Indexed OCR Text

Pages 561-580

- الأنفال ـ
الثالث عشر: أنها في موضعٍ رفعٍ أيضاً والتقدير: لهم درجاتٌ عند
ربهم ومغفرة ورزق كريم، هذا وعدٌ حقٌّ كما أخرجك. وهذا فيه حذفُ مبتدأ
وخبر، ولو صَرَّح بذلك لم يلتئم التشبيهُ ولم يَحْسُنْ. الرابع عشر: أنها في
موضع رفعٍ أيضاً. والتقدير: وأصلِحوا ذاتَ بينكم ذلكم خيرٌ لكم كما
أخرجك، فالكاف في الحقيقة نعتُ لخبر مبتدأ محذوف. وهو ضعيف لطول
الفصل بين قوله: ((وأَصْلِحوا)) وبين قوله ((كما أَخْرَجَك)).
الخامس عشر: أنها في محل رفع أيضاً على خبر ابتداء مضمر
والمعنى: أنه شبَّه كراهية أصحاب رسول الله عليه السلام لخروجه من المدينة
حين تحققوا خروجَ قريشٍ للدفع عن أبي سفيان وحِفْظِ عِيره بكراهيتهم لنزع
الغنائم مِنْ أيديهم وجَعْلِها لله ورسوله يَحْكم فيها ما يشاء. واختار
الزمخشري(١) هذا الوجه وحَسَّنه، فقال: ((يرتفع محلّ الكاف على أنه خبر
ابتداء محذوف تقديره: هذه الحالُ كحالٍ إخراجك. يعني أن حالَهم في
كراهة ما رأيت من تَنْفيل الغزاة مثلُ حالهم في كراهة خروجهم للحرب» وهذا
الذي حَسَّنه الزمخشري هو قول الفراء - وقد شرحه ابن عطية (٢) بنحو ما تقدَّم
مِن الألفاظ - فإن الفراء قال(٣): ((هذه الكاف شَبَّهت هذه القصة التي هي
إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال)).
السادس عشر: أنها صفةٌ لخبر مبتدأ أيضاً / وقد حُذف ذلك المبتدأ [٤٢١/أ]
وخبره. والتقدير: قِسْمتك الغنائمُ حقٌّ كما كان إخراجُك حقاً. السابع عشر:
أنَّ التشبيه وقع بين إخراجين أي: إخراج ربك إياك من بيتك وهو مكة وأنت
(١) الكشاف ١٤٣/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ١٤/٢.
(٣) معاني القرآن له ٤٠٣/١ بتعبير قريب.
٥٦١

- الأنفال -
كارةٌ لخروجك، وكان عاقبة ذلك الإخراج النصر والظفرَ كإخراجه إياكِ من
المدينة وبعضُ المؤمنين كاره، يكون عقيبَ ذلك الخروجِ الظفرُ والنصر
والخير كما كانت(١) عقيبَ ذلك الخروجِ الأول.
الثامن عشر: أن تتعلق الكاف بقوله ((فاضربوا)). وبَسْطُ هذا على ما قاله
صاحب هذا الوجه: الكاف للتشبيه على سبيل المجاز، كقول القائل لعبده.
(كما رَجَعْتك(٢) إلى أعدائي فاستضعفوك وسألتَ مدداً فَأَمْدَدْتُك وأَزَحْتُ عِلَلك
فَخُذْهم الآن وعاقِبْهم كما أَحْسَنْتُ إِليك وأَجْرَيْتُ عليك الرزق فاعملْ كذا
واشكرْني عليه، فتقدير الآية: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغَشَّاكم
النعاسَ أمَنَةً منه، وأنزل عليكم من السماء ماءً ليطَهِّرَكم به، وأنزل عليكم من
السماء ملائكة مُرْدفين فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلَّ بنان، كأنه
يقول: قد أَزَحْتُ عِلَلكم وأَمْدَدْتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع
وهو القتلُ لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. وهذا الوجه بَعْدَ
طولِه لا طائل تحته لُبُعْده من المعنى وكثرة الفواصل.
التاسع عشر: أن التقدير: کا أخرجك ربك مِنْ بیتك بالحق أي: بسبب
إظهار دين الله وإعْزازٍ شريعته وقد كرهوا خروجك تهيُّباً للقتال وخوفاً منْ
الموت؛ إذ كانَ أُمِرَ عليه السلام بخروجهم بغتةً ولم يكونوا مستعدِّين للخروج
وجادلوك في الحق بعد وضوحه نَصَرَكَ الله وأَمَدَّك بملائكته، ودلَّ على هذا
المحذوفِ الكلامُ الذي بعده وهو قوله: ((إذ تستغيثون ربكم))(٣) الآيات. وهذا
الوجهُ استحسنه الشيخ(٤)، وزعم أنه لم يُسْبق به، ثم قال: ((ويظهر أن الكافَ
(١) أي العاقبة.
(٢) في البحر ٤٦٢/٤: ((وجُّهتك)) وهي أوضح.
(٣) من الآية ٩.
(٤) البحر ٤ /٤٦٣.
٥٦٢

- الأنفال -
ليست لمحضِ التشبيه بل فيها معنى التعليل. وقد نصَّ النحويون على أنها
للتعليل، وخرَّجوا عليه قولَه تعالى: ((واذكروه كما هداكم (١)، وأنشدوا(٢):
٢٣٨٢ - لا تَشْتُمِ الناس كما لا تُشْتَمُ
أي: لانتفاء شتم الناس لك لا تشتمهم. ومن الكلام الشائع: ((كما
تطيع الله يدخلك الجنة)) أي: لأجل طاعتك الله يدخلك، فكذا الآية،
والمعنى: لَأَنْ خرجت لإِعزاز دين الله وقَتْل أعدائه نَصَرك وأَمَدَّك بالملائكة)».
العشرون: تقديرُه: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما إخراجُك
في الطاعة خيرٌ لكم، كما كان إخراجُك خيراً لهم. وهذه الأقوال - مع
کثرتها - غالبُها ضعيف، وقد بَيِّنْت ذلك.
قوله: ((بالحق)» فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بالفعل أي بسبب الحق
أي: إنه إخراجُ بسبب حقٍ يظهر وهو علوُّ كلمة الإِسلام والنصرُ على أعداء
الله. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول ((أَخْرَجَكَ)) أي:
ملتبساً بالحق.
قوله: ((وإنَّ فريقاً)) الواو للحال، والجملة في محل نصب، ولذلك
كُسِرت ((إِنَّ)). ومفعول ((كارهون)» محذوف أي: لكارهون الخروج، وسببُ
الكراهة: إمَّا نفرة الطبع ممَّا يُتوقَّع من القتال، وإمَّا لعدم الاستعداد.
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿يجادلونك﴾: يُحتمل أن يكونَ مستأنفاً إخباراً
عن حالهم بالمجادلة. ويُحتمل أن يكون حالاً ثانية أي: أخرجك في حال
مجادلتهم إياك. ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في ((الكارهون)) أي:
(١) الآية ١٩٨ من سورة البقرة.
(٢) تقدم برقم (٧٧٦).
٥٦٣

- الأنفال ـ
الكارهون في حال جدال. والظاهر أن الضمير المرفوع يعودُ على الفريق
المتقدِّم، ومعنى المجادلة قولهم: كيف نقاتل ولم نعتدَّ للقتال؟ ويجوز أن
يعود على الكفار وجدالُهم ظاهر. قوله: (بعدما تبیّن)) منصوب بالجدال و ((ما)»
مصدرية أي: بعد تبيّنِه ووضوحِه، وهو أقبحُ من الجدال في الشيء قبل
اتِّضاحه. وقرأ عبد الله (١) (بيِّن)) مبنياً للمفعول مِنْ بَيَّنْتُه أي أظهرته.
قوله: ((وهم ينظرون)) حالٌ من مفعول ((يُساقُون)).
آ. (٧) قوله تعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكم﴾: ((إذ» منصوب بفعل مقدر أي:
[٤٢١/ب] اذكر إذ. والجمهور على رفع الدال لأنه مضارع مرفوع. وقرأ(٢) / مسلم ابن
محارب بسكونها على التخفيف لتوالي الحركات. وقرأ(٣) ابن محيصن
(يعدكم الله أحدى)) بوصل همزة ((إحدى)) تخفيفاً على غير قياس، وهي نظير
قراءة مَنْ قرأ: ((إنها لإحدى))(٤) بإسقاط الهمزة، أجرى همزة القطع مُجْرى همزة.
الوصل. وقرأ(٥) أيضاً ((أحد)) بالتذكير، لأن الطائفة مؤنث مجازي. وقرأ (٦)
مسلم بن محارب ((بكلمته)) على التوحيد، والمراد به اسم الجنس، فيؤدي
مؤدّی الجمع.
آ. (٨) قوله تعالى: ﴿لَيُحِقَّ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بما
قبله أي: ويقطع ليحق الحق. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديره: ليحقَّ
الحق فَعَل ذلك أي؛ ما فعله إلا لهما وهو إثباتُ الإِسلام وإظهارُه وزوالُ الكفر
ونحوه .
(١) البحر ٤٦٣/٤؛ مختصر ابن خالويه ص ٤٨.
(٢) البحر ٤٦٤/٤؛ المحرر الوجيز ١٨/٨.
(٣) البحر ٤٦٤/٤؛ المحرر الوجيز ١٨/٨؛ الشواذ ص ٤٨.
(٤) آ ٣٥ المدثر قراءة ابن كثير وابن محيصن. السبعة ٦٥٩؛ البحر ٣٧٨/٨.
(٥) أي ابن محيصن في رواية ثانية. انظر: البحر ٤٦٤/٤.
(٦) البحر ٤ /٤٦٤. ونسبها ابن عطية ١٨/٨ إلى أبي جعفر وشيبة ونافع بخلافٍ عنهم.
٥٦٤

- الأنفال ـ
قال الزمخشري(١): ((ويجب أن يُقَدَّر المحذوفُ مؤخراً ليفيدَ
الاختصاص وينطبقَ عليه المعنى)). قلت: وهذا على رأيه، وهو الصحيح(٢).
قوله(٣): ((أَنَّها لكم)) منصوبُ المحل على البدل من ((إحدى)) أي:
يَعِدُكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم أي: تَتَسلَّطون عليها تَسَلُّطَ المُلَّكِ فهي
بدلُ اشتمال.
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿إِذ تستغيثون﴾: فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه
منصوب باذكر مضمراً، ولذلك سمَّاه الحوفي مستأنفاً أي: إنه مقتطعٌ عما
قبله. الثاني: أنه منصوب بيحقُّ أي: يحقُّ الحق وقت استغاثتكم. وهو قول
ابن جرير(٤). وهو غلط، لأنَّ ((ليحقَّ)) مستقبل لأنه منصوب بإضمار ((أَنْ))،
و ((إذ» ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟ الثالث: أنه بدلٌ
من ((إذ) الأولى، قاله الزمخشري(٥) وابن عطية (٦) وأبو البقاء(٧). وكان(٨) قد
قَدَّموا أن العامل في ((إذا)» الأولى(٩) ((اذكر)) مقدراً. الرابع: أنه منصوب
بـ ((يعدكم)) قاله الحوفي وقَبْلَه الطبري(١٠). الخامس: أنه منصوب بقوله
(تَوَدُّون)) قاله أبو البقاء(١١) وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصل.
(١) الكشاف ١٤٥/٢.
(٢) انظر: مناقشة أبي حيان له في البحر ٤٦٤/٤.
(٣) عاد إلى الآية ٧.
(٤) تفسير الطبري ٤٠٨/١٣.
(٥) الكشاف ١٤٥/٢.
(٦) المحرر الوجيز ١٩/٨.
(٧) الإِملاء ٤/٢.
(٨) اسم كان هنا خبر الشأن.
(٩) أي في قوله تعالى في الآية ٧ ((وإذ يعدكم الله)).
(١٠) لم أجد هذا القول الطبري في تفسيره.
(١١) الإملاء ٤/٢.
٥٦٥

