Indexed OCR Text

Pages 321-340

- هود -
مرة. وفي غضون كلام الشيخ(١) ((وللمعتزليَّ أن يقول: لا يتعيَّن أن تكون
(إنْ) شرطيةً بل هي نافيةٌ، والمعنى: ما كان اللَّه يريد أن يُغْويكم)). قلت:
لا أظنُّ أحداً يرضى بهذه المقالة وإن كانت توافق مذهبه.
أ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿فعليَّ إِجْرامي﴾: مبتدأ وخبرٌ أو فعلٌ وفاعل.
والجمهورُ على كسرٍ همزة ((إجرامي)) وهو مصدر أجرم، وأجرم هو الفاشي،
ويجوز جَرَمَ ثلاثياً وأنشدوا(٢):
بما جَرَمت يَدِي وجَنَّى لساني
٢٦٥٨ - طَرِيدُ عشيرةٍ ورهينُ ذَنْبٍ
وقُرىء في الشاذ(٣) ((أجرامي)) بفتحها، حكاه النحاس (٤)، وخَرَّجه على
أنه جمعُ جُرْم كَقُفْل وأَقْفال، والمراد آثامي .
آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿وأُوحِي﴾: الجمهور على ((أُوحِي)) مبنياً
للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعل ((أنه لن يؤمن)) أي: أُوحي إليه عدمُ إِيمان
بعض. وقرأ أبو البرهسم(٥) (أوحى)) مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، ((إنه))
بكسر الهمزة. وفيها وجهان أحدهما : - وهو أصلٌ للبصريين - أنه على إجراء
الإِيحاء مُجْرى القول.
وقوله: ((فلا تَبْتئس)) هو تَفْتَعِل من البُؤْس ومعناه الحزنُ في استكانة،
(١) البحر: ٢١٩/٥.
(٢) البيت لأحد لصوص بني سعد واسمه الهيردان وترجمته في معجم المرزباني: ٤٨٨.
والبيت في اللسان جرم؛ ومجاز القرآن: ٢٨٨/١؛ والقرطبي ٢٩/٩. وجّرَم من باب
ضرب .
(٣) قال في الشواذ: ٦٠ «حكاه الفراء)).
(٤) في إعراب النحاس: ٨٩/٢ ذكر ((أجرام)» لغةً ولم يقل إنها قراءة شاذة.
(٥) البحر: ٢٢٠/٥.
٣٢١

- هود -
ويقال: ابتأسَ فلانٌ أي: بلغه ما يَكْرهه قال(١):
منه وأقْعُدْ كريماً ناعمَ البالِ
٢٦٥٩ - ما يَقْسِمِ اللَّهُ أَقْبَلْ غیرَ مُبْتَئِسٍ
/ وقال آخر (٢):
[١/٤٨٧]
٢٦٦٠ - وكم مِنْ خليلٍ أو حَميمٍ رُزِثْتُه
فلم نَبْتَئِسِ والرُّزْء فيه جَليل
آ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿بأعيننا﴾: حالٌ من فاعل ((اصنع)» أي:
محفوظاً بأعيننا، وهو مجازٌ عن كلام اللَّه له بالحفظ. وقيل: المراد بهم
الملائكة تشبيهاً لهم بعيون الناس أي: الذين يتفقَّدون الأخبار، والجمع حينئذ
حقيقةٌ. وقرأ طلحة(٣) بن مصرف ((بأعيِّنَّا)) مدغمة.
۔۔
آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿وكلما مرَّ﴾: العامل في ((كلما)) ((سخر)»،
و((قال)) مستأنف؛ إذْ هو جواب السؤال سائل. وقيل: بل العامل في («كلما)):
((قال)، و((سخروا)) على هذا: إمَّا صفة لَمَلأ، وإمَّ بدلٌ مِنْ ((مرَّ)، وهو بعيدٌ
جداً، إذ ليس ((سَخِرَ) نوعاً من المرور ولا هو هو فكيف يُبدل منه؟ والجملةُ من
قوله ((كلما)) إلى آخره في محلِّ نصب على الحال أي: يصنع الفلك والحالُ
أنه كلما مرَّ.
آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿مَنْ يأتيه﴾: في ((مَنْ)) وجهان، أحدهما: أن
تكونَ موصولةً. والثاني: أن تكونَ استفهاميةً، وعلى كلا التقديرين:
فـ ((تعلمون)): إمَّا من باب اليقين فتتعدَّى لاثنين، وإمَّا من باب العرفان فتتعدَّى
الواحد. فإذا كانت هذه عرفانيةً و((مَنْ)) استفهامية كانت ((مَنْ)) وما بعدها سادَّة
مسدَّ مفعول واحد، وإن كانَتْ متعديةً لاثنين كانت سادَّة مُسَدَّ المفعولين، وإذا
(١) البيت لحسان وهو في ديوانه ٣١٤/١؛ واللسان بئس؛ والبحر ٢٢٠/٥.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي: ٣٠/٩؛ والبحر: ٢٢٠/٥.
(٣) المحرر: ١٤٤/٩؛ البحر: ٢٢٠/٥.
٣٢٢

- هود -
كانت ((تعلمون)) متعديةً لاثنين و ((مَنْ)) موصولة كانت في موضع المفعول
الأول، والثاني محذوف. قال ابن عطية(١): ((وجائز أن تكونَ المتعديةَ إلى
مفعولين، واقتصر على الواحد)) وهذه العبارةُ ليست جيدةً؛ لأن الاقتصَارَ في
هذا الباب على أحد المفعولين لا يجوز؛ لِما تقرَّر غيرَ مرة من أنهما مبتدأ وخبر
في الأصل، وأمَّ حَذْفُ الاختصار فهو ممتنعٌ أيضاً، إذ لا دليلَ على ذلك. وإن
كانت متعديةً لواحد و ((مَنْ)) موصولةٌ فأمرُها واضح .
وحكى الزهراوي: ((ويَحُلُّ)) بضم الحاء بمعنى يجب.
و ((التنور)) معروفٌ. وقيل: هووجهُ الأرض. وهل أل فيه للعهد
أو للجنس؟ ووزنَ تُنُور قيل: تَفْعُول مِنْ لفظ النور فقُلبت الواوُ الأولى همزةً
لانضمامِها، ثم حُذِفت تخفيفاً، ثم شددوا النون كالعوضِ عن المحذوف،
ويُعْزَى هذا الثعلب. وقيل: وزنه فَعُول ويُعْزى لأبي علي الفارسي. وقيل:
هو أعجمي وعلى هذا فلا اشتقاقَ له. والمشهورُ أنه مما اتَّفق فيه لغة العرب
والعجم كالصابون .
آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿مِنْ كل زوجين﴾: قرأ العامة بإضافة ((كل))
الزوجين. وقرأ حفص(٢) بتنوين ((كل)). فأمَّا العامَّة فقيل: إن مفعول ((احمل))
((اثنين)) و ((من كلِّ زوجين)) في محل نصب على الحال من المفعول لأنه كان
صفةً للنكرة فلما قُدِّم عليها نُصب حالاً. وقيل: بل ((مِنْ)) زائدة، و((كل))
مفعول به، و((اثنين)» نعت لزوجين على التأكيد، وهذا إنما يتمُّ على قول مَنْ
يرى زيادةَ (مِنْ)) مطلقاً، أو في كلامٍ موجب. وقيل: قوله: ((زوجين)) بمعنى
العموم أي: من كل ما لَه ازدواجٌ، هذا معنى قوله: ((من كلُّ زوجين)» وهو قول
(١) المحرر: ١٤٧/٩.
(٢) السبعة: ٣٣٣؛ البحر ٢٢٢/٥؛ التيسير: ١٢٤؛ الحجة: ٣٣٩.
٣٢٣

