Indexed OCR Text

Pages 301-320

- هود -
وجهان، أحدهما - وهو الظاهر - أنه معطوف على الهاء في «يتلوه))، أي:
يتلوه ويتلو كتابَ موسى، وفصلَ بالجارِّ بين العاطفِ والمعطوف. والثاني: أنه
منصوبٌ بإضمارٍ فعلٍ. قال أبو البقاء (١): ((وقيل: تمَّ الكلامُ عند قولِه (منه))
و ((كتابَ موسى)»، أي: ويتلو كتابَ موسى)» فقدَّر فعلاً مثلَ الملفوظِ به، وكأنه
لم يرَ الفصلَ بين العاطفِ والمعطوفِ فلذلك قَدَّر فعلاً.
و ((إماماً ورحمةً)) منصوبان على الحال من ((كتاب موسى)) سواءً أقرىء
رفعاً أم نصباً.
والهاءُ في ((به)) يجوز أن تعودَ على ((كتاب موسى)) وهو أقربُ مذكورٍ.
وقيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد، وكذلك الهاء في (به))(٢).
والْأَحْزاب: الجماعةُ التي فيها غِلْظَةٌ، كأنهم لكثرتهم وُصِفوا بذلك،
ومنه وَصْفُ حمارِ الوحش بـ ((حَزَابِيَة)) لِغِلَظِه(٣). والأحزاب: جمع حِزْب
وهو جماعةُ الناس.
و((المِرْية)) بكسر الميم وضَمِّها الشكُّ، لغتان أشهرُهما الكسرُ،
وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ جماهيرُ الناس، والضمُّ لغةُ أسد وتميم، وبها
قرأ(٤) السُّلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السدوسي. و((أولئك)) إشارةٌ إِلى مَنْ
كان على بَيِّنة، جُمِع على معناها، وهذا إنْ أريد بـ ((مَنْ كان)) النبيُّ
وصحابته، وإن أريدَ هو وحدَه فيجوز أن يكونَ عظُّمه بإشارة الجمع كقوله(٥):
(١) الإملاء: ٣٦/٢.
(٢) أي الثانية في قوله ((ومن يكفر به)).
(٣) انظر: اللسان حزب.
(٤) الشواذ ٥٩ ونسبها إلى عليّ، ابن عطية: ١٢٤/٩؛ الإتحاف ٢٥٥، البحر: ٢١١/٥.
(٥) تقدم برقم ١٠٢٤.
٣٠١

-هود-
٢٦٤٤ - فإن شِئْتِ خَرَّمْتُ النساءَ سواكمُ وإن شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بْدا
و ((موعده)» اسمُ مكانِ وَعْدِه، قال حسان رضي اللّه عنه (١):
فالنارُ موعدُها والموتُ ساقيها
٢٦٤٥ - أورَدْتُموها حِياضَ الموتِ ضاحيةٌ
آ. (١٨) والْأُشْهاد جمعُ شاهد كصاحب وأَصْحاب، أو جمعُ شهيد
کشریف وأشراف.
آ. (١٩) وقوله تعالى: ﴿وهم بالآخرةِ هم﴾: ((هم)) الثانية توكيدٌ
للأولى توكيداً لفظياً.
آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿ما كانوا يَسْتطيعون﴾: يجوز في ((ما)» هذه
ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ نافيةٌ، نفى عنهم ذلك لمَّا لم ينتفعوا به، وإن
كانوا ذوي أسماع وأبصار، أو يكونُ متعلَّقُ السمع والبصرِ شيئاً خاصاً.
والثاني: أن تكون مصدريةً، وفيها حينئذٍ تأويلان، أحدهما: أنها قائمة مقامَ
الظرف، أي: مدةً استطاعتهم، وتكون ((ما)) منصوبةً بـ ((يُضاعف))، أي:
يضاعف لهم العذاب مدةً استطاعتهم السمعَ والأبصار. والتأويل الثاني: أنها
منصوبةُ المحلِّ على إسقاطِ حرف الجر، كما يُحذف من أنْ وأنَّ أختيها، وإليه :
ذهب الفراء(٢)، وذلك الجارُّ متعلقٌ أيضاً بـ ((يُضاعَف))، أي: يضاعف لهم
يكونهم كانوا يسمعون ويبصرون ولا يَنْتفعون. الثالث: أن تكون ((ما)) بمعنى
الذي، وتكونَ على حذف حرف الجر أيضاً، أي: بالذي كانوا، وفيه بُعْدٌ لأنَّ
حَذْفَ الحرفِ لا يَطّرِد.
والجملةُ من قوله ((يُضاعف)) مستأنفة. وقيل: إنَّ الضمير في قوله:
(١) ديوانه ١٦٦/١، والبحر: ٢١١/٥.
(٢) معاني القرآن: ٨/٢
٣٠٢

- هود -
((ما كانوا)» يعودُ على ((أولياء)» وهم آلهتُهم، أي: فما كان لهم في الحقيقة مِنْ
أولياء))، وإن كانوا يعتقدون أنهم أولياءُ، فعلى هذا يكون ((يضاعف لهم
العذاب» معترضاً.
آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾: في هذه اللفظةِ خلافٌ بين
النحويين، ويتلخص ذلك في خمسة أوجه، أحدها : - وهو مذهب / الخليل [٤٨٤أ]
وسيبويه(١) وجماهير الناس - أنهما رُكِبَتَا من ((لا)) النافيةِ و ((جَرَم))، ويُنِيَتَا على
تركيبهما تركيبَ خمسةَ عشرَ، وصار معناهما معنى فِعْلٍ وهو ((حقَّ))، فعلى
هذا يرتفعُ ما بعدهما بالفاعلية، فقوله تعالى: ((لا جَرَمَ أنَّ لهم النارَ))(٢)، أي:
حَقَّ وَثَبَتَ كونُ النار لهم، أو استقرارها لهم. الوجه الثاني: أنَّ ((لا جَرَمَ))
بمنزلة لا رجل، في كون ((لا)) نافيةٌ للجنس، و((جَرَمِ)) اسمُها مبنيّ معها على
الفتح وهي واسمُها في محلُّ رفعٍ بالابتداء وما بعدهما خبرُ ((لا)) النافية، وصار
معناها: لا محالة ولا بُدَّ.
الثالث : - كالذي قبله - إلا أن ((أنَّ)) وما بعدها في محلِّ نصبٍ
أو جرِّ بعد حذف الجار، إذ التقدير: لا محالةَ في أنهم في الآخرة، أي: في
خسرانهم. الرابع: أن ((لا) نافيةٌ لكلامٍ متقدمٍ تكلَّم به الكفرة، فردَّ اللَّه عليهم
ذلك بقوله: ((لا))، كما تَرُدُّ ((لا)) هذه قبل القسم في قوله: ((لا أُقْسِم)) (٣)،
وقوله تعالى: ((فلا وربِّك لا يؤمنون)) (٤) وقد تقدَّم تحقيقه، ثم أتى بعدها
بجملةٍ فعليةٍ وهي ((جرم أنَّ لهم كذا)). وجَرَمَ فعلٌ ماضٍ معناه كسب، وفاعله
مستتر يعود على فعلهم المدلولِ عليه بسياقٍ الكلام، و ((أنَّ) وما في حيِّزها في
(١) الكتاب: ٤٦٩/١.
(٢) الآية ٦٢ من سورة النحل.
(٣) الآية ١ من سورة القيامة .
(٤) الآية ٦٥ من سورة النساء.
٣٠٣