كة الأنفال ـ
. و((استغاث)) يتعدى بنفسه وبالباء. ولم يجئ في القرآن إلا متعدِّياً
بنفسه حتى نقم ابن مالك(١) على النحويين قولهم المستغاث له، أو به،
والمستغاث من أجله. وقد أنشدوا على تَعَدِّيه بالحرف قول الشاعر(٢):
من الأباطحِ في حافَاتِهِ الْبُرَّكُ
٢٣٨٣- حتى استغاثَ بماءٍ لا رِشَاءً له
ربحٌ خَرِيقٌ لضاحي مائِه حُبُكُ
مُكَلَّلٌ بأصول النّبْت تَنْسُجه
خافَ العيونَ ولم يُنْظَرْ به الحَشَكُ
كما استغاث بِسَيْءٍ فَرُّغَيْطَلَةٍ
فدلَّ هذا على أنه يتعدى بالحرف كما استعمله سيبويه(٣) وغيره.
قوله: ((أني)) العامة على فتح الهمزة بتقدير حذف حرف الجر أي:
فاستجاب بأني. وقرأ(٤) عيسى بن عمر - ويُروى عن أبي عمرو أيضاً - ((إني))
بكسرها. وفيها مذهيان: مذهبَ البصريين أنه على إضمار القول أي: فقال
إني ممدُّكم. ومذهب الكوفيين أنها محكيَّةً باستجاب إجراءً له مُجْرى القُولِ:
لأنه بمعناه.
قوله: ((بأَلْفٍ)) العامَّة على التوحيد. وقرأ الجحدري(٥): ((بالَّفٍ)) بزنة
أفْلُس. وعنه أيضاً وعن السديّ بزنة أَحْمال. وفي الجمع بين هاتين القراءتين.
وقراءة الجمهور: أن تُحْمَلَ قراءةُ الجمهور على أن المراد بالْأَلْفِ هم الوجوه،
وباقيهم كالأتباع لهم، فلذلك لم يُنُصَّ عليهم في قراءة الجمهور ونَصَّ عليهم
(١) انظر: شرح عمدة الحفاظ له ص ٢٨٧.
(٢) الأبيات لزهير في ديوانه ص ١٧٧؛ والبحر ٤٦٥/٤. لا رشاء له: أي يجري على وجه:
الأرض. والبرك طير بعينه واحدة بُرْكة. والخريق: الشديدة. الضاحي: البارز
للشمس. والحبك: طرائق الماء مفردة حبيك. السيء: اللبن يكون في الضَّرْعِ قبل
الدَّرَّة. والفَزَّ: ولد البقرة. والغيطلة: شجر ملتف. أو البقرة. والحشوك: الدفع باللبن.
(٣) انظر: الكتاب ٣١٨/١ - ٣١٩.
(٤) البحر ٤٦٥/٤؛ ابن خالويه، ص ٤٩.
(٥) البحر ٤٦٥/٤؛ وفي شواذ ابن خالويه ص ٤٨ أن الجحدري قرأ بيَلْفٍ.
٥٦٦

- الأنفال -
في هاتين القراءتين. أو تُحْمل الألْف على مَنْ قاتَلَ من الملائكة دون مَنْ
لم يقاتل فلا تنافِيّ حينئذٍ بين القراءات.
قوله: ((مُرْدفين)) قرأ نافع(١) - ويُروى عن قنبل أيضاً - ((مُرْدَفين)) بفتح
الدال والباقون بكسرها. وهما واضحتان لأنه يُروى في التفسير أنه كان وراء
كل مَلَكٍ مَلَكْ رديفاً (٢) له. فقراءة الفتح تُشْعر بأن غيرهم أردفهم لركوبهم
خلفهم، وقراءة الكسر تُشْعر بأن الراكبَ خلفَ صاحبهِ قد أَرْدَفَه، فصَحِّ التعبيرُ
باسم الفاعل تارةً واسمِ المفعول أخرى. وجَعَلَ أبو البقاء(٣) مفعولَ ((مُرْدِفين))
- يعني بالكسر - محذوفاً أي: مُرْدِفين أمثالهم. وجَوَّز أن يكون معنى
الإِرداف المجيءَ بعد الأوائل أي: جُعِلوا رِدْفاً للأوائل. ويُطلب جوابٌ عن
كيفية الجمع / بين هذه الآيةِ وآيةٍ آل عمران، حيث قال هناك ((بخمسة)»(٤)،
وقال هنا ((بأَلْف)) والقصة واحدة. والجواب: أن هذه الألف مُرْدِفَةٌ(٥) لتلك
الخمسة فيكون المجموعُ ستةَ آلاف، ويظهر هذا ويَقُوىُ في قراءة (مُرْدِفين)»
بكسر الدال.
[٤٢٢/أ]
وقد أنكر أبو عبيد أن يكون الملائكة أَرْدَفَت بعضها أي: ركَبَتْ خلفها
غيرها من الملائكة. وقال الفارسي (٦): ((مَنْ كسر الدال احتمل وجهين،
أحدهما: أن يكونوا مُرْدِفين مثلَهم كما تقول: ((أَرْدَفْتُ زيداً دابَّتي)) فيكون
المفعولُ الثاني محذوفاً، وحَذْفُ المفعولِ كثيرٌ. والوجه الآخر: أن يكونوا
(١) السبعة ٣٠٤؛ الحجة ص ٣٠٧؛ البحر ٤٦٥/٤؛ الشواذ ٤٩.
(٢) قوله ((رديفاً)) حال من نكرة وهي جائزة على قلة.
(٣) الإملاء ٤/٢.
(٤) الآية ١٢٥ من سورة آل عمران ((يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين).
(٥) الأصل (مرد) وهو سهو والتصحيح من (ش).
(٦) الحجة (خ) ٧٢/٣.
٥٦٧

- الأنفال -
جاؤوا بعد المسلمين. وقال الأخفش(١): ((بنوفلان يَرْدِفوننا أي: يجيئون
بعدنا))، وقال أبو عبيدة(٢): ((مُرْدِفين: جاؤوا بعدُ، ورَدِفني وأَرْدَفني واحد)).
قال الفارسي: ((هذا الوجه(٣) كأنه أَبْيَنُ لقوله تعالى: ((إذ تَسْتغيثون ربكم)»،
قولُه («مُرْدِفين)) أي جائين بعدُ لاستغاثِكم. ومَنْ فتح الدال فهم مُرْدَفون على:
أُرْدِفوا الناسَ أي: أُنْزِلوا بعدهم)).
وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليل ((مُرَدِّفين)) بفتحِ الراء وكسرِ الدالِ
مشدّدة، والأصل: مُرْتَدِفين فأدغم. وقال أبو البقاء(٤): ((إن هذه القراءةَ مأخوذةٌ
مِنْ رَدَّفَ بالتشديد الدال على التكثير، وإن التضعيف بدلٌ من الهمزة كأَفْرَحْتُه
وفرَّحته)) وجَوَّز الخليلُ بن أحمد ضمَّ الراءِ إتباعاً لضمِّ الميم كقولهم: مُخُضِم(٥)
بضم الخاء، وقد قُرِىء بها شذوذاً.
وقُرىء ((مُرِدِّفين)) بكسرِ الراء وتشديدِ الدالِ مكسورةً. وكسرُ الراء
يَحْتمل وجهين: إمَّا لالتقاء الساكنين وإمَّا للإِتباع. قال ابن عطية (٦): ((ويجوز
على هذه القراءةِ كسرُ الميم إتباعاً للراء، ولا أحفظه قراءة»، قلت: وكذلك
الفتحة في ((مُرَدِّفين)) في القراءةِ التي حكاها الخليل تحتمل وجهين. أحدهما:
- وهو الظاهر - أنها حركةُ نَقْلِ من التاء(٧) - حين قصد إدغامَها - إلى الراء.
(١) قال في معاني القرآن له: ((تقول العرب: ردفه أمر كما يقولون تبعه وأتبعه)). معاني
القرآن ص ٤٣١.
(٢) مجاز أبي عبيدة ٢٤١/١، والأصل: ((عبيد)) وهو سهو.
(٣) أي الوجه الثاني من وجهي تخريج ((مُرْدِفين)) وهو الذي ذكره بقوله ((والوجه.
الآخر». وانظر: الحجة (خ) ٧٤/٣ .
(٤) الإملاء ٤/٢.
(٥) المخضم: الماء لا يبلغ أن يكون أُجاجاً.
(٦) المحرر الوجيز ٢٠/٨ .
(٧) لأن الأصل ((مُرْتَدِفِيْن)).
٥٦٨

- الأنفال -
والثاني: أنها فُتِحَتْ تخفيفاً، وإن كان الأصلُ الكسرَ على أصل التقاء الساكنين
كما قد قُرىء به. وقُرِىء (مِرْدِفين)) بكسر الميم إتباعاً لكسرة الراء.
والوَجَل(١): الفَزَعُ. وقيل: استشعار الخوف يُقال منه: وَجِل يَوْجَل
وياجَل وَيَبْجَلِ ويَبْجِلِ وَجَلَّاً، فهو وَجِل. والشَّوْكَة (٢): السلاح كسِنان الرُّمْح
والنَّصْلِ والسيف، وأصلها من النبتِ الحديدِ الطَّرْفِ كشَوْك السَّعْدان، يُقال
منه: رجلٌ شائِكٌ، فالهمزةُ من واو كقائم، ويجوز قلبُه بتأخيرِ عينه بعد لامه،
فيقال: ((شاكٍ))، فيصير كغازٍ، ووزنُه حينئذ فالٍ - قال زهير(٣):
له لِيَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ
٢٣٨٤- لدى أسدٍ شاکي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ
ويُوصَفُ السِّلَاحُ بالشاكي كما يُوصف به الرجل فيُقال: رجلٌ شاك
وشاٍ، وسلاحٌ شاك وشاكٍ. فأمَّا شاٌ فصحيحٌ غيرُ معتلٍّ، وألفُه منقلبةٌ عن
عين الكلمة، ووزنُه في الأصل على فَعِل بكسر العين، ولكن قُلِبَتْ ألفاً كما
قالوا كَبْشٌ صافٌ أي صَوِف، وكذلك شاك أي شَوِكُ. ويُحتمل أن يكونَ
محذوفَ العينِ وأصلُه شائك فحُذِفَت العينُ فبقي شاكاً فألفُه زائدةٌ ووزنُه على
هذا فال. وأمَّا شاكٍ فمنقوصٌ وطريقتُه بالقلب كما تقدم. ومِنْ وصف السلاح
بالشاك قوله(٤):
سلاحاً يَذْعَر الأبطال شاكا
٢٣٨٥ - وأُلْبِسُ مَنْ رضاه في طريقي
فهذا يُحْتمل أن يكونَ محذوفَ العين، وأن يكون أصله شَوِكاً كصَوِف.
(١) عاد إلى الآية ٢ .
(٢) عاد إلى الآية ٧.
(٣) تقدم برقم (١٢٧٩).
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٥٥/٤.
٥٦٩

- الأنفال -
ويُقال أيضاً: هو شاَّ في السلاح بتشديد الكاف مِنَ الشِكّة وهي السلاح
أجمع، نقله الهروي والراغب(١).
والاستغاثة: طلبُ الغَوْث وهو النصرُ والعَوْن وقيل: الاستغاثةُ سَدُّ
الخَلَّة(٢) وقت الحاجة. وقيل: هي الاستجارةُ. ويقال: غَوْثٌ وَغُواث
وغَواث، والغيث من المطر والغَوْث من النصرة، فعلى هذا يكونُ (استغاث))
مشتركاً بينهما، ولكن الفرقَ بينهما في الفعل فيقال: اسْتَغَثْتُه فأعاثني من
الغَوْث، وغائَني مِن الغَيْث.
والإِردافُ: الإِتباع والإِركاب وراءك. قال الزجاج(٣): ((أَرْدَفْتُ الرجل
إذا جئت بعده)). ومنه ((تَتْبَعُها الرادِفَةُ)) (٤)، ويقال: رَدِف وأَرْدَف. واختلف
اللغويون فقيل: هما بمعنى واحد، وهو قولُ ابنِ الأعرابي نقله عنه ثعلب،
وقولُ أبي زيد نقله عنه أبو عبيد قال: ((يُقال: رَدِفْتُ الرجلَ وَأَرْدَفْته إذا ركْبْتَ
خلفَه))، وأنشد(٥):
٢٣٨٦ - إذا الجوزاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيًّا ظَنَنْتُ بآل فاطمةَ الظُّنونا
أي جَاءَتْ على رِدْفِها. وقيل: بل بينهما فرقٌ، فقال الزجاج(٦):
(يقال: رَدِفْتُ الرجلَ: رَكِبْتُ خلفَه وأَرْدَفْتُه: أركبتُه خلفي)» وهذا يناسِبُ قولَ
(١) المفردات ص ٢٧١. وانظر: القاموس شكك.
(٢) الخَلَّة: الحاجة والفقر والثلمة.
(٣) معاني القرآن له ٤٤٥/٢.
(٤) الآية ٧ من سورة النازعات.
(٥) البيت لخزيمة بن مالك أو حزيمة بن نهد وهو في تفسير الطبري ٤١٥/١٣؛ والمحرر الوجيز
٨/ ٢٠؛ وتفسير الماوردي ٨٥/٢. والتاج ردف.
(٦) معاني القرآن ٤٤٥/٢.
٥٧٠

