Indexed OCR Text
Pages 621-640
- الأنفال ـ المحذوف إذ التقدير: الذي عاهدتهم أي: كائنين منهم، فـ ((مِنْ)) للتبعيض. وقيل: هي (١) بمعنى مع. وقيل: الكلامُ محمولٌ على معناه، أي: أَخَذْتَ منهم العهدَ. وقيل: زائدةٌ أي: عاهَدْتَهم. والأقوالُ الثلاثةُ ضعيفةٌ والأول اصحُ. آ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ﴾: العامَّةُ على الدال المهملة والتشريدُ: التطريد والتفريقُ والتسميع، وهذه المعاني كلَّها لائقة بالآية. وقرأ (٢) الأعمش بخلافٍ عنه بالذال المعجمة. قال الشيخ (٣): ((وكذا هي في مصحف عبدالله)). قلت: وقد تقدم أن النَّقْط والشَّكْلَ أمرٌ حادثٌ أحدثه يحيى بن يعمر فكيف يُوْجَد ذلك في مصحف ابن مسعود؟ قيل: وهذه المادة أعني الشين والراء والذال المعجمة مهملةٌ في لغة العرب. وفي هذه القراءةِ أوجه أحدها: أن الذالَ بدلٌ من مجاورتها (٤) كقولهم: لحم خراديل وخراذيل (٥). الثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ شذر من قولهم: تفرقوا شَذَر مَذَر، ومنه الشَّذْرِ المُلْتَقَطُ من المعدن لتفرُّقِه، قال(٦): يُحَلَّيْنَ ياقوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا ٢٤٣٣ - غرائِرُ في كِنِّ وصَوْنٍ ونَعْمة الثالث: أنه مِنْ «شَذَر في مقاله)) إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاء (٧)، ومعناه غير لائق هنا. وقال قطرب: ((شرذ)) بالمعجمة: التنكيل، وبالمهملة التفريق، وهذا يقوِّي قول مَنْ قال: إن هذه المادة ثابتةٌ في لغة العرب. (١) قوله ((هي)) تكرر سهواً في الأصل. (٢) البحر ٥٠٩/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٣) البحر ٥٠٩/٤. (٤) لعله يعني بالمجاورة أن الدال في الترتيب المعجمي تجاور الذال. (٥) لحم خراديل: لحم مقطّعٌ قطعاً وافرة. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان فقر، والبحر ٥٠٩/٤. وفقر الخرز: ثقبه. (٧) الإملاء ٩/٢. ٦٢١ - الأنفال - قوله: ((مَنْ خَلْفَهم)) مفعولُ ((شَرِّد)). وقرأ(١) الأعمش - بخلافٍ عنه - وأبو حيوة ((مِنْ خلفِهِم)) جاراً ومجروراً. والمفعولُ على هذه القراءةِ محذوفٌ أي: فَشَرِّدْ أمثالَهم من الأعداء أو ناساً يعملون بعملهم. والضميران في [٤٣١/أ] (لعلهم يَذْكِّرون)) الظاهر عَوْدُهما على ((مَنْ خلفهم))، أي: إذا رَأَوا ما / حَلَّ بالناقِضين (٢) تذكَّروا. وقيل: يعودان على المُنْقِضين، وليس له معنى طائل. آ. (٥٨) قوله تعالى: ﴿فاتْبِذْ إليهم): مفعولُه محذوف، أي: انبِذْ إليهم عهودَهم، أي: اطرَحْها ولا تكترِثْ بها. و((على سواء)) حال إمَّا: من الفاعِل أي: انبذها وأنت على طريقٍ قَصْدٍ، أي: كائناً على عدل فلا تَبْغَتْهُمْ بالقتال، بل أَعْلِمْهم به، وإمّا من الفاعل والمفعول معاً، أي: كائنين على استواء في العلم أو في العداوة. وقرأ العامة بفتح السين، وزيد(٣) بن علي بكسرِها، وهي لغةٌ تقدَّمَ التنبيهُ عليها أولَ البقرة (٤). قوله: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائنين)) يُحتمل أن تكون هذه الجملةُ تعليلاً معنوياً للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامُهم، وأن تكونَ مستأنفةٌ سِيْقَتْ لِذَمِّ مَنْ خان رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَقَضَ عهده. آ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ﴾: قرأ(٥) ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ((يَحْسَبَنَّ) بياء الغيبة هنا، وفي النور(٦) في قوله ((لا يَحْسَبَنَّ (١) البحر ٥٠٩/٤؛ الشواذ، ص ٥٠. (٢) ش: بالناكصين. (٣) البحر ٥٠٩/٤ - ٥١٠. (٤) لم يُشِرْ إلى شيء. وانظر في لغاتها: اللسان: سوي. (٥) السبعة، ص ٣٠٧؛ الحجة، ص ٣١٢؛ البحر ٤/ ٥١٠. (٦) الآية ٥٧ . ٦٢٢ - الأنفال ـ الذين كفروا معجزين [في الأرض])) كذلك خلا حَفْصاً(١). والباقون بتاء الخطاب . وفي قراءة الغَيْبةِ تخريجاتٌ كثيرة سَبَقَ نظائرُها في أواخر (٢) آل عمران. ولا بد مِنْ ذكر ما ينبِّهك هنا على ما تقدَّم فمنها: أن الفعلَ مسندٌ إلى ضميرٍ يُفَسِّره السياق تقديره: ولا يَحْسَبَنَّ هو أي قبيل المؤمنين أو الرسول أو حاسب، أو يكون الضمير عائداً على مَنْ خلفهم. وعلى هذه الأقوال فيجوزُ أن يكون ((الذين كفروا)) مفعولاً أولَ، و((سبقوا)) جملة في محل نصب مفعولاً