- هود.
موضع المفعول به لأنَّ ((جَرَم)) يتعدى إذ هو بمعنى كَسَبَ. قال الشاعر(١):
بما جَرَمَتْ يداه وما اعتدَيْنا
٢٦٤٦ - نَصَبْنا رأسَه في جِذْعِ نَخْلٍ
أي: بما كسبَتْ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في المائدة(٢). وجريمةُ القومِ
كاسبُهم، قال(٣):
٢٦٤٧ - جريمةُ ناهِضٍ في رأسٍ نِيْقِ ترى لعظامٍ ما جَمَعَتْ صَليبا
فتقديرُ الآية: كَسَبَهم - فِعْلُهم أو قولُهم - خسرانَهم، وهذا هو قولُ
أبي إسحاق الزجاج، وعلى هذا فالوقف على قوله: ((لا)) ثم يُبتدأ بـ ((جَرَمَ))
بخلاف ما تقدَّم.
الوجه الخامس. أنَّ معناها لا صَدَّ ولا مَنْعَ، وتكون ((جَرَمَ)) بمعنى
القطع، تقول: جَرَمْتُ، أي: قطعت، فيكون ((جرم)) اسمَ ((لا)) مبنيٌّ معها
على الفتح كما تقدم، وخبرها ((أنَّ)) وما في حيِّزها، أو على حَذْف حرف الجر،
أي: لا منع من خسرانهم، فيعود فيه الخلافُ المشهور.
وفي هذه اللفظةِ لغاتٌ: يُقال لا جِرَمَ بكسر الجيم، ولا جُرَم بضمِّها،
ولا جَزَ بحذف الميم، ولا ذا جَرَم، ولا إنَّ ذا جَرَم، ولا ذو جَرَم، ولا عن ذا
جَرَم، ولا أنْ جَرَم، ولا عِن جَرَم، ولا ذا جَرَ واللَّهِ لا أفعل ذلك.
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الزاهر لابن الأنباري: ٣٧٥/١؛ والقرطبي: ٢٠/٩؛
والبحر: ٢١٣/٥.
(٢) انظر إعرابه للآية ٢ من سورة المائدة.
(٣) البيت لأبي خراش الهذلي، وهو في اللسان جرم، وابن عطية: ١٢٨/٩؛ والبحر:
٢١٣/٥؛ والبيت في وصف عُقاب تكسب لفرخها، والناهض هو فرخها، والنيق:
رأس الجبل.
٣٠٤

- هود -
وعن أبي عمروٍ(١): ((لا جَرُم أنَّ لهم النار)) على وزن لا كُرُم، يعني
بضم الراء، ولا جَرَ، قال: ((حَذَفوه لكثرة الاستعمال كما قالوا: ((سَوْ ترى»
یریدون: سوف.
وقوله: ((وهم الأخسرون)) يجوز أن يكون ((هم)) فَضْلاً وأن يكونَ توكيداً،
وأن يكونَ مبتدأً وما بعده خبره، والجملة خبرُ ((أنَّ)).
آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمنوا﴾: الموصولُ اسمُ إِنَّ،
والجملة مِنْ قوله: ((أولئك أصحابُ الجنة)) خبرها.
والإِخباتُ: الاطمئنان والتذُّل والتواضع، وأصله من الخّبْت
وهو المكانُ المطمئنُّ، أي: المنخفضُ من الأرض، وأَخْبَتَ الرجلُ: دخل في
مكان خَبْت، كأَنْجَدَ وأَتْهَمَ إذا دخل في أحد هذين المكانين، ثم تُوُسِّع فيه
فقيل: خَبَتَ ذِكْرُه، أي: خمد، ويقال للشيء الدنيء الخبيت، قال
الشاعر (٢):
قِ ولا يَنْفَعُ الكثير الخبيتُ
٢٦٤٨ - ينفع الطيِّبُ القليلُ من الرِّزْ
هكذا يُنْشدون هذا البيتَ في هذه المادة، الزمخشري(٣) وغيره،
والظاهر أن يكونَ بالثاءِ المثلثة ولا سيما لمقابلته بالطيِّب، ولكن الظاهر من
عبارتهم أنه بالتاء المثنّة لأنهم يَسُوقونه في هذه المادة، ويدلُّ على أن معنى
البيت إنما هو على الثاء المثلثة قولُ الزمخشري (٣): ((وقيل: التاءُ فيه بدل من
(١) البحر: ٢١٣/٥.
(٢) البيت للسموءل وهو في اللسان خبت، وفيه أن أبا منصور صحّف البيت قال: لأن
الشيء الحقير الرديء يقال له الختيت، والكشاف: ٢٦٤/٢.
(٣) الكشاف: ٢٦٤/٢.
٣٠٥