- هود-
الفارسي(١) وغيره. قال ابن عطية(٢): ((ولو كان المعنى: احمل فيها من كل
زوجين حاصلين اثنين لوجب أن يَحْمل من كلِّ نوعِ أربعةً، والزوج في
مشهور کلامهم للواحد مما له ازدواجٌ».
وأمَّا قراءة حفص فمعناها من كل حيوان، و((زوجين)) مفعول به،
و((اثنين)) نعتٌ على التأكيد، و((مِنْ كلٍ)) على هذه القراءة يجوز أن يتعلق
بـ ((احمل)) وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنها حال من ((زوجين))
وهذا الخلافُ والتخريجُ جاريان أيضاً في سورة ((قد أفلح))(٣).
قوله: ((وأهلَك)) نسق على ((اثنين)) في قراءة مَنْ أضاف ((كل) لزوجين،
وعلى ((زوجين)) في قراءة مَنْ نَوَّن ((كلََّ)) وقولُه: ((إلا مَنْ سَبَق)) استثناءٌ متصل
في موجَب، فهو واجبُ النصب على المشهور.
وقوله: ((ومَنْ آمَن)) مفعول به نسقاً على مفعول ((احمِلْ)).
آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿وقال﴾: يجوز أن يكون الفاعلُ ضميرٌ نوح
عليه السلام، ويجوز أن يكونُ ضمير الباري تعالى أي: وقال اللَّه لنوح ومَنْ
معه. و((فيها)) متعلقٌ بـ (اركبوا)) وعُدِّي بـ ((في)) لتضمُّنه معنى ((ادخلوا فيها
راكبين)) أو سيروا فيها. وقيل: تقديره: اركبوا الماء فيها. وقيل: ((في)) زائدةٌ
للتوكيد .
قوله: (بسم اللَّه)) يجوز أن يكونَ هذا الجار والمجرور حالاً من فاعل
(ركبوا)) أو مِنْ ((ها)) في ((فيها))، ويكون ((مجراها)) و ((مرساها)) فاعلين بالاستقرار:
الذي تَضَمَّنه الجارُّ لوقوعه حالاً. ويجوز أن يكونَ («بسم الله)) خبراً مقدماً،
(١) الحجة (خ): ٢٠٠/٣.
(٢) المحرر: ١٤٩/٩.
(٣) الآية ٢٧ من سورة ((المؤمنون)). وانظر: السبعة ٤٤٥.
٣٢٤

- هود -
و((مَجْراها)) / مبتدأُ مؤخراً، والجملة أيضاً حالٌ مما تقدَّم، وهي على [٤٨٧/ب]
كلا التقديرين حالٌ مقدَّرةٌ كذا أعربه أبو البقاء (١) وغيرُه. إلا أنَّ مكيّاً(٢) منع
ذلك لخلوِّ الجملة من ضمير يعود على ذي الحال إذا أَعْرَبْنا الجملةَ أو الجارَّ
حالاً من فاعل ((اركبوا)) قال: ((ولا يَحْسُنُ أن تكونَ هذه الجملةُ حالاً من فاعل
(ركبوا)) لأنه لا عائدَ في الجملةِ يعودُ على المضمر في ((اركبوا))؛ لأن المضمرّ
في ((بسم اللَّه)) إنْ جَعَلْتَه خبراً لـ ((مَجْراها)» فإنما يعود على المبتدأ
وهو مجراها، وإن رَفَعْتَ ((مجراها)» بالظرفِ لم يكن فيه ضميرُ الهاء في
(مجراها)) وإنما(٣) تعود على الضمير في ((فيها))، وإذا نَصَبْتَ ((مجراها)) على
الظرفِ عَمِل فيه ((بسم الله))، وكانت الجملةُ حالاً من فاعل ((اركبوا)).
وقيل: ((بسم اللَّه)) حال من فاعل ((اركبوا)) ومَجْراها ومُرْساها في موضع
الظرف المكاني أو الزماني، والتقدير: اركبوا فيها مُسَمِّين موضعَ جريانها
ورُسُوِّها، أو وقتَ جريانِها ورسوِّها. والعامل في هذين الطرفين حينئذٍ
ما تضمَّنه ((بسم الله)) من الاستقرار، والتقدير: اركبوا فيها متبرِّكين باسم الله
في هذين المكانين أو الوقتين. قال مكي(٤): ((ولا يجوزُ أن يكونَ العاملُ فيهما
((ركبوا)) لأنه لم يُرِدْ: اركبوا فيها في وقت الجَرْي والرسُوِّ، إنما المعنى: سَمُوا
اسمَ اللَّه في وقت الجَرْي والرسوِّ).
ويجوزُ أيضاً أن يكون ((مَجْراها ومُرْساها)) مصدرين، و ((بسم الله)) حالٌ
كما تقدَّم، رافعاً لهذين المصدرين على الفاعلين أي: استقرَّ بسم اللَّه
إجراؤها وإرساؤها، ولا يكون الجارُّ حينئذٍ إلا حالاً من ((ها)» في ((فيها)» لوجود
(١) الإملاء: ٣٨/٢. وقوله: ((أعربه أبو البقاء)) مخروم في الأصل.
(٢) المشكل: ٤٠١/١.
(٣) عبارة المشكل: (والهاء في مجراها إنما تعود)).
(٤) المشكل: ٤٠١/١، بعبارة قريبة .
٣٢٥