- الأنفالـ
مَنْ يُقَدِّر مفعولاً في ((مُرْدِفين)» بكسرِ الدال، وأَرْدَقْتُه: إذا جِئْتَ بعده أيضاً،
فصار أَرْدَفَ على هذا مشتركاً بين معنيين. وقال شمر: ((رَدِفْتُ وَأَرْدَفْتُ
إذا فَعَلْتَ ذلك بنفسك، فأمَّا إذا فَعَلْتَهما / بغيرك فَأَرْدَقْتُ لا غير)).
[٤٢٢/ب]
وقوله: (مُرْدَفين)) بفتح الدالِ فيه وجهان، أظهرهما: أنه صفةٌ لِأُلْف أي
أَرْدَف بعضُهم لبعض. والثاني: أنه حالٌ من ضمير المخاطبين في ((يمدُّكم))
قال ابن عطية (١): ((ويُحتمل أن يُراد بالمُرْدَفين المؤمنون أي: أُرْدِفوا
بالملائكة)) وهذا نصَّ فيما ذكرته من الوجه الثاني. وقال الزمخشري(٢):
((وقرىء (مُرْدِفين)) بكسر الدال وفتحها مِنْ قولك: رَدِفه إذا تبعه، ومنه قوله
تعالى: ((رَدِف لكم))(٣)، أي: رَدِفَكم، وأَرْدَفْتُه إياه إذا تَبِعْتَه(٤)، ويقال:
أَرْدَفته كقولك: اتَّبَعْته إذا جئت بعده، فلا يخلُو المكسورُ الدالِ مِنْ أن يكون
بمعنى مُتْبِعِين أو مُتِّعين. فإن كان بمعنى مُتْبِعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى
مُتْبِعِيْن بعضهم بعضاً، أو مُتْبِعين بعضهم لبعض، أو بمعنى مُتْبعين إياهم المؤمنين،
بمعنى يتقدَّمونهم فيُتْبعونهم أنفسهم أو مُتْبِعِين لهم يُشَيِّعونهم ويُقَدِّمونهم بين
أيديهم وهم على ساقتهم(٥) ليكونوا على أعينهم وحِفْظهم، أو بمعنى مُتْبِعين
أنفسهم ملائكةٌ آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة. ويعضد هذا الوجهَ قولُه
تعالى في سورة آل عمران («بثلاثة آلافٍ من الملائكة مُنْزَلِين»(٦) «بخمسة آلاف
من الملائكة مُسَوِّمين))(٧)، ومن قرأ ((مُرْدَفين)) بالفتح فهو بمعنى مُتْبَعين
أو مُتَّبَعين)».
(١) المحرر ١٩/٨ - ٢٠.
(٢) الكشاف ١٤٦/٢.
(٣) الآية ٧٢ من سورة النمل.
(٤) في الزمخشري: أتبعته.
(٥) الساقة: مؤخرة الجيش.
(٦) الآية ١٢٤ من سورة آل عمران.
(٧) الآية ١٢٥ من سورة آل عمران.
٥٧١

- الأنفال ـ
قلت: وهذا الكلامُ على طوله شرحُه أنَّ ((أَتْبع)) بالتخفيف يتعدَّى إلى
مفعولين، و((اتَبع)) بالتشديد يتعدى لواحدٍ، وأَرْدَف قد جاء بمعناهما، ومفعولُه
- أو مفعولاه ــ محذوفٌ لفهم المعنى، فيقدَّر في كل موضع ما يليق به.
إلا أنَّ الشيخ عابَ عليه قوله ((مُتْبِعين إياهم المؤمنين وقال(١): ((هذا ليس من
مواضعٍ فَصْلِ الضمير بل مما يتصل وتُحْذف له النون، لا يقال: هم كاسون
إياك ثوباً، بل كاسوك، فتصحيحه أن يقول: متبعيهم المؤمنين أو مُتْبعين
أنفسهم المؤمنین».
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿وما جعله﴾: الهاء تعود على الإمداد أي:
وما جعل اللَّهُ الإِمدادَ. ثم هذا الإِمدادُ يحتمل أن يكون المنسبكَ من قوله
(أُنِّي مُمِدُّكم))(٢)، إذ المعنى: فاستجاب بإمدادكم. ويحتمل أن یکون مدلولاً.
عليه بقوله ((مُمِدُّكم)) كما دلَّ عليه فِعْلُه في قوله: ((اعدلوا هو أقرب))(٣). وهذا:
الثاني أَوْلِى لأنه مُتَأَتُّ على قراءة الفتح والكسر في ((إني)) بخلاف الأول فإنه
لا يتجه عَوْدُه على الإِمداد على قراءة الكسر إلا بتأويلٍ ذكره الزمخشري (٤)
وهو أنه مفعولُ القول المضمر فهو في معنى القول. وقيل يعود على المَدّد قاله
الزجاج(٥). قال الواحدي: ((وهذا أَوْلَى لأنَّ بالإِمداد بالملائكة كانت
البشرى)). وقال الفراء(٦): ((إنه يعودُ على الإِرداف المدلول عليه بمردفين)).
وقيل: يعودُ على الألف. وقيل: على الوعد المدلول عليه بـ (يَعِدُكم))(٧).
(١) البحر ٤ /٤٦٦.
(٢) في الآية ٩.
(٣) الآية ٨من سورة المائدة.
(٤) الكشاف ١٤٦/٢.
(٥) معاني القرآن له ٤٤٥/٢ .
(٦) معاني القرآن له ٤٠٤/١.
(٧) في الآية ٧.
٥٧٢

- الأنفال -
وقيل: على جبريل أو على الاستجابة، لأنها مؤنث مجازي، أو على الإِخبار
بالإِمداد. وهي كلُّها محتملة وأرجحها الأولُ، والجَعْلِ هنا تصيرٌ.
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشاكم﴾(١): في ((إذ» وجوه أحدها: أنه
بدل من «إذ)) في قوله: ((وإذ يَعِدُكم))(٢). قال الزمخشري(٣): ((إذ يغشاكم بدلٌ
ثانٍ من ((إذ يَعِدكم)). قوله: ((ثان)) لأنه أبدل منه ((إذ)) في قوله ((إذ تَسْتغيثون)»
ووافقه على هذا ابن عطية(٤) وأبو البقاء(٥). الثاني: أنه منصوبٌ بالنصر(٦).
الثالث: بـ ((ما عند الله))(٧) من معنى الفعل. الرابع: بـ ((ما جعله الله))(٨).
الخامس: بإضمار ((اذكر)). ذكر ذلك الزمخشري(٩). وقد سبقه إلى الرابع
الحوفيُّ .
وقد ضَعَّفَ الشيخُ(١٠) الوجهَ الثاني(١١) بثلاثة أوجه أحدها: أنَّ فيه إعمالَ
المصدرِ المقرون بأل قال: ((وفيه خلاف ذهب الكوفيون إلى أنه لا يَعْمل.
الثاني من الأوجه المضعِّفة أنه فيه فصلٌ بين المصدر ومعموله بالخبر
وهو قوله: ((إلا من عند الله))، ولو قلت: ((ضَرْبُ زيدٍ شديدٌ عمراً)) لم يَجُزْ.
الثالث: أنه عمل ما قبل ((إلا)) فيما بعدها وليس أحدَ الثلاثةِ الجائزِ ذلك فيها،
(١) رسمها المؤلف على قراءة أبي عمرو وكما سيأتي.
(٢) في الآية ٧.
(٣) الكشاف ١٤٦/٢.
(٤) المحرر الوجيز ٢٢/٨.
(٥) الإملاء ٤/٢.
(٦) في الآية ١٠.
(٧) في الآية ١٠ .
(٨) في الآية ١٠.
(٩) الكشاف ١٤٦/٢.
(١٠) البحر ٤٦٧/٤.
(١١) أي منصوباً بالنصر.
٥٧٣