- هود -
الثاء)». ومن مجيء الخَبْت بمعنى المكان المطمئن قوله(١):
- وقد قتل الهزبر - أخاك بشرا
٢٦٤٩- أفاطمُ لو شَهِدْتِ ببطنِ خَبْتٍ
وفي تركيب البيتِ قَلَقٌ، وحَلُّه: لو شهدْتِ أخاك بِشْرا وقد قتل الهزبرَ،
ففاعل ((قتل)) ضمير يعودُ على ((أخاك)). وأخبت يتعدى بإلى كهذه الآية،
وباللام كقوله تعالى: ((فَتُخْبِتَ له قلوبُهم))(٢).
آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الفريقين): مبتدأً، و ((کالأعمى)» خبره،
ثم هذه الكافُ يحتمل أن تكونَ هي نفسَ الخبر، فتقدَّر بـ((مثل))، تقديرُه:
مَثَلُ الفريقين مثلُ الأعمى. ويجوز أن تكون ((مثل)) بمعنى ((صفة))، ومعنى
الكاف معنى مِثْلِ، فَيقدَّر مضافٌ محذوفٌ، أي: كمثل الأعمى. وقوله: ((مَثلُ
[٤٨٤ ب] الفريقين كالأعمى)) يجوز أن / يكونَ من باب تشبيه شيئين بشيئين، فقابل:
العمى بالبصر، والصمم بالسمع وهو من الطَّباق، وأن يكونَ من تشبيهِ شيءٍ
واحد بوصفَّيْهِ بشيءٍ واحدٍ بوصفَيْهِ، وحينئذٍ يكون قولُه: ((كالأعمى والأصمِّ»
وقوله ((والبصير والسميع)) من باب عطف الصفات كقوله(٣):
٢٦٥٠ - إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ
ولَيْثِ الكتيبةِ فِي المُزْدَحَمْ
وقد أحسنَ الزمخشريُّ (٤) في التعبير عن ذلك فقال: ((شبّه فريق
الكافرين بالْأُعْمى والأصمِّ، وفريقَ المؤمنين بالبصير والسميع، وهو من اللَّفِّ
والطّباق، وفيه معنيان: أن يُشَبِّه الفريقين تشبيهين اثنين، كما شبّه امرؤالقيس:
قلوبَ الطير بالحَشَف والعُنَّب، وأن يُشَبِّهَ بالذي جمع بين العمى والصَّمَم،
والذي جمع بين البصر والسمع، على أن تكونَ الواوُ في ((والأصمِّ) وفي
(١) البيت لبشر بن عوانة وهو في أمالي الشجري ١٩٢/٢.
(٢) الآية ٥٤ من سورة الحج.
(٤) الكشاف: ٢٦٤/٢.
(٣) تقدم برقم ١٢١.
٣٠٦

- هود -
((والسميع)) لعطفِ الصفة على الصفةِ كقوله(١):
الـ صَابحٍ فالغانِمِ فالآئِبِ
٢٦٥١ -
قلت: يريد بقوله ((اللفّ)) أنه لفَّ المؤمنين والكافرين اللذين هما
مشبهان بقوله ((الفريقين))، ولو فسَّرهما لقال: مَثَلُ الفريق المؤمن كالبصير
والسميع، ومثل الكافر كالأعمى والأصم، وهي عبارةٌ مشهورة في علم البيان:
لفظتان متقابلتان: اللفُّ والنشر، وأشارَ لقول امرىء القيس وهو (٢):
لدى وكرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي
٢٦٥٢- كأنَّ قلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابِساً
أصلُ الكلامِ: كأن الرَّطْبَ من قلوب الطير: العُنَّابُ، واليابسَ منها:
الحَشَفُ، فلفَّ ونشر، واللف والنشر في علم البيان تقسيمٌ كبير، ليس هذا
موضعه.
وأشار بقوله ((الصابح فالغانم)) إلى قوله(٣):
٢٦٥٣ - يا ويحَ زَيَّابَةَ للحارثِ الـ ب صابحٍ فالغانم فالآئِبِ
وقد تقدَّم ذلك أولَ البقرة وتحریرُه.
فإن قلت: لِمَ قَدَّم تشبيهَ الكافر على المؤمن؟ أجيب بأن المتقدِّمَ ذِكْرُ
الكفار فلذلك قدَّم تمثيلهم. فإن قيل: ما الحكمةُ في العدولِ عن هذا
التركيب لوقيل: كالأعمى والبصير والأصم والسميع لتتقابلَ كلَّ لفظةٍ مع
ضدها، ويظهرَ بذلك التضادُّ؟ أجيب: بأنه تعالى لمَّا ذكر انسدادَ العين أتبعه
بانسداد الأذن، ولمَّا ذكر انفتاح العين أتبعه بانفتاح الأذن، وهذا التشبيهُ أحدٌ
(١) تقدم برقم ١٢٢ .
(٢) ديوانه ٣٤؛ المغني ٢٨٨؛ العيني: ٢١٦/٣، والحشف البالي: يابس التمر.
(٣) تقدم برقم ١٢٢.
٣٠٧

- هود -
الأقسامِ وهو تشبيهُ أمرٍ معقول بأمرٍ محسوس:" وذلك أنه شبَّه عَمَى البصيرة
وصَمَمها بعمى البصر وصمم السمع، ذاك متردّدٌ في ظُلَم الضلالات، كما أن
هذا متحيِّر في الطرقات. وهذه فوائد علم البيان.
قوله: ((مَثَلًا)) تمييز، وهو منقولٌ من الفاعلية، والأصل: هل يَسْتوي
مَثَلُهما، كقوله تعالى: ((واشتعل الرأسُ شيباً(١). وجوَّز ابنُ عطية(٢) - رحمه:
اللَّه - أن يكون حالاً، وفيه بُعْدَ صناعةً ومعنى؛ لأنه على معنى ((مِنْ)) لا على
معنى (في)).
آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿إنّ لكم): قرأ(٣) ابن كثير وأبو عمرو
والكسائي ((أني)) بفتح الهمزة، والباقون بكسرها. فأمَّا الفتح فعلى إضمار.
حرفِ الجر، أي: بأني لكم. قال الفارسي(٤): ((في قراءة الفتح خروجٌ من
الغَيْبة إلى المخاطبةِ)). قال ابن عطية(٥): وفي هذا نظر، وإنما هي حكايةٌ.
مخاطبتهِ لقومه، وليس هذا حقيقة الخروج من غَيْبةٍ إلى مخاطبة، ولو كان
الكلام أن أَنْذِرْهم ونحوه لصح ذلك)). وقد قال بهذه المقالة - أعني
الالتفات - مكي(٦) فإنه قال: ((الأصل: بأني والجارُّ والمجرور في موضع المفعول
الثاني، وكان الأصلُ: أنه، لكنه جاء على طريقة الالتفات)). انتهى، ولكن
هذا الالتفاتَ غيرُ الذي ذكره أبو علي، فإنَّ ذاك من غيبة إلى خطاب، وهذا
من غيبةٍ إلى تكلُّم، وكلاهما غير محتاج إليه، وإن كان قولُ مكي أقرب.
(١) الآية ٤ من سورة مريم.
(٢) المحرر: ١٢٩/٩.
(٣) السبعة ٣٣٢؛ التيسير ١٢٤؛ البحر: ٢١٤/٥.
(٤) الحجة (خ): ١٩٠/٣.
(٥) المحرر: ١٣٠/٩.
(٦) الكشف: ٥٢٥/١.
٣٠٨