- هود -
الرابط، ولا يكون حالاً من فاعل ((اركبوا)) لعدمِ الرابط. وعلى هذه الأعاريبِ
يكون الكلامُ جملةً واحدةً. ويجوز أن يكون ((بسم اللَّه مَجْرَاها ومُرْساها)»
جملةٌ مستأنفة لا تعلُّق لها بالأولى من حيث الإِعراب، ويكون قد أمرهم في
الجملة الأولى بالركوب، وأخبر أن مجراها ومُرْساها باسم اللَّه، وفي التفسير:
كان إذا قال: ((بسم اللَّه)) وقَفَتْ، وإذا قالها جَرَتْ عند إرادته ذلك، فالجملتان
محكّتان بـ «قال)).
وقرأ(١) الأخوان وحفص ((مَجْراها)) بفتح الميم والباقون بضمها. واتفق
السبعة على ضمّ ميم ((مُرْساها)). وقد قرأ(٢) ابن مسعود وعيسى الثقفي
وزيد بن علي والأعمش ((مَرْساها)) بفتح الميم أيضاً. فالضمُّ فيهما لأنهما مِنْ أَجْرِى
وأرسى، والفتح لأنهما مِنْ جَرَتْ وَرَسَتْ وهما: إمَّا ظرفا زمان أو مكان
أو مصدران، على ما سبق من التقادير.
وقرأ(٣) الضحاك والنخعي وابن وثاب ومجاهد وأبو رجاء والكلبي
والجحدري وابن جندب (٤) ((مُجْرِيها ومُرْسِيها)) بكسر الراء(٥) بعدهما: ياء
صريحة، وهما اسما فاعلَيْنَ مِنْ أجرى وأَرْسى، وتخريجُهما على أنهما بدلان
من اسم اللّه. وقال ابن عطية(٦) وأبو البقاء(٧) ومكي (٨): إنهما نعتان للَّه
تعالى، وهذا الذي ذكروه إنما يتمُّ على تقديرٍ كونهما معرفتين بتمحض
(١) السبعة: ٣٣٣؛ التيسير: ١٢٤؛ البحر: ٢٢٥/٥؛ الحجة: ٣٤٠.
(٢) الإِتحاف: ٢٥٦؛ البحر: ٢٢٥/٥؛ الكشاف: ٢٦٩/٢.
(٣) الإِتحاف: ٢٥٦؛ البحر: ٢٢٥/٥؛ الكشاف: ٢٦٩/٢.
(٤) وهو مسلم بن جندب وتقدمت ترجمته.
(٥) في مجريها، وكسر السين في مرسيها.
(٦) المحرر: ١٥٣/٩.
(٧) الإِملاء: ٣٩/٢.
(٨) المشكل: ٤٠٣/١
٣٢٦

- هود -
الإِضافة وقد قال الخليل: ((إنَّ كلَّ إضافةٍ غيرُ محضةٍ قد تُجْعلِ مَحْضة
إلا إضافةً الصفة المشبهة فلا تتمخَّض)».
وقال مكي(١): ((ولو جُعِلت ((مجراها)) و((مرساها)) في موضع اسم
الفاعل لكانت حالاً مقدرة، ولجازَ ذلك ولَجَعَلْتَها في موضع نصبٍ على الحال
من اسم اللَّه تعالى)) قلت: وقد طَوَّل مكي - رحمه اللَّه تعالى - كلامه في
هذه المسألة، وقال(٢) في آخرها: ((وهذه المسألةُ يُوقف فيها على جميع
ما كان في الكلام والقرآن مِنْ نظيرها، وذلك لمَنْ فَهمها حقَّ فَهْما وتدبَّرِها حَقَّ
تدبُرها فهي من غُرَر المسائِلِ الْمُشْكلة)).
قوله: ((وهي تَجْري)) في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مستأنفةٌ
أخبر اللَّه تعالى عن السفينة بذلك. والثاني: أنها في محلّ نصبٍ على الحال
من الضمير المستتر في ((بسم اللَّه)) أي: جريانها استقرَّ بسم اللَّه حالَ كونِها
جارية. والثالث: أنها حالٌ مِنْ شيءٍ محذوفٍ تضمَّنته جملةٌ دَلَّ عليها سياقُ
الكلام. قال الزمخشري (٣): ((فإن قلت: بِمَ اتصل قوله: ((وهي تجري بهم)»؟
قلت: بمحذوفٍ دلَّ عليه قوله ((اركبوا فيها بسم اللَّه)) كأنه قيل: فركبوا فيها
يقولون: بسم الله وهي تجري بهم)).
وقوله: ((بهم)) يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلَّق بـ ((تَجْري)).
والثاني : أنه متعلقٌ بمحذوفٍ أي: تجري ملتبسةً بهم، ولذلك فَسِّره
الزمخشري(٤) بقوله: ((أي: تجري وهم فيها)).
(١) المشكل: ٤٠٢/١.
(٢) المشكل: ٤٠٢/١.
(٣) الكشاف: ٢ /٢٧٠.
(٤) الكشاف: ٢٧٠/٢.
٣٢٧

- هود -
والرُّسُوُّ: الثبات والاستقرار، يقال: رَسَا يَرْسُو وأَرْسَيْتُه أنا. قال(١).
٢٦٦١ - فَصَبَرْتُ نَفْساً عند ذلك حُرَّةً تَرْسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ
أي: تثبت وتستقرُّ عندما تضطربُ وتتحرك نفسُ الجبان.
آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿كالجبال﴾: صفةٌ لـ ((مَوْج)). قوله: ((نوحُ ابنَه))
[٤٨٨/أ] الجمهورُ على كسر ثنوين ((نوح)) لالتقاء الساكنين. وقرأ(٢) وكيع / بضمِّه اتباعاً.
لحركة الإعراب. واسْتَرْذَلَ أبو حاتم هذه القراءة وقال: ((هي لغة سوء لا تُعرف)».
وقرأ العامة ((ابنه)» بوصل هاء الكناية بواو، وهي اللغةُ الفصيحةُ الفاشية.
وقرأ ابن(٣) عباس بسكون الهاء. قال بعضهم: ((هذا مخصوصٌ بالضرورة
وأنشد (٤):
٢٦٦٢ - وأَشْربُ المَاء ما بيْ نحوَه عَطَشٌ إلا لأنَّ عيونَهْ سيلُ واديها
:
وبعضُهم لا يَخُصُّه بها. وقال ابن عطية (٥): إنها لغةٌ لأُزْد السراة ومنه
قوله(٦) :
ومِطُوايَ مُشْتاقان لَهْ أَرِقَانٍ.
٢٦٦٣ -
وقال بعضهم: ((هي لغة عُقَيل وبني كلاب)).
(١) البيت لعنترة وهو في ديوانه: ٢٦٤؛ والمحرر: ١٥٣/٩؛ والبحر: ٢٢٤/٥.
(٢) البحر: ٢٢٦/٥؛ المحرر: ١٥٥/٩. ووكيع بن الجراح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة
حافظ عابد. توفي سنة ٩٧. انظر: تقريب التهذيب: ٥٨١.
(٣) انظر في قراءاتها: أالبحر: ٢٢٦/٥؛ الكشاف: ٢٧٠/٢؛ الشواذ: ٦٠.
(٤) تقدم برقم: ١٣٣٦.
(٥) المحرر: ١٥٤/٩
(٦) تقدم برقم: ١٣٣٧.
٣٢٨