- الأنفال ـ
لأنه لا يعمل ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكونَ مستثنى أو مستثنى منه أو صفةً
له. وقد جوَّز الكسائي والأخفش إعمالَ ما قبل ((إلا)) فيما بعدها مطلقاً، وليس
في هذه الأوجه أحسنُ من أنه أخبر عن الموصول قبل تمامٍ صلته.
[٤٢٣/أ]
وضَعَّفَ الثالثَ(١) بأنه يلزم منه أن يكون استقرارُ النصر مقيّداً / بهذا
الظرفِ، والنصرُ من عند الله لا يتقَّد بوقت دون وقت. وهذا لا يَضْعُفُ به لأنَّ
المرادَ بهذا النصرِ نصرٌ خاص، وهذا النصرُ الخاصُّ كان مقيداً بذلك الظرف.
وضعَّف الرابعَ(٢) بطولِ الفصل ويكون معمولاً لما قبل ((إلا)).
السادس: أنه منصوبٌ بقوله: ((ولتطمئنَّ به)) قاله الطبري(٣). السابع:
أنه منصوبٌ بما دلَّ عليه ((عزيز حكيم)) قاله أبو البقاء(٤). ونحا إليه ابن عطية (٥).
قبله.
وقرأ(٦) ابن كثير وأبو عمرو ((يَغْشاكم النعاسُ)). نافع: ((يُغْشِيكم)) بضم
الياء وكسر الشين خفيفةً. ((النعاسَ)) نصباً. والباقون ((يُغَنِّيكم)) كالذي قبله،
إلا أنه بتشديد الشين (٧) فالقراءة الأولى مِنْ غَشِي يَغْشَى، و((النعاس)) فاعل.
وفي الثانية مِنْ ((أغشى))، وفاعلُه ضميرُ الباري تعالى، وكذا في الثالثة مِنْ
((غَشَّى)) بالتشديد. و((النعاس)) فيهما مفعول به، وأغشى وغشَّى لغتان.
قوله: ((أَمَنَةً)) في نصبِها ثلاثةُ [أوجه] أحدُها: أنه مصدرٌ لفعلٍ مقدر
أي: فَأَمِنْتُم أَمَنَةً. الثاني: أنها منصوبة على أنها واقعةٌ موقعَ الحال: إمَّا من!
(١) أي بـ ((ما عند الله)) من معنى الفعل. وانظر: البحر ٤ /٤٦٧.
(٢) أي بـ ((ما جعله الله)).
(٣) تفسير الطبري ١٣ /٤١٩.
(٤) الإِملاء ٤/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٢٢/٨.
(٦) السبعة ص ٣٠٤؛ الحجة ص ٣٠٨؛ البحر ٤٦٧/٤.
(٧) ونصب النعاس.
٥٧٤

- الأنفال ـ
الفاعل، فإن كان الفاعلُ ((النعاس)) فنسبةُ الأمنة إليه مجازٌّ، وإن كان الباريّ
تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبة حقيقةٌ، وإمَّا من المفعولِ على
المبالغة أي: جَعْلهم نفسَ الأمنة، أو على حَذْفِ مضاف أي: ذوي أمنة.
الثالث: أنه مفعولٌ من أجله وذلك: إمّا أن يكونَ على القراءتين الأخيرتين
أو على الأولى، فعلى القراءتين الأخيرتين أمرُها واضحٌ، وذلك أن التغشيةً
أو الإِغشاءَ من الله تعالى، والأمنةُ منه أيضاً، فقد اتحد الفاعلُ فصحَّ النصب على
المفعول له. وأمَّا على القراءة الأولى ففاعل ((يغشى)) النعاسُ، وفاعل ((الأمنة))
الباري تعالى. ومع اختلافِ الفاعلِ يمتنع النصبُ على المفعول له على
المشهور وفيه خلافٌ، اللهم إلا أن يُتَجَوَّز بتجوز.
وقد أوضح ذلك الزمخشري(١) فقال: ((وَأَمَنَةً)) مفعولٌ له. فإن قلت:
أما وجب أن يكون فاعلُ الفعلِ المُعَلَّلِ والعلةِ واحداً؟ قلت: بلى ولكن لمًّا
كان معنى ((يَغْشاكم النعاسُ)) تَنْعَسون انتصب ((أَمَنَةً)) على معنى: أنَّ النعاسَ
والْأَمْنَة لهم، والمعنى إذ تُنْعَسُون أمناً)(٢). ثم قال: ((فإن قلت: هل يجوزُ أن
ينتصبَ على أن الأمنَةَ للنعاس الذي هو يغشاكم أي: يَغْشاكم النعاسُ لأمنة،
على أنَّ إسنادَ الْأُمْن إلى النعاس إسنادٌ مجازي وهو لأصحابِ النَّعاس على
الحقيقة، أو على أنه أتاكم(٣) في وقت كان مِنْ حق النعاس في ذلك الوقتٍ
المَخُوف أن لا يُقَدَّمَ على غشيانكم، وإنما غَشَّاكم أمنةً حاصلةً له من الله
لولاها لم يَغْشكم (٤) على طريقة التمثيل والتخييل)). قلت: لا تبعد فصاحة
القرآن عن مثله، وله فيه نظائرُ، وقد ألمّ به من قال(٥):
(١) الكشاف ١٤٧/٢ .
(٢) الكشاف: تنعسون أمنة بمعنى أمناً.
(٣) الكشاف: أنامكم.
(٤) الأصل: لم يغشاكم وهو سهو.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٦٨/٤؛ والكشاف ٣٧٤/٤. وشرود: مستعصٍ.
٥٧٥