- هود -
وقال الزمخشري(١): ((الجارُّ والمجرور صلةٌ لحالٍ محذوفة، والمعنى:
أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام، وهو قوله: ((إني لكم نذيرٌ مبين)) بالكسر، فلما
اتصل به الجارُّ فُتِح كما فتح في ((كأنَّ)) والمعنى على الكسر في قولك: ((إنَّ
زيداً كالأسد)). وأما الكسرُ(٢) فعلى إضمار القول، وكثيراً ما يُضْمر، وهو غني
عن الشواهد.
آ. (٢٦) وقوله تعالى: ﴿أن لا تعبدوا﴾: كقوله: ((أن لا تعبدوا))(٣)
في أول السورة، ونزيد هنا شيئاً آخر، وهو أنها على قراءة مَنْ فتح ((أني))
تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكون بدلاً من قوله: أني لكم))، أي: أَرْسَلْناه
بأن لا تعبدوا. والثاني: / أن تكون مفسِّرة، والمفسَّر بها: إمَّا أرسلنا، [١٤٨٥]
وإمَّا نذير. وأمَّا على قراءة مَنْ كسر فيجوز أن تكونَ المصدرية، وهي معمولةٌ
لأرسلنا، ويجوز أن تكونَ المفسرةَ بحالَيْها.
قوله: ((أليم)) إسناد الألم إلى اليوم مجازٌ لوقوعه فيه لا به، وقال
الزمخشري (٤): (فإذا وُصِفَ به العذابُ قلت: مجازٌ مثلُه؛ لأنَّ الأليمَ في
الحقيقة هو المعذِّب، فنظيرها قولك: نهارك صائم)). قال الشيخ(٥): ((وهذا
على أن يكون ((أليم)) صفةُ مبالغةٍ وهو مَنْ كَثُرَ ألمه، وإن كان أليم بمعنى
مُؤْلم فنسبتُه لليوم مجازٌ وللعذاب حقيقة)».
آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿ما نراك﴾: يجوز أن تكون قلبيةً، وأن تكون
بصريةً. فعلى الأول تكون الجملةُ من قوله ((اتَبعك)) في محل نصب مفعولاً
(١) الكشاف: ٢٦٤/٢، ولم يرد قوله ((صلة لحال محذوفة)) في المطبوعة .
(٢) أي على قراءة كسر ((إني)).
(٣) الآية ٢ من سورة هود.
(٤) الكشاف: ٢٦٥/٢.
(٥) البحر: ٢١٤/٥.
٣٠٩

- هود -
ثانياً، وعلى الثاني في محلُّ نصب على الحال، و((قد)) مقدرةٌ عند مَنْ يشترط
ذلك.
والأراذِلُ فيه وجهان، أحدهما: أنه جمعُ الجمع، والثاني: جمعٌ فقط.
والقائلون بالأول اختلفوا فقيل: جمع لـ «أَرْذُل))، وأَرْذُل جمع لرَذْلِ نِجو:
كَلْبٍ وَأَكْلُب وأَكَالب. وقيل: بل جمع لأرْذال، وأَرْذَال جمع لرَذْل أيضاً.
والقائلون بأنه ليس جمعَ جمعٍ ، بل جمعٌ فقط قالوا: هو جَمْعَ لِأُرْذُل،
وإنما جاز أن يكون جمعاً لأَرْذُل لجريانه مَجْرى الأسماءِ من حيث إنه
هُجِر موصوفُه كالأُبْطج والأبرق وقال بعضهم: هو جمع أَرْذَل الذي للتفضيل،
وجاء جمعاً كما جاء ((أكابر مجرميها))(١) و((أحاسِنُكم أخلاقاً)(٢). ويُقال(٣):
رجل رَذْل ورُذال، كـ ((رَخْل)) و((رُخال)](٤) وهو المرغوبُ عنه لرداءته.
قوله: ((باديَ الرَّأَي)» قرأ(٥) أبو عمرو من السبعة وعيسى الثقفي «بادِئٌّ)»:
بالهمز، والباقون بياءٍ صريحةٍ مكانَ الهمزة. فأمَّا الهمزُ فمعناه: بادئَّ الرأي،
أي: أولَ الرأي بمعنى أنه غيرُ صادرٍ عن رَوِّية وتَأمُّل، بل من أولِ وَهْلة.
وأمَّا مَنْ لم يهمز فيحتمل أن يكونَ أصلُه كما تقدَّم، ويحتمل أن يكونَ مِنْ بدا
يَبْدو أي ظهر، والمعنى: ظاهر الرأي دون باطنه، أي: لو تُؤْمِّل لعُرِفَ باطنُه،
وهو في المعنى كالأول.
وفي انتصابه على كلتا القراءتين سبعةُ أوجه، أحدها: أنه منصوبٌ على:
الظرف، وفي العاملِ فيه على هذا ثلاثة أوجه، أحدُها: ((نراك))، أي : :
(١) ((وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها)) الآية ١٢٣ من سورة الأنعام.
(٢) سبق تخريجه عند إعرابه الآية ١٢٣ من سورة الأنعام.
(٣) انظر: اللسان ((رذل)).
(٤) يعني بهذا التمثيل ضبط الكلمة ولا يعني شيئاً ذا معنى لأن الرِّخْل والرَّخِل تجمع على:
رُخال ورِخال (الأنثى من الضأن) ولم أقف على فتح الراء.
(٥) السبعة ٣٣٢؛ الحجة ٣٣٨؛ البحر: ٢١٥/٥؛ الكشاف: ٢٦٥/٢.
٣١٠