- هود -
وقرأ السدي: ((ابناهْ)) بألف وهاء السكت. قال ابن جني(1): ((وهو على
النداء)». وقال أبو البقاء(٢): ((ابناه: على التّرَِّّي(٣) وليس بندبة، لأنَّ الندبةَ
لا تكون بالهمزة» وهو كلامٌ مُشْكِلٌ في نفسه، وأين الهمزةُ هنا؟ إن عَنَى همزةً
النداءِ فلا نسلِّم أن المقدَّرَ مِنْ حروف النداء هو الهمزة، لأنَّ النحاةَ نصُّوا على
أنه لا يُضْمر من حروف النداء إلا ((يا)» لأنها أمُّ الباب. وقوله: ((التربّي)»
هو قريب في المعنى من الندبة. وقد نَصُّوا على أنه لا يجوز حَذْفُ النداء من
المندوب وهذا شبيه به.
وقرأ عليٍّ عليه السلام: ((ابنها)) إضافة إلى امرأته كأنه اعتبرَ قولَه ((ليس
من أهلك))، وقوله: ((ابني)) و((من أهلي)) لا يدلُّ له لاحتمال أن يكونَ ذلك
لأجل الحنوّ، وهو قول الحسن وجماعة.
وقرأ محمد بن علي وعروة والزبير: ((ابْنَهَ)) بهاء مفتوحة دون ألف، وهي
كالقراءةِ قبلَها، إلا أنه حَذَفَ ألف ((ها)) مُجْتزئاً عنها بالفتحة، كما تُحذف الياءُ
مُجْتَزَاً عنها بالكسرة. قال ابن عطية (٤): ((هي لغة)) وأنشد(٥):
٢٦٦٤- أمّا تقودُ بها شاةً فتأكلُها أو أنْ تبيعَهَ في بعض الأراكيبِ
يريد: ((تبيعَها)) فاجتزا بالفتحة عن الألف، كما اجتزأ الآخر عنها في
قوله(٦) : - أنشده ابن الأعرابي على ذلك - .
(١) المحتسب: ٣٢٢/١.
(٢) الإملاء: ٣٩/٢.
(٣) ضرب من ندبة الميت. وفي الحديث: أنه نهى عن الترثي. انظر: اللسان ((رنا)).
(٤) المحرر: ٩ /١٥٤.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان ركب والخزانة: ٤٠٢/٢؛ وشواهد الشافية: ٢٤٠؛
ورصف المباني: ١٥.
(٦) تقدم برقم: ٤٦٨.
٣٢٩

- هود -
٢٦٦٥- فلستُ براجعٍ منا فات مني
بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لوَآني
يريد: يا لَهْفا، فحذف، وهذا يخصُّه بعضهم بالضرورة، ويمنع في
السَّعة يا غلامَ في يا غلاما. قلت: وسيأتي في نحو: ((يا أبتَ)) بالفتح: هل ثَمَّ
ألفٌ محذوفة أم لا؟ وتقدم لنا خلاف في نحو: يابنَ أُمَّ ويابنَ عَمَّ : هل ثَمَّ
ألفٌ محذوفة مجتزاً عنها بالفتحة أم لا؟ فهذا أيضاً كذلك، ولكن الظاهرَ عِدمُ
اقتياسه. وقد خطَأ النحاس(١) أبا حاتم في حَذْفِ هذه الألفِ، وفيه نظرٌ.
قوله: ((وكان في مَعْزِل)) جملةٌ في موضع نصب على الحال، وصاحبُها
هو ((ابنه))، والحالُ تأتي مِن المنادى لأنه مفعول. والمَعْزِل بكسر الزاي اسم
مكان العزلة، وكذلك اسم الزمان أيضاً، وبالفتح هو المصدر. قال
أبو البقاء(٢): ((ولم أعلم أحداً قرأ بالفتح)). قلت: لأنَّ المصدر ليس حاوياً له
ولا ظرفَه، فکیف یُقرأ به إلا بمجاز بعيد؟
وقرأ(٣) البزي وقالون وخلاد بإظهار ياء (اركب)) قبل ميم ((معنا)) بخلافٍ
عنهم، والباقون بالإِدغام. وقرأ عاصم هنا ((يا بنيَّ)) بفتح الياء. وأمَّا في غير
هذه السورة فإن حفصاً عنه فَعَلَ ذلك، والباقون بكسر الياء في جميع القرآن
إلا ابنَ كثير فإِنه في الأول من لقمان(٤) وهو قوله: ((لا تُشْرِكْ باللَّه)) فإنه سكّنه
وصلاً ووقفاً، وفي الثاني(٥) كغيره أعني أنه يكسر ياءه، وحفص على أصله
من فتحه. وفي الثالث وهو قولُه: ((يا بني أقم الصلاة))(٦) اختُلِف عنه، فروى
:
(١) إعراب القرآن: ٩٢/٢.
(٢) الإملاء: ٣٩/٢.
(٣) النشر: ١١/٢؛ الإتحاف: ٢٥٦؛ الكشف لمكي: ٥٢٩/١.
(٤) الآية ١٣.
(٥) الآية ١٦.
(٦) الآية ١٧ .
٣٣٠