- الأنفال -
٢٣٨٧ - يَهاب النَّوْمُ أن يَغْشى عيوناً تهابُكَ فِهْوَ نَفَّارٌ شَرودُ
وقوله: ((مِنْه)) في محلِّ نصبٍ صفةً لـ((أَمَنَة))، والضمير في ((منه)) يجوزُ أن
يعودَ على الباري تعالى، وأَنْ يعودَ على النعاس بالمجاز المذكور آنفاً.
وقرأ ابن محيصن والنخعي ويحيى بن يعمر ((أَمْنَةً)) بسكون الميم.
ونظير أَمِنَ أَمَنَةً بالتحريك حَبِي حياة، ونظيرُ أَمِن أَمْنة بالسكون رَحِم رَحْمَةٌ .
قوله: ((ماءً لِيُطَهِّرَكم)) العامَّةُ على ((ماءً)) بالمد. و((ليطهركم)) متعلّقٌ
بـ ((يُزِّل)). وقرأ(١) الشعبي ((ما ليطهركم)) بألفٍ مقصورة، وفيها تخريجان
أظهرهما - وهو الذي ذكره ابن جني (٢) وغيره ــ أنَّ ((ما)) بمعنى الذي،
و ((ليطهِّرَكم)) صلتُها، وقال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم، فقدَّر
الجارّ(٣) خبراً لمبتدأ محذوفٍ، والجملةُ صلة لـ ((ما)). وقد ردَّ الشيخ (٤) هذين
التخريجين بأن لامَ ((كي)) لا تقعُ صلةً. والثاني: أن ((ما)) هو ماء بالمد، ولكن
العرب قد حَذَفَتْ همزتَه فقالوا: ((شربت ماً)) بميم منونة، حكاه ابن مقسم،
وهذا لا نظير له إذ لا يجوز أن يُنْتَهَك اسمٌ مُعْرَبٌ بالحذف حتى يبقى على
حرفٍ واحد. إذا عُرِف هذا فيجوزُ أن يكونَ قَصَرَها، وإنما لم ينوِّنْه إجراءً
للوصل مُجْرى الوقف. ثم هذه الألفُ يحتمل أن تكون عين الكلمة وأن الهمزةَ
[٤٢٣/ب] محذوفةٌ / وهذه الألفبُ بدلٌ مِنَ الواو التي في ((مَوَهَ)) في الأصل، ويجوز أن
تكونَ المبدلةً من التنوين وأجرى الوصلَ مُجْرى الوقف. والأولُ أَوْلَى لأنهم
يُراعون في الوقف أنْ لا يتركوا الموقوف عليه على حرفٍ واحد نحو ((مُرٍ)) اسم
فاعل مِنْ أرى يُري .
(١) البحر ٤ /٤٦٨.
(٢) المحتسب ٢٧٤/١
(٣) وهو ليطهركم.
(٤) البحر ٤ /٤٦٨.
٥٧٦

- الأنفال ـ
قوله: ((ويُذْهِبَ)) نسقٌ على ((ليطهِّرَكم)). وقرأ(١) عيسى بن عمر ((ويُذْهِبْ))
بسكون الباء، وهو تخفيف سمَّاه الشيخ(٢) جزماً. والعامة على ((رِجز)) بكسرٍ
الراء والزاي. وقرأ(٣) ابن محيصن بضم الراء، وابنُ أبي عبلة بالسين. وقد
تقدَّم الكلامُ على كل واحد منها(٤). ومعنى ((رجز الشيطان)) هنا ما ينشأُ عن
وسوسته .
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿إذ يُوحِي﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه بدلٌ
ثالث من قوله ((وإذ يَعِدكم))(٥). والثاني: أن ينتصب بقوله ((ويثبّتَ))، قالهما
الزمخشري(٦)، ولم يَبْنِ ذلك على عود الضمير. وأمَّا ابنُ عطية(٧) فبناه على
عَوْد الضمير في قوله ((به))، فقال: ((العاملُ في ((إذ)) العاملُ الأول على ما تقدَّم
فيما قبلها، ولو قدَّرْناه قريباً لكان قوله ((ويُثَبِّتَ)) على تأويل عَوْده على الرَّبْط،
وأمَّا على تأويل عَوْده على الماء فَيَقْلَق أن يعمل ((ويثبت)) في إذ)»، وإنما قَلِقٍ
ذلك عنده لاختلاف زمان التثُّت وزمان الوحي، فإنَّ إنزالَ المطر وما تعلَّق به
مِنْ تعليلاتٍ متقدمٌ على تغشية النعاس، وهذا الوحيّ وتغشيةُ النعاس والإِيحاءُ
كانا وقتَ القتال.
قوله: ((أني معكم)) مفعول بـ ((يوحي))، أي: يوحي كوني معكم بالغلبة
والنصر. وقرأ(٨) عيسى بن عمر - بخلافٍ عنه ـ ((إني معكم)) بكسرِ الهمزة.
(١) البحر ٤ /٤٦٩.
(٢) البحر ٤ /٤٦٩.
(٣) البحر ٤٦٩/٤؛ ونسبها في المختصر ٤٩ إلى مجاهد.
(٤) انظر: إعرابه للآية ١٣٤ من سورة الأعراف.
(٥) في الآية ٧.
(٦) الكشاف ١٤٧/٢، ١٤٨.
(٧) المحرر الوجيز ٢٦/٨.
(٨) البحر ٤ /٤٦٩.
٥٧٧

