، قسمٍ يتعيَّن فيه العطفُ
على مفعول ((نترك)) وهي قراءةُ النونِ فيهما، وقسمٍ يتعيَّن فيه العطفُ على
مفعول ((تأمرك))، وهي قراءةُ النون في ((نفعل)) والتاء في ((تشاء))، وقسمٍ يجوزُ
فيه الأمران وهي قراءةُ التاء فيهما. والظاهرُ من حيث المعنى في قراءة التاء
فيهما أو في ((تشاء)) أن المراد بقولهم ذلك هو إيفاءُ المكيال والميزان؛ لأنه كان
يأمرهم بهما. وقال الزمخشري (٣): ((المعنى: تأمرك بتكليف أن نترك، فحذف
المضاف(٤) لأنَّ الإِنسان لا يُؤْمَرُ بفعل غيره)).
آ. (٨٨) قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُم﴾: قد تقدَّم ذلك غير مرة (٥). وقال
(١) أي: نفعل.
(٢) أي: تشاء.
(٣) الكشاف: ٢٨٦/٢.
(٤) وهو تكليف.
(٥) الآية ٤٦ من سورة الأنعام، الآية ٥٠ من سورة يونس.
٣٧٣

- هود -
الزمخشري(١) هنا: ((فإنْ قلت: أين جوابُ (أرأيتم)) وما له لم يَثْبت كما ثبت
في قصة نوح وصالح(٢)؟ قلت: جوابُه محذوفٌ، وإنما لم يَثْبُتْ لأن إثباتَه في:
القصتين دلَّ على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه، والمعنى: أخبروني إن
كنت على حجة واضحةٍ ويقين مِنْ ربي و[كنت](٣) نبياً على الحقيقة، أيصحُ
أنْ لا آمَرَكم بترك عبادة الأوثان والكفِّ عن المعاصي، والأنبياءُ لا يُبْعَثون إلا
لذلك؟)».
قال الشيخ (٤): ((وَتَسْمِيَةُ هذا جواباً لـ((أرأيتم)) ليس بالمصطلح، بل هذه
الجملةُ التي قَدَّرها في موضع المفعول الثاني لـ ((أرأيتم)) [لأن أرأيتم](٥) إذا
ضُمِّنَتْ معنى أخبرني تعدَّتْ إلى مفعولين، والغالبُ في الثاني أن يكون جملةً
استفهاميةً ينعقد منها ومن المفعول الأول في الأصل جملةٌ ابتدائية كقول.
العرب: ((أرأيتك زيداً ما صنع)) وقال الحوفي: ((وجوابُ الشرط محذوفٌ:
لدلالة الكلام عليه تقديره: أَأَعْدِل(٦) عَمّا أنا عليه)). وقال ابن عطية(٧):
((وجوابُ الشرط الذي في قوله ((إن كنت)) محذوفٌ تقديره: أضِلُّ(٨)
كما ضَلَلْتُمْ أو أترك تَبْليغ الرسالة، ونحو هذا ممَّا يليق بهذه المحاجَّة)). قال
الشيخ (٩): ((وليس قوله ((أضلّ)) جواباً للشرط؛ لأنه إن كان مثبتاً فلا يمكن أن
يكونَ جواباً لأنه لا يترتَّب على الشرط، وإن كان استفهاماً حُذف منه الهمزةُ.
(١) الكشاف: ٢٨٧/٢.
(٢) الكشاف: ولوط.
(٣) زيادة من الكشاف.
(٤) البحر: ٢٥٤/٥.
(٥) من البحر.
(٦) البحر: فأعدل.
(٧) المحرر: ٢١١/٩.
(٨) المحرر: أأضل.
(٩) البحر: ٢٥٤/٥.
٣٧٤

- هود -
فهو في موضع المفعول الثاني لـ ((أرأيتم))، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه
الجملةُ السابقة مع متعلَّقها))(١).
قوله: ((أَنْ أُخالِفَكم)) قال الزمخشري(٢): ((خالفني فلان إلى كذا: إذا
قصده وأنت مُوَلٍ عنه، وخالفني عنه: إذا وَلَّى عنه وأنت قاصدُه، ويلقاك
الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول: ((خالَفَني إلى الماء)»، يريد
أنه ذاهب إليه وارداً، وأنا ذاهبٌ عنه صادراً، ومنه قوله تعالى: ((وما أريد أن
أخالفَكم إلى ما أنهاكم عنه)» يعني أن أسْبِقَكم إلى شهواتكم التي نَهَيْتُكم عنها
لأستبدَّ بها دونكم)). وهذا الذي ذكره أبو القاسم معنى حسنٌ لطيف
ولم يتعرَّض الإِعرابِ مفرداته، لأنَّ (٣) بفهم المعنى يُفهم الإِعراب ولنذكر
ما فيه :
فأقول: يجوز أن يكونَ ((أن أخالفَكم)) في موضع مفعولٍ بـ ((أريد))،
أي: وما أريدُ مخالفتكم، ويكون فاعَلَ بمعنى فَعَل نحو: جاوَزْتُ الشيءَ
وجُزْته، أي: وما أريد أن أخالفكم، أي: أكونَ خَلَفاً منكم. وقولُه: ((إلى
ما أنهاكم)) يتعلَّق بـ ((أخالفكم))، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال، أي:
مائلاً إلى ما أنهاكم عنه، ولذلك قدَّر بعضُهم محذوفاً يتعلَّق به هذا الجارُّ
تقديرُه: وأميل إلى أن أخالفكم، ويجوز أن يكونَ ((أن أخالفكم)) مفعولاً من
أجله، وتتعلق ((إلى)) بقوله ((أريد)) بمعنى: وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى
ما أنهاكم عنه، ولذلك قال الزجاج: ((وما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب
ما أنهاكم عنه. ويجوز أن يُراد بأن أخالفكم معناه من المخالفة، وتكون في
موضع المفعول به بأريد، ويقدَّر مائلاً إلى.
(١) انتهى الآن هذا الاقتباس الطويل من البحر.
(٢) الكشاف: ٢٨٧/٢.
(٣) اسم أنَّ هنا ضمير الشأن.
٣٧٥

- هود :-
قوله: ((ما استطعت)) يجوز في ((ما)) هذه وجوه، أحدها: أن تكونَ
مصدريةً ظرفيةً أي: مدة استطاعتي. الثاني: أن تكون ((ما)) موصولة بمعنى
الذي بدلاً من ((الإصلاح)) والتقدير: إنْ أريد إلا المقدارَ الذي أستطيعه
من الصلاح. الثالث: أن يكونَ على حَذْف مضاف، أي: إلا الإِصلاحَ إصلاحَ
[٤٩٥/أ] ما استطعت، وهو أيضاً بدل. الرابع: / أنها مفعول بها بالمصدرِ المُعَرَّف،
أي: إنْ أريد إلا أن أُصْلح ما استطعت إصلاحَه كقوله(١):
يخالُ الفِرَارَ يُراخي الأجَلْ .
٢٦٩٧ - ضعيفُ النِّكايةِ أعداءَه
ذَكَرَ هذه الأوجهَ الثلاثةَ الزمخشري (٢)، إلا أن إعمال المصدر المعرَّف
قليلٌ عند البصريين، ممنوعٌ إعمالُه في المفعول به عند الكوفيين. وتقدم
الجارَّان في ((عليه)) و((إليه)) للاختصاص أي: عليه لا على غيره، وإليه لا إلى
غيره .