- هود -
وما نراك في أول رأينا، على قراءة أبي عمرو، أو فيما يَظْهر لنا من الرأي في
قراءة الباقين. والثاني من الأوجه الثلاثة: أن يكونَ منصوباً بـ ((اتّبعك))، أي:
ما نراك اتبعك أولَ رأيهم، أو ظاهرَ رأيهم، وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريدوا
أَتَّبعوك في ظاهر أمرهم، وبواطنهم ليست معك. والثاني: أنهم اتّبعوك بأول نظرٍ،
وبالرأي البادي دون تثبّت، ولو تثبّتوا لَمَا اتبعوك. الثالث من الأوجه الثلاثة: أنَّ العاملَ
فيه «أراذِلُنا)) والمعنى: أراذِلُنا بأولِ نظرٍ منهم، أو بظاهر الرأي نعلم ذلك، أي: إنَّ
رذالَتَهم مكشوفةٌ ظاهرٌ لكونهم أصحابَ حِرَفٍ دنيّة.
ثم القول بكونِ («باديَ)» ظرفاً يحتاج إلى اعتذار فإنه اسمُ فاعلٍ وليس
بظرفٍ في الأصل، فقال مكي(١): ((وإنما جاز أن يكون فاعِل ظرفاً كما جاز
ذلك في فعيل نحو: قريب ومليء، وفاعل وفعيل يتعاقبان كراحم ورحيم،
وعالم وعليم، وحَسُن ذلك في فاعِل لإضافته إلى الرأي، والرأي يُضاف إليه
المصدر، وينتصبُ المصدرُ معه على الظرف نحو: ((أما جَهْدَ رأيٍ فإنك
منطلقٌ))، أي: في ((جَهْد)). وقال الزمخشري(٢): ((وانتصابه على الظرف،
أصلُه: وقتَ حدوثٍ أول أمرهم، أو وقت حدوثٍ ظاهرٍ رأيهم، فَحُذِفَ ذلك
وأقيم المضافُ إليه مُقامه)).
الوجه الثاني من السبعة: أن ينتصبَ على المفعول به، حُذف معه
حرفُ الجر مثل ((واختار موسى قومَه))(٣) كذا قاله مكي (٤). وفيه نظرٌ من حيث
إنه ليس هنا فعلٌ صالحٌ للتعدي إلى اثنين، إلى ثانيهما بإسقاط الخافض.
الثالث من السبعة: أن ينتصبَ على المصدر، ومجيءُ المصدر على
(١) المشكل: ٣٩٧/١.
(٢) الكشاف: ٢٦٥/٢.
(٣) الآية ١٥٥ من سورة الأعراف.
(٤) المشكل: ٣٩٧/١.
٣١١

- هود -
فاعلِ أيضاً ليس بالقياسِ (١)، والعاملُ في هذا المصدرِ كالعامل في الظرف
كما تقدم، ويكون من باب ما جاء فيه المصدرُ من معنى الفعل لا من لفظه،
تقديرُه: رؤيةً بَدْءٍ أو ظهور، أو اتباعَ بَدْءٍ أو ظهور، أو رَذالة بَدْءٍ أو ظهور.
[٤٨٥ب]
الرابع من السبعة: أن يكونَ نعتاً لبشر، أي: ما نراك إلا بشراً مثلنا /
باديَ الرأي، أي: ظاهرَه، أو مبتدِئاً فيه. وفيه بُعْدٌ للفصلِ بين النعت
والمنعوت بالجملة المعطوفة. الخامس: أنه حالٌ من مفعول («اتَّبَعَكَ))، أي:
وأنت مكشوفُ الرأي ظاهرَه لا قوةَ فيه ولا حصافةً لك. السادس: أنه منادى
والمرادُ به نوح عليه السلام، كأنهم قالوا: يا باديّ الرأي، أي: ما في نفسِك
ظاهرٌ لكلِّ أحدٍ، قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء به والاستقلال له. السابع:
أن العاملَ فيه مضمر(٢)، تقديره: أتقول ذلك بادي الرأي، ذكره أبو البقاء(٣)،
والأصلُ عدم الإضمار مع الاستغناء عنه، وعلى هذه الأوجهِ الأربعةِ الأخيرة
هو اسمُ فاعلٍ من غير تأويل، بخلاف ما تقدَّم من الأوجه فإِنه ظرفٌ
او مصدر.
واعلم أنك إذا نَصَبْتَ ((باديَ)) على الظرف أو المصدر بما قبل ((إلا))
احتجْتَ إلى جوابٍ عن إشكال وهو أنَّ ما بعد ((إلا)» لا يكون معمولاً لما قبلها،
إلا إن كان مستثنى منه نحو: ((ما قام إلا زيداً القوم)) أو مستثنى نحو: ((قام
القومُ إلا زيداً))، أو تابعاً للمستثنى منه نحو: ((ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ أخيرٌ من
عمرو)) و((بادي الرأي)) ليس شيئاً من ذلك. وقال مكي(٤): ((فلو قلت في
(١) كالعافية والعاقبة.
(٢) لعله يعني بهذا الوجه الظرفية كما هو مذهب أبي البقاء ٣٧/٢ وكان من حقه أن يفرعه
على الأول، لا أن يخصه بوجه سابع.
(٣) الإملاء: ٣٧/٢.
(٤) المشكل: ٣٩٨/١.
٣١٢

- هود -
الكلام: ((ما أعطيت [أحداً](١) إلا زيداً درهماً] فأوقعتَ اسمين مفعولين بعد
(إلا)) لم يَجُزْ؛ لأن الفعلَ لا يصلُ بـ ((إلا)) إلى مفعولين، إنما يصل إلى اسم.
واحد كسائر الحروف، ألا ترى أنك لوقلت: «مررت بزيدٍ عمروٍ» فأوصلْتَ
الفعلَ إليهما بحرفٍ واحدٍ لم يَجُزْ، ولذلك لوقلت: ((استوى الماءُ والخشبة
الحائط)) فتنصب اسمين بواو ((مع)) لم يجز إلا أن تأتيَ في جميعِ ذلك بواو
العطف فيجوز وصولُ الفعل)».
والجوابُ الذي ذكروه هو أنَّ الظروف يُتَّسع فيها ما لا يُتَّسع في غيرِها.
وهذا جماعُ القولِ في هذه المسألة باختصار.
والرأي: يجوز أن يكونَ من رؤيةِ العين أو من الفكرة والتأمُّل. وقوله
(بيِّنَة مِنْ ربي)) ((مِنْ ربي)) نعتٌ لـ ((بَيِّنَة))، أي: بَيِّنَةٌ من بَيِّنات ربي.
آ. (٢٨) وقوله تعالى: ﴿رحمةً من عنده﴾: يجوز في الجارِّ أيضاً أن
يكونَ نعتاً لـ رحمة)) وأن يكون متعلقاً بـ ((آتاني)).
قوله: ((فعُمِّيَتْ)) قرأ الأخوان وحفص(٢) بضم العين وتشديد الميم،
والباقون بالفتح والتخفيف. فأما القراءة الأولى فأصلها: عَمَاها اللَّهُ عليكم،
أي: أَبْهمها عقوبةً لكم، ثم بُني الفعل لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فحُذِفَ فاعلُه
للعلمِ به وهو اللّه تعالى، وأقيم المفعولُ وهو ضميرُ الرحمة مُقامه، ويدل على
ذلك قراءةُ أُبَيّ بهذا الأصل ((فعماها اللَّهُ عليكم))، ورُوي عنه أيضاً وعن
الحسن وعليّ والسُّلَمي ((فعماها)) من غير ذِكْرٍ فاعلٍ لفظي، ورُوي عن
الأعمش وابن وثاب ((وعُمِّيَتْ)) بالواو دون الفاء.
(١) زيادة ضرورية من مكي ولم تَرِدْ في الأصل.
(٢) السبعة ٣٣٢؛ التيسير ١٢٤؛ البحر: ٢١٦/٥؛ الحجة ٣٣٩؛ الشواذ ٥٩.
٣١٣