- الأنفال ـ
وفيه وجهان، أحدهما: أن ذلك على إضمارٍ القول، وهو مذهب البصريين.
والثاني: إجراء ((يوحي)) مُجْرى القول لأنه بمعناه، وهو مذهب الكوفيين.
قوله: ((فوق الأعناق)) فيه أوجه، أحدها: أن ((فوق)) باقيةٌ على ظرفيتها،
والمفعولُ محذوفٌ أي: فاضربوهم فوق الأعناق، عَلَّمَهم كيف يضربونهم.
والثاني: أن ((فوق)) مفعولٌ به على الاتِّساع لأنه عبارةٌ عن الرأس كأنه قيل:
فاضربوا رؤوسهم. وهذا ليس بجيدٍ لأنه لا يَتَصَرَّف. وقد زعم بعضُهم أنه
يتصرِّف وأنك تقول: فوقُك رأسُك برفع ((فوقك))، وهو ظاهرُ قول الزمخشري(١)
فإنه قال: ((فوق الأعناق: أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح التي هي
مفاصل)). الثالث : - وهو قول أبي عبيدة (٢) - أنها بمعنى على أي: على
الأعناق، ويكون المفعول محذوفاً تقديره: فاضربوهم على الأعناق،
وهو قريبٌ من الأول. الرابع: قال ابن قتيبة: ((هي بمعنى دون)). قال
ابن عطية (٣): ((وهذا خطأ بَيِّنٌ وغلطٌ فاحش، وإنما دخل عليه اللَّْس من قوله:
«بعوضةً فما فوقها)»(٤)، أي: فما دونها، وليست ((فوق)) هنا بمعنى دون، وإنما
المرادُ: فما فوقها في القلة والصغر. الخامس: أنها زائدة أي اضربوا الأعناق
وهو قول أبي الحسن(٥)، وهذا عند الجمهورِ خطأ، لأنَّ زيادةَ الأسماءِ
لا تجوز.
قوله: ((منهم كلُّ بنان)) يجوز أن يتعلَّق ((منهم)) بالأمر قبله أي: ابْتَدِئوا
الضرب من هذه الأماكن. وهذا الكلامُ مع ما قبله معناه: اضربوهم في جميع
الأماكن والأعضاء من أعاليهم إلى أسافِلهم. ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على
(١) الكشاف ١٤٨/٢.
(٢) المجاز ٢٤٢/١.
(٣) المحرر ٢٨/٨.
(٤) الآية ٢٦ من سورة البقرة.
(٥) وهو الأخفش في معاني القرآن ٣١٩/٢.
٥٧٨

- الأنفال ـ
أنه حال مِنْ ((كلِّ بنان))؛ لأنه في الأصل يجوز أن يكون صفةً له لو تأخّر قال
أبو البقاء (١): ((ويَضْعُف أن يكون حالاً من ((بنان)) إذ فيه تقديمُ حالِ المضاف
إليه على المضاف)) فكأن المعنى: اضربوهم كيف ما كان. قال
الزمخشري(٢): ((يعني ضَرْبَ الهام)» قال(٣):
وأَضْرِبُ هامةً البطلِ المُشيحِ
٢٣٨٨-
وقال(٤):
عَضْباً أصابَ سَواءَ الرأسِ فانفلقا
٢٣٨٩ - غَشَّيْتُه وَهْو فِي جَأْواءَ باسلةٍ
وقال ابن عطية(٥): ((ويُحتمل أن يريد بقوله: ((فوق الأعناق)) وَصْفَ
أبلغِ ضَرَبات العنقِ، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق، ودون عظم
الرأس))، ثم قال: ((ومنه قوله(٦):
٢٣٩٠ - جَعَلْتُ السيفَ بين الجِيْدِ مِنْه وبين أَسِيْلِ خَدَّيْه عِذارا))
وقيل: هذا مِنْ ذِكْر الجزء وإرادةِ الكل كقول عنترة(٧): /
[١/٤٢٤]
(١) الإملاء ٥/٢.
(٢) الكشاف ١٤٨/٢؛ مقولة الزمخشري هذه في شرح ((فوق الأعناق)).
(٣) البيت لعمرو بن الإِطنابة وصدره:
وإقْدامي على المكروهِ نَفْسي
وهو في اللسان شيح .
(٤) البيت لبلعاء بن قيس الكناني وهو جاهلي، في الحماسة ٦٧/١؛ والكشاف ١٤٨/٢؛
والبحر ٤٧٠/٤. والجأواء: الكتيبة المخضرَّة.
(٥) المحرر ٢٨/٨.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤ /٤٧١؛ وابن عطية ٢٨/٨.
(٧) تقدم برقم (٢١٢١).
٥٧٩

- الأنفال .
٢٣٩١- عَهْدي به شَدَّ النهار كأنما خُضِبَ البَنانُ ورأسُه بالعِظْلِم
والبنان: قيل الأصابع، وهو اسمُ جنسٍ ، الواحد بنانة قال عنترة(١):
٢٣٩٢ - وإنَّ الموتَ طَوْعُ يدي إذا ما وصلْتُ بنانَها بالهُنْدُواني
وقال أبو الهيثم: ((البنان: المفاصِلُ، وكلُّ مَفْصِلٍ بنانة)». وقيل:
البَنان: الأصابعُ من اليدين والرجلين. وقيل: الأصابع من اليدين والرِّجلين
وجميع المَفَاصل من جميع الأعضاء، وأنشد لعنترة(٢):
٢٣٩٣ - وكان فتى الهَيْجاءِ يَحْمي ذِمارَها ويَضْرِبُ عند الكَرْب كلَّ بنانٍ
وقد تُبْدَلُ نونُه الأخيرة ميماً. قال رؤية(٣):
٢٣٩٤ - يا هالَ ذاتَ المَنْطِقِ النَّمْنَامِ
وكَفِّك المخضَّبِ البنَامِ.
آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم﴾: مبتدأ وخبر. والإشارة إلى الأمر
بضَرْبهم، والخطابُ يجوز أن يكون للرسول، ويجوز أن يكونَ للكفار، وعلى
هذا فيكونُ التفاتاً. كذا قال الشيخ(٤) وفيه نظر لوجهين أحدهما: أنه يلزمُ من
ذلك خطابُ الجمعِ بخطاب الواحد وهو ممتنعٌ أو قليل، وقد حُكِيَتْ لُغَيَّة.
والثاني: أن بعده ((بأنهم شاقُوا)) فيكون التفتَ من الغَيْبة إلى الخطاب في كلمة
واحدة، ثم رَجَع إلى الغَيْبة في الحال وهو بعيد.
قوله: ((ومَنْ بُشاقِق الله)) (مَنْ)) مبتدأ والجملة الواقعة بعدها خبرها
(١) ديوانه ص ٢٩٧؛ والقرطبي ٣٧٩/٧؛ والهندواني: السيف الهندي.
(٢) ديوانه ص ٣١٢؛ والقرطبي ٣٧٩/٧.
(٣) البيت الأول في ديوانه ص ١٤٤ وبعده فيه :
كأنَّ وَسْواسَكِ بِالنُّمِامِ
والثاني - في رواية المؤلف - في ابن يعيش ٣٣/١٠؛ والعيني ٤ /٥٨٠.
(٤) البحر ٤ /٤٧١.
٥٨٠