Indexed OCR Text
Pages 421-440
- الأعراف - الضمةُ والهمزةُ في كلمةٍ واحدة نحو: جُوَن(١) ويُواخذكم ومُوَجَّلاً أم في كلمتين كهذه الآية، وقد فعل مثل ذلك أيضاً في سورة الملك في قوله: ((وإليه النَّشور وامِنْتُم))(٢) فأبدل الهمزة الأولى واواً لانضمام ما قبلها حال الوصل، وأما في الابتداء فيخففها لزوال الموجب لقلبها، إلا أنه ليس في سورة الملك ثلاثُ همزات. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذلك في موضعه. وقرأ في سورة طه كقراءة حفص: أعني بهمزةٍ واحدةٍ بعدها ألفٌ، وفي سورة الشعراء كقراءة رفيقه البزي فإنه ليس قبلها ضمةٌ فيبدلها واواً في حال الوصل. وقد قرأتُ لقنبل أيضاً بثلاثة أوجه في هذه السورة وصلاً: وهي تسكينُ الهمزةِ بعد الواو المبدلةِ أو تحريكها أو إبدالُها ألفاً، وحينئذ ينطق بقَدْر ألفَّيْن ولم يُدخل أحدٌ من القراء مدّاً بين الهمزتين هنا سواءً في ذلك مَنْ حقق أو سَهَّل؛ لئلا تجتمع أربعةُ متشابهات. والضمير في (به)) عائدٌ على الله تعالى لقوله: ((قالوا آمنًا بربِّ العالمين)) ويجوزُ أن يعودَ على موسى وأمَّا الذي في سورة طه والشعراء في قوله: ((آمنتم له)) فالضمير لموسى لقوله: ((إنَّه الكبيرُكم)). قوله: ((فسوف تعلمون)) حُذِفَ مفعولُ العلم للعلم به، أي: تعلمون ما يحلُّ بكم، ثم فَسِّر هذا الإِبهامَ بقوله: آ. (١٢٤) (لأُقِّعَنَّ)) جاء به في جملةٍ قَسَمية تأكيداً لما يفعله. وقرأ(٣) مجاهد بن جبر وحميد المكي وابن محيصن: ((لَأَقْطَعَنَّ)) مخففاً مِنْ قَطَعَ الثلاثي، وكذا: ((ولَأَ صْلُبِنَّكُمْ)» من صلب الثلاثي، ورُوي ضمُّ اللام وكسرُها، وهما لغتان في المضارع يقال: صَلَبِه يَصْلُبِه ويَصْلِبه. (١) الجُؤْنَة: سَفَطَ مُغَشَّى بجلد، وهو ظرف لطيب العطار، ج: جُؤَن. (٢) الآية ١٥ - ١٦ من الملك. وانظر: السبعة ٦٤٤. (٣) البحر ٣٦٦/٤؛ الشواذ ٤٥. ٤٢١ --- - الأعراف - قوله: ((مِنْ خِلافٍ)) یحتمل أن یکون المعنی: على أنه یقطع من کل شق طرفاً فيقطع اليدَ اليمنى والرِّجْل اليسرى وكذا هو في التفسير، فيكونُ الجارُّ: والمجرور في محلِّ نصبٍ على الحال كأنه قال: مختلفةً. ويُحتمل أن يكونَ المعنى: لأقطّعَنَّ لأجل مخالفتكم إِيَّاي فتكون ((مِنْ)) تعليليةً، وتتعلَّق على هذا بنفس الفعلِ وهو بعيدٌ. وأجمعين تأكید، أي به دون ((كل))(١) وإن كان الأكثرُ سَبْقَه بـ كل. وجيء هنا بـ (ثم)) وفي السورتين(٢) (ولأصلبنُّكم)) بالواو، لأن الواوَ صالحةٌ للمهلة فلا تُنافِيَ بين الآيات. آ. (١٢٥) وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إلى ربِّنا مُنْقَلبون): جَوَّروا في هذا الضميرِ وجهين، أحدهما: أنه يَخْصُّ السَّحَرة، ويؤيِّده قولُه بعد ذلك: (وما تَنْقِمُ منَّ) فإن الضميرَ في ((مِنَّ)) يَخْصُّهم، وجَوَّروا أن يعودَ عليهم وعلى فرعون، أي: إنَّا - نحن وأنت ـ ننقلب إلى الله، فيجازي كلا بعمله، وهذا وإن كان هو الواقعَ إلا أنه ليس من هذا اللفظ .. آ. (١٢٦) وقوله تعالى: ﴿وما تَنْقِمُ﴾: قد تقدَّم أنَّ فيه لغتين وكيفيةُ تعدِّيه بـ ((من)، وأنه على التضمين، في سورة المائدة(٣). وقوله: ((إلا أن آمنًّا)) يجوز أن يكونَ في محلِّ نصب مفعولاً به، أي: ما تَعيب علينا إلا إيماننا. ويجوز أن يكونَ مفعولاً مِنْ أجله، أي: ما تنال منَّا وتعذّبنا لشيءٍ من الأشياء إلا الإِيماننا. وعلى كلا القولَّيْن فهو استثناءٌ مفرغ. قوله: ((لَمَّا جاءتنا)) يجوز أن تكونَ ظرفيةً كما هورأي الفارسي وأحد قولي سيبويه(٤). والعاملُ فيها على هذا ((آمنًا» أي: آمنًا حين مجيء الآيات، (١) أي التأكيد بأجمعين نفسها من غير سبقها بـ كل. (٢) أي طه ٧١؛ والشعراء ٤٩. (٣) الآية ٥٩: ((هل تنقمون منا إلا أن آمنًّا بالله)). (٤) قال في الكتاب ٣١٢/٢: ((وأمَّا (لمّا)) فهي للأمر الذي قد وقع لوقوع غيره، وإنما تجيء بمنزلة ((لو)) لما ذكرنا، فإنما هي لابتداء وجواب)). وانظر: الإيضاح العضدي ٣١٩. ٤٢٢ - الأعراف - وأن تكونَ حرفٍ وجوب لوجوب، وعلى هذا فلا بد لها من جواب وهو محذوفٌ 13 تقديرُه: لمَّا جاءَتْنا آمنًّا بها من غير توقُّفٍ. آ. (١٢٧) قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَُ﴾: قرأ العامَّةُ: ((وَيَذَرَك)) بياء الغيبة ونصبِ الراء. وفي