- هود-
وأمَّا القراءة الثانية فإنه أسند الفعل إليها مجازاً. قال الزمخشري(١):
((فإن قلت: ما حقيقته؟ قلت: حقيقته أنَّ الحجةَ كما جُعِلَتْ بصيرةً ومُبْصرة
جُعلت عمياء؛ لأنَّ الأعمى لا يَهْتدي ولا يَهْدي غيرَه، فمعنى ((فَعَمِيَتْ عليكم
البَيِّنَةُ)): فلم تَهْدِكم كما لوعَمِي على القوم دليلُهم في المفازَةِ بِقُوا بغيرِ هاٍ».
وقيل: هذا من باب القلب، وأصلها فَعَمِيْتُم أنتم عنها كما تقول:
أدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت الخاتم في إصبعي وهو كثيرٌ، وتقدم
تحريرُ الخلافِ فيه، وأنشدوا على ذلك(٢):
٢٦٥٤ - ترى الثورَ فيها مُدْخِلَ الظلِّ رأسَه
قال أبو علي (٣): ((وهذا مما يُقْلَبُ، إذ ليس فيه إشكال، وفي القرآن
((فلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعدِه رسلَه))(٤)، وبعضهم يُخَرِّج البيت على الاتساعِ
في الظرف. وأمَّا آيةُ إبراهيم فَأَخْلَفَ يتعدَّى لاثنين، فأنت بالخيار: أن تضيفَ
إلى أيُّهما شِئْتَ فليس من باب القلب. وقد رَدَّ بعضُهم کون هذه الآية من باب
المقلوب بأنه لو كان كذلك لتعدَّى بـ ((عن)) دون «على»، ألا ترى أنك تقول:
((عَمِيْتُ عن كذا)) لا ((على كذا)».
واختُلِفَ في الضمير في ((عُمَِّتْ)) هل هو عائد على البيّنة فيكونَ قولُه:
((وآتاني رحمة)) جملةً معترضة بين المتعاطفين، إذ حقُّه «على بيِّنة من ربي
فَعُمِّيت)). وإن قيل بأنه عائد على الرحمة فيكون قد حُذف من الأول لدلالة
(١) الكشاف: ٢٦٦/٢ :
(٢) لم أهتد إلى قائله، وعجزه:
وسائرُه بادٍ إلى الشمس أجمعُ
وهو في الكتاب: ٩٢/١؛ الجمع: ١٢٣/٢؛ والدرر: ١٥٦/٢.
(٣) الحجة (خ): ١٩٦/٣.
(٤) الآية ٤٧ من سورة إبراهيم.
٣١٤

- هود -
الثاني، والأصل: على بينة من ربي فَعُمِّيَتْ. قال الزمخشري(١): ((وآتاني
رحمة بإتيان البِّنة، على أن البيّنة في نفسها هي الرحمة. ويجوز أن يريد
بالبينة المعجزة، وبالرحمة النبوَّةَ. فإن قلت: فقوله: ((فَعُمِّيَتْ)) ظاهر على
الوجه الأول فما وجهُه على الوجه الثاني، وحقُّه أن يقال: فَعَمِينًا؟ قلت:
الوجهُ أن يُقَدَّر: فَعُمِّيَتْ بعد البينة، وأن يكون حَذَفَه / للاقتصار على ذِكْرِه [٤٨٦أ]
مرةً». انتهى.
وقد تقدَّم الكلامُ على ((أرأيتم)) هذه في الأنعام(٢)، وتلخيصُه هنا أنَّ
(أَرَأَيْتُم)) يطلب البينة منصوبةٌ، وفعل الشرط يطلبُها مجرورةً بـ ((على))، فأعمل
الثاني وأضمر في الأول، والتقدير: أرأيتم البيَّةَ من ربي إن كنتُ عليها
أَنْلْزِمكموها، فحذف المفعولُ الأول، والجملةُ الاستفهامية هي في محل
الثاني، وجواب الشرط محذوفٌ للدلالة عليه.
وقوله: ((أَتُلْزِمُكموها)) أتى هنا بالضميرين متصلين، وتقدم ضمير
الخطاب لأنه أخصُّ، ولوجيء بالغائب أولاً لا نفصل الضميرُ وجوباً. وقد
أجاز بعضُهم الاتِّصال(٣)، واستشهد بقول عثمان ((أراهُمُني الباطل شيطان).
وقال الزمخشري (٤): ((يجوز أن يكون الثاني منفصلاً كقوله: ((أَنُلْزِمكم إياها)»
ونحوه: ((فَسَيَكْفيكهمُ اللَّهُ))(٥) ويجوز ((فسيكفيك إياهم)). وهذا الذي قاله
الزمخشريُّ ظاهرُ قول سيبويه(٦) وإن كان بعضُهم مَنَعه.
(١) الكشاف: ٢٦٥/٢.
(٢) انظر الآية ٤٠ من سورة الأنعام.
(٣) أي مع تقدُّم الغائب. قال سيبويه ٣٨٤/١: ((فإن بدأت بالغائب فقلت أعطاهوك فهو
قبيح، وأما قول النحويين قد أعطاهوك فهو شيء قاسوه لم تتكلم به العرب)).
(٤) الكشاف: ٢٦٦/٢.
(٥) الآية ١٣٧ من سورة البقرة.
(٦) الكتاب: ٣٨٤/١ - ٣٨٥.
٣١٥

