Indexed OCR Text
Pages 61-80
- التوبة - ٢٤٩١- بزجاجةٍ رَقَصَتْ بما في جَوْفِها رَقْصِ القَلوصِ براكبٍ مستعجِلٍ وقال(١): والراقصاتِ إلى مِنَىَّ فالغَبْغَبِ ٢٤٩٣- يُقال: رَفَضَ فِي مِشْيته رَفْضاً وَرَفَضاناً (٢). قوله: ((يَبْغُونكم)) في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل ((أَوْضَعوا))، أي: لِأَسْرَعوا فيما بينكم حالَ كونهم باغين، أي: طالبين الفتنةً لكم. قوله: ((وفيكم سَمَّاعون لهم)) هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً من مفعول ((يَبْغُونكم)) أو مِنْ فاعله، وجاز ذلك لأن في الجملة ضميريهما. ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، والمعنى: أنَّ فيكم مَنْ يَسْمع لهم ويُصْغِي لقولهم. ويجوز أن يكونَ المرادُ: وفيكم جواسيسُ منهم يسمعون لهم الأخبارَ منكم، فاللامُ على الأول للتقوية لكون العاملِ فرعاً، وفي الثاني للتعليل، أي: لأجلهم. ورُسِم في المصحف (ولا أَوْضَعُوا خلالكم)) بألف بعد ((لا))، قال الزمخشري(٣): ((كانت الفتحة تُكْتب ألفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك أثرٌ في الطباع فكتبوا صورةً الهمزة ألفاً وفتحتَها ألفاً أخرى، ونحوه، ((أو لا أذبحنَّه))(٤) يعني في زيادة ألف بعد ((لا))، وهذا لا يجوزُ القراءة به، ومَنْ قرأه متعمداً يكفر. (١) البيت لنهيكة الفزاري يقوله لعامر بن الطفيل وصدره: یا عامٍ لو قَدَرَتْ علیك رِمامُنا وبعده : لَلَمَسْتَ بالرَّصْعاء طعنة فاتك حَرَّان أو لِثَوَيْتَ غِيرَ مُحَسَّب وهو في معجم البلدان: غبغب، واللسان: غبب، والكشاف ١٩٤/٢؛ والبحر ٥٠/٥. وغبغب المنحر بمنى وهو جُبَيْل. (٢) لعل هذا تصحيف مِنْ رقص في مِشيته رقْصاً ورقَصاناً. (٣) الكشاف ١٩٤/٢. (٤) الآية ٢١ من سورة النمل. ٦١ - التوبة - آ. (٤٨) وقرأ(١) مسلمة بن محارب ((وقَلَبوا)) مخففاً. وقوله ((وهم كارهون» حالٌ والرابطُ الواو. آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿مَنْ يقول ائذن﴾: كقوله ((يا صالحُ اثتنا)»(٢) من أنه يجوز تحقيقُ الهمزة وإبدالُها واواً(٣) الضمة ما قبلها، وإن كانت منفصلةً [٤٤٣/ب] من كلمةٍ أخرى. / وهذه الهمزةُ هي فاءُ الكلمة، وقد كان قبلها همزةُ وصلٍ سَقَطت دَرْجاً. قال أبو جعفر(٤): ((إذا دخلت الواو والفاء على ((ائذن)) فهجاؤها ألفٌ وذال ونون بغير ياء، أو ((ثم)) فالهجاءُ ألفٌ وياءٌ وذالٌ ونون. والفرقُ أنَّ (ثم) يوقف عليها ويُنْفَصَل بخلافهما)). قلت: يعني أنه إذا دخلت واو العطف أو فاؤه على هذه اللفظةِ اشتدَّ اتصالُهما بها فلم يُعْتَدَّ بهمزة الوصل المحذوفة دَرْجاً، فلم يُرْسَمْ لها صورةٌ فتكتب ((فَأْذَنْ، وَأُذَنْ))، فهذه الألفُ مِنْ صورةٍ الهمزة التي هي فاءُ الكلمة. وإذا دخلت عليها ((ثم)) كُتِبَتْ كذا: ((ثم اثْتُوا))(٥)، فاعتدُّوا بهمزة الوصل فرسموا لها صورة. قلت: وكأنَّ هذا الحكم الذي ذكره مع ((ثم)) يختصُّ بهذه اللفظة، وإلا فغيرُها مما فأؤه همزةٌ تسقط صورة همزة وصلِه خَطّاً فيُكتب الأمرُ من الإِتيان مع ((ثم)) هكذا: ((ثم أُتُوا)) وكان القياسُ على ((ثمَّ ائْذَنْ)): ((ثم ائتوا)) وفيه نظر(٦). وقرأ(٧) عيسى بن عمروابن السَّمَيْفع وإسماعيل المكي فيما روى عنه (١) الشواذ ٥٣؛ البحر ٥٠/٥. (٢) الآية ٧٧ من سورة الأعراف. (٣) الأصل: واو، وهو سهو. (٤) وهو النحاس في إعراب القرآن ٢٣/٢. (٥) لعل الأنسب ((ثم ائذن)) لأن تمثيله به في كل ما ذكر. (٦) الحق مع المؤلف فلا فرق بين ثم والفاء والواو. وعلى هذا فأرى أن تكون القاعدة بحذف همزة الوصل مع حروف المعاني: أو، بل، ثم ... فلا تقتصر قاعدة الحذف على الواو والفاء. وانظر بحثاً للمحقق: الهمزة في الإملاء العربي: المشكلة والحل. (٧) الشواذ ٥٣؛ البحر ٥١/٥. ٦٢ - التوبة - ابن مجاهد: ((ولا تُفْتِنِي)) بضم حرف المضارعة مِنْ أفتنه رباعياً. قال أبو حاتم: ((هي لغة تميم)). وقيل: أفتنه: أدخله فيها. وقد جمع الشاعر بين اللغتين فقال(١): سعيداً فأمسى قد قلا كلَّ مسلم ٢٤٩٤ - لئن فَتَنَتْني فهي بالأمس أفتنتْ ومتعلق الإذن القعود، أي: ائذن لي في القعود والخُلْف عن العدو، ولا تَقْتِنِّي بخروجي معك. آ. (٥١) قوله تعالى: ﴿لن يُصيبَنا﴾: قال عمرو بن شقيق: ((سمعت أَعْيُنَ قاضي الري يقرأ (لن يُصيبَنَّ)) بتشديد النون))، قال أبو حاتم: ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ النونَ لا تدخل مع ((لن))، ولو كانت لطلحة بن مصرف لجاز، لأنها مع ((هل)) قال الله تعالى: ((هل يُذْهِبِنَّ كيدُه ما يَغيظ))(٢)، قلت: يعني أبو حاتم أنَّ المضارعَ يجوز توكيده بعد أداةِ الاستفهامٍ ، وابن مصرف يقرأ(٣) ((هل)) بدل ((لن))، وهي قراءة ابن مسعود. وقد اعتُذِر عن هذه القراءة(٤): فإنها حملت ((لن)) على ((لم)) و((لا)) النافيتين، و((لم)) و((لا)) يجوزُ توكيد الفعل المنفيِّ بعدهما. أمَّا ((لا)) فقد تقدم تحقيق الكلام عليها في الأنفال، وأمَّا (لم)) فقد سُمع ذلك وأنشدوا(٥): ٢٤٩٥ - يَحْسَبُه الجاهل ما لم يَعْلما شيخاً على كرسيُّه مُعَمَّمَا أراد ((يَعْلَمَنْ)) فأبدل الخفيفةَ ألفاً بعد فتحة كالتنوين. (١) البيت لأعشى همدان أولابن قيس وهو في اللسان: فتن. والبحر ٥١/٥. قال الأصمعي: ((هذا سمعناه من مخنَّث وليس بثبت، لأنه كان ينكر أفتن)). اللسان: فتن. (٢) الآية ١٥ من سورة الحج. (٣) الشواذ ٥٣؛ البحر ٥١/٥، أي أنه يقرأ: ((قل هل يصيبنا إلا ما كتب)). (٤) أي قراءة ((لن)) مع المضارع المؤكد بالنون وهي قراءة قاضي الريّ. (٥) تقدم برقم ١٤٤٧. ٦٣ - التوبة - وقرأ القاضي أيضاً وطلحة: ((هل يُصَيِّبُنا)) بتشديد الياء. قال الزمخشري(١): ((ووجههُ أن يكونَ يُفَيْعِل لا يُفَعِّل لأنه من بنات الواو لقولهم: الصواب، وصاب يصوب، ومصاوب في جمع مصيبة، فَحَقُّ يُفَعِّل منه يُصَوِّب، ألا ترى إلى قولهم: صَوَّب رأيه، إلا أَنْ يكونَ من لغة من يقول: صاب السهمُ یصیب کقوله(٢): ٢٤٩٦ - أَسْهُمِيَ الصائِبات والصُّيُبْ يعني أنه أصله(٣) صَوْيِب فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياءً وأدغم فيها، وهذا كما تقدم لك في تحيَّز أن أصله تَخَيْوَز. وأما إذا أخذناهِ مِنْ لغةٍ مَنْ يقول: صاب السهم يَصيب فهو من ذوات الياء فوزنه على هذه اللغة فَعَّل. آ. (٥٢) قوله تعالى: ﴿إلا إحدى﴾: مفعول التربُّص، فهو استثناء مفرغ .. وقرأ ابن محيصن(٤) ((إلا أحدى)) بوصل ألف ((احدى)) إجراء لهمزة القطع مُجْرى همزة الوصل فهو كقول الشاعر(٥): ٢٤٩٧ - إنْ لم أُقاتِلْ فالبسونِي بُرْقُعا وقول الآخر(٦): ٢٤٩٨- يابا المغيرة رُبَّ أَمْرِ مُعْضِلٍ فَرَّجْتُه بالمكرِ مِنِّ والدَّهَا وقوله ((أن يُصِيْبَكم) مفعول التربُّص. (١) الكشاف ١٩٥/٢. (٢) البيت للكميت ولم أهتد إلى تمامه، وهو في اللسان صيب، والكشاف ١٩٥/٢. (٣) هذا وهم لأن الياء في البيت غير مشددة فأين اجتماع الواو والياء؟ (٤) البحر ٥٢/٥. (٥) تقدم برقم ١٥٦٠. (٦) تقدم برقم ١٩١٥ . : ٦٤ - التوبة - آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿طَوْعاً أو كَرْهاً﴾: مصدران في موضع الحال، أي: طائعين أو كارهين. وقرأ الأخوان ((كُرْهاً)) (١) بالضم وقد تقدم تحقيق ذلك في النساء(٢). وقال الشيخ(٣) هنا: ((قرأ الأعمش وابن وثاب ((كُرْهاً)) بضم الكاف)). وهذا يُوهم أنها لم تُقْرأ في السبعة. قال الزمخشري (٤) (هو أمرٌ في معنى الخبر كقوله: ((فليمدُدْ له الرحمنُ مَدَّاً))(٥) ومعناه: لن يُتقبّل منكم: أنفقتم طَوْعاً أو كرهاً، ونحوه قوله تعالى: ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)) (٦). وقوله - يعني كثِر عَزَّة(٧) -: / [٤٤٤/أ] ٢٤٩٩ - أسِيْئي بنا أو أَحْسِني لا مَلُومَةٌ أي: لن يغفر الله لهم استغفرت أو لم تستغفر، ولا نلومك أحسنتِ إلينا أو أَسَأْتِ، وفي معناه قول القائل(٨): ٢٥٠٠ _ أخوك الذي إِنْ قُمْتَ بالسيفِ عامداً لتضربَهُ لم يَسْتَغِشَّك في الودِّ وقال ابن عطية (٩): ((هذا أمرٌ في ضمنه جزاءٌ، وهذا مستمر في كل أمرٍ (١) الحجة ٣١٩. (٢) سورة النساء: الآية ١٩. (٣) البحر ٥٢/٥. (٤) الكشاف ١٩٥/٢. (٥) الآية ٧٥ من سورة مريم. (٦) الآية ٨٠ من سورة التوبة. (٧) ديوانه ٥٣/١، اللسان: قلا؛ أمالي الشحري ٤٨/١؛ الكشاف ١٩٥/٢ وعجزه: لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ (٨) لم أهتد إلى قائله وهو في الكشاف ١٩٥/٢. (٩) المحرر ٢٠٢/٨. ٦٥ - التوبة - معه جزاء(١) والتقدير: إن تنفقوا لن يُتقبّل منكم، وأما إذا عَرِي الأمرُ من الجواب فليس يصحبه تضمّنُ الشرط)» قال الشيخ (٢): ((ويَقْدح في هذا التخريجِ أنَّ الأمر إذا كان فيه معنى الشرط كان الجواب لجواب الشرط، فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب: ((فلن يُتقبل)) بالفاء لأنَّ ((لن)) لا تقع جواباً للشرط إلا بالفاء فكذلك ما ضُمِّن معناه، ألا ترى جزمَه الجوابَ في نحو: اقصد زيداً يُحْسِنْ إليك)). قلت: إنما أراد أبو محمد تفسير المعنى، وإلا فلا يَجْهَلُ مثل هذه الواضحات. وأيضاً فلا يلزمُ أن يُعْطى الأمرُ التقديري حكم الشيء الظاهر من كل وجه. وقوله: ((إنكم))(٣) وما بعده جارٍ مَجْرى التعليل. آ. (٥٤) قوله تعالى : ﴿أن تُقْبَل﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول ثانٍ لمنع: إمّا على تقدير إسقاطِ حرف الجر، أي: من أن يُقْبِل، وإمَّا لوصول الفعل إليه بنفسه، لأنك تقول: منعتُ زيداً حَقُّ ومِنْ حقه. والثاني: أنه بدلٌ من ((هم)) في مَنْعِهم، قاله أبو البقاء (٤) كأنه يريد بدلَ : الاشتمال. ولا حاجةً إليه. وفي فاعل ((منع)) وجهان، أحدهما - وهو الظاهر - أنه ((إلا أنهم كفروا))، أي: ما منعهم قبولَ نفقتهم إلا كفرُهم. والثاني: إنه ضمير الله تعالى، أي: وما منعهم الله، ويكون ((إلا أنهم)) منصوباً(*) على إسقاط حرف الجر، أي: لأنهم كفروا. (١) مطبوعة المحرر: جواب. (٢) البحر ٥٢/٥. (٣) في قوله: إنكم كنتم قوماً فاسقين. (٤) الإملاء ١٦/٢. (٥) الأصل: منصوب. ٦٦ - التوبة - وقرأً(١) الأخَوان: ((أن يُقْبَلَ)) بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، وهما واضحتان لأنَّ التأنيثَ مجازي، وقرأ زيد بن علي كالأخوين، إلا أنه أفرد النفقة. وقرأ الأعرج: ((تُقْبل)) بالتاء من فوق، ((نفقتُهم)) بالإِفراد. وقرأ السُّلمي: ((يَقبل)) مبنياً للفاعل وهو الله تعالى. وقرىء: ((نَقْبل)) بنون العظمة، «نفقتهم» بالإِفراد. قوله: ((إلا وهم كُسَالى))، ((إلا وهم كارهون)) كلتا الجملتين حالٌ من الفاعل قبلها. آ. (٥٥) قوله تعالى: ﴿الحياة الدنيا﴾: فيه وجهان أحدهما: أنه متعلق بـ ((تعجبك)) ويكون قوله ((إنما يريد الله ليعذّبهم بها)) جملةً اعتراض والتقدير: فلا تعجبك في الحياة. ويجوز أن يكونَ الجارُّ حالاً من أموالهم. وإلى هذا نحا ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة (٢) قالوا: في الكلام تقديمٌ وتأخير، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد ليعذبهم بها في الآخرة. قال الشيخ(٣): ((إلا أنَّ تقييدَ الإعجابِ المنهيّ عنه الذي يكون ناشئاً عن أموالهم وأولادهم من المعلوم أنه لا يكون إلا في الحياة الدنيا، فيبقى(٤) ذلك كأنه زيادة تأكيد، بخلاف التعذيب فإنه قد يكون في الدنيا كما يكون في الآخرة، ومع أن التقديم والتأخيرَ يخصُّه أصحابنا بالضرورة)». قلت: كيف يُقال مع نَصِّ مَنْ قَدَّمْتُ ذكرهم: ((أصحابنا يخصُّون ذلك بالضرورة)» على أنه ليس من التقديم والتأخير الذي يكون في الضرورة في شيءٍ إنما هو اعتراض، والاعتراض لا يقال فيه (١) السبعة ٣١٤؛ البحر ٥٣/٥؛ التيسير ١١٨؛ الشواذ ٥٣. (٢) مشكل تأويل القرآن ٢٠٨. (٣) البحر ٥٤/٥. (٤) البحر: منفي . ٦٧ - التوبة- تقديم وتأخير بالاصطلاح الذي يُخَصُّ بالضرورة. وتسميتهم - أعني ابن عباس ومن معه رضي الله عنهم - إنما يريدون فيه الاعتراضَ المشار إليه لا ما يخصه أهل الصناعة بالضرورة. والثاني: أن ((في الحياة)) متعلقٌ بالتعذيب، والمراد بالتعذيب الدنيويّ مصائبُ الدنيا ورزاياها، أو ما لزمهم من التكاليف الشاقة، فإنهم لا يرجون عليها ثواباً. قاله ابن زيد، أو ما فُرِض عليهم من الزكوات قاله الحسن، وعلى هذا فالضمير في ((بها)) يعود على الأموال فقط، وعلى الأول يعود على الأولاد والأموال. أ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿مَلْجَأَ أو مَغارات﴾: المَلْجَأُ: الحِصْن. وقيل: المَهْرب. وقيل: الحِرْز وهو مَفْعَل مِنْ لجأ إليه يلجأ، أي: انحاز يقال: ألجأته إلى كذا، أي: اضطررته إليه فالتجأ. والملجأ يَصْلُح للمصدر والزمان والمكان، والظاهر منها هنا المكان. والمغارات جمع مغارة وهي مَفْعَلة مِنْ غار يغور فهي كالغار في المعنى. وقيل: المغارة: السِّرْب في الأرض كنفق اليربوع. والغار النّقْبُّ في الجبل. والجمهور على فتح ميم ((مغارات)) وقرأ(١) عبد الرحمن بن عوف مُغارات [٤٤٤/ب] بالضم وهو مِنْ أغار / وأغار يكون لازماً، تقول العرب: أغار بمعنى غار، أي: دخل، ويكون متعدياً تقول: أَغَرْتُ زيداً، أي: أدخلته في الغار، فعلى هذا يكون مِنْ أغار المتعدي، والمفعول محذوف، أي: أماكنُ يُغيرون فيها أنفسهم، أي: يُغِیونها. والمُدَّخلِ: مُفْتَعَل مِنَ الدخول وهو بناء مبالغة في هذا المعنى، والأصل: (١) البحر ٥٥/٥؛ ونسبها إلى ابنه سعد، والشواذ ٥٣. ٦٨ - التوبة - مُذْتَخل فأدغمت الدال في تاء الافتعال كادَّان من الدَّين. وقرأ(١) قتادة وعيسى بن عمر والأعمش مُدَخَّلًا بتشديد الدال والخاء معاً. وتوجيهُها أن الأصل: مُتَدَخَّلاً مِنْ تدخّل بالتضعيف، فلما أدغمت التاء في الدال صار اللفظ مُدَّخَّلاً نحو مُدَّيَّن مِنْ تَدَيَّن. وقرأ الحسن أيضاً ومسلمة بن محارب وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير في رواية ((مَدْخَلًا)) بفتح الميم وسكون الدال وفتح الخاء خفيفة مِنْ دخل. وقرأ الحسن في رواية محبوب كذلك إلا أنه ضَمَّ الميم جعله مِنْ أدخل. وهذا من أبرع العلم: ذكر أولاً الأمر الأعم وهو الملجأ من أي نوع كان، ثم ذكر الغَيْران التي يُختفى فيها في أعلى الأماكن وفي الجبال، ثم الأماكن التي يُختفى فيها في الأماكن السافلة وهي السُّروب(٢) وهي التي عبّر عنها بالمُذَّخل. وقال الزجاج (٣): ((يصح أن تكون المَغَارات مِنْ قولهم: حَبْل مُغار، أي: مُحكم الفتل، ثم يُستعار ذلك في الأمر المحكم المبرم فيجيء التأويل على هذا: لويَجدون نصرة أو أموراً مسددة مرتبطة تعصِمهم منكم. وجعل المُدَّخَل أيضاً قوماً يدخلون في جملتهم. وقرأ أُبَيّ مُنْدَخَلا بالنون بعد الميم مِنْ اندخل قال(٤): (١) البحر ٥٥/٥؛ الشواذ ٥٣. (٢) لعل الصواب الأسراب، ومفردها سَرّب، وهو حفير تحت الأرض لا منفَذَ له وجحر الوحشي . (٣) لم يرد في كتابه معاني القرآن. (٤) البيت للكميت وصدره : لا خَطَوْتي تتعاطى غيرَ مَوْضِعِها وهو في ديوانه ١٣/٢؛ والمنصف ٧٢/١؛ والحتسب ٢٩٦/١، واللسان: دخل؛ والبحر ٥٥/٥. والحميت: الزق الذي لا شعر عليه. وقوله ((السمن)) ورد في بعض الروايات ((السَّكَنْ)). ٦٩ - التوبة - ولا يدي في حَمِيتِ السَّمْنِ تَنْدَخِلُ ٢٥٠١_ وأنكر أبو حاتم هذه القراءة عنه، وقال: ((إنما هي بالتاء)). قلت: وهو معذورٌ لأن انفعل قاصر لا يتعدى فكيف بُني منه اسمُ مفعول؟ وقرأ(١) الأشهب العقيلي: ((لَوَ أْلَوا))، أي: بايعوا وأسرعوا، وكذلك رواها ابن أبي عبيدة(٢) بن معاوية بن نوفل عن أبيه عن جده - وكانت له صحبة - من الموالاة. وهذا ممَّا جاء فيه فَعَّل وفاعَل بمعنى نحو: ضَعَّقْتُه وضاعَفْتُه. قال سعيد بن مسلم أظنها ((لَوَأَلُوا)) بهمزة مفتوحة بعد الواو مِنْ وَأَلَ، أي: التجأ، وهذه القراءةُ(٣) نقلها الزمخشري وفسَّرها بما تقدم من الالتجاء. والجُّموح: النَّفور بإسراع ومنه فرس جَموحَ إذا لم يُرُدَّه لِجام قال(٤): ٢٥٠٢ - جَمُوحاً مَرُوحاً وإحضارُها كمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوْقَدِ وقال آخر(٥): أَشَظَّ كأنه مَسَدٌ مُغَارُ ٢٥٠٣- إذا جَمَحَتْ نساؤُكُمُ إليه وقال آخر(٦): حتى رأيتُ ذوي احسابهم جهزوا ٢٥٠٤۔ وقد جمَحْتُ چِماحاً في دمائِھمُ (١) البحر ٥٥/٥. (٢) لم أقف عليه. أما جده فهو أبو معاوية نوفل بن معاوية، صحابي عاش إلى أول خلافة يزيد. انظر: التقريب ٥٦٧. (٣) أي قراءة لوالوا وانظر: الكشاف ١٩٦/٢. (٤) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ١٨٧، واللسان: جمع؛ والبحر ٣٥/٥. الإحضار: فوق التقريب. المعمعة: صوت النار. (٥) البيت لزهير وهو في ديوانه ٣٠١، واللسان: شظظ؛ والبحر ٣٥/٥ أشظ: صار كالشِظاظ وهو ضرب من العود. والمسد: الحبل، والمغار: المفتول. ۔۔ (٦) البيت لمهلهل وهو في البحر ٣٥/٥؛ وابن عطية ٢٠٦/٨. وقوله جهزوا: كذا في الأصل مِنْ جَهَزَ على الجريح: أسرع في قتله، وهي في ابن عطية خمدوا، وفي البحر جمدوا. ٧٠ : - التوبة - وقرأ(١) أنس بن مالك والأعمش ((يَجْمِزُون))، قال ابن (٢) عطية: (يُهَرْوِلُون في مَشْيِهِم)). قيل: يَجْمِزُون ويَجْمَحون ويشتدُّون بمعنى)). وفي الحديث: ((فلما أَذْلَقَتْه الحجارة جَمَزَ)) (٣)، وقال رؤبة(٤): قارَبْتُ بِين عَنَقِي وَجَمْزِي ٢٥٠٥ - إمَّا تَرَيْنِي اليومَ أَمَّ حَمْزِ وهذا أصلُه في اللغة . وقوله: ((إليه))، عاد الضميرُ إلى الملجأ أو على المُدَّخل؛ لأن العطف بـ أو، ويجوز أن يعودَ على ((المَغَارات)) لتأويلها بمذكر. قوله: ((يَلْمِزُك)) قرأ العامة ((يلمزك)) بكسر الميم مِنْ لَمَزه يَلْمِزه، أي: عابه، وأصله الإِشارة بالعين ونحوها. قال الأزهري(٥): ((أصلُه الدفع، لَمَزْته: دفعته))، وقال الليث: ((هو الغَمْز في الوجه ومنه هُمَزَةٌ لُمْزَة، أي: كثيرُ هذين الفعلین. وقرأ(٦) يعقوب وحماد بن سلمة عن ابن كثير والحسن وأبو رجاء - ورُويت عن أبي عمرو - بضمها وهما لغتان في المضارع. وقرأ الأعمش يُلْمِزُك مِنْ أَلْمز رباعياً. وروى حماد بن سلمة: ((يُلامِزُك)) على المفاعلة من واحدٍ کسافرَ وعاقَب. وقد تقدَّم الكلام على ((إذا)) الفجائيةِ مراراً والعامل فيها: قال أبو البقاء (٧): ((يَسْخَطون)) لأنه قال: إنها ظرفُ مكان، وفيه نظر تقدَّم في نظيره. (١) البحر ٥٥/٥. (٢) المحرر ٢٠٦/٨. (٣) رواه البخاري: الطلاق ١١ (الفتح ٣٨٨/٩). (٤) تقدم برقم ٣٩٢. (٥) تهذيب اللغة ٢٢١/١٣. (٦) الشواذ ٥٣؛ البحر ٥٦/٥. (٧) الإِملاء ١٦/٢. ٧١ ب التوبة - آ. (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ولو أنَّهم رَضُوا﴾: الظاهر أن جواب ((لو)) محذوفٌ تقديره: لكان خيراً لهم. وقيل: جوابُها ((وقالوا))، والواوُ مزيدةٌ، وهذا مذهبُ الكوفيين. وقوله ((سيُؤْتينا)) ((إنَّا إلى الله راغبون)) هاتان الجملتان كالشرح لقولهم: حسبُنا الله، فلذلك لم يتعاطّفا لأنهما كالشيءٍ الواحد، فشدَّة الاتصال منعت العطف. آ. (٦٠) قوله تعالى: ﴿فريضةٌ﴾: في نصبها وجهان أحدهما: أنها مصدر على المعنى، لأن معنى إنما الصدقات للفقراء في قوة: فرض الله ذلك. [٤٤٥/أ] والثاني: أنها حالٌ من الفقراء، قاله الكرماني وأبو البقاء(١)، يَعنْيان / من الضمير المستكنّ في الجار لوقوعه خبراً، أي: إنما الصدقاتُ كانت لهم حال كونها فريضةً، أي: مفروضة. ويجوز أن تكون ((فريضة)) حينئذ بمعنى مفعولة، وإنما دخلت التاء لجريانها مجرى الأسماء كالنَّطيحة. ويجوز أن يكون مصدراً واقعاً موقع الحال. قال الزمخشري(٢): «فإن قلت: لِم عدل عن اللام إلى ((في)) في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخُ في استحقاق التصدُّق عليهم مِمَّن سَبَق ذكرُه؛ لأن ((في)) للوعاء، فنَّه على أنهم أحقاءُ بأن توضع فيهم الصدقات ويُجعلوا مَظِنَّةً لها ومَصَبًّا))، ثم قال: ((وتكرير ((في)) في قوله: ((وفي سبيل الله وابن السبيل)) فيه فضلُ ترجيحٍ لهذين على الرقاب والغارمین». ونُقِل عن سيبويه(٣) أن ((فريضة)) منصوبٌ بفعلها مقدراً، أي: فرض الله ذلك فريضة. ونُقل عن الفراء (٤) أنها منصوبة على القطع. وقرىء(٥) (فريضةٌ)) بالرفع على: تلك فريضة. (١) الإملاء ١٧/٢. (٢) الكشاف ١٩٨/٢. (٣) لم أجد إعراب سيبويه لهذه اللفظة، وإنما أعرب نظائرها على النصب بفعلها مقدراً. (٤) معاني القرآن ٤٤٤/٢. الكتاب ١٥٧/١. (٥) قراءة إبراهيم ابن أبي عبلة. انظر: القرطبي ١٩٢/٨؛ البحر ٦١/٥. ٧٢ - التوبة - والغُرْم أصله لُزوم شيءٍ شاق ومنه قيل للعشق غرام، ويُعَبِّر به عن الهلاك في قوله تعالى: ((إنَّ عذابها كان غراماً))(١)، وغَرامَةُ المال(٢) فيها مشقة عظيمة . آ. (٦١) قوله تعالى: ﴿أُذُنُ خير لكم﴾: ((أُذُن)) خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أُذُنُ خيرٍ. والجمهور على جَرِّ ((خيرِ)) بالإِضافة. وقرأ(٣) الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبو بكر عن عاصم(٤) ((أُذنٌ)) بالتنوين، ((خيرٌ)) بالرفع وفيها وجهان، أحدهما: أنها وصف لـ ((أُذُن)). والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر. و ((خير)) يجوز أن تكون وصفاً من غير تفضيل، أي: أُذُنُ ذو خيرٍ لكم، ويجوز أن تكونَ للتفضيل على بابها، أي: أكثر خير لكم. وجوَّز صاحب ((اللوامح)) أن يكونَ ((أذن)) مبتدأ و ((خير)) خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة لأنها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذنَ لا يؤاخذكم خير لكم مِنْ أُذُنٍ يؤاخذكم. ويقال: رَجُلٌ أُذُنْ، أي: يسمع كل ما يقال. وفيه تأويلان أحدهما: أنه سُمِّي بالجارحة لأنها آلة السماع، وهي معظم ما يُقْصد منه كقولهم للربيئة(٥): عين. وقيل: المرادُ بالأذن هنا الجارحة، وحينئذٍ تكونُ على حَذْف مضاف، أي: ذو أذن. والثاني: أن الأذن وصفٌ على فُعُل كأُنْف(٦) وشُلل(٧)، يقال: أَذِن يَأْذَن فهو أُذُن، قال(٨): (١) الآية ٦٥ من سورة الفرقان. (٢) الغرامة: الخسارة، والغرامة في المال: ما يلزم أداؤه. (٣) الحجة ٣١٩؛ الشواذ ٥٤؛ البحر ٦٢/٥. (٤) في رواية الأعمش كما في الحجة ٣١٩. (٥) الربيئة: الطليعة يُنْظر للقوم لئلا يَذْهَمَهم عدوًّ. (٦) الأنف: الجدید. (٧) الشُلل: الخفيف السريع. (٨) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٦٢/٥. ٧٣ - التوبة - ينالُون مِنْ عِرْضي ولو شئتَ ما نالوا ٢٥٠٦ - وقد صِرْتَ أُذْناً للوشاة سَمیعةً قوله: ((ورحمةٌ))، قرأ الجمهور: ((ورحمة))، رفعاً نسقاً على ((أذن ورحمة))، فيمن رفع ((رحمة)). وقال بعضهم: هو عطف على ((يؤمن))؛ لأن يؤمن)) في محل رفع صفة لـ ((أذن)) تقديره: أذن مؤمنٌ ورحمةٌ. وقرأ(١) حمزةُ والأعمش: ((ورحمة)) بالجر نسقاً على ((خير)) المخفوض بإضافة ((أذن)) إليه. والجملة على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين تقديره: أذن خير ورحمة. وقرأ ابن أبي عبلة: ((ورحمةً نصباً على أنه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يَأْذَنُ لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: ((قل أُذُن خير)». والباءُ واللام في ((يؤمن بالله)) ((ويؤمن للمؤمنين)) مُعَدِّيتان قد تقدَّم الكلامُ عليهما في أول هذا الموضوع. وقال الزمخشري(٢): ((قصد التصديقَ بالله الذي هو نقيض الكفر فعدَّى بالباء، وقصد الاستماعَ للمؤمنين، وأن يُسَلِّم لهم ما يقولون فعدَّى باللام، ألا ترى إلى قوله: ((وما أنت بمؤمن لنا ولوكنا صادقين))(٣). ما أنباه عن الباء، ونحوه: ((فما آمن لموسى))(٤) ((أنؤمن لك واتَّبعك الْأَرْذَلون))(٥) ((آمنتم له))(٦). وقال ابن قتيبة(٧): ((هما زائدتان، والمعنى: يصدِّق الله ويصدِّق المؤمنين)) وهذا قولٌ مردودٌ، ويدلُّ على عدم الزيادة تغايرُ الحرف الزائد، فلو لم يُقْصَدْ معنىً مستقلٌ لَمَا غاير بين الحرفين. وقال المبرد: ((هي متعلقةً بمصدرٍ مقدر من الفعل كأنه قال: وإيمانه (١) السبعة ٣١٥؛ الحجة ٣٢٠؛ البحر ٦٣/٥. (٢) الكشاف ١٩٩/٢. (٣) الآية ١٧ من سورة يوسف. (٤) الآية ٨٣ من سورة يونس. (٥) الآية ١١١ من سورة الشعراء. (٦) الآية ٤٩ من سورة الشعراء. (٧) تأويل مشكل القرآن ١٨٣. ٧٤ - التوبة - للمؤمنين)). وقيل: يقال: آمنتُ لك بمعنى صَدَّقْتُكَ، ومنه ((وما أنت بمؤمنٍ لنا)»(١). وعندي أن هذه اللامَ في ضمنها ((ما)» فالمعنى: ويصدَّق للمؤمنين بما يُخبرونه به. وقال أبو البقاء (٢): ((واللام في للمؤمنين زائدةٌ دَخَلَتْ لتفرِّقَ بين ((يؤمن)» بمعنى يُصَدِّق، وبين يؤمن بمعنى يثبت الإِيمان)). آ. (٦٢) قوله تعالى: ﴿والله ورسولُه أحقُّ أن يُرْضوه﴾: إنما أفرد الضمير في ((يُرْضوه))، وإن كان الأصل في العطف بالواو المطابقةً لوجوهٍ أحدُها: أنَّ رضا الله ورسوله شيء واحد: مَنْ أطاع الرسول فقد أطاع [الله](٣)، ((إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله))(٤)، فلذلك جعل الضميرين ضميراً واحداً مَنْبَهة على ذلك. والثاني: أن الضميرَ عائد على المثنى بلفظ الواحد بتأويل ((المذكور)) كقول رؤية(٥): ٢٥٠٧ - فيها خطوطٌ مِنْ سوادٍ وبَلَقْ كأنه في الجلد تَوْلِيْعُ البَهَقْ أي: كأن ذاك المذكور. وقد تقدَّم لك بيان هذا في أوائل البقرة. الثالث: قال المبرد: في الكلام تقديمٌ وتأخير تقديره: والله أحقُّ أن يُرْضوه ورسولُه. قلت: وهذا على رأي مَنْ يدَّعي / الحَذْفَ من الثاني. الرابع: [٤٤٥/ب] وهو مذهب سيبويه(٦) أنه حَذَّفَ خبر الأول وأبقى خبر الثاني. وهو أحسن من عكسه وهو قولُ المبردِ، لأن فيه عدمَ الفصل بين المبتدأ أو خبره، ولأن فيه أيضاً الإِخبار بالشيء عن الأقرب إليه، وأيضاً فهو متعيَّنٌ في قول الشاعر (٧): (١) الآية ١٧ من سورة يوسف. (٢) الإملاء ١٧/٢. (٣) سقطت سهواً من الأصل وأثبتناها من ش. (٤) الآية ١٠ من سورة الفتح. (٥) تقدم برقم ٥٣٩. (٦) الكتاب ٣٨/١. (٧) تقدم برقم ١٠٧٨. ٧٥ - التوبة ٢٥٠٨- نحن بما