ثانياً. وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى ((الذين كفروا)) ثم اختلفوا(٣) هؤلاء في المفعولين: فقال قوم: الأولُ محذوفٌ تقديره: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين كفروا سبقوا، فـ((هم)) مفعول أول، و((سَبَقوا)) في محلّ الثاني، أو يكون التقدير: لا يَحْسَبنَّ الذين كفروا أنفسَهم سَبَقوا، وهو في المعنى كالذي قبله. وقال قومٌ: بل (أن)) الموصولة محذوفة، وهي وما في حيِّزها سادةٌ مَسَدَّ المفعولين، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنْ سبقوا، فحذفت ((أن)) الموصولة وبقيت صلتها كقوله ((ومِنْ آياته يُرِيكم))، (٤) أي: أن يريكم وقولهم: ((تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه»(٥) وقوله(٦): ٢٤٣٤ - ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ عبدالله ((أنهم سبقوا)). وقال قوم: ((بل ((سبقوا)) في (١) فحفص قرأ في النور بالتاء. (٢) انظر: إعرابه للآية ١٨٨. (٣) كذا على لغة أكلوني البراغيث. (٤) الآية ٢٤ من سورة الروم. (٥) مجمع الأمثال ١٢٩/١، ويضرب لمن خَبْرُه خير مِنْ مَرآه. (٦) تقدم برقم (٥٢١). ٦٢٣ - الأنفال ـ محلِّ نصبٍ على الحال، والسادُّ مَسَدَّ المفعولين ((أنهم لا يعجزون)) في قراءة. مَنْ قرأ بفتح ((أنهم)) وهو ابن عامر، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا سابقين: أنهم لا يعجزون، وتكون ((لا)) مزيدةً ليصح المعنى)). قال الزمخشري(١) بعد ذِكْره هذه الأوجه: ((وليست هذه القراءةُ التي تَفَرَّد بها حمزةُ بنِّرة)). وقد رَدَّ عليه جماعةٌ (٢) هذا القولَ وقالوا: لم ينفرد بها حمزةُ بل وافقه عليها مِنْ قُرَّاء السبعةِ ابنُ عامر أسنُّ القراءِ وأعلاهم إسناداً، وعاصمٌ في رواية حفص، ثم هي قراءةُ أبي جعفر المدني شيخٍ نافع وأبي عبدالرحمن السلمي وابن محيصن وعيسى والأعمش والحسن البصري وأبي رجاء وطلحةٍ وابن أبي ليلى. وقد رَدَّ الشيخ (٣) عليه أيضاً أنَّ (لا يحسبَنَّ) واقع على ((أنهم لا يُعْجِزون)) وتكونُ ((لا)) صلة بأنه لا يتأتّى على قراءة حمزة، فإنَّ حمزة يقرأ بكسر الهمزة يعني فكيف تلتثم قراءةُ حمزة على هذا التخريج؟ قلت: هولم يلتزم التخريج على قراءة حمزة في الموضعين: أعني ((لا يَحْسَبَنَّ)) وقولهم ((أنهم لا يعجزون)) حتى نُلْزِمه ما ذكر. وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ أي: لا تَحْسَنَّ يا محمدُ أو يا سامعُ، و ((الذين كفروا)) مفعولٌ أولُ، والثاني ((سبقوا)»، وكان قد تقدَّم في آل عمران: وجهٌ: أنه يجوز أن يكون الفاعلُ الموصولَ، وإنما أتى بتاء التأنيث لأنه بمعنى القوم كقوله: ((كَذَّبَتْ قوم نوح))(٤)، وتقدَّمَ لك فيه بحثٌ وهو عائدُ ههنا. وأمَّا قراءةُ الباقين في النور ففيها ما ذُكِر ههنا إلا الوجه الذي فيه تقديرُ ((أنْ)) الموصولة لتعذُّرِ ذلك، ولكن يَخْلُفُه وجه آخر لا يتأتى ههنا: وهو أن يكون (١) الكشاف ١٦٥/٢. (٢) انظر: البحر ٤ /٥١٠. (٣) البحر ٥١٠/٤. (٤) الآية ١٠٥ من سورة الشعراء. ٦٢٤ - الأنفال - (الذين كفروا)) فاعلًا، و((مُعْجزين)) مفعول أول و((في الأرض)) الثاني. أي: لا تَحْسَبوا أحداً يعجز الله في الأرض أي بقوته. وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ على ما قدَّمته لك. وقرأ(١) الأعمش: ((ولا يَحْسَبَ الذين كفروا)) بفتح الباء. وتخريجها أن الفعلَ مؤكّد بنون التوكيد الخفيفة، فَحَذَفَها لالتقاء الساكنين، كما يُحْذَفُ له التنوين فهو كقول الآخر(٢): ٢٤٣٥ - لا تُهينَ الفقير عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يوماً والدهرُ قد رفعهْ أي: لا تهيئَنَّ. ونقل(٣) بعضهم: ((ولا تحسَبِ الذين)) من غير توكيد البتة. وهذه القراءةُ بكسرٍ الباء على أصل التقاء الساكنين. قولهم: (إنَّهم لا يُعْجِزون)) قرأ ابن عامر(٤) بالفتح(٥)، والباقون بالكسر. فالفتح: إمَّا على حَذْفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر. ووجهُ الاستبعادِ أنها تعليلٍ للنهي أي: لا تَحْسَبَنَّهم فائتين لأنهم لا يُعْجزون، أي: لا يقع منك حسبانٌ لقولهم لأنهم لا يُعْجزون، وإمَّا على أنها بدلٌ من مفعول الحسبان. وقال أبو البقاء(٦): ((إنه متعلقٌ بتحسب: / إمَّا مفعولٌ أو بدلٌ من [٤٣١/ب] (سَبَقوا))، وعلى كلا الوجهين تكون ((لا)) زائدةً. وهو ضعيفٌ لوجهين: (١) البحر ٥١٠/٤. (٢) تقدم برقم (٤٢٢). (٣) ذكرها صاحب الكشاف ١٦٥/٢ من دون نسبة. (٤) السبعة ص ٣٠٨؛ الحجة ص ٣١٢؛ البحر ٥١٠/٤. (٥) أي فتح همزة أنَّ. (٦) الإِملاء ٩/٢. ٦٢٥ - الأنفال - أحدهما: زيادة لا، والثاني: أن مفعول ((حَسِب)) إذا كان جملةً وكان مفعولاً ثانياً كانت ((إنَّ)) فيه مكسورة لأنه موضعُ ابتداء وخبر)). قوله: ((لا يُعْجزون)» العامَّةُ بنون واحدة خفيفةٍ مفتوحةٍ وهي نونُ الرفع. وقرأ(١) ابن محيصن (يُعْجِزوني)) بنونٍ واحدةٍ بعدها ياء المتكلم، وهي نون الوقاية أو نون الرفع وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك في سورة الأنعام في (أتحاجُّوني))(٢). قال الزجاج (٣): ((الاختيارُ الفتحُ في النون، ويجوز كسرُها على أن المعنى: لا يُعْجزونني، وتُحْذف النونُ الأولى لاجتماع النونين كما قال عمر بن أبي ربيعة (٤): ٢٤٣٦ - تراه كالثَّغَام يُعَلُّ مِسْكاً فليني يسوءُ الفاليات إذا مـ وقال متمم بن نويرة (٥): ٢٤٣٧ - ولقد عَلِمْتٍ ولا محالةَ أنني للحادثات فهل تَرَيْنِي أَجْزِعُ قال الأخفش في هذا البيت(٦): ((فهذا يجوز على الاضطرار)). وقرأ ابن محيصن أيضاً ((يُعْجِزونِ)) بنون مشددة مكسورةٍ، أدغم نون الرفع في نون الوقاية وحذف ياء الإِضافة مُجْتِئاً عنها بالكسرة. وعنه أيضاً فتحُ العين وتشديدُ الجيم وكسر النون، مِنْ ((عَجَّز)) مشدّداً. قال أبو جعفر(٧): (١) البحر ٤ /٥١٠؛ الشواذ ص ٥٠. (٢) الآية ٨٠ من سورة الأنعام. (٣) معاني القرآن له ٤٦٧/٢. (٤) كذا في الأصل، والصواب أنه لعمروبن معد يكرب وتقدم البيت برقم (٧٥٠). (٥) ابن عطية ٨٨/٨؛ البحر ٥١١/٤. (٦) لم يستشهد الأخفش في ((معاني القرآن)) بهذا البيت، وإنما استشهد بما قبله على أنه حذف النون الآخرة فحسب. (٧) أبو جعفر النحاس ولم يرد هذا القول في ((إعراب القرآن)). ٦٢٦ 1 - الأنفال - ((وهذا خطأً من وجهين أحدهما: أن معنى عجَّزه ضعَّفه وضعَّف أمره، والآخر: كان يجب أن يكون بنونين)) قلت: أمَّا تخطئة النحاس له فخطأً، لأن الإتيان بالنونين ليس بواجب، بل هو جائز، وقد قرىء به في مواضع في المتواتر سيأتي بعضُها. وأما عجّز بالتشديد فليس معناه مقتصراً على ما ذكر بل نَقَل غيرُه من أهل اللغة أن معناه نسبتي إلى العجز، وأن معناه بَطَأ وثبَّط، والقراءة معناها لائقٌ بأحد المعنيين. وقرأ طلحة بكسر النون خفيفةً. ١. (٦٠) قوله تعالى: ﴿مِنْ قوةٍ﴾: في محلِّ نصبٍ على الحال، وفي صاحبها وجهان أحدهما: أنه الموصولُ. والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقدير: ما استطعتموه حال كونه بعضَ القوة. ويجوز أن تكون ((مِنْ)) لبيان الجنس. و ((رباط)) جوَّزوا فيه أن يكون جمعاً لـ ((رَبْطِ)) مصدر رَبَطِ يَرْبُط نحو: كَعْب وكِعاب، وكلب وكلاب، وأن يكون مصدراً لـ ((رَبَط)) نحو: صاح صِياحاً قالوا: لأن مصادر الثلاثي لا تنقاس، وأن يكونَ مصدرَ ((رابط)). ومعنى المفاعلة أنَّ ارتباط الخيل يفعله كلُّ واحد لفعل الآخر، فيرابط المؤمنون بعضهم بعضاً، قال معناه ابن عطية(١). قال الشيخ(٢): ((قوله ((مصادرُ الثلاثي غيرِ المزيد لا تنقاس» ليس بصحيح، بل لها مصادرُ منقاسةٌ ذكرها النحويون» قلت: في المسألة خلافٌ مشهور، وهو لم ينقل الإِجماعَ على عَدَمِ القياس حتى يَرُدَّ عليه بالخلاف، فإنه قد يكون اختار أحدَ المذاهب وقال به، فلا يُردُّ عليه بالقول الآخر. وقال الزمخشري(٣): ((والرِّباط: اسم للخيل التي تُرْبَطُ في سبيل الله، ويجوز أن يُسَمَّى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن (١) المحرر ١٠١/٨، وعبارته: ((فإذا ربط كل منهم فرساً لأجل صاحبه فقد حصل بينهم رباط». (٢) البحر ٥١٢/٤. (٣) الكشاف ١٦٥/٢. ٦٢٧ ۔ الأنفال ـ يكونَ جمعَ رَبيط، بِعني بمعنى مربوط كفَصِيل وفِصال))(١). والمصدر هنا مضافٌ لمفعول له .. قوله: ((تُرْهبون)) يجوز أن يكونَ حالاً من فاعل ((أعِدُّوا)) أي: حَصِّلوا لهم هذا حالَ كونكم مُرْهِبين، وأن يكون حالاً من مفعوله وهو الموصولُ أي: أعِدُّوه مُرْهَباً به، وجاز نسبتُه لكلِّ منها لأنَّ في الجملة ضميرَيْهما، هذا إذا أَعَدْنا الضمير من (به)) على ((ما)) الموصولة. أمَّا إذا أَعَدْناه على الإِعدادِ المدلول عليه بأَعِدُّوا، أو على الرِّباط، أو على القوة بتأويل الحَوْل فلا يتأتّى مجيثُها من الموصول. ويجوز أن يكون حالاً من ضمير ((لهم)) كذا نقله الشيخ عن غيره فقال(٢): (وتُرْهبون قالوا: حال من ضمير ((أعِدُّوا)) أو من ضمير (هم)) ولم يَتَعَقُّبْه بنكبير، وكيف يَصِحُّ جَعْلُه حالاً من الضمير في ((لهم)) ولا رابط بينهما؟ ولا يُصِحُ تقديرُ ضمير في جملة ((تُرْهبون)» لأُخْذِه معمولَه. وقرأ(٣) الحسن ويعقوب ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو: ((تُرَّهِّبون)» مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف كما عدَّاه العامة بالهمزة، والمفعول الثاني على كلتا القراءتين محذوف لأن الفعل قبل النقل بالهمزة / أو بالتضعيف متعدٍّ لواحد نحو: رَهَّبْتُك، والتقدير: تُرَهِّبون عدوًّ الله قتالكم أو لقاءَكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نَقَلَ قراءةَ الحسن بياء الغيبة وتخفيف ((يُرْهبون)) وهي قراءة : واضحة، فإن الضميرَ حينئذٍ يَرْجع إلى من يرجع إليه ضمير ((لهم))، فإنهم إذا خافوا خَوَّفوا مَنْ وراءهم. [٤٣٢/أ] (١) الفصل: ولد الناقة بعد فطامه. (٢) البحر ٥١٢/٤. (٣) البحر ٥١٢/٤. (٤) البحر ٤ /٥١٢. ٦٢٨ - الأنفال - وقرأ(١) الحسن وأبو حيوة ومالك بن دينار ((ومن رُبُط)) بضمتين، وعن الحسن أيضاً رُبْط بضم وسكون، وذلك نحو كتاب وكُتُب. قال ابن عطية(٢): ((وفي جَمْعِه وهو مصدرٌ غيرُ مختلفٍ نظرٌ)). قلت: لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنه مصدر، بل حكى أبو زيد أن ((رِباطاً)) الخَمْسُ من الخيل فما فوقَها وأن جمعها (رُبُط))، ولو سُلِّم أنه مصدرٌ فلا نُسَلِّم أنه لم تختلف أنواعُه، وقد تقدَّم أن ((رباطاً)) يجوز أن يكون جمعاً لرَبْط المصدر، فما كان جواباً هناك فهو جوابٌ هنا . قوله: ((عدوَّ اللَّهِ)) العامَّة قرؤوه بالإِضافة، وقرأه السلميُّ (٣) منوناً، و(الله)) بلام الجر، وهو (٤) مفرد والمراد به الجنس فمعناه أعداء الله. قال صاحب ((اللوامح)): ((وإنما جَعَله نكرةً بمعنى العامَّة، لأنها نكرة أيضاً لم تتعرَّفْ بالإِضافة إلى المعرفة؛ لأنَّ اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، ولا يتعرَّف ذلك وإن أُضيف إلى المعارف، وأمَّا ((وعدوّكم)) فيجوز أن يكونَ كذلك نكرةً، ويجوز أن يتعرَّف لأنه قد أُعيد ذِكْره، ومثله: ((رأيت صاحباً لكم، فقال لي صاحبكم)). يعني أن ((عدوًّا) يجوز أن يُلْمَحَ فيه الوصفُ فلا يتعرَّفُ وأن لا يُلْمَحَ فيتعرَّفَ. قوله: ((وآخرين)) نسقٌ على ((عدو الله)) و((من دونهم)) صفةٌ لـ ((آخرين)). قال ابن عطية(٥): ((من دونهم)) بمنزلة قولك ((دون أن يكون هؤلاء)) فـ ((دون)) في كلام العرب و((من دون)) تقتضي عدمَ المذكور بعدها من النازلة التى فيها (١) البحر ٥١٢/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٢) المحرر ١٠١/٨. (٣) البحر ٥١٢/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٤) أي عدو. (٥) المحرر ١٠٣/٨. ٦٢٩ - الأنفال ـ القول، ومنه المثل: ((وأُمِرَّ دون عُبَيْدَةَ الوَذَمُ)) (١) يعني أن الظرفيةَ هنا مجازية، لأن «دون)) لا بد أن تكونَ ظرفاً حقيقةٌ أو مجازاً. قوله: ((لا تَعْلِمُونهم، اللَّهُ يَعْلَمهم)» في هذه الآية قولان، أحدهما: أنَّ ((علم)) هنا متعديةٌ لواحدٍ، لأنها بمعنى عرف ولذلك تَعَدَّتْ لواحد. والثاني: أ أنها على بابها فتتعدى لاثنين، والثاني: محذوف، أي: لا تَعْلَمونهم قارعين أو محاربين. ولا بد هنا من التنبيه على شيء: وهو أن هذين القولين (٢) لا يجوز أن يكونا في قوله («الله يَعْلمهم»، بل يجب أن يقال: إنها المتعدية إلى اثنين، وإن ثانيهما محذوف، لِما تقدم لك من الفرق بين العِلْم والمعرفة، منها: أنَّ المعرفة تستدعي سَبْقَ جهل، ومنها: أن متعلقها الذوات دون النسب، وقد نصَّ العلماء على أنه لا يجوز أن يُطْلَقَ ذلك - أعني الوصفيةَ بالمعرفة - على الله تعالى. آ. (٦١) قوله تعالى: ﴿وإن جَنّحوا﴾: الجُنوح: المَيْل، وجَنَّحت الإِبلُ: أمالَتْ أعناقها، قال ذو الرمة (٣). ٢٤٣٨- إذا ماتَ فوقَ الرَّحْلِ أَحْيَيْتُ روحه بذكراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ ويقال: جَنَح الليلُ: أقبل. قال النضر بن شميل: ((جَنَح الرجل إلى فلان ولفلان: إذا خضع له)). والجُنوح: الاتِّباع أيضاً لتضمّن الميلِ ، قال النابغة يصف طيراً يتبع الجيش (٤): (١) يُضرب مثلاً