- هود-
وإشباعُ الميم في مثل هذا التركيب واجبٌ، ويضعف سكونُها، وعليه
((أراهُمني الباطل)). وقال أبو البقاء(١): ((وقرىء بإسكان الميم فِراراً من توالي
الحركات)) فقوله هذا يحتمل أن يكون أراد سكونَ ميم الجمع(٢)؛ لأنه قد ذكر
ذلك بعدما قال: ((ودَخَلَتِ الواوُ هنا تتمةً للميم، وهو الأصل في ميم الجمع،
وقرىء بإسكان الميم)). انتهى. وهذا إن ثَبَتَ قراءةً فهو مذهبٌ ليونس: يُجَوِّزُ
((الدرهمَ أعطيتكمْه)) وغيرُه يأباه. ويحتمل أَنْ يريد(٣) سكونَ ميم الفعل، ويدل
عليه ما قال الزجاج ((أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكانُ حرکةٍ
الإِعرابِ إلا في ضرورة الشعر، فأمَّا ما روي عن أبي عمرو فلم يَضْبطه عنه
القرَّاء، ورَوَى عنه سيبويه(٤) أنه كان يُخْفُّ الحركةَ ويختلِسُها، وهذا
هو الحقُّ، وإنما يَجُوزِ الإِسكانُ في الشعرِ نحو قولِ امرىء القيس(٥):
٢٦٥٥ - فاليَومَ أُشرَبْ غير مُسْتَحْقِبٍ
وكذا قال الزمخشري(٦) أيضاً: ((وحُكي عن أبي عمرو إسكانُ الميم،
ووجهُه أنَّ الحركةَ لم تكن إلا خِلْسةً خفيفةً، فظنَّها الراوي سكوناً، والإِسكانُ
الصريحُ لحنٌ عند الخليل وسيبويه وحُذَّاقِ البصريين؛ لأن الحركةَ الإِعرابيةِ
لا يُسَوَّغِ طَرْحُها إلا في ضرورةِ الشعر)).
(١) الإملاء: ٣٧/٢.
(٢) ولكن عبارة مطبوعة((الإِملاء)): الميم الأولى. ولعل نسخة المؤلف من كتاب الإملاء
ناقصة .
(٣) أي أبو البقاء في عبارته السابقة.
(٤) الكتاب: ٢٩٧/٢ وذلك في تعليقه على قراءة أبي عمرو ((بارئكم)) الآية ٥٤ من سورة
البقرة. وانظر الدر المصون ٣٦٢/١.
(٥) تقدم برقم ٤٧٠.
(٦) الكشاف: ٢٦٦/٢
٣١٦

- هود -
قلت: وقد حكى الكسائي والفراء(١) ((أَنْلْزِمْكموها)) بسكون هذه المیم،
وقد تقدم(٢) القول في ذلك مشبعاً في سورة البقرة، أعني تسكينَ حركةٍ
الإِعراب فكيف يَجْعلونه لحناً؟ .
و ((ألزم)) يتعدَّى لاثنين، أوَّلَهُما ضمير الخطاب، والثاني ضمير الغيبة.
و ((وأنتم لها كارهون)) جملة حالية، يجوز أن تكون للفاعل أو لأحد
المفعولين. وقدَّم الجارَّ لأجل الفواصل. وفي الآية قراءاتٌ(٣) شاذَّةٌ مخالِفَةٌ
للسَّواد أَضْرِبُ عنها لذلك.
آ. (٢٩) والضمير في ((عليه)) يجوز أن يعود على الإنذار المفهوم من
((نذير))، وأن يعودَ على الدين الذي هو المِلَّة، وأن يعود على التبليغ.
وقُرِىء (٤) (بطاردٍ الذين)) بتنوين ((طاردٍ)) قال الزمخشري(٥): ((على الأصل)).
يعني أن أصل اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال العملُ، وهو ظاهرُ قولٍ
سيبويه(٦). قال الشيخ(٧): ((ويمكن أن يُقال: الأصلُ الإِضافةُ لا العملُ؛ لأنه
قد اعتوره شَبَهان، أحدهما: لشَبَهه بالمضارع وهو شَبَةٌ بغير جنسه، والآخر:
شَبَهُه بالأسماء إذا كانت فيه الإِضافة، فكان إلحاقُه بجنسه أَوْلِى)).
وقوله ((إنهم مُلاقو) استئنافٌ يفيدُ التعليل. وقوله: ((تَجْهلون)) صفةٌ لا بُدَّ
منها؛ إذ الإِتيانُ بهذا الموصوفِ دون صفتِه لا يفيد، وأتى بها فعلاً ليدلَّ على
التجدُّد كلَّ وقت.
(١) معاني القرآن: ١٢/٢.
(٢) انظر: الدر المصون: ٣٦٢/١.
(٣) انظر: معجم القراءات: ١٠٨/٣.
(٤) البحر: ٢١٨/٥؛ الكشاف: ٢٦٦/٢، ونسبها في ((الشواذ)» ٢٩ إلى أبي حيوة.
(٥) الكشاف: ٢٦٦/٢.
(٦) الكتاب: ٨٢/١.
(٧) البحر: ٢١٨/٥.
٣١٧

- هود-
آ. (٣١) و «تَزْدَري)» تَفْتَعِل مِنْ زَرَىْ يَزْري، أي: حَقَرَ، فأُبدلت ثَاءُ
الافتعال دالاً بعد الزاي وهو مُطَّرِد، ويقال: ((زَرَيْتُ عليه)) إذا عِبْتَه، و((أَزْرَيْتُ
به))، أي: قَصَّرت به. وعائدُ الموصولِ محذوفٌ، أي: تَزْدَريهم أعينُكم،
أي: تحتقرهم وتُقَصِّر بهم، قال الشاعر(١):
وفي أثوابهِ أسدٌ هَصُورُ
٢٦٥٦ - تَرَى الرجلَ النحيفَ فَتَزْدَريه
وقال أيضاً(٢) : :
حَلِيْلْتُه ويَنْهِرَهُ الصغيرُ
٢٦٥٧- يباعِدُه الصَّدیقُ وتَزْدریهِ
واللام في (للذين)) للتعليل، أي: لأجل الذين، ولا يجوز أن تكونَ التي
للتبليغ إذ لو كانت لكان القياس ((لن يؤتيكم)) بالخطاب.
وقوله: ((ولا أَعْلَمُ الغيبَ)» الظاهر أن هذه الجملةَ لا محلَّ لها عطفاً على
قوله ((ولا أَقُول لكم)) كأنه أخبر عن نفسه بهذه [الجمل الثلاث](٣). وقد تقدَّم
في الأنعام [أن هذا هو المختار](٤) وأن الزمخشري قال(٥): ((إنَّ قوله تعالى:
((ولا أعلمُ الغيب)) معطوفٌ على ((عندي خزائن))، أي: لا أقولُ: عندي خزائن
[٤٨٦ ب] اللَّه، ولا أقول: أنا أعلمُ الغيب)). /
آ. (٣٢) وقوله تعالى: ﴿جِدَالَنا﴾: قرأ ابن عباس(٦) ((جَدَلنا)» كقوله:
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر: ٢١٨/٥.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي: ٢٧/٩؛ والبحر: ٢١٨/٥.
(٣) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل.
(٤) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل.
(٥) الكشاف: ٢٠/٢، والآية ٥٠ من سورة الأنعام: ((قل لا أقول لكم عندي خزائن اللَّه
ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني مَلَك».
(٦) البحر: ٢١٨/٥؛ الكشاف: ٢٦٧/٢.
٣١٨