- هود -
عنه البزي كحفصٍ، وروى عنه قنبل السكون كالأول. هذا ضبطُ القراءة.
وأمَّا تخريجُها فَمَنْ فتح فقيل: أصلها: يا بُنّيًّا بالألف فحُذِفت الألفُ
تخفيفاً، اجْتَزَأً عنها بالفتحة، وقد تقدَّم من ذلك أمثلةٌ كثيرة. وقيل بل حُذِفت
لالتقاء الساكنين؛ لأنها وقع بعدها راءُ ((اركب)) وهذا تعليلٌ فاسدٌ جداً، بدليل
سقوطها في سورة لقمان في ثلاثة مواضعَ حيث لا ساكنان. وكأن هذا المُعَلِّلَ
لم يَعْلم بقراءة عاصم في غيرِ هذه السورة، ولا بقراءةِ البزي للأخير في
لقمان(١)، وقد نَّقَل ذلك أبو البقاء(٢) ولم يُنْكِرْه.
وأمَّا مَنْ كَسَرَ فَحُذِفَتِ الياءُ أيضاً: إمّا تخفيفاً وهو الصحيح، وإمَّا لالتقاءِ
الساكنين، وقد تقدَّم فسادُه. وأمَّا مَنْ سكَّن فلما رأىْ مِنْ الثَّقَل مع مطلق
الحركة، ولا شك أن السكونَ أخفُّ مِنْ أخفِّ الحركات، ولا يقال:
فلِم / وافق ابنُ كثير غيرَ حفصٍ في ثاني لقمان(٣)، ووافق حفصاً في [٤٨٨/ب]
الأخيرة (٤) في رواية البزي عنه، وسكّن الأول(٥)؟ لأنَّ ذلك جَمْعَ بين
اللغات، والمفرِّق آتٍ بِمُحالٍ .
وأصلُ هذه اللفظةِ بثلاثِ ياءات: الأولى للتصغير، والثانيةُ لامُ الكلمة،
وهل هي ياءً بطريق الأصالة أو مُبْدَلةٌ من واو؟ خلافٌ تقدَّم تحقيقُه أولَ هذا
الموضوعِ في لام ((ابن)) ما هي؟، والثالثةُ ياءُ المتكلم مضافٌ إليها، وهي
التي طَرَأَ عليها القلبُ ألفاً ثم الحذفُ، أو الحذفُ وهي ياءً بحالِها.
(١) أي للآية ١٧ من سورة لقمان.
(٢) الإملاء: ٣٩/٢.
(٣) آ. ١٦.
(٤) آ. ١٧ .
(٥) أ. ١٣.
٣٣١

- هود -
: آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿لا عاصمَ اليوم ... ﴾: فيه أقوالٌ، أحدها:
أنه استثناءٌ منقطع، وذلك أن تَجْعَلَ عاصماً على حقيقته، ومَنْ رَحِم
هو المعصوم، وفي (زَّحِم)) ضميرٌ مرفوعٌ يعود على اللَّه تعالى، ومفعولُه ضميرٌ
الموصولِ وهو ((مَنْ)) حُذِف لاستكمالِ الشروط، والتقدير: لا عاصمَ اليَومَ
البتةَ مِنْ أمر الله، لكن مَنْ رَحِمه الله فهو معصوم. الثاني: أن يكونَ المرادُ
بـ ((مَنْ رَحِم)) هو الباري تعالى كأنه قيل: لا عاصمَ اليومَ إلا الراحمَ. الثالث:
أن عاصماً بمعنى مَعْصوم، وفاعِل قد يجيءُ بمعنى مفعول نحو: ماء دافق،
أي: مدفوق، وأنشدوا(١) :.
٢٦٦٦ - بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلا مِ أَمْسى فؤادي به فاتِنا
أي مفتوناً، و((مَنْ)) مرادُ بها المعصومُ، والتقدير: لا معصومَ اليومَ مِنْ
أَمْرِ اللَّه إلا مَنْ رحمه اللّه فإنه يُعْصَم. الرابع: أن يكون ((عاصم)) هنا بمعنى
النَّسَب، أي: ذا عِصْمة نحو: لابن وتامر، وذو العصمة ينطلق على العاصم
وعلى المعصوم، والمرادُ به هنا المَعْصوم.
وهو على هذه التقاديرِ استثناءٌ متصلٌ، وقد جعله الزمخشري(٢) متصلاً
لَمَدْرك آخرَ، وهو حذفُ مضافٍ تقديرُه: لا يعصمك اليومَ معتصِمٌ قطَ مِنْ
جبلٍ ونحوه سوى معتصمٍ واحد، وهو مكان مَن رحمهم اللَّه ونجَّاهم، يعني
في السفينة)).
وأمَّا خبرُ ((لا)) فَالأحسنُ أن يُجْعلِ محذوفاً، وذلك لأنه إذا دلَّ عليه دليلٌ
وَجَبَ حذفُه عند تميم، وكَثُر عند الحجاز، والتقدير: لا عاصمَ موجودٌ. وَجَوَّز :
الحوفي وابن عطية (٣) أن يكون خبرُها هو الظرف وهو اليوم. قال الحوفي:
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر: ٢٢٧/٥.
(٢) الكشاف: ٢٧١/٢ .
(٣) المحرر: ١٥٧/٩.
٣٣٢