للرجلِ يُقطع الأمرُ دونَه. والوذم: سيور تُشَدُّ بها أطراف خشبيَّ الدَّلْو. انظر: جمهرة الأمثال ١٦٥/١. (٢) أي المذهبين في إعراب الآية. (٣) ديوانه ٠١٢١٥/٢ اللسان: جنح. العيس: الإِبل البيض. المراسيل: التراغ في سهولة . (٤) ديوانه ص ٥٧؛ وتفسير الطبري ٤٠/١٤؛ وابن عطية ١٠٤/٨؛ والبحر ٥١٣/٤. ٦٣٠ - الأنفال ـ إذا ما التقى الجمعانِ أولُ غالبٍ ٢٤٣٩ - جَوانحَ قد أيقَنَّ أنَّ قبيلَه ومنه («الجوانح)) للأضلاع لمَيْلِها على حَشْوة الشخص، والجناح من ذلك لميلانه على الطائر. وقد تقدَّم الكلام على شيء من هذه المادة في البقرة(١). وعلى (السِّلم))(٢). وقرأ (٣) أبو بكر عن عاصم هنا بكسرِ السين، وكذا في القتال(٤). (وتَدْعوا إلى السلم)). وافقه حمزة على ما في القتال. و((للسُّلْم)) متعلق بـ (جَنَحوا)) فقيل: يَتَعدَّى بها وبـ إلى. وقيل: هي هنا بمعنى إلى. وقرأ(٥) الأشهب العقيلي ((فاجنُحْ)) بضم النون وهي لغة قيس، والفتح لغة تميم. والضمير في ((لها)) يعود على ((السلم)) لأنها تذكَّر وتؤنَّثُ. ومن التأنيث قولُه (٦): ٢٤٤٠- وأَقْنَيْتُ للحرب آلاتِها وَأَعْدَدْتُ للسِّلْمِ أوزارَها / وقال آخر (٧): والحربُ يَكْفيك من أنفاسها جُرَعُ ٢٤٤١ - السِّلْمُ تأخذ منها ما رَضِيْتَ به [٤٣٢/ب] آ. (٦٤) قوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَك﴾: فيه أوجهً، أحدها: أن يكون (مَنْ)) مرفوعَ المحلَّ عطفاً على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون، وبهذا (١) الآية ١٥٨ من سورة البقرة. (٢) وردت المادة في آيات كثيرة متقدمة منها في سورة البقرة الآيات ١١٢، ٢٣٣. (٣) السبعة ص ٣٠٨؛ الحجة ص ٣١٢. (٤) وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ((فلاتَهِنوا وتَدْعُوا إلى السِّلْمِ)) الآية ٣٥. (٥) البحر ٥١٤/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٥١٣/٤. (٧) تقدم برقم (٩٠٨). ٦٣١ - الأنفال - فسَّر الحسن البصري وجماعة، وهو الظاهر، ولا محذور في ذلك من حيث المعنى، وإن كان بعضُ الناسِ اسْتَصْعَبَ كونَ المؤمنين يكونون كافِين النبي صلى الله عليه وسلم وتأوَّل الآيةَ على ما سنذكره. الثاني: أن (مَنْ)) مجرورةُ المحلِّ عطفاً على الكاف في ((حَسْبُك)) وهو رأيُ الكوفيين(١)، وبهذا فسَّر الشعبي وابن زيد، قالا: معناه: وحسبُ مَن أَتَّبعك. الثالث: أن محلَّه نصبٌ على المعيَّة. قال الزمخشري(٢): ((ومَن اتبعك)): الواو بمعنى مع، وما بعده منصوبٌ. تقول: ((حَسْبُك وزيداً درهمٌ» ولا تَجُرُّ؛ لأن عطفَ الظاهرِ المجرورِ على المُكْنى ممتنعٌ. وقال(٣): فَحَسْبُكَ والضحاكَ سِيفٌ مُهَنَّدُ ٢٤٤٢- والمعنى: كفاك وكفى تُبَّاعَك المؤمنين [اللَّهُ] (٤) ناصراً))، وقال: الشيخ(٥): ((وهذا مخالف كلامَ سيبويه فإنه قال: ((حَسْبُك وزيداً درهمٌ)) لَمًّا كان فيه معنى كفاك، وقَبُح أن يَحْملوه على المضمر نَوَوا(٦) الفعل كأنه قال: بحسبك(٧) ويُحْسِب أخاك [درهمٌ](٨)))، ثم قال: ((وفي ذلك الفعل المضمر ضميرٌ(٩) يعودُ على الدرهمِ، والنيةُ بالدرهم التقديمُ، فيكون مِنْ عِطفٍ الجمل. ولا يجوزُ أنْ يكونَ من باب الإِعمال، لأنَّ طلبَ المبتدأ للخبر وعملَه (١) انظر: الإنصاف ٢ /٤٦٣. (٢) الكشاف ١٦٧/٢ (٣) تقدم برقم (٤٩٤). (٤) من الكشاف. (٥) البحر ٥١٦/٤. وانظر: الكتاب ١٥٦/١. (٦) في الأصل ((دون)) والتصحيح من الكتاب والبحر ونسخة ش. (٧) الكتاب: حسبك. (٨) من الكتاب والبحر. (٩) البحر: فاعل. ٦٣٢ - الأنفال - فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مَجْراه ولا عمله فلا يُتَوَّهم ذلك فيه)). قلت: وقد سبق الزمخشري إلى كونه مفعولاً معه الزجاج(١)، إلا أنه جَعَل ((حسب)) اسمَ فعلٍ فإنه قال: ((حسبُ: اسمُ فعلٍ، والكافُ نصبٌ، والواو بمعنى مع)) وعلى هذا يكون ((اللَّهُ)) فاعلًا، وعلى هذا التقدير يجوز في ((ومَنْ)) أن يكونَ معطوفاً على الكاف؛ لأنها مفعول باسم الفعل لا مجرورٌ؛ لأن اسم الفعل لا يُضاف. ثم قال الشيخ(٢): ((إلا أن مذهب الزجاج خطأً لدخول العواملِ على ((حَسْب)) نحو: بحَسْبك درهم))، وقال تعالى: ((فإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ)(٣)، ولم يَثْبتْ في موضعٍ كونُه اسمَ فعلٍ فُيُحْمل هذا عليه)). وقال ابن عطية(٤) بعدما حكى عن الشعبي وابن زيد ما قَدَّمْتُ عنهما من