- هود -
((أكثرَ شيءٍ جَدَلاً))(١). ونقل أبو البقاء(٢) أنه قُرىء ((جَدَلْتَنَا فَأَكْثرت جَدَلَنَا)) بغير
ألفٍ فيهما قال: وهو بمعنى غَلَبْتَنا بالجدل)).
وقوله: ((بما تَعِدُنا)) فيجوز أن تكونَ ((ما)» بمعنى الذي، فالعائدُ
محذوفٌ، أي: تَعِدَناه. ويجوز أن تكونَ مصدريةً، أي: بوعدك إيانا. وقوله:
(إنْ كنت)) جوابُه محذوف أو متقدِّم وهو ((فأُتِنا)).
آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿إِن أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لكم إن كان﴾: قد تقدم
حُكْمُ توالي الشرطين وأنَّ ثانيَهما قيدٌ في الأول، وأنه لا بد من سَبْقه للأول.
وقال الزمخشريُّ(٣) هنا: ((إن كان اللَّه)) جزاؤه ما دلَّ عليه قولُه: ((لا ينفعكم
نُصْحي))، وهذا الدليلُ في حكم ما دلَّ عليه، فوُصِل بشرطٍ، كما وُصِل
الجزاء بالشرط في قوله ((إنْ أَحْسَنْتَ إليَّ أحسنتُ إليك إنْ أمكنني)).
وقال أبو البقاء(٤): ((حكمُ الشرطِ إذا دَخَل على الشرط أن يكون الشرطُ
الثاني والجواب جواباً للشرط الأول نحو: ((إِنْ أَتَيْتِنِي إِنْ كلِّمتني أَكْرَمْتك))،
فقولُك ((إنْ كَلَّمْتَني أكرمتُك)): جوابُ ((إن أتيتني)) جميعُ ما بعده(٥)، وإذا كان
كذلك صار الشرطُ الأول في الذِّكْرِ مؤخّراً في المعنى، حتى إنْ أتاه ثم كلَّمه
لم يجب الإِكرام، ولكن إنْ كلَّمه ثم أتاه وَجَبَ الإِكرام، وعلةُ ذلك أن
الجواب صار مُعَوَّقاً بالشرط الثاني، وقد جاء في القرآن منه ((إِن وَهَبَتْ نفسَها
للنبيِّ إنْ أرادَ النبيُّ)»(٦).
(١) الآية ٥٤ من سورة الكهف ((وكان الإِنسان ... )).
(٢) الإملاء: ٣٨/٢.
(٣) الكشاف: ٢٦٧/٢.
(٤) الإملاء: ٣٨/٢.
(٥) قوله: ((جميع ما بعده)) لم يرد في الإملاء. وقول المؤلف ((جوابُ)) مبتدأ ثان.
(٦) الآية ٥٠ من سورة الأحزاب.
٣١٩

- هود-
قلت: أمَّا قولُه: ((إِنْ وَهَبَتْ ... أن أراد)) فظاهره ــ وظاهرُ القصةِ المَرْوِيَّةِ -
يدل على عدم اشتراطٍ تقدُّم الشرط الثاني على الأول، وذلك أن إرادته عليه
السلام للنكاح إنما هو مُرَتَّبٌ على هِبة المرأةِ نفسَها له، وكذا الواقعُ في القصة
لمَّا وَهَبَت أراد نكاحَها، ولم يُرْوَ أنه أراد نكاحها فوهبت، وهو يحتاج إلى
جوابٍ، وسيأتي هذا إن شاء اللَّهُ في موضِعِه.
وقال ابن عطيةٍ (١) هنا: ((وليس نُصحي لكم بنافع، ولا إرادتي الخيرَ
لكم مُغْنِيَةً إذا أراد اللَّه تعالى بكم الإغواء، والشرطُ الثاني اعتراض بين
الكلام، وفيه بلاغةُ من اقتران الإِرادتين، وأن إرادة البشرِ غيرُ مُغْنيةٍ، وتعلُّقُ
هذا الشرطِ هو ((بنصخي))، وتعلَّقُ الآخر بـ ((لا ينفع)).
وتلخص من ذلك أن الشرطَ مدلولٌ على جوابه بقوله: ((ولا ينفعكم)) لأنه
عَقِبُه، وجوابُ الثاني أيضاً ما دلَّ على جواب الأول، وكأنَّ التقدير: وإنْ أَرَدْتُ
أن أنصحَ لكم إن كان اللَّه يريد أن يُغْوِیکم فلا ینْفعکم نصحي. وهو مِنْ حیث
المعنى كالشرط إذا كان بالفاء نحو: إن كان اللَّهُ يريدُ أن يُغْوِيكم فإن أَرَدْتُ أن
أنصح لکم فلا ينفعکم نُصْحي .
وقرأ الجمهور ((نُصْحي)) بضم النون وهو يحتمل وجهين، أحدهما:
المصدريةُ كالشُّكر والكُفْر .. والثاني: أنه اسمٌ لا مصدر. وقرأ عيسى(٢) ابن
عمر («نَصْحي)) بفتح النون، وهو مصدرٌ فقط.
وفي غضون كلام الزمخشري(٣): ((إذا عرف اللَّهُ» وهذا لا يجوز؛ لأنَّ
اللّه تعالى لا يُسْنَدُ إليهِ هذا الفعلُ ولا يُوصف بمعناه، وقد تقدَّم علةُ ذلك غيرَ
(١) المحرر: ١٣٩/٩.
(٢) البحر: ٢١٩/٥.
(٣) الكشاف: ٢٦٧/٢ ((إذا عرف اللَّهُ من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه سمَّى
ذلك إغواءً ... )).
٣٢٠