- هود -
((ويجوز أن يكونَ ((اليوم)) خبراً فيتعلَّق بالاستقرار، وبه يتعلق ((من أمر اللَّه)). وقد
رَدَّ أبو البقاء ذلك فقال(١): ((فأمَّا خبرُ ((لا)) فلا يجوز أن يكونَ ((اليوم))؛ لأنَّ
ظرفَ الزمان لا يكون خبراً عن الجثة، بل الخبر ((من أمر اللَّه)) و((اليوم))
معمولُ ((مِنْ أَمر اللَّه)).
وأمَّا ((اليوم)) و(مُنْ أمر الله)) فقد تَقَدَّم أن بعضهم جَعَلَ أحدَها خبراً،
فيتعلَّقُ الآخر بالاستقرار الذي يتضمنَّه الواقعُ خبراً. ويجوز في ((اليوم)» أن
يتعلَّقَ بنفس ((مِنْ أمر اللَّه)) لكونه بمعنى الفعل. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ
((اليوم)) نعتاً لـ ((عاصم))، وهو فاسدٌ بما أفسدَ بوقوعِه خبراً عن الجثث.
وقُرىء ((إلا مَنْ رُحِم))(٢) مبنياً للمفعول، وهي مقويةٌ لقولٍ مَنْ يَدَّعي أنَّ
((مَنْ رَحِم)) في قراءة العامة المرادُ به المرحوم لا الراحم، كما تقدَّم تأويلُه.
ولا يجوز أن يكون ((اليوم)) ولا ((مِنْ أمر الله)) متعلّقين بـ((عاصم)) وكذلك
الواحد منهما؛ لأنه كان يكون الاسمُ مطوّلاً، ومتى كان مطوّلاً أُعْرِبَ ، ومتى
أُعرب نُوِّن، ولا عبرةً بخلاف الزجاج: حيث زعم أن اسم ((لا)) معربٌ حُذِف
تنوينُه تخفيفاً.
آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿ابلعي): البَلْع معروفٌ. والفعل منه مكسورُ
العين ومفتوحُها: بَلِع وبَلَع حكاهما الكسائي والفراء. والإقلاع: الإِمساك، ومنه
((أَقْلَعَت الحُمَّى)). وقيل: أقلع عن الشيء، أي: تركه وهو قريبٌ من الأول.
والغَيْضُ: النقصان وفعله لازم ومتعدٍ، فمِن اللازمِ قولُه تعالى: ((وما تَغِيضُ
الأرحامُ))(٣)، أي: تَنْقُص. وقيل: بل هوهنا متعدٍّ أيضاً وسيأتي، ومن
(١) الإملاء: ٣٩/٢.
(٢) البحر: ٢٢٧/٥؛ الكشاف: ٢٧١/٢.
(٣) الآية ٨ من سورة الرعد.
٣٣٣

- هود-
المتعدِّي هذه الآيةُ؛ لأنه لا يُبنى للمفعول مِنْ غير واسطة حرف جر إلا المتعدي
بنفسه .
والجُودِيُّ: جيلٌ بعينه بالمَوْصل. وقيل: بل كل جبل يقال له جُودي
[٤٨٩/أ] ومنه قولُ عمرو بن نفيل(١): /
٢٦٦٧- سبحانه ثم سُبْحاناً نعوذُ به
وقبلَنا سَبَّحِ الجُودِيُّ والجُمُدُ
ولا أدري ما في ذلك مِن الدلالة على أنه عامٌّ في كل جبل. وقرأ
الأعمش(٢) وابن أبي عبلة بتخفيف (الجُوْدِيْ)). قال ابن عطية(٣): ((وهما
لغتان)). والصواب أن يقال: خُفَّفَتْ ياءُ النسب، وإن كان لا يجوزُ ذلك في
كلامهم الفاشي .
قوله ((بُعْداً)) منصوبٌ على المصدر بفعلٍ مقدر، أي: وقيل: أبعدوا
بُعْداً، فهو مصدرٌ بمعنى الدعاء عليهم نحو: جَدْعاً(٤)، يُقال(٥): بَعِد يَبْعَد
بَعَداً(٦) إذا هلك، قال(٧):
٢٦٦٨ - يقولون لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنونه ولا بُعْدَ إلا ما تُواري الصَّفائحُ
واللام إمَّا [أن] تتعلق بفعل محذوف، ويكون على سبيل البيان كما تقدَّم
في نحو ((سَقْياً لك ورَعْياً))، وإمَّا أن تتعلقَ بقيل، أي: لأجلهم هذا القولَ.
(١) البيت لأمية وتقدم برقم ٣٤٩.
(٢) الإِتحاف: ٢٥٦؛ البحر: ٢٢٩/٥؛ المحتسب: ٣٢٣/١.
(٣) المحرر: ١٦٠/٩.
(٤) الجدع: دعاء بقطع الأنف أو الأذن.
(٥) الكشاف: ٢٧١/٢.
(٦) وله ضبطٌ ثان بضم عينه في الماضي والمضارع، وضم فائه وتسكين عينه في المصدر ..
(٧) لم أقف عليه.
٣٣٤

- هود -
قال الزمخشري(١): ((ومجيءُ إخبارِه على الفعلِ المبني للمفعول للدلالة على
الجلال والكبرياء، وأن تلك الأمورَ العظامَ لا تكون إلا بفعلِ قادرٍ وتكوينٍ
مكوِّنٍ قاهرٍ، وأنَّ فاعلَ هذه الأفعال فاعل واحد لا يُشارَكُ في أفعاله،
فلا يذهبُ الوهمُ إلى أن يقول غيره: يا أرضُ ابلعي ماءك، ولا أن يَقْضي ذلك
الأمر الهائل إلا هو، ولا أَنْ تَسْتوي السفينة على الجوديِّ وتستقر عليه إلا
بتسويته وإقرارِه، ولِما ذَكَّرْنا من المعاني والنُّكَت استفصح علماءُ البيان هذه
الآيةَ ورقصوا لها رؤوسهم لا لتجانُس الكلمتين وهما قوله: ابلعي وأقلعي،
وذلك وإن كان الكلام لا يخلو مِنْ حُسْنٍ فهو كغير الملتفَتِ إليه بإزاء تلك
المحاسن التي هي اللُّبُّ وما عداها قشورٌ)). يعني أن بعض الناس عَدَّ من
فصاحة الآية التجانس فقال: إن هذا ليس بطائل بالنسبة إلى ما ذكر من
المعاني، ولَعَمْري لقد صَدَق.
ولمَّا حكى الشيخ (٢) عنه هذا الكلام الرائع لم يكن جزاؤه عنده إلا
«وأكثرُه خطابة)».
وقول الزمخشري ((ورقَصوا لها رؤوسهم)) يحتمل أن يُريد ما يُحكى أن
جماعةً من بلغاء زمانهم اجتمعوا في الموسم بعرفةَ وتفرَّقوا على أن يُعارِض
كلِّ منهم شيئاً من القرآن ليروزوا(٣) قواهم في الفصاحة، فتفرَّقوا على أن
يجتمعوا في القابل ففتح أحدهم - قيل هو ابن المقفَّع ـ المصحف فَوَجَد
هذه الآية، فكعَّ(٤) لها وأَذْعَنَ، وقال: ((لا يقدر أحدٌ أن يَصْنَعَ مثلَ هذا)).
(١) الكشاف: ٢٧١/١.
(٢) البحر: ٢٢٨/٥.
(٣) راز: اختبر.
(٤) كعَّ: ضَعُف.
٣٣٥