المعنى: ((فـ ((مَنْ)) في هذا التأويل في محلِّ نصب عطفاً على موضع الكاف؛ لأن موضعَها نصبٌ على المعنى بـ ((يكفيك)) الذي سَدَّتْ ((حَسبك)) مَسَدَّه)). قال الشيخ(٥): ((هذا ليس بجيد؛ لأن ((حَسْبك)) ليس ممَّا تكونُ الكافُ فيه في موضع نصب بل هذه إضافة صحيحة ليست مِنْ نصب، و((حسبك)) مبتدأ مضافٌ إلى الضمير، وليس مصدراً ولا اسم فاعل، إلا إنْ قيل إنه عطف على التوهم، كأنه تَوَهُّم أنه قيل: يكفيك الله أو كفاك الله، لكن العطفَ على التوهُّم لا ينقاسُ، والذي ينبغي أن يُحمل عليه كلامُ الشعبي وابنٍ زيد أن تكون ((مَنْ)) مجرورةٌ بـ «حَسْب)» محذوفةُ لدلالة «حَسْبك)) عليها كقوله(٦): (١) عبارة الزجاج في معاني القرآن ٤٦٨/٢ ((وأما من نصب فعلى تأويل الكاف، المعنى: فإن الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين». (٢) البحر ٥١٦/٤. (٣) الآية ٦٢ من سورة الأنفال. (٤) المحرر ١٠٧/٨. (٥) البحر ٥١٥/٤. (٦) البيت لأبي دؤاد الإِيادي وهو في ديوانه ص ٣٥٣؛ والكتاب ٣٣/١؛ وأمالي الشجري ٢٩٦/١؛ وابن يعيش ٢٦/٣؛ والجمع ٥٢/٢؛ والدرر ٦٥/٢. ٦٣٣ - الأنفال ـ ونارٍ توقّدُ بالليل ناراً ٢٤٤٣- أكلَّ امرىء تحسبين أمرَأْ أي: وكلَّ نارٍ، فلا يكونُ من العطف على الضمير المجرور)». قال ابن عطية (١): ((وهذا الوجهُ مِنْ حَذْفِ المضاف مكروهٌ، بابُه ضرورةُ الشعر)). قال الشيخ: ((وليس بمكروهٍ ولا ضرورة، بل أجازه سيبويه(٢) وخَرَّج عليه البيتَ وغيرَه من الكلام))، قلت: قوله: ((بل إضافةٌ صحيحة ليست من نصب)» فيه نظر لأن النحويين على أنَّ إضافةَ ((حسب)) وأخواتِها إضافةٌ غيرُ محضة، : وعَلِّلوا ذلك بأنها في قوةِ اسمِ فاعلٍ ناصبٍ لمفعولٍ به، فإن ((حَسْبك)» بمعنى كافيك وغيرك بمعنى مُغايرك، وقيد الأوابد بمعنى مقِّدها قالوا: ويدل على ذلك أنها تُوصف بها النكرات فقال: ((مررت برجلٍ حَسْبِك من رجلٍ)). وجَوَّز أبو البقاء (٣) فيه الرفعَ من ثلاثة أوجه أحدها: أنه نسقٌّ على [٤٣٣/أ] الجلالةِ كما تقدَّم، إلا أنه قال: فيكون خبراً آخر كقولك: ((القائمان / زید وعمروٍ، ولم يُثَنِّ (حَسْبك)) لأنه مصدرٌ. وقال قوم: هذا ضعيفٌ؛ لأن الواوَ للجمع ولا يَحْسُن ههنا، كما لا يَحْسُن في قولهم: ((ما شاء الله وشئت)). و((ثم)) هنا أولى))، قلت: يعني أنه من طريق الأدب لا يؤتى بالواو التي تقتضي الجمع، بل تأتي بـ ((ثم)) التي تقتضي التراخي، والحديثُ دالٌّ على ذلك. الثاني : : أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوف تقديره: وحسب(٤) مَنْ اتبعك. والثالث: هو مبتدأ والخبر محذوف تقديره: ومَن اتبعك كذلك أي: حسبهم الله. وقرأ(*) الشعبي ((ومَنْ)) بسكون النون)) ((أَتْبَعَك)) بزنة أَكْرمك. (١) المحرر ١٠٧/٨. (٢) الكتاب ٣٣/١. (٣) الإِملاء ١٠/٢. (٤) الإِملاء: وحسبك. (٥) البحر ٥١٦/٤؛ الشواذ ص ٥٠. ٦٣٤ - الأنفال - آ. (٦٥) قوله تعالى: ﴿حَرِّض﴾: أي حُضَّ وحُثْ. يقال: حَرَّض وحَرَّش وحَرَّك بمعنىٌ واحد. وقال الهروي: ((يقال حارَضَ على الأمر وأَكَبُّ وواكب وواظب وواصَبَ بمعنَّى قيل: وأصله مِن الحَرَض وهو الهلاك قال(١): حتى بُلِيْتُ وحتى شفَّنِي سَقَم ٢٤٤٤- إني امرؤ رابني همَّ فأَحْرَضني قال أبو إسحاق(٢): ((تأويل التحريض في اللغة أن يُحَثَّ الإِنسانُ على شيءٍ حتى يُعْلَمَ منه أنه حارضٌ، والحارضُ المقارِبُ للهلاك))، واستبعد الناسُ هذا منه. وقد نحا الزمخشري(٣) نحوه فقال: ((التحريضُ: المبالغَةُ في الحثِّ على الأمر، من الحَرَض، وهو أن يُنْهكه المرض ويتبالغَ فيه حتى يُشْفِيَ على الموت أو تُسَمِّيه حَرَضاً وتقول: ما أراك إلا حَرَضً». قوله: ((إن يكنْ منكم عِشْرون صابرون)) الآيات: أثبت في الشرط الأول قيداً وهو الصبرُ وحَذَفَ من الثاني، وأثبت في الثاني قيداً وهو كونُهم مِن الكفرة وحَذَف من الأول. والتقدير: مئتين من الذين كفروا ومئة صابرة، فحذف من كلٍ منهما ما أثبتَ في الآخر وهو في غاية الفصاحة. وقرأ الكوفيون(٤): ((وإن يكنْ منكم مئة يَغْلبوا)) ((فإن يكنْ منكم مئة صابرة)) بتذكير ((يكن)) فيهما. ونافع وابن كثير وابن عامر بتأنيثه فيهما، وأبو عمرو في الأولى كالكوفيين، وفي الثانية كالباقين. فَمَنْ ذَكَّرَ فللفَصْل بين الفعل وفاعله بقوله (منكم))؛ ولأن التأنيث مجازي، إذ المراد بالمئة الذُّكور. ومن أنَّث فلأجلِ الفصلِ، ولم يلتفت للمعنى ولا للفصل. وأمَّا أبو عمرو (١) تقدم برقم (١٦٢٦). (٢) وهو الزجاج في معاني القرآن ٤٦٩/٢. (٣) الكشاف ١٦٧/٢. (٤) السبعة ص ٣٠٨؛ الحجة ص ٣١٣؛ البحر ٥١٧/٤. ٦٣٥ - الأنفال ـ فإنما فرَّق بين الموضعين فَذَكَّر في الأول لِما ذكر، ولأنَّه لحَظَ قوله ((يَغْلبوا))، وأَنَّث في الثاني لقوة التأنيث بوصفِه بالمؤنث في قوله ((صابرة)). وأمَّا ((إنْ يكنْ منكم عشرون)) ((وإن يكنْ منكم أَلْفٌ))، فبالتذكير عند جميع القرَّاء إلا الأعرج(١) فإنه أَنَّث المسند إلى ((عشرون)). وقرأ الأعمش(٢): ((حَرِّصْ)) بالصاد المهملة وهو من الحِرْص، ومعناه مقاربٌ لقراءة العامة. وقرأ(٣) المفضل عن عاصم: ((وُلِم)) مبنياً للمفعول، و ((أن فيكم ضعفاً) في محل رفع لقيامه مقامَ الفاعل، وهو في محلِّ نصبٍ على المفعولِ به في قراءة العامَّة لأنَّ فاعلَ الفعلِ ضميرٌ يعودُ على الله تعالى. و((يكن)) في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامَّةً فـ ((منكم)): إمَّا حالٌ من (عشرون)) لأنها في الأصل صفةٌ لها، وإمَّا متعلق بنفس الفعل لكونه تاماً، وأن تكونَ الناقصةَ، فيكون ((منكم)) الخبرَ، والمرفوعُ الاسمَ وهو ((عشرون)) و ((مئة)» و ((ألف)). قوله: ((ضعفاً) قرأ(٤) عاصم وحمزة هنا وفي الروم(٥) في كلماتها الثلاث: ((اللَّهُ الذي خَلَقكم مِنْ ضعف، ثم جَعَل من بعد ضعفٍ قوة، ثم جَعَلَ منَ بعد قوةٍ ضعفاً) بفتح الضاد، والباقون بضمها، وعن حفص وحدَه خلافٌ في الروم خاصةً. وقرأ عيسى بن عمر ((ضُعُفاً) بضم الفاء والعين، وكلُّها مصادرُ. وقيل: الضَّعْفُ بالفتح في الرأي والعقل، والضم في البدن، وهذا قول الخليل بن أحمد، هكذا نقله الراغب(٦) عنه. ولمَّا نقل ابن عطية (٧) هذا عن (١) البحر ٥١٧/٤. (٢) البحر ٥١٧/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٣) البحر ٥١٧/٤. (٤) السبعة ص ٣٠٨؛ الحجة، ص ٣١٣؛ البحر ٥١٧/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٥) الآية ٥٤. (٦) المفردات ص ٢٩٦. (٧) المحرر ١١١/٨. ٦٣٦ - الأنفال - الثعالبي قال: ((هذا القول تردُّه القراءة)). وقيل: هما بمعنى واحد، لغتان: لغةُ الحجاز الضمُّ، ولغة تميم الفتح، نقله أبو عمرو فيكونان كالفَّقْر والفُّقر، والمَكْث والمُكث، والبُخْل والبَخَل. وقرأ ابن عباس فيما حكى عنه النقاش وأبو جعفر: ضُعَفاء جمعاً على فُعَلَاءِ كظَريف وظُرَفاء. وقد نَقُلْت عن القرَّاء كلاماً كثيراً في هذا الحرف في شرح ((حرز الأماني)) فإنه أليقُ به من هذا فعلیك به. آ. (٦٧) قوله تعالى: ﴿أن يكون له أَسْرى﴾: قرأ(١) أبو عمرو (تكون)) بالتأنيث مراعاةً لمعنى الجماعة. والباقون / بالتذكير مراعاةً للفظ [٤٣٣/ب] الجمع. والجمهورُ هنا على ((أَسْرى)) وهو قياس فعيل بمعنى مفعول دالاً على أنه كجريح وجَرْحی. وقرأ(٢) ابن القعقاع والمفضَّل عن عاصم ((أُسَارى)) شبهوا ((أسیر» بگَسْلان فجمعوه علی فُعالَی کكسالى، كما شبّهوا به ((کسلان» فجمعوه على كَسْلى. وقد تقدَّم القولُ فيهما في البقرة محققاً(٣). وقوله: ((يُثْخِن) قرأ العامة ((يُشْخن)) مخففاً عدَّوه بالهمزة، وقرأ(٤) أبو جعفر ويحيى بن وثاب ويحيى بن يعمر ((يُثَخِّن)) بالتشديد، عَدَّزْ. بالتضعيف وهو مشتقٌّ من الثَّخانة، وهي الغِلْظ والكثافة في الأجسام، ثم يُستعار ذلك في كثرة القتل والجراحات فيقال: أَثْخَنَتْه الجراح أي: أثقلته حتى أَثْبَتْه، ومنه ((حتى إذا أَنْخَْتموهم))(٥). وقيل: حتى تقهر. والإِثخان: القهر. أنشد المفضل(٦): (١) السبعة، ص ٣٠٩؛ الحجة ص ٣١٣؛ البحر ٥١٨/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٢) البحر ٥١٨/٤. (٣) انظر إعرابه للآية ٨٥ من سورة البقرة. (٤) البحر ٥١٨/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٥) الآية ٤ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم. (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٤٨/٨. ٦٣٧ - الأنفال - وقد أثخنتْ فرعون في كفره کفرا ٢٤٤٥ - تُصَلِّي الضُّحى ما دهرُها بتعبُّدٍ كذا أنشده الهرويُّ شاهداً على القهر وليس فيه معنى، إذ المعنى على الزيادة والمبالغةِ المناسِبةِ لأصل معناه وهي الثَّخانة ويقال منه: ثَخُنَ يَثْخُنُ ثَخَانَةٌ فهو ثَخِين، كظَرُف يَظْرُف ظَرافةً فهو ظريف. قوله: ((واللَّهُ يريد