النصبِ وجهان: أظهرهما: أنه على العطف على (لُيُفْسدوا)). والثاني: أنه منصوبٌ على جواب الاستفهام، كما يُنصب في جوابه بعد الفاء كقول الحطيئة(١): وبينكمُ المودةُ والإِخَاءُ ٢٢٦٥ - ألم أَكِ جارَكمْ ويكونَ بيني والمعنى: کیف یکون الجمعُ بین ترکِكَ موسى وقومه مفسدین وبين تركِهم إيَّك وعبادةِ آلهتك، أي لا يمكنُ وقوعُ ذلك. وقرأ(٢) الحسن في روايةٍ عنه ونعيم بن ميسرة ((ويذرُك)) برفع الراء. وفيها ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنه نسقٌ على ((أتذر)) أي: أتطلق له ذلك. الثاني: أنه استئنافُ إخبار بذلك. الثالث: أنه حالٌ. ولا بدَّ من / إضمارٍ مبتدأ، أي: [٣٩٩/أ] وهو يَذَرُك. وقرأ الحسن أيضاً والأشهب العقيلي: ((ويذرْك)) بالجزم وفيها وجهان، أحدهما: أنه جزم ذلك عطفاً على التوهم، كأنه توهّم جَزْمَ ((يُفْسدوا)) في جواب الاستفهام فعطف عليه بالجزم كقوله: ((فأصَّدَّق وأكنْ))(٣) بجزم ((وأكن)). الثاني: أنها تخفيفٌ كقراءةٍ أبي عمرو ((يَنْصُرْكم)) (٤) وبابه . (١) تقدم برقم ١٦٦٦. (٢) البحر ٤ /٣٦٧؛ الشواذ ٤٥. (٣) الآية ١٠ من المنافقين. فأصَّدَّق وأكن من الصالحين)) وهي قراءة غير أبي عمرو. انظر: السبعة ٦٣٧. ولعل الأنسب في تخريج قراءة ((وأكن)) أنه عطف على موضع ((فأصدق)» لأن التوهم مصطلح لا يليق بالقرآن. انظر: الحجة لأبي زرعة ٧١٠. (٤) الآية ١٦٠ من آل عمران. وانظر مناقشة هذا الموضوع عند إعرابه للآية ٥٤ من البقرة. ٤٢٣ - الأعراف - وقرأ أنس بن مالك: ((ونذرُك)) بنون الجماعة ورفع الراء، تَوَعَّدوه. بذلك، أو أنَّ الأمرَ يُؤول إلى ذلك فيكون خبراً محضاً. وقرأ عبدالله والأعمش بما يخالف السواد فلا حاجةً إلی ذِكْره. وقرأ العامَّة: ((وآلهتَك)) بالجمع. وفي التفسير: أنه كان يعبدُ آلهةً متعددة كالبقر والحجارة والكواكب، أو آلهته التي شَرَع عبادتَها لهم وجَعَل نفسه الإِله الأعلى في قوله ((أنا ربُّكم الأعلى)). وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وأنس وجماعة كثيرة: ((وإلاهتك)). وفيها وجهان، أحدهما: أن ((إلاهة)) اسم للمعبود، ويكون المرادُ بها معبودَ فرعونٍ وهي الشمس، وفي التفسير أنه كان يعبد الشمس، والشمس تسمَّى ((إلاهةً)) علماً عليها، ولذلك مُنِعت الصرف للعلمية والتأنيث. والثاني: أن ((إلاهة)) مصدر بمعنى العبادة، أي: ويذر عبادتك لأنَّ قومه كانوا يعبدونه. ونقل ابن الأنباري عن ابن عباس أنه کان یُنكر قراءة العامة، ويقرأ ((وإلاهتك)) وكان يقول: إن فرعون كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ. قوله: ((سنقتل)) قرأ(١) نافع وابن كثير: ((سَنَقْتل)) بالتخفيف، والباقون بالتضعيف للتكثير، لتعدُّد المجال. وسيأتي أن الجماعة قَرَؤوا ((يُقَتِّلُون أبناءكم))(٢) بالتضعيف إلا نافعاً، فيخفف. فتلخص من ذلك أنَّ نافعاً يقرأ. الفعلين بالتخفيف. وابن كثير يخفف ((سنقتل)) ويثقَّل ((يقتلون))، والباقون يثقلونهما . أ. (١٢٨) قوله تعالى: ﴿يورثُها﴾: في محلٌ نصبٍ على الحال. وفي صاحبها وجهان، أحدهما: الجلالة أي: هي له حالَ كونه مُورِثاً لها من يشاؤه. والثاني : أنه الضميرُ المستتر في الجار أي: إنَّ الأرضَ مستقرة لله حالَ (١) السبعة ٢٩١؛ الحجة ٢٩٤؛ البحر ٣٦٧/٤. (٢) الآية ١٤١ من الأعراف. وانظر: الحجة ٢٩٤. ٤٢٤ - الأعراف - كونها مُوَرَّثَةً من الله لمن يشاء. ويجوز أن يكونَ ((يورثها)» خبراً ثانياً، وأن يكونَ خبراً وحدَه، و(الله)) هو الحال، ومَنْ يشاء مفعولٌ ثانٍ، ويجوزُ أن يكونَ جملةً مستأنفة . وقرأ(١) الحسن - ورُويت عن حفص - ((يُوَرِّثُها)) بالتشديد على المبالغة. وقرىء ((يُؤْرَثُها)) بفتح الراء مبنياً للمفعول، والقائمُ مقَامَ الفاعل هو ((مَنْ يشاء)). والألفُ واللام في ((الأرض)) يجوز أن تكونَ للعهدِ وهي أرضُ مِصْر أو للجنس. وقرأ(٢) ابن مسعود بنصب ((العاقبة)) نسقاً على ((الأرض)) و((للمتقين)) خبرُها، فيكون قد عطف الاسم على الاسم والخبر على الخبر فهو مِنْ عطفٍ الجمل. قال الزمخشري(٣): ((فإن قلت: لِمَ أُخْلِيَتْ هذه الجملةُ من الواو(٤) وأُدْخِلَتْ على التي قبلها؟ قلت: هي جملةٌ مبتدَأةً مستأنفةٌ، وأمَّا ((وقال الملأ))(٥) فهي معطوفةٌ على ما سبقها مِنْ قوله: ((قال الملأ من قوم فرعون)). آ. (١٣٠) قوله تعالى: ﴿بالسنين﴾: جمعُ سَنَة. وفيها لغتان أشهرهما: إجراؤه مُجْرى جمع المذكر السالم فيرُفع بالواو ويُنْصِب ويُجَرُّ بالياءِ، وتُحْذَفُ نونُه للإضافة. قال النحاة: إنما جرى ذلك المجرى جبراً له لِما فاته مِنْ لامه المحذوفة، وسيأتي في لامِه كلامٌ. واللغةُ الثانيةُ: أن يُجْعَلَ الإِعرابُ على النونِ ولكن مع الياءِ خاصّةً. نَقَلَ هذه اللغةً أبو زيد والفراء. ثم لك فيها لغتان أحدهما: ثبوتُ تنوينها، والثانيةُ عدمهُ. قال الفراء: ((هي في هذه اللغة (١) البحر ٣٦٨/٤؛ الشواذ ٤٥ وذكر أنها رواية هبيرة عن حفص. (٢) البحر ٣٦٨/٤. (٣) الكشاف ١٩٥/٢ . (٤) أي جملة ((قال موسى لقومه)) الآية ١٢٨. (٥) في الآية ١٢٧ . ٤٢٥ - الأعراف - مصروفة عند بني عامر وغير مصروفة عند بني تميم)). ووجه حذف التنوين التخفيف، وحينئذ لا تُحْذف النون للإِضافة، وعلى ذلك جاء قولُه (١): ٢٢٦٦ - دَعَانيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سنينَه لَعِبْنَ بنا شِيْئاً وَشَيِّبْنَا مُرْدا وجاء الحديث ((اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِني يوسف)) و(«سنيناً كسنينٍ يوسف))(٢) باللغتين. وفي لام ((سَنَة)) لغتان، أحدهما: أنها واو لقولهم: سنوات وسانّيْتُ وسُنِيَّة. والثانية: أنه هاءٌ لقولهم: سانَهْتُ وسَنَهات وسُنَيْهَة. وليس هذا الحكمُ المذكور أعني جَرَيَانَه مَجْرى جمعِ المذكر أو إعرابَه بالحركات مقتصراً على لفظ سنين بل هو جارٍ في كل اسمٍ ثلاثي مؤنث حُذِفِتْ لامُه وعُوِّضَ منها تاء التأنيث ولم يُجْمع جمع تكسير، نحو ثُبة (٣) وثبين، وقُلة(٤) وقُلين. وتَحْرَّزْتُ بقولي ((حُذِفَتْ لامُه)) مِمَّا حُذِفَتْ فاؤه نحو: لِدة(٥) وعِدَة. وبقولي ((ولم يُجْمع جمع تكسير)) مِنْ ((ُبَة وظُبَى))(٦). وقد شذَّ قولهم ((لِدُون)) في المحذوف [٣٩٩/ب] الفاء، وظبون في المكسّر قال / (٧) ٢٢٦٧ - يرى الراؤون بالشَّفَراتِ منها وُقُودَ أبي حُباحبَ والظُِّنا (١) تقدم برقم ١٧٧٩ . (٢) رواه مسلم: المساجد برقم ٢٩٤ (٤٦٦/١)؛ المسند ٣٨٠/١ . : (٣) الثبة: الجماعة . (٤) القلة: عودان يلعب بهما الصبيان. (٥) لدة: مصدر وَلَدت. (٦) الظبة: حد السيف. (٧) البيت للكميت بن زيد وهو في ديوانه ١٢٦/٢؛ وأمالي الشجري ٨٨/٢؛ والعيني ٣٦١/٤ والشفرات: ج شفرة وهي حد السيف. ومنها أي من سيوفهم. ونار الحباحب: تطلق على النار تراها العين ولا حقيقة لها. ٤٢٦ - الأعراف - واعلم أن هذا النوعَ إذا جَرَىْ مَجْرى الزيدِيْنَ فإن كان مكسورَ الفاء سَلِمَتْ ولم تُغَيَّر نحو: مئة ومئين، وفئة وفئين(١). وإن كان مفتوحَها كُسِرَتْ نحو سنين، وقد نُقِل فتحُها وهو قليلٌ جداً. وإن كان مضمومَها جاز في فائهِ الوجهان: أعني السَّلامة والكسر نحو: ثُبين وقُلين. وقد غَلَبت السَّنَة على زمانِ الجَدْب، والعام على زمان الخصب حتى صارا كالعلَم بالغلبة، ولذلك اشتقوا من لفظ السنة فقالوا: أَسْنَتَ القومُ. قال(٢) : ورجالُ مكةً مُسْنِتونَ عجافُ ٢٢٦٨ - عمروُ الذي هَشَمَ الثَّریدَ لقومِه وقال حاتم الطائي(٣): وما يَشْتكينا في السنين ضريرُها ٢٢٦٩ - وإنَّا نُهيْنُ المالَ في غيرِ ظِنَّةٍ ويؤيِّد ما ذَكَرْتُ لك ما في سورة يوسف: (تَزْرَعُون سبع سنين))(٤) ثم قال: ((سَبْعٌ شِداد))(٥) فهذا في الجَذْب. وقال: ((ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يُغاث الناس))(٦). وقوله: ((من الثمرات)) متعلق بـ ((نَقْضٍ)). آ. (١٣١) قوله تعالى: ﴿فإذا جاءَتْهُم الحَسَنةُ﴾: أتى في جانب الحسنة بـ إذا التي للمحقق. وعُرِّفَتِ الحسنة لسَعة رحمة الله تعالى، ولأنها (١) الفئة: الجماعة. (٢) البيت لعبدالله بن الزبعرى، وهو في المقتضب ٣١٢/٢؛ والمنصف ٣١٣/٢؛ واللسان: هشم. والمسنتون: من أصابتهم سنة وقحط. (٣) ديوانه ٦٢. الظنة: القليل، الضرير: الأعمى. (٤) الآية ٤٧ من يوسف. (٥) الآية ٤٨ من يوسف: ((ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شِدادٌ يأكلْنَ ما قدُّ متم لهنَّ إلا قليلاً يِمَا تُحْصِنون)». (٦) الآية ٤٩ من يوسف. ٤٢٧ - الأعراف - أمر محبوب، كلَّ أحدٍ يتمناه، وأتى في جانب السيئة بـ ((إنْ)) التي للمشكوك فيه، ونُكِّرتِ السيئة لأنه أمرٌ كلُّ أحدٍ يَحْذره. وقد أوضح الزمخشري ذلك فقال(١): (فإن قلت: كيف قيل ((فإذا جاءَتْهم الحسنة)) بـ ((إذا). وتعريف: الحسنة، و((إن تصبهم سيئة)) بـ((إن)) وتنكير السيئة؟ قلت: لأنَّ جنسَ وقوعِهِ : كالواجب واتساعه، وأمَّا السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها)). انتهى. وهذا من محاسن علم البيان. قوله: ((يَطَّيِّرواه الأصلُ: يتطيّروا فَأُدْغمت التاء في الطاء لمقاربتها لها. وقرأ(٢) عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف: ((تطيّروا)) بتاءٍ من فوق على أنه فعلٌ ماضٍ وهو عند سيبويه(٣) وأتباعه ضرورة، إذ لا يقع فعل الشرط مضارعاً والجزاء ماضياً إلا ضرورةً كقوله(٤): ٢٢٧٠ - مَنْ يَكِدْنِي بِسَيِّ؛ٍ كنتُ منه كالشَّجَا بين حَلْقِه والوريد وقوله(٥): ٢٢٧١ - وإن يَرَوا سُبَّة طاروا بها فَرَحاً مني وما سمعوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا وقد تقدَّم الخلاف في ذلك فأغنى عن إعادته. والتطُّر: التشاؤم وأصله أن يُفَرَّق المالُ ويطير بين القوم، فيطير لكل (١) الكشاف ١٠٦/٢. (٢) البحر ٤ /٣٧٠. (٣) قال سيبويه: ((إذا قلت: إن تفعلْ فأحسن الكلام أن يكون الجوابُ أفعلْ لأنه نظيره من الفعل، وإذا قلت: إن فعلت فأحسن الكلام أن تقول: فعلت لأنه مثله)) الكتاب ٤٤٨/١. (٤) تقدم برقم ١٤١٧ (٥) تقدم برقم ١٧١٧. ٤٢٨ - الأعراف - أحدٍ حظُّه وما يخصُّه، ثم أُطْلق على الحظ والنصيب السَّء بالغلبة، وأنشدوا للبيد(١): ٢٢٧٢ - تطير عَدائِدُ الأشراكِ شَفْعاً ووِتْراً والزَّعامةُ للغلام الْأَشْراك: جمعُ شِرْك وهو النصيب، أي: طار المال المقسوم شَفْعاً لذَّكر ووِتْراً للأنثى. والزَّعامة: أي: الرئاسة للذكر، فهذا معناه تفرّق، وصار لكل أحد نصيبُه، وليس من الشؤم في شيءٍ، ثم غَلَبَ على ما ذكرت لك. ومعنى ((طائرهم عند الله)) أي: حظهم وما طار لهم في القضاء والقدر، أو شؤمهم، أي: سبب شؤمِهم عند الله وهو ما يُنْزِلُه بهم. آ. (١٣٢) قوله تعالى: ﴿مهما﴾: («مهما)) اسمُ شرطٍ يجزم فعلين، كـ ((إِنْ)). هذا قولُ جمهور النحاة، وقد يأتي للاستفهام، وهو قليلٌ جداً كقوله(٢): ٢٢٧٣ - مهما لي الليلةَ مهما لِيَهْ أَوْدَى بنعلَيَّ وسِرْباليَهْ يريد: ما لي الليلة مالي؟ والهاء للسكت. وزعم بعض النحويين(٣) أنَّ الجازمة تأتي ظرف زمان، وأنشد (٤): وفَرْجَكَ نالا منتهى الذمِّ أجمعا ٢٢٧٤ - وإنك مهما تُعْطِ بطنك سُؤْلَه وقول الآخر(٥): مهما يُعَوَّدْ شيمةً يَتَعوَّدِ ٢٢٧٥ - عوَّدْتَ قومَك أن كلَّ مُبَرَّدٍ (١) ديوانه ٢٠٢. وتطير: تخرج. والعدائد: المال والميراث. (٢) البيت لعمروبن ملقط وهو في النوادر ٦٢؛ وابن تعيش ٤٤/٧؛ والمع ٥٨/٢؛ والدرر ٧٤/٢؛ وشرح عمدة الحافظ لابن مالك ٣٨٨. (٣) نسبة في البحر ٣٧١/٤ إلى ابن مالك. (٤) البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ١١٤؛ والجمع ٥٧/٢؛ والدرر ٧٣/٢. (٥) لم أقف عليه. ٤٢٩ نـ الأعراف : وقول الآخر(١): مهما يَعِشْ يُسْمِعْ بما لم يُسْمَعِ ٢٢٧٦ - نُبِئْتُ أن أبا شُتَيْمٍ يَدَّعي قال: ((فـ مهما هنا ظرف زمان)) والجمهور على خلافه. وما ذكره متأول، بل بعضُه لا يَظْهر فيه للظرفية معنى . وقد شنع الزمخشري(٢) على القائل بذلك فقال: ((وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يُحَرِّفها مَنْ لا يدَ له في علم العربية فيضعها غيرَ موضعها، ويحسب («مهما)) بمعنى ((متى)) ويقول: مهما جئتني أعطيتك، وهذا من كلامه وليس من واضع العربية، ثم يذهب فيفسر ((مهما تأتنا به من آية)) بمعنى الوقت فيُّلْحد في آيات الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مِمَّا يوجب الجثّوَّ بين يدي الناظر في كتاب سيبويه)). قلت: هو معذورٌ في كونها بمعنی الوقت، فإن ذلك قولٌ ضعيف لم يَقُلْ به إلا الطائفةُ الشاذَّةُ، وقد قال جمال الدين ابن مالك(٣): ((جميع النحويين يقولون (٤) إن «مهما)) و ((ما)) مثل ((مَنْ)). في لزوم التجرُّد عن الظرف، مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب)»، وأنشد بعض الأبيات المتقدمة. قلت: وكفى بقوله ((جميع النحويين)) دليلاً على ضَعْف القول بظرفيتهما. وهي اسمٌ لا حرفٌ بدليل عَوْد الضمير عليها، ولا يعود الضمير على حرف كقوله ((مهما تأتنا به)) فالهاء في ((به)) تعود على ((مهما))، وشَذَّ السهيليُّ فزعم أنها قد تأتي حرفاً. (١) البيت لطفيل الغنوي وهو في ديوانه ١٠٤؛ والأشموني ١٢/٤؛ وشرح الكافية الشافية. لابن مالك ١٦٢٧/٣. (٢) الكشاف ١١٠٧/٢ (٣) شرح الكافية الشافية ١٦٢٥/٣. (٤) قوله ((يقولون)) مطموس في الأصل، أثبتناه من ش، وفي ي: تقول. وفي نص شرح الكافية ((يجعلون)). ٤٣٠ - الأعراف - واختلف النحويون(١) في ((مهما)»: هل هي بسيطة أو مركبة؟ والقائلون بتركيبها اختلفوا: فمنهم مَنْ قال: هي مركبة / مِنْ ماما، كُرِّرت ((ما)» الشرطية [١/٤٠٠] توكيداً فاستثقل توالي لفظين فأُبْدلت ألف ((ما)) الأولى هاء. وقيل: زيدت ((ما)) على ((ما)) الشرطية كما تُزاد على ((إنْ)) في قوله: ((فإمَّا يأتِينَّكم))(٢) فَعُمِل العمل المذكور للثقل الحاصل. وهذا قول الخليل(٣) وأتباعه من أهل البصرة. وقال قومٍ: «هي مركبة مِنْ مَهْ التي هي اسمُ فعلٍ بمعنى الزجر وما الشرطية، ثم رُكَّبت الكلمتان فصارا شيئاً واحداً)). وقال بعضهم: ((لا تركيبَ فيها هنا بل كأنهم قالوا له: مه، ثم قالوا: ما تَأْتِنا به)) ويعزى هذان الاحتمالان للكسائي وهذا ليس بشيء؛ لأن ذلك قد يأتي في موضعٍ لا زَجْرَ فيه، ولأن كتابتها متصلة ينفي كونَ كلٍ منهما كلمةً مستقلة. وقال قوم: إنها مركبة من مَهْ بمعنى اكفف ومَنْ الشرطية، بدليل قول الشاعر(٤): أقاويلَ هذا الناسِ ماوِيٍّ يندمِ ٢٢٧٧ - أماوِيَّ مَهْ مَنْ يَسْتمعْ في صديقه فأُبْدِلَتْ نونُ ((مَنْ)) ألفاً، كما تبدل النونُ الخفيفة بعد فتحة، والتنوين ألفاً(٥). وهذا ليس بشيء، بل ((مَة)) على بابها من كونها من انكفف ثم قال: من يستمع. وقال قوم: ((بل هي مركبةٌ مِنْ مَنْ وما، فَأَبْدلت نونُ مَنْ هاءً، كما (١) انظر: معاني القرآن للزجاج ٤٠٨/٢؛ شرح الجمل لابن عصفور ١٩٥/٢. (٢) الآية ٣٨ من البقرة. (٣) انظر: الكتاب ٤٣٣/١. (٤) لم أهتد إلى قائله. قال في الخزانة ٦٣١/٣: ((وهذا البيت شبيه بشعر حاتم ولكني لم أقف عليه منسوباً إليه. ماوي: مرخم ماوية علم امرأة. والبيت في ابن يعيش ٨/٤؛ والبحر ٣٦٣/٤. (٥) أي: وكما يبدل التنوين ألفاً. ٤٣١ - الأعراف - أبدلوا من ألف ((ما)) الأولى (١) هاء، وذلك المؤاخاة ((مَنْ)) ((ما)) في أشياء وإن افترقا في شيء واحدٍ)). ذكره مكي(٢). ومحلُّها نصبٌ أورفع، فالرفعُ على الابتداء وما بعده الخبر، وفيه الخلافُ المشهورُ: هل الخبر فعلُ الشرط أو فعلُ الجزاء أو هما معاً. والنصب من وجهين: أظهرُهما على الاشتغال، ويُقَدَّر الفعلُ متأخراً عن اسم الشرط والتقدير: مهما تُحْضِر تأتِنا به، فـ (تَأْتِنا)) مفسِّر لـ ((تُحضر)) لأنه من معناه. والثاني: النصبُ على الظرفية عند مَنْ يرى ذلك، وقد تقدم الردُّ على هذا القول. والضميران من قوله ((به)) و(بها)) عائدان على ((مهما)) عاد الأول على اللفظ والثاني على المعنى، فإن معناها الآية المذكورة. ومثله قول زهير(٣): وإن خالها تَخْفَى على الناسِ تُعْلَمِ ٢٢٧٨ - ومهما تكنْ عِند امرئٍ من خَلیقةٍ ومثلُه في ذلك قولُه: ((ما نَنْسَخْ من آيةٍ أو نْسَأْها نَأْتِ بخيرٍ منها أو مثلها)»(٤) فأعاد الضمير على ((ما)» مؤنثاً لأنها بمعنى الآية. وقوله: «فما نحن)) يجوز أَنْ تكونَ ((ما)» حجازيةً أو تميمية، والباءُ زائدةٌ على كلا القولين، والجملةُ جواب الشرط فمحلها جزم. آ. (١٣٣) قوله تعالى: ﴿الطوفان): فيه قولان أحدهما: أنه جمع طُوْفانة، أي: هو اسم جنس كقمح وقمحة وشعير وشعيرة. وقيل: بل هو مصدر كالنُّقْصان والرُّجْحَان، وهذا قول المبرد في آخرين، والأول هو قول (١) أي: في مهما. (٢) المشكل ٣٢٧/١. (٣) ليس في ديوانه بشرح ثعلب، وهو في شرح القصائد العشر للتبريزي ٢٤٠؛ والبحر ٣٧٢/٤؛ والهمع ٣٥/٢؛ والدرر ٣٥/٢. (٤) الآية ١٠٦ من البقرة وأثبتها المؤلف على قراءة أبي عمرو وابن كثير. ٤٣٢ - الأعراف - الأخفش قال: (١) ((هو فُعْلان من الطَّاف، لأنه يطوف حتى يَعُمَّ، وواحدته في القياس طُوْفانة، وأنشد(٢): خُرُقُ الريحِ وطوفانُ المَطَّرْ ٢٢٧٩ - غَيِّرَ الجِدَّةَ من آياتها والُّوفان: الماء الكثير قاله الليث، وأنشد للعجاج (٣): ٢٢٨٠ - وعَمَّ ◌ُوفانُ الظلامِ الْأَنْأَبَا شبّه ظلامَ الليل بالماء الذي يغشى الأمكنة. وقال أبو النجم (٤): ٢٢٨١ - ومَدَّ طوفانٌ مبيدٌ مَدَدا شهراً شآبيبٌ وشهراً بَرَدا وقيل: الطُّوفان من كلِّ شيءٍ ما كان كثيراً محيطاً مُطْبقاً بالجماعة من كل جهة كالماء الكثير والقتل الذريع والموت الجارف، قاله أبو إسحاق(٥). وقد فسَّرَه النبي صلى الله عليه وسلم بالموتِ تارةً وبأمرٍ من الله تارة، وتلا قوله تعالى: ((فطاف عليها طائفٌ من ربك))(٦). وهذه المادة وإن كانت قد تقدَّمت في ((طائفة))(٧) إلا أن لهذه البِنْية خصوصيةً بهذه المعاني المذكورة. (١) معاني القرآن ٣٠٨/٢. (٢) البيت للحسيل بن عرفطة وهو شاعر جاهلي، وهو في النوادر ٧٧؛ والمنصف ٢٢٨/٢؛ ومعاني القرآن ٣٠٨/٢؛ والبحر ٣٧٣/٤. (٣) قبله : حتى إذا ما يومُها تُصَبْصَبا وهو في ملحق ديوانه ٢٦٨ والصحاح: طوف - عمَّ. والأثأب: ضرب من الشجر. وتصبصب: ذهب إلا قليلا. (٤) الطبري ٥٤/١٣ برواية: قد مدّ طوفان فيثَّ مَدَدا وابن عطية ١٤٢/٧؛ والبحر ٣٧٣/٤؛ وتفسير الماوردي ٤٩/٢. (٥) وهو الزجاج في معاني القرآن ٤٠٨/٢. (٦) الآية ١٩ من القلم. (٧) انظر: إعرابه للآية ١٢٥ من البقرة. ٤٣٣ - الأعراف - قوله: ((والجَرَادَ)) جمع جَرادة، الذَّكَرُ والأنثى فيه سواء. يقال: جرادة ذَكَرٌ وجرادة أنثى كنملة وحمامة. قال أهل اللغة: وهو مشتق من الجَرْد، قالوا: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليلً جداً يقال: أرض جزْداء أي : مَلْساء، وثوب جَرْد: إذا ذهبَ زِغْرُهُ(١). قوله: ((والقُمَّلَ)) قيل هي: القِرْدان وقيل: دوابُ تشبهها أصغر منها. : وقيل: هي الشُّوس الذي يخرج من الحنطة. وقيل: نوع من الجراد أصغر منه. وقيل: الحِمْنان الواحدة حِمْنانة نوع من القِرْدان. وقيل: هو القُمَّل المعروف الذي يكون في بدن الإنسان وثيابه، ويؤيد هذا قراءة الحسن(٢) ((والقَمْل)) بفتح القاف وسكون الميم فيكون فيه لغتان: القُمَّل كقراءة العامة، والقَمْل كقراءة الحسن البصري. وقيل: القمل: البراغيث. وقيل: الجعلان. قوله: ((والضفادع»: جمع ضفدع بزنةدرهم، ویجوز کسر دالِه فیصیر بزنة .[٤٠٠ /ب] زِبْرِج(٣) وقد تُبْدَلُ عينُ جمعه ياء / كقوله(٤): ٢٢٨٢ - ومَنْهَلٍ ليس له حَوازِقَ ولِضفادي جَمِّه نقائِقُ: وشَذَّ جمعُه أيضاً على ضِفْدَعان، والضّفدع مؤنث وليس بمذكر. فعلى هذا يُفَرَّق بين مذكَّره ومؤنثه بالوصف. فيقال: ضفدع ذكر وضفدع أنثى، كما قلنا ذلك في المتلِّس بتاءِ التأنيث نحو حمامة وجرادة ونملة. قوله: ((آيات)) منصوب على الحال من تلك الأشياء المتقدمة أي: أَرْسَلْنا. عليهم هذه الأشياءَ جَالَ كونها علاماتٍ مميّزاً بعضها من بعض. (١) الزئبر: ما يظهر من دَرْزِ الثوب ويكون هذا في الثوب الخلق. (٢) البحر ٣٧٣/٤؛ الشواذ ٤٥. (٣) الزبرج: الزينة من وشي أو جوهر. (٤) البيت لخلف الأحمر، وهو في الكتاب ٣٤٤/١؛ والمقتضب ٢٤٧/١؛ وابن يعيش ٢٤/١٠؛ واللسان حزق؛ والهمع ١٥٧/٢؛ والدرر ٢١٣/٢. والحوازق: الغير. ٤٣٤ - الأعراف - آ. (١٣٤) قوله تعالى: ﴿بما عَهِد﴾: يجوز في: هذه الباء وجهان أحدهما - وهو الظاهر -: أن يتعلق بـ ادْعُ أي: ادْعُه بالدعاء الذي عَلَّمك أن تدعوه به. والثاني: أنها باء القسم. وقد ذكر الزمخشري(١) هذين الوجهين فقال: ((والباء إمَّا أن تتعلق بـ ((ادْعُ)) على وجهين أحدهما: أَسْعِفْنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته إياك بالنبوة، أو ادعُ الله لنا متوسِّلاً إليه بعهده عندك، وإمَّا أن يكون قَسَماً مُجاباً بـ((لنؤمِنَّ)) أي: أقسمنا بعهد الله عندك. (١٣٥) قوله تعالى: ﴿إلى أجْلٍ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ كَشَفْنا، وهذا هو المشهور عند المُعْرِبين. واستشكل عليه الشيخ(٢)، إشكالاً وهو أنَّ ما دخلت عليه ((لمًّا)) يترتب جوابُه على ابتداء وقوعه، والغايةُ تنافي التعليقَ على ابتداء الوقوع، فلا بدَّ مِنْ تعقُّل الابتداء والاستمرار حتى تتحقَّقَ الغايةُ، ولذلك لا تقع الغاية في الفعل غير(٣) المتطاول لا يُقال: ((لَمَّا قتلت زيداً إلى يوم الخيمس جَرَى كذا))، ولا ((لَمَّا وثبتُ إلى يوم الجمعة اتفق كذا)). هذا كلامُه وهو حسنٌ. وقد يُجاب عنه بأنَّ المرادَ بالأجَل هنا وقتُ إيمانهم وإرسالِهم بني إسرائيل معه، ويكون المرادُ بالكشفِ استمرارَ رَفْعٍ الرجز، كأنه قيل: فلمَّا تمادَى كشَفْنا عنهم إلى أَجَلٍ. وأمَّا مَنْ فسَّر الأجل بالموت