- هود -
آ. (٤٥) قوله تعالى: ﴿فقال﴾: عطفٌ على ((نادى)) قال
الزمخشري(١) ((فإن قلت: وإذا كان النداءُ هو قوله ((رَبّ)) فكيف عطف «فقال
ربِّ)) على ((نادى)) بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداءُ نفسه
لجاء - كما جاء في قوله ((إذا نادَى ربَّه نداءً خفيّا))(٢) - ((قال ربِّ)) بغير فاء)).
أ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿عَمَلٌ غيرُ صالح﴾: قرأ الكسائي (٣) ((عَمِل))
فعلاً ماضياً، و((غيرَ)) نصباً، والباقون ((عَمَلٌ)) بفتح الميمِ وتنوينهِ على أنه
اسمٌ، و((غيرُ)) بالرفع. فقراءةُ الكسائي: الضمير فيها يتعيَّنُ عَوْدُه على
ابن نوح، وفاعل ((عمل)) ضميرٌ يعودُ عليه أيضاً، و ((غيرَ)) مفعول به. ويجوز أن
يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوف، تقديرُه: عَمل عملاً غيرَ صالحٍ كقوله ((واعملوا
صالحاً»(٤).
وأمَّا قراءةُ الباقين ففي الضمير أوجه، أظهرها: أنه عائدٌ على ابنِ نوح،
ويكونُ في الإِخبار عنه بالمصدر المذاهبُ الثلاثةُ في «رجل عدل)». والثاني:
أنه يعود على النداء المفهوم مِنْ قوله ((ونادى))، أي: نداؤك وسؤالُك. وَإِلَىْ
هذا ذهب أبو البقاء(٥) ومكي(٦) والزمخشري(٧). وهذا فيه خطرٌ عظيم، كيف
يُقال ذلك في حقِّ نبي من الأنبياء، فضلاً عن أول رسولٍ أُرْسِل إلى أهل
الأرض من بعدٍ آدم عليهما السلام؟ ولما حكاه أبو القاسم قال(٨): ((وليس
(١) الكشاف: ٢٧٢/٢.
(٢) الآية ٣ من سورة مريم.
(٣) الإتحاف: ٢٥٦؛ البحر: ٢٢٩/٥؛ السبعة: ٣٣٤؛ التيسير: ١٢٥.
(٤) الآية ٥١ من سورة المؤمنون.
(٥) الإِملاء: ٢ /٤٠.
(٦) المشكل: ١/ ٤٠٥.
(٧) الكشاف: ٢٧٣/٢.
(٨) الكشاف: ٢٧٣/٢.
٣٣٦

- هود -
بذاك)) ولقد أصاب. واستدلُّ من قال بذلك أنَّ في حرف عبدالله بن مسعود
(إنه عملٌ غيرُ صالحٍ أن تسألني ما ليس لك به علمٌ)) وهذا مخالفٌ للسَّواد.
الثالث: أنه يعودُ على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله ((اركب
معنا)). الرابع: أنَّه يعودُ على تركه الركوب وكونِه مع المؤمنين، أي: إنَّ تَرْكَه
الركوبَ مع المؤمنين وكونَه مع الكافرين عملٌ غيرُ صالح، وعلى الأوجهِ
الثلاثةِ لا يُحتاج في الإِخبارِ بالمصدر [إلى] تأويلٍ، لأنَّ كليهما
معنى من المعاني، وعلى الوجه الرابع يكون من كلامٍ نوح عليه السلام،
أي: إنَّ نوحاً قال: إنَّ كونَك مع الكافرين وتَرْكَك الركوبَ معنا غيرُ صالح،
بخلاف ما تقدَّم فإنه مِنْ قول اللَّه تعالى فقط، هكذا قال مكي(١) وفيه نظرٌ،
بل الظاهرُ أنَّ الكلِّ مِنْ كلام الله تعالى. قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: هلا
قيل: إنه عملٌ فاسِدٌ. قلت: لَمَّا نفاه عن أهله نَفَى عنه صفتَهم بكلمةِ النفي
التي يستبقي معها لفظً المنفي، وآذن بذلك أنَّه إنما أَنْجِى مَنْ أَنْجى
لصلاحهم لا لأنهم أهلُك.
قوله: ((فلا تَسْأَلْنِ)) قرأ نافع(٣) وابن عامر ((فلا تسألَنُّ) بتشديدِ النون
مكسورةٌ من غير ياء. وابنُ كثير بتشديدها / مع الفتح، وأبو عمرو والكوفيون [٤٨٩/ب]
بنونٍ مكسورةٍ خفيفة، وياءٍ وصلاً [لأبي عمرو] (٤)، ودون ياء في
[الحالين](٥) الكوفيين. وفي الكهف(٦) ((فلا تسألني عن شيء)) قرأه أبو عمرو
(١) المشكل: ١ / ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٢) الكشاف: ٢٧٣/٢.
(٣) البحر: ٢٣٠/٥؛ النشر: ٢٩٢/٢؛ الإتحاف: ٢٥٧؛ التيسير: ١٢٥؛ السبعة:
٣٣٥؛ الكشف: ١/ ٥٣٢.
(٤) لم يظهر في الأصل.
(٥) لم يظهر في الأصل، والحالان: الوصل والوقف.
(٦) الآية ٧٠ ((فلا تسألني عن شيء حتى أُحْدِثَ لك منه ذكرا)) وانظر السبعة: ٣٩٤.
٣٣٧

- هود -
والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابنُ كثير في الكهف، وأمَّا نافعٌ وابن عامر
فكقراءتهما هنا، ولابن ذكوان(١) خلافٌ في ثبوتِ الياء وحَذْفها، وإنما قرأ
ابن كثير التي في هود بالفتح دونَ التي في الكهف؛ لأنَّ الياء في ھود ساقطة
في الرسم، فكانت قراءتُه بفتحِ النون محتملةً بخلاف الكهف فإِنَّ الياءَ ثابتةٌ
في الرسم فلا يُوافِقِ فَيهِ فَتْحُها. وقد تقدَّم خلافُ ابن ذكوان في ثبوتِ الياء في
الكهف.
فَمَنْ خَفَّف النونَ فهي نونُ الوقاية وحَدَها، ومَنْ شدَّدها فهي نون
التوكيد. وابنُ كثير لم يَجْعل في هود الفعلَ متصلاً بياء المتكلم، والباقون
جعلوه، فَلَزِمهم الكسرُ. وقد تقدَّم أنَّ ((سأل)) يتعدى لاثنين أوَّلُهما ياء
المتكلم، والثاني ((ما ليس لك به عِلْمٌ)).
قوله ((أن تكونَ)) على حذف حرف الجر، أي: مِنْ أن تكون أو لأجلِ
أن، وقوله (ما ليس لك به علم)) يجوزُ في ((به)) أن يتعلَّق بـ ((عِلْم)). قال
الفارسي: «ويكونُ مثلَ قوله(٢):
٢٦٦٩- كان جَزائي بالعَصا أن أُجْلَدا
ويجوز أن يتعلَّقَ بالاستقرار الذي تَعَلَّق به (لك))(٣). والباء بمعنى
(في))، أي: ما ليس لك به عِلْمٌ. وفيه نظرٌ.
آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿وإنْ لا تَغْفِرْ﴾: لم تَمْنَعْ ((لا)) من عمل
الجازم كما لم تمنعْ مِنْ عمل الجارِّ في نحو: ((جِئْتُ بلا زادٍ)). قال
أبو البقاء(٤): ((لأنها كالجزء من الفعل وهي غيرُ عاملة في النفي، وهي تنفي
(١) وهو رأو عن ابن عامر.
(٢) تقدم برقم ٧٢٩.
(٣) انظر: البحر: ٢٣٠/٥.
(٤) الإملاء: ٢ /٤٠.
٣٣٨