عندنا وأنت بما والرأى مختلف عندك راض أي: نحن راضُون، حَذَفَ ((راضون)) لدلالةِ خبر الثاني عليه. قال ابن عطية(١): ((مذهبُ سيبويهِ أنهما جملتان حُذِفَت الأولى لدلالةِ الثانيةِ عليها)). قال الشيخ(٢): ((إن كان الضمير في ((أنهما))(٣) عائداً على كلٍّ واحدةٍ من الجملتين فكيف يقول ((حُذفت الأولى)) والْأُوْلِى لم تُحْذَفْ، إنما حُذِفَ خبرُها، وإن كان عائداً على الخبر وهو ((أحقُّ أن يُرْضوه)) فلا يكونُ جملةً إلا باعتقاد أن يكون ((أن يُرْضُوه)) مبتدأً وخبره ((أحقُّ)) مقدَّماً عليه، ولا يتعيَّنُ هذا القولُ إذ يجوزُ أن يكونَ الخبرُ مفرداً بأن يكونَ التقدير: أحقُّ بأَنْ تُرْضوه)). قلت: إنما أراد أبو محمد التقديرَ الأول وهو المشهورُ عند المُعْربين: يجعلون ((أحق)) خبراً مقدماً، و((أن يرضوه) مبتدأ مؤخراً [أي]: واللَّهُ ورسولُه إرضاؤه أحقُّ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا قريباً في قوله: ((فاللَّهُ أحقُّ أن يَخْشَوه))(٤). و ((إن كانوا مؤمنين)» شرطٌ جوابُه محذوفٌ أو متقدم. آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿أَلَم يَعْلَموا﴾: الجمهورُ: على ((يَعْلموا)) بياء الغيبة رَدَّاً على المنافقين. وقرأ(٥) الحسن والأعرج: ((تَعْلموا)) بتاء الخطاب. فقيل: هو التفاتُ من الغَيْبة إلى الخطاب إن كان المرادُ المنافقين. وقيل: الخطاب للنبي عليه السلام، وأتى بصيغةِ الجمع تعظيماً كقوله(٦): ٢٥٠٩ - وإن شِئْتِ حرَّمْتُ النساءَ سواكم (١) المحرر ٢٢١/٨. (٢) البحر ٦٤/٥. (٣) أي في عبارة ابن عطية السابقة. (٤) الآية ١٣ من سورة التوبة. (٥) البحر ٦٤/٥. (٦) تقدم برقم ١٠٢٤. ٧٦ - التوبة - وقيل: الخطابُ للمؤمنين، وبهذه التقادير الثلاثةِ يختلف معنى الاستفهام: فعلى الأول يكونُ الاستفهامُ للتقريع والتوبيخ، وعلى الثاني يكون للتعجبِ مِنْ حالهم، وعلى الثالث يكون للتقرير. والعِلْم هنا يُحْتمل أن يكون على بابِه فتسدُّ ((أَنْ)) مسدّ مفعولَيْن عند سيبويه(١)، ومسدٍّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش، وأن يكونَ بمعنى العرفان فتسدَّ ((أنَّ) مسدَّ مفعول. و((مَنْ)) شرطية و((فأنَّ له نارَ)) جوابُها، وفتحت ((أنَّ) بعد الفاء لِما عُرِف في الأنعام(٢) والجملة الشرطيةُ في محلِّ رفعٍ خبرِ «أنّ) الأولى. وهذا تخريجٌ واضحٌ وقد عدل عن هذا الواضحِ جماعةٌ إلى وجوهٍ أُخرَ فقال الزمخشري(٣): ((ويجوز أن يكونَ ((فأنَّ له)) معطوفاً على ((أنه)) على أنَّ جوابَ ((مَنْ)) محذوفٌ تقديره: ألم يعلموا أنَّه مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ ورسولَه يُهْلَكْ فأنَّ له)). وقال الجرمي والمبرد: ((أَنَّ) الثانيةُ مكررةُ للتوكيد كأن التقدير: فلهنارُ جهنم، وكُرِّرت ((أنَّ)) توكيداً. وشبَّهه أبو البقاء(٤) بقوله تعالى: ((ثم إنَّ ربَّك للذين عَمِلوا السوء)»(٥)، ثم قال: ((إن ربك مِنْ بَعْدِها)) قال: ((والفاءُ على هذا جوابُ الشرط)». وقد رَدَّ الشيخ (٦) على الزمخشري قولَه بأنهم نصُّوا على أنه إذا حُذِف جوابُ الشرط لَزِمِ أن يكونَ فعلُ الشرط ماضياً أو مضارعاً مقروناً بـ((لم))، (١) الكتاب ٦٤/١. (٢) انظر إعرابه للآية ٥٤ من سورة الأنعام. (٣) الكشاف ١٩٩/٢. (٤) الإِملاء ١٧/٢. (٥) الآية ١١٩ من سورة النحل. (٦) البحر ٦٥/٥. ٧٧ - التوبة - والجوابُ على قولِه محذوفٌ، وفعلُ الشرطِ مضارعٌ غيرُ مقترنٍ بـ لم، وأيضاً فإنّا نجدُ الكلامَ تاماً بدون هذا الذي قدَّره)). وقد نُقِل عن سيبويه(١) أنه قال: ((الثانيةُ بدلٌّ من الأولى))، وهذا لا يَصِحّ عن سيبويه فإنه ضعيف أو ممتنع. وقد ضَعَّفه أبو البقاء(٢) بوجهين، أحدهما: أنَّ الفاءَ تمنعُ من ذلك، والحكمُ بزيادِها ضعيفٌ. والثاني: أنَّ جَعْلَها بدلاً يوجب سقوط جواب ((مَنْ)) مِن الكلام)). وقال ابن عطية(٣): ((وهذا يُعْتَرَضُ بأنَّ الشيءَ لا يُبدل منه حتى يُسْتوفى، والأُولى في هذا الموضع لم يأتِ خبرُها بعدُ، إذ لم يأتِ جوابُ الشرط، وتلك الجملةُ هي الخبر. وأيضاً فإنَّ الِفاءَ تمانعُ البدلَ، [وأيضاً}(٤) فهي في معنى آخرَ غيرِ البدل فيقلقُ البدل)). وقال بعضهم: ((فيجب على تقدير اللام أي: فلأنَّ له نار جهنم وعلى هذا فلا بد من إضمار شيءٍ يتمُّ به