أو بالغرق فيحتاج إلى حَذْفِ مضاف تقديرُه: فلما كشَفْنا عنهم الرجزّ إلى قُرْب أجلٍ هم بالغوه، وإنما احتاج إلى ذلك لأن(٤) بين موتهم أو غَرَقِهم حصل منهم نكتٌ فكيف يُتَصَوَّر أن يكون النكثُ منهم بعد موتهم أو غرقهم. (١) الكشاف ١٠٨/٢ - ١٠٩. (٢) البحر ٣٧٥/٤. (٣) البحر: عن وهو تحريف. (٤) اسم ((أنَّ) الحال والشأن. ٤٣٥ - الأعراف - والثاني: أنه متعلّقٌ بمحذوفٍ على أنه حال من ((الرِّجز)) أي: فلما كشفنا عنهم الرجز كائناً إلى أجل. والمعنى أن العذاب كان مؤجلاً. قال الشيخ(١): ((ويقوِّي هذا التأويلَ كونُ جواب ((لمّا)) جاء بـ ((إذا)) الفجائية أي: فلمَّا كَشَفْنا عنهم العذابَ المقرَّرَ عليهم إلى أجل فاجَؤُوا بالنكث، وعلى معنى تغييته (٢) الكشف بالأجل المبلوغ لا تتأتى المفاجأة إلا على تأويل الكشفِ بالاستمرار المُغَيًّا فيمكن المفاجأة بالنكث إذ ذاك)) انتهى. قوله: ((هم بالغوه)) في محل جرٍ صفةٌ لأجل. والوصف بهذه الجملةِ أبلغُ مِنْ وَصْفه بالمفرد لتكررِ الضمير المؤذن بالتفخيم. وقوله ((إذا هم ينكثون)) هذه ((إذا)) الفجائية وقد تقدَّم الكلامُ عليها قريباً، و((هم)) مبتدأ و((ينكثون)) خبره، و((إذا)) جوابُ ((لَمًّا)) كما تقدَّم بالتأويل المذكور. قال الزمخشري(٣): ((إذا هم ينكُثون جواب ((لَّمَّا))، يعني فلمَّا كَشَفْنا عنهم العذاب فاجؤوا النكث وبادروه، ولم يؤخّروه، ولكن لَمَّا كَشَفَ عنهم نكثوا)). قال الشيخ (٤): لا ولا يمكن التّغْيية مع ظاهرٍ هذا التقدير)). انتهى. يعني فلا بد من تأويلِ الكشف بالاستمرار كما تقدَّم حتى يَصِحَّ ذلك. وهذه الآية تَرُدُّ مذهبَ مَنْ يدَّعي في ((لَمًّ)) أنها ظرفٌ، إذلا بدَّ لها حينئذٍ من عامل. وما بعد ((إذا)) لا يعمل فيما قبلها. وقد تقدَّم ذلك محرَّراً في موضعه. وقرأ(٥) أبو حيوة وأبو هاشم ((تنكِثون)) بكسر الكاف، والجمهورٌ على الضم، وهما لغتان في المضارع. والنَّكْتُ: النَّقْضُ، وأصلُه مِنْ نَكْثِ الصوف (١) البحر ٣٧٥/٤. (٢) مصدر من الغاية. (٣) الكشاف ١٠٩/٢ (٤) البحر ٣٧٥/٤. (٥) البحر ٣٧٥/٤ وأبو هاشم لعله أبو هاشم المروزي، روى الحروف عن محمد بن الحكم وروى عنه الحروف الحسن بن العباس. انظر: طبقات القراء ٣٥٧/٢. : ٤٣٦ - الأعراف - المغزول ليُغْزل ثانياً، وذلك المنكوث نِكْثُ كذِبْح ورِعْي والجمع أَنْكات. فاستُغير لنقض العهد بعد إحكامه وإبرامه، كما في خيوط الأكْسية إذا نُكِمَتْ بعدما أُبْرِمَتْ، وهذا مِنْ أحسن الاستعارات. آ. (١٣٦) قوله تعالى: ﴿فانتقَمْنا﴾: هذه الفاءُ سبيَّة أي تسبَّب عن النكثِ الانتقامُ. ثم إنْ أريد بالانتقام / نفسُ الإِغراق، فالفاء الثانية مفسِّرةٌ عند [١/٤٠١] مَنْ يُثْبِتُ لها ذلك، وإلا كان التقدير: فَأَرَدْنا الانتقامَ. قوله: ((في اليَمِ)) متعلَّقٌ بـ ((أَغْرَقْناهم)). واليمُّ: البحر. والمشهور أنه عربيٍّ. قال ذو الرمة (١): ٢٢٨٣ - داوِيَّةٌ ودُجَى ليلٍ كأنهما يَمِّ تراطَنَ في حافاتِهِ الرومُ وقال ابن قتيبة: ((إنه البحر بالسُّريانية)). وقيل: بالعبرانيَّة، والمشهور أنه لا يتقيَّد ببحر خاص)». وقال الهروي في عربيَّته: ((واليّمُّ: البحر الذي يقال له إساف، وفيه غرق فرعون))، وهذا ليس بجيد لقوله تعالى: ((فألقيه في اليمِ))(٢) والمراد به نيلُ مِصْرَ، وهو غيرُ الذي غَرِق فيه فرعون. قوله: ((بأنهم)) الباءُ للسببية أي: أَغْرَقْناهم بسبب تكذيبهم بآياتنا، وكونهم غافلين عن آياتنا. فالضمير في ((عنها)» يعودُ على الآيات. وهذا هو الظاهر. وبه قال الزجاج(٣) وغيره. وقيل: يجوز أن يكونَ على النقمة المدلول عليها بانتقمنا. ويُعْزى هذا لابن عباس، وكأن القائل بذلك تخيّل أن الغفلةَ عن الآيات عُذْرٌ لهم من حيث إن الغفلةً ليست مِنْ كسب الإِنسان (٤). (١) ديوانه ٤١٠؛ والبحر ٣٦٣/٤. الداوية: المفازة المستوية، تراطنهم: كلامهم. (٢) الآية ٧ من القصص ((فإذا خفت عليه فألقيه في اليم)). (٣) معاني القرآن ٤١٠/٢. (٤) أي فما دام هذا عُذْرَهم فكيف ينتقم الله منهم؟ ٤٣٧ - الأعراف - وقال الجمهور: إنهم تعاطَوا أسبابَ الغفلة فُذُّمُّوا عليها كما يُذَمُّ الناسِي على نِسْيانه لتعاطيه أسبابه . آ. (١٣٧) قوله تعالى: ﴿وأُوْرَثْنا﴾: يتعدَّى لاثنين لأنه قبل النقل بالهمزة متعدٍّ لواحد نحو: وَرِثْتُ أبي، فبالنقل اكتسب آخرَ، فأوَّلُهما ((القوم)) و((الذين)» وصلتُه في محل نصب نعتاً له. وأمَّا المفعولُ الثاني: ففيه ثلاثة أوجهٍ، أظهرُها: أنه ((مَشارقَ الأرض ومغاربها)). وفي قوله ((التي باركنا فيها)» على هذا وجهان أحدهما: أنه نعتٌ لمشارق ومغارب. والثاني: أنه نعتْ للأرض. وفيه ضعفْ من حيث الفصلُ بالمعطوفِ بين الصفةِ والموصوف، وهو نظيرُ قولك: ((قام غلامُ هنٍ وزيدٌ العاقلةِ)). وقال أبو البقاء(١) هنا: ((وفيه ضعفٌ؛ لأن فيهِ العطفَ على الموصوف قبل الصفة)) وهذا سَبْقُ لسان أو قلم لأنَّ العطفَ ليس على الموصوف، بل على ما أُضيف إلى الموصوف. ٠٠ الثاني من الأوجه الثلاثة: أن المفعول الثاني هو ((التي باركنا فيها)) أي: أَوْرَثناهم الأرض التي بارَكْنا فيها. وفي قوله تعالى «مشارِقَ الأرض ومغاربها)) وجهان، أحدهما: هو منصوب على الظرف بـ ((يُسْتَضْعفون)). والثاني: أن تقديره: يُستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، فلمّا حُذِفَ الحَرف وصلَ الفعلُ بنفسه فنصب. هكذا قال أبو البقاء(٢). ولا أدري كيف يكونان وجھَيْن فإن القولَ بالظرفية هو عينُ القول بكونه على تقدير ((في))؛ لأن كل ظرف مقدِّرٌ بـ ((في)) فكيف يَجعل شيئاً واحداً شيئين؟ الوجه الثالث: أن المفعولَ الثاني محذوفٍ تقديره: أورثناهم الأرضَ. أو الملك أو نحوه. و «يُستضعفون)» يجوز أن يكون على بابه من الطلب أي: (١) الإملاء ٢٨٣/١. (٢) الإملاء ٢٨٣/١. ٤٣٨ - الأعراف - يُطلب منهم الضَّعْفَ مجازاً، وأن يكون استفعل بمعنى وجده ذا كذا. والمرادُ بالأرض أرضُ الشام وقيل: أرض مصر. وقرأ الحسن(١) - ورويت عن أبي عمرو وعاصم ــ ((كلمات)) بالجمع. قال الزمخشري(٢): ((ونظيره ((لقد رأى من آياتٍ ربه الكبرىُ))(٣)، يعني في كونِ الجمع وُصِفَ بمفرد. قال الشيخ(٤): ((ولا يتعيّن في ((الكبرى)) ما ذَكَر لجواز أن يكون التقدير: لقد رأى الآيةَ الكبرى، فهي وصفُ مفردٍ لا جمعٍ وهو أبلغُ)). قلت: في بعض الأماكن يتعيّن ما ذكره الزمخشري نحو ((مآرب أخرى»(٥) وهذه الآية، فلذلك اختارَ منها ما يتعيَّنَ في غيرها. قوله: ((بما صَبَروا)) متعلَّق بـ((تَمَّت))، والباءُ للسببية، و ((ما)) مصدريةٌ أي بسبب صبرهم. ومتعلَّقُ الصبرِ محذوفٌ أي: على أذى فرعون وقومه . قوله: ((ودمِّرْنا ما كان يَصْنع فرعون)) يجوز في هذه الآيةِ أوجهٌ، أحدها: أن يكونَ ((فرعون)) اسمُ كان، و((يصنع)) خبرٌ مقدم، والجملةُ الكونية صلةٌ ((ما))، والعائدُ محذوف، والتقدير: ودمَّرْنا الذي كان فرعون يَصْنَعُه. واستضعف أبو البقاء(٦) هذا الوجه فقال: ((لأنَّ (يصنع)) يَصْلُح أن يعملَ في فرعون فلا يُقَدَّر تأخيره، كما لا يُقَدَّر تأخيرُ الفعل في قولك قام زيد)». قلت: يعني أن قولك ((قام زيد)) يجب أن يكونَ من باب الفعل والفاعل، ولا يجوزُ أن يُدَّعى فيه أنَّ ((قام)) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ خبرٌ مقدمٌ، و((زيد)) مبتدأ مؤخر، لأجل (١) البحر ٣٧٦/٤؛ الشواذ ٤٥. (٢) الكشاف ١١٠/٢. (٣) الآية ١٨ من النجم. (٤) البحر ٣٧٧/٤. (٥) الآية ١٨ من طه . (٦) الإملاء ٢٨٣/١. ٤٣٩ - الأعراف - اللَّبْسِ بباب الفاعل، فكذا هنا لأنَّ ((يصنع)) يَصِحُّ أن يتسلَّطَ على فرعون. فيرفعَه فاعلاً، فلا يُدَّعَى فيه التقديم. وقد سبقه إلى هذا مكي وقال(١): ((ويلزم مَنْ يجيز هذا أن يُجيزَ ((يقوم زيد)) على الابتداء والخبر والتقديم والتأخير ولم يُجِزْه أحد))، وقد تقدَّمت هذه المسألة وما فيها، وأنه هل يجوز أن تكون من باب التنازع أم لا؟ وهذا الذي ذكراه وإن كان محيلاً في بادىء [٤٠١/ب] الرأي فإنه كباب / الابتداء والخبر. ولكن الجواب عن ذلك أن المانع في ((قام زید» هو اللَّبس وهو مفقود ههنا. القثاني: أن اسم ((كان)) ضميرٌ عائد على ((ما)) الموصولة و((يصنع)): مسندٌ لفرعونَ، والجملةُ خبرٌ عن كان، والعائدُ محذوف أيضاً، والتقدير: ودِمَّرْنا. الذي كان هو یصنعه فرعون. الثالث: أن تكون ((كان)) زائدةً و ((ما)) مصدرية، والتقدير: ودمَّرْنا ما يصنع فرعون أي: صُنْعَه. ذكره أبو البقاء(٢). قلت: وينبغي أن يجيءَ هذا الوجهُ أيضاً وإن كانت ((ما)) موصولة اسمية على أن العائد محذوف تقديرُه: ودمَّرْنا الذي يصنعه فرعون . الرابع: أنَّ ((ما)