آ. (٨٩) قوله تعالى: ﴿لا يَحْرِمَتَّكُمْ﴾: العامَّةُ على قَتْحَ ياءٍ
المضارعة من جَرم ثلاثياً. وقرأ(٣) الأعمشُ وابنُ وثاب بضمِّها مِنْ أجرم. وقد
تقدم (٤) أنَّ ((جَرَمَ)) يتعذَّى لواحدٍ ولاثنين مثل كسب، فيقال: جَرَمَ زيدٌ مالاً
نحو: كَسَبه، وجَرَمْتُهُ ذَنْباً، أي: كَسَبَتْه إياه فهو مثلُ كَسَب، وأنشد
الزمخشري(٥) على تعدِّيه لاثنين قولَ الشاعر(٦):
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الكتاب: ٩٩/١؛ والخزانة: ٤٣٩/٣؛ الهمع: ٩٣/٢؛
الدرر: ٥٢/٢.
(٢) الكشاف: ٢٨٧/٢
(٣) البحر: ٢٥٥/٥؛ النشر: ٢٤٦/٢؛ القرطبي: ٩٠/٩.
(٤) الآية ٢ من سورة المائدة؛ والآية ٨ من سورة المائدة.
(٥) الكشاف: ٢٨٨/٢.
(٦) البيت لأبي أسماء بن الضَّريبة وهو في اللسان: جرم، وشَرَحَه بقوله: أي حقَّب لها .
الغضب.
٣٧٦

- هود -
٢٦٩٨- ولقد طَعَنْتُ أبا عُبَيْنَة طعنَةً جَرَمَتْ فَزارةُ بعدها أن يَغْضَبوا
فيكون الكاف والميم هو المفعول الأول، والثاني هو: أن يُصيبكم أي :
لا تَكْسِبَنَّكُم عداوتي إصابةَ العذاب. وقد تقدم أن جَرَم وأجْرم بمعنىٍّ، أو بينهما
فرق. ونسب الزمخشري(١) ضمَّ الياءِ مِنْ أجرم لابن كثير.
والعامَّةُ أيضاً على ضم لام ((مثلُ)) رفعاً على أنه فاعل «يُصيبكم)».
وقرأ(٢) مجاهد والجحدري بفتحها، وفيها وجهان، أحدهما: أنها فتحة بناء
وذلك أنَّه فاعل كحاله في القراءة المشهورة، وإنما بُني على الفتح لإِضافته
إلى غير متمكن كقوله تعالى: ((إنه لحقٌ مثلَ ما(٣) أنكم)» وكقوله(٤):
٢٦٩٩- لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرَأَنْ نَطقَتْ حَمامَةٌ فِي غُصون ذاتٍ أَوْقَالٍ
وقد تقدَّم تحقيقُ هذه القاعدةِ في الأنعام. والثاني: أنه نعتٌ لمصدر
محذوف فالفتحة للإِعراب، والفاعلُ على هذا مضمرٌ يفسره سياقُ الكلام،
أي: يصيبكم العذاب إصابةً مثلَ ما أصابَ.
قوله: ((ببعيد)) أتى بـ (بعيد)) مفرداً وإن كان خبراً عن جمعٍ لأحد أوجهٍ :
إمَّا لحذف مضاف تقديرُه: وما إهلاك قومٍ ، وإمَّا باعتبار زمان، أي: بزمانٍ
بعيد، وإما باعتبار مكان، أي: بمكان بعيد، وإمَّا باعتبار موصوفٍ غيرِهما،
أي: بشيءٍ بعيد، كذا قدَّره الزمخشري(٥)، وتبعه الشيخ(٦)، وفيه إشكالُ من
(١) الكشاف: ٢٨٨/٢.
(٢) البحر: ٢٥٥/٥، وقال الزمخشري: ٢٢٨/٢ ((ورويت عن نافع)).
(٣) الآية ٢٣ من سورة الذاريات.
(٤) تقدم برقم ١٩٩٠ .
(٥) الكشاف: ٢٨٨/٢.
(٦) البحر: ٢٥٧/٥.
٣٧٧

- هود -
حيث إنَّ تقديرَه بزمان يلزم فيه الإِخبارُ بالزمان عن الجثّة. وقال الزمخشري(١)
أيضاً: ((ويجوز أن يُسَوَّى في ((قريب)) و((بعيد)) و((قليل)) و((كثير)) بين المذكر:
والمؤنث لورودِها على زِنَّةِ المصادر التي هي كالصَّهيل والنهيق ونحوهما)).