جواب الشرط تقديره: فمُحادَّتُه لأنَّ له نارَ جهنم». وهذه كلُّها تكلُّفاتٌ لا يُحتاج إليها، فَالْأُولَى ما تقدم ماذكره: وهو أن يكونَ ((أنَّ له نار جهنم)» في محلِّ رفعٍ بالابتداء والخبرُ محذوفٌ، وينبغي أن تقدِّرَه متقدماً عليها كما فعل الزمخشري وغيرُه أي: فحقٌّ أنَّ له نارَ جهنم. وقدَّره غيرُه متأخراً أي: فأنَّ له نار جهنم واجبٌ. كذا قدَّره الأخفش (٥). ورَدُوه عليه بأنها لا يُبتدأ بها، وهذا لا يُلْزِمُه فإنه يُجيز الابتداء بـ((أنَّ)) المفتوحةِ من (١) استشهد سيبويه بهذه الآية على مسألة فتح الهمزة ثم قال: ((ولوقال ((فإنَّ)) كانت عربية جيدة)). الكتاب ٤٦٧/١. ولم أقف في كتابه على مسألة البدل المنقولة عنه. (٢) الإِملاء ١٧/٢. (٣) المحرر ٢٢٢/٨. (٤) من المحرر. (٥) لم يرد هذا التقدير في كتابه ((معاني القرآن)). ٧٨ - التوبة - غيرِ تقديمٍ خبر، وغيرُه لا يُجيز الابتداءَ بها إلا بشرطِ تقدُّمِ ((أمَّ)) نحو: ((أمَّا أنك ذاهبٌ فعندي)) أو بشرطِ تقدُّمِ الخبر نحو: ((عندي / أنَّك مُنْطَلق)). وقيل: ((فأنَّ له)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: فالواجبُ أنَّ له. وهذه الجملةُ التي بعد الفاء مع الفاء في محلِّ جزم جواباً للشرط. [٤٤٦/أ] وقرأ(١) أبو عمرو - فيما رواه أبو عبيدة - والحسن وابن أبي عبلة ((فإنَّ) بالكسر وهي قراءةً حسنةً قوية، تقدَّم أنه قرأ [بها](٢) بعضُ السبعة في الأنعام(٣)، وتقدَّم هناك توجيهُها. والمُحَادَّة: المخالفةُ والمعاندةُ ومجاوزةُ الحدِّ والمعاداة. قيل: مشتقةً مِن الحدّ وهو حَدُّ السلاح الذي يحارَبُ به من الحديد. وقيل: من الحدّ الذي هو الجهةُ كأنه في حدٍّ غيرِ حدٍّ صاحبِه كقولهم: شاقُّه أي: كان في شقٍ غيرِ شقِّ صاحبه. وعاداه: أي كان في عُدْوَة غيرِ عُدْوَته. واختار بعضُهم قراءةً الكسرِ بأنها لا تُحْوِج إلى إضمار، ولم يُروَ قولُه(٤): وجِرْوَةً لا تُعارُ ولا تُباعُ ٢٥١٠ - فَمَنْ يكُ سائلاً عني فإني إلا بالكسرِ، وهذا غيرُ لازمٍ فإنه جاء على أحد الجائزين. و((خالداً)) نصبٌ على الحال. آ. (٦٤) قوله تعالى: ﴿أَنْ تُنَزَّل﴾: مفعولٌ به ناصبُه يحذر، فإن (١) البحر ٦٥/٥. (٢) زيادة من ش. (٣) انظر إعرابه للآية ٥٤ من سورة الأنعام. (٤) البيت لشدَّاد العبسي ورواية العجز المشهورة: وجروةً لا تَرُوْدُ ولا تُعارُ وهو في الكتاب ١٥٢/١؛ واللسان: جرا. وجروة اسم فرسه. ٧٩ - التوبة - ((يَحْذَر)) متعدٍّ بنفسِه لقوله تعالى: ((ويُحَذِّركم اللَّهُ نفسَه)» (١) لولا أنه متعدٍّ في الأصل لواحدٍ لَما اكتسب التضعيف مفعولاً ثانياً، ويدلُّ عليه أيضاً ما أنشده سيبويه(٢): ٢٥١١ - حَذِرٌ أُموراً لا تَضِيرُ وَآَمِنٌ ما ليسَ مُنْجَيَه من الْأَقْدَارِ وفي البيت كلامٌ، قيل: إنه مصنوع، وهو فاسد أتقنت حكايته في ((شرح التسهيل)) وقال المبرد: ((إنَّ)) حَذِر لا يتعدى)) قال: لأنه من هَيْئاتِ النفسِ كفَزِع، وهذا غير لازم فإنَّ لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍ كخاف وخشِي فإِنَّ (تُنَزَّل)) عند المبرد على إسقاط الخافض أي: مِنْ أَنْ تُنَزَّل. وقوله ((تُنَبَّثهم)) في موضع الرفع صفةً لـ «سورة)). آ. (٦٥) قوله تعالى: ﴿أبالله﴾: متعلقٌ بقوله: ((تستهزئون)) و ((تستهزئون)) خبرُ كان. وفيه دليلٌ على تقديم خبر كان عليها، لأنَّ تقديمَ : المعمول يُؤْذِن بتقديم العامل، وقد تقدم معمول الخبر على ((كان)) فَلْيَجُزْ تقديمُه بطريق الأولى: وفيه بحث: وذلك أن ابنَ مالك قَدَح في هذا الدليلِ بقوله تعالى: ((فأمَّا اليتيمَ فلا تقهرْ وأما السائلَ فلا تَنْهَرْ))(٣) قال: ((فاليتيم والسائل قد تَقَدَّما على ((لا)) الناهية والعاملُ فيهما ما بعدها، ولا يجوز تقدیم ما بعد (لا)) الناهية عليها لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ حيث لا يتقدَّم العامل. ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر ليس بقوله: ((ألا يومَ يأتيهم ليس مصروفاً عنهم))(٤). (١) الآية ٣٠ من سورة آل عمران. (٢) يقال إن هذا البيت صنعه أبان اللاحقي، وهو في الكتاب ٥٨/١؛ المقتضب ١١٦/٢؛ أمالي الشجري ٥٤٣/٢؛ ابن يعيش ٧١/٦؛ الخزانة ٤٥٦/٣. (٣) الآيتان ٩ - ١٠ من سورة الضحى. (٤) الآية ٨ من سورة هود. ٨٠