- هود -
ما في المستقبل، وليس كذلك ((ما)) فإنها تنفي ما في الحال، فلذلك لم يَجُزْ أَنْ
تَدْخُلَ ((إِنْ)) عليها (١).
آ. (٤٨) قوله تعالى: ﴿قيل يا نوحُ﴾: الخلافُ المتقدم في قوله
(وإذا قيل: لهم آمِنوا))(٢) وشبهِه عائدٌ هنا، أي: في كونِ القائمِ مقامَ الفاعل
الجملةَ المحكيةً أو ضميرَ مصدرِ الفعل.
قوله: ((بسلامٍ)) حال من فاعل ((اهبط))، أي: ملتبساً بسلام. و((منا)»
صفةٌ لـ ((سلام)) فيتعلَّق بمحذوف أو هو متعلقٌ بنفسِ سلام، وابتداءُ الغايةِ
مجازٌ، وكذلك ((عليك)) يجوز أن يكونَ صفةً لبركات أو متعلقاً بها.
قوله: ((مِمَّن مَعَكَ)) يجوزُ في (ُّنْ)) أن تكونَ لابتداء الغاية، أي: ناشئة
من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر. ويجوزُ أن تكونَ ((مِنْ))
لبيان الجنس، فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعاتٍ.
وقُرىء (٣) ((اهبُط)) بضم الباء، وقد تقدم أول البقرة. وقرأ الكسائي(٤)
- فيما نُقِل عنه ـ ((وبركة)) بالتوحيد.
قوله: ((وأُمَمّ)) يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ، و((سنمتُّعهم)) خبره، وفي مسوِّغ
الابتداءِ وجهان، أحدهما: الوصفُ التقديري، إذ التقديرُ: وأممٌ منهم، أي:
مَمَّن معك كقولهم ((السَّمْن مَنَوان بدرهم)) فمنوان مبتدأُ وُصِف بـ ((منه)) تقديراً.
والثاني: أنَّ المسوِّغ لذلك التفصيلُ نحو: ((الناسُ رجلان: رجلٌ أَهَنْتُ، وَآخَرُ
(١) وزاد في الإملاء: ((لأن)) إن الشرطية تختصُّ بالمستقبل و((ما)) لنفي الحال)).
(٢) الآية ١٣ من سورة البقرة.
(٣) البحر: ٢٣١/٥؛ الكشاف: ٢٧٤/٢؛ ونسبه في الشواذ: ٦٠ إلى عيسى.
(٤) قال في الشواذ: ٦٠: ((حكاه عبدالعزيز بن يحيى الكناني)» ولم ينسبها في الكشاف:
٢٧٤/٢، وأثبتها رواية عن الكسائي صاحب البحر: ٢٣١/٥.
٣٣٩

۔۔
- هود -
أكرمتُ)) ومنه قولُ امرىء القيس(١):
بشقّ وشِقِّ عندنا لم يُحَوَّل
٢٦٧٠- إذا ما بکی مِنْ خَلْفِها انحرفَتْ له
ويجوز أن يكونَ مرفوعاً بالفاعلية عطفاً على الضمير المستتر في ((اهبط))
وأغنى الفصلُ عن التأكيد بالضمير المنفصل، قاله أبو البقاء (٢) قال الشيخ(٣):
((وهذا التقديرُ والمعنى لا يصلحان، لأن الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما
كانوا مؤمنين لقوله: ((ومَنْ آمنَ)) ولم يكونوا كفَّاراً ومؤمنين، فيكون الكفار
مأمورِين بالهبوط، إلّ إنْ قُدِّر أنَّ مِن المؤمنين مَنْ يكفر بعد الهبوط، وأخبر:
عنهم بالحال التي يَؤُولون إليها فيمكن على بُعْدٍ)). قلت: وقد تقدَّم أنَّ مثلَ
ذلك لا يجوز، في قوله ((اسكُنْ أنت وزوجك))(٤) لأمرٍ صناعي، و ((سنمتُعُهم))
على هذا صفةٌ لـ ((أمم))، والووُ يجوز أن تكونَ للحال. قال الأخفش(٥): ((كما
تقول: ((كلَّمْتُ زيداً وعمروٌ جالس)) ويجوز أن تكونَ لمجردِ النَّسَقِ)).
آ. (٤٩) وقوله تعالى: ﴿تلك مِنْ أنباء الغيب﴾: کقوله: «ذلك من
أنباء الغيب))(٦) في آل عمران. قوله: ((ما كنت تعلَّمُها)) يجوز في هذه الجملةُ :
أن تكونَ حالاً من الكاف في ((إليك))، وأن تكون حالاً من المفعول في
(نُوحِيها)) وأن تكونَ خبراً بعد خبر.
آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هوداً﴾: معطوفان على قوله
((ولقد أرسلنا نوحاً إلی قومه»(٧): مرفوعٌ على مرفوع، ومجرور علی مجرور،
(١) تقدم برقم ٢٢٢ ..
(٢) الإملاء: ٤٠/٢.
(٣) البحر: ٢٣١/٥.
(٤) الآية ٣٥ من سورة البقرة. وانظر الدر المصون: ٢٧٩/١.
(٥) قدَّرها في ((معاني القرآن)) للعطف. انظر: ٣٥٤/٢.
(٦) الآية ٤٤ من سورة آل عمران.
(٧) الآية ٢٥:
٣٤٠