الآخرةَ)) الجمهور على نصب ((الآخرة))، وقرأ(١). سليمان بن جماز المدني بجرها، وخُرِّجت على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جَرِّه. وقدَّره بعضهم: عَرَض الآخرة، فعيب عليه إذ لا يحسن أن يقال: والله يريد عرض الآخرة، فأصلحه الزمخشري (٢) بأنْ جَعَله كذلك لأجل المقابلة قال ((يعني ثوابها)). وقدَّره بعضُهم بأعمال أو ثواب. وجعله أبو البقاء(٣) كقول الآخر (٤): ونارٍ تَوَقُّدُ بِالليلِ نَارا ٠ وقدَّر المضاف ((عَرَض الآخرة)). قال الشيخ(٥): ((ليست الآيةُ مثلَ البيت فإنه يجوز ذلك إذا لم يُفْصل بين حرف العطف(٦) وبين المجرور بشيء. كالبيت، أو يُفصل بـ ((لا)) نحو: «ما مثل زيد ولا أخيه يقولان ذلك))، أمَّا إذا فُصِل بغيرها كهذه القراءةِ فهو شاذٌّ قليل)). آ. (٦٩) قوله تعالى: ﴿مِمَا غَنِمْتُمْ﴾: يجوز أن تكون مصدريةً، (١) البحر ٥١٨/٤. (٢) الكشاف ١٦٨/٢. : (٣) الإملاء ١٠/٢. (٤) تقدم برقم (٢٤٤٣). (٥) البحر ٥١٩/٤. (٦) لم يكرر ((بين)) في البحر. ٦٣٨ - الأنفال - والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ. ويجوز أن تكونَ بمعنى الذي، وهو في المعنى كالذي قبله، والعائد على هذا محذوف. قوله: ((حَلالاً)) نصبٌ على الحال: إمَّا من ((ما)) الموصولة أو مِنْ عائدِها إذا جعلناها اسميةٌ. وقيل: هو نعتُ مصدرٍ محذوف أي: أكلاً حلالاً. قوله: ((واتقوا اللَّهَ)) قال ابن عطية(١): ((وجاء قوله: ((واتقوا الله)) اعتراضاً فصيحاً في أثناء القول، لأنَّ قولَه: ((إن الله غفور رحيم)) متصلٌ بقوله: ((فكُلوا ممَّا غَنِعْتُم)) يعني أنه متصلٌ به من حيث إنه کالعلة له. آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿من الْأسْرى﴾: قرأه (٢) أبو عمرو بزنة فُعالى، والباقون بزنة فَعْلَى وقد عُرِفَ ما فيهما. ووافق أبا عمروٍ قتادةُ ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو جعفر. واختلف عن الحجدري والحسن. وقرأ ابن محيصن ((مِنْ أَسْرى)) منكّراً. قوله: ((يُؤْتِكم)) جواب الشرط. وقرأ(٣) الأعمش: ((يُثْكم)) من الثواب. وقرأ(٤) الحسن وأبو حيوة وشيبة وحميد ((ممَّا أَخَذَ)) مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى. آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿وإن يُريدا﴾: الضمير يعود على الأُسْرى لأنهم أقربُ مذكور. وقيل: على الجانحين(٥). وقيل: على اليهود. وقيل: على كفار قريش. آ. (٧٢) قوله تعالى: ﴿فعليكم النصرُ﴾: مبتدأ وخبر، أو فعل (١) المحرر ١١٦/٨. (٢) السبعة ص ٣٠٩؛ الحجة ص ٣٠٩؛ البحر ٥٢١/٤. (٣) البحر ١٥٢١/٤ الشواذ ص ٥٠. (٤) البحر ٤ /٥٢١؛ الشواذ ص ٥٠. (٥) في قوله: ((وإن جنحوا للسلم)) في الآية ٦١. ٦٣٩ ب الأنفال ـ وفاعل عند الأخفش، ولفظةُ ((على)) تُشْعِرُ بالوجوب. وكذلك قدَّره الزمخشري(١) وشبَّهه بقوله(٢): وعند المُقِلِّين السماحةُ والبَّذْلُ ٢٤٤٦- على مُكْثریھم رِزْقُ مَنْ يَعْتریھم قوله: ((مِنْ ولايتهم)) قرأ حمزة(٣) هنا وفي الكهف(٤): ((الولاية لله)) هو والكسائي بكسر الواو. والباقون بفتحها فقيل: لغتان. وقيل: بالفتح مِن المَوْلَّى، يقال: مَوْلِى بَيِّن الولاية، وبالكسر مِنْ ولاية السلطان، قاله أبو عبيدة(٥). وقيل: بالفتح مِنَ النّصْرَة والنسب، وبالكسر من الإِمارة قاله. الزجاج(٦). قال: (ويجوز الكسرُ لأنَّ في تَوَلِّي بعضِ القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكلُّ ما كان من جنس الصناعة مكسورٌ مثل الخياطة [٤٣٤/أ] والقِصارة. وقد خَطَّأ / الأصمعيُّ قراءةَ الكسرِ، وهو المُخْطِىءُ لتواترها. وقال أبو عبيد: ((والذي عندنا الْأُخْذُ بالفتح في هذين الحرفين (٧)، لأنَّ: معناهما مِنَ الموالاة في الدين)). وقال الفارسي(٨): ((الفتحُ أَجْود لأنها في الدين))، وعَكَس الفراء (٩) هذا فقال: ((يُريد مِنْ مواريثهم، بكسر الواو أحبُّ (١٠) (١) الكشاف ١٧٠/٢ غير أن البيت المذكور لم يرد في مطبوعة الكشاف في هذا الموضع. (٢) البيت لزهير وهو في ديوانه ١١٤ والبحر ٥٢٢/٤. مكثريهم: مياسيرهم. ويعتريهم: بطلب منهم . (٣) السبعة ص ٣٠٩؛ الحجة ص ٣١٤؛ البحر ٥٢٢/٤. (٤) الآية ٤٤ ((هنالك الولاية لله)). (٥) المجاز ٢٥١/١. (٦) ليس في معاني القرآن. (٧) أي هنا وفي الكهف (٨) الحجة (خ) ٩٦/٣. (٩) معاني القرآن ٤١٨/١. (١٠) في مطبوعة الفراء: أعجب. ٦٤٠