آ. (٩٠): والوَدُود بناءُ مبالغة مِنْ وَدَّ الشيءَ يَوَدُّه وُدّاً، ووِداداً، ووِدادَةً
ووَدادة أي أَحبَّه وآثره. والمشهور وَدِدْت بكسر العين، وسمع الكسائي وَدَدْت
بفتحها، والودود بمعنى فاعل أي يَوَدُّ عبادَه ويرحمهم. وقيل: بمعنى مفعول :
بمعنى أن عبادَه يحبُّونه ويُوادُّون أولياءَه، فهم بمنزلة ((الموادُّ) مجازاً.
آ. (٩١) والرَّهْط جماعةُ الرجل. وقيل: الرَّهْط والرَّاهطِ لِما دون
العشرة من الرجال، ولا يقع الرَّهْطُ والعَصَب والنَّفَر إلا على الرجال. وقال
الزمخشري(٢): ((من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السبعة)) ويُجْمع على
أَرْهُط، وأَرْهُط على أراهِط قال(٣):
٢٧٠٠ _ يا بُؤْسَ للحَرْب التي
وَضَعَتْ أراهِطَ فاستراحوا
قال الرمَّاني: ((وأصلُ الكلمة من الرَّهْط، وهو الشدُّ، ومنه (التَّرْهِيط))
وهو شدَّةُ الأكل)) والرَّاهِطاء اسم لجُحْر من جِحَرة اليَرْبوع لأنه يَتَوَثَّقُ به وَيَحْيَا
فيه أولاده.
قوله: ((وما أنت علينا بعزيز)) قال الزمخشري(٤): ((وقد دلُّ إيلاءُ ضميرِه
حرفَ النفي على أنَّ الكلامَ واقعٌ في الفاعل لا في المفعول(٥) كأنه قيل:
(١) الكشاف: ٢٨٨/٢
(٢) الكشاف: ٢٨٩/٢ .
(٣) البيت لسعد بن مالك وهو في الكتاب: ٣١٥/١، واللسان رهط؛ والخصائص:
١٠٢/٣؛ والمحتسب: ٩٣/٢؛ وأمالي الشجري: ٢٥٧/١؛ وابن يعيش: ١٠/٢.
(٤) الكشاف: ٢٨٩/٢
(٥) الكشاف: لا في الفعل.
٣٧٨

- هود -
وما أنت بعزيزِ علينا بل رَهْطُك هم الأعزّة علينا، فلذلك قال في جوابهم:
(أرهْطي أعزُّ عليكم من اللَّه)) ولو قيل: ((وما عَزَزْتَ علينا)) لم يصحَّ هذا
الجواب)).
آ. (٩٢) قوله تعالى: ﴿اَخَذْتُمُوه﴾: يجوز أن تكونَ المتعدية لاثنين،
أولهما الهاء، والثاني ((ظِهْرِيًّا)). ويجوز أنْ يكونَ الثاني هو الظرف و ((ظِهْرِيًّا))
حالٌ، وأن تكونَ المتعدية لواحد، فيكون ((ظِهْرِيًّا)) حالاً فقط. ويجوز في
((وراءكم) أن يكونَ ظرفاً للاتخاذ، وأن يكونَ حالاً مِنْ ((ظهريًّا))، والضمير في
((اتخذتموه)) يعود على اللَّه؛ لأنهم - يجهلون صفاتِه، فجعلوه - أي: جعلوا
أوامره - ظِهْريًّاً، أي: منبوذَةً وراء ظهورهم.
والظِهْرِيُّ: هو المنسوبُ إلى الظَّهِيْرِ وهو مِنْ تغييرات النسب كما قالوا
في أَمْس: إمْسِيّ بكسر الهمزة، وإلى الدَّهْر: دُهْرِيّ بضم الدال.
وقيل: الضمير يعودُ على العصيان، أي: واتخذتم العصيان عوناً على
عداوتي، فالظُّهْرِيُّ على هذا بمعنى المُعِين المُقَوِّي.
آ. (٩٣) قوله تعالى: ﴿مَنْ يأتيه﴾: قد تقدَّم نظيرُه في قصة نوح.
قال ابن عطية(١) بعد أن حكى عن الفراء(٢) أن تكون موصولةً مفعولةً
بـ ((تَعْلمون))، وأن تكونَ استفهاميةً مبتدأة مُعَلَّقة لـ ((تعلمون)): ((والأول أحسن))
ثم قال: ((ويَقْضي بصلتها أن المعطوفة عليها موصولة لا محالة)). قال
الشيخ(٣): ((لا يتعيَّن ذلك، إذ من الجائز أن تكونَ الثانيةُ استفهاميةٌ أيضاً
معطوفةً على الاستفهامية قبلها، والتقدير: سوف تعلمون أيُّنا يأتيه / عذابٌ، [٤٩٥/ب]
(١) المحرر: ٢١٦/٩.
(٢) معاني القرآن: ٢٦/٢ - ٢٧.
(٣) البحر: ٢٥٧/٥ بعبارة قريبة.
٣٧٩

- هود -
وأيُّنا هو كاذبُ. وقال الزمخشري (١): ((فإن قلت: أُّ فَرْقٍ بين إدخالِ الفاء
ونَزْعها في «سوف تعلمون)»؟ قلت: إدخالُ الفاءِ وَصْلٌ ظاهر بحرفٍ موضوعٍ
للوصل، ونَزْعُها وَصْلُ خفيٍّ تقديريٌّ بالاستئناف الذي هو جوابٌ لسؤال مقدر
كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عَمِلْنا نحن على مكانتنا وعَمِلْتَ أنت على
مكانتك؟ فقيل: سوف تعلمون، فَوَصَلَ تارةً بالفاء وتارةً بالاستئناف للتفنن في
البلاغة، كما هو عادةُ البلغاء من العرب، وأقوى الوصلين وأبلغُهما الاستئنافُ،
وهو بابٌ من علم البيان تتكاثرُ محاسِنُه)».
آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿وَلَّا جاء أَمْرُنا﴾: قال الزمخشري (٢): ((فإن
قلت: ما بال ساقَتَي قصة عاد وقصة مَذْين جاءتا بالواو، والساقتان الوُسْطَيان
بالفاء(٣)؟ قلت: قد وقعتْ الوُسْطَيان بعد ذِكْر الوعد، وذلك قوله ((إنَّ موعدَهم
الصُّبْحُ))، ((ذلك وعدٌ غيرُ مكذوب)) فجاء بالفاء التي للتسبُّب كما تقول:
((وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت))، وأمَّا الْأُخْرَيان فلم تقعا بتلك
المنزلة، وإنما وقعتا مبتدأتين فكان حقُّهما أن تُعْطَفا بحرف الجمع على
ما قبلهما، كما تُعْطَفُ قصة على قصة))، وهذا من غُرَر كلام الزمخشري . ..
آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿كما بَعِدت﴾: العامَّة على كَسْر العين من بَعِد
يَبْعَد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هَلَكَ. قال(٤).
٢٧٠١ - يَقُولون لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنونه ولا بُعْدَ إلا ما تُواري الصفائحُ
أرادت العرب أن تُفَرِّق بين المعنيين بتغيير البناء فقالوا: بَعُد بالضم ضد
القرب، وبَعِد بالكسر ضد السَلامة، والمصدرُ الْبَعَد بالفتح في العين .
(١) الكشاف: ٢٨٩/٢.
(٢) الكشاف: ٢٩٠/٢
(٣) الآية ٥٨ بالواو. والآية ٦٦ بالفاء. والآية ٨٢ بالفاء. والآية ٩٤ بالواو.
(٤) تقدم برقم ٢٦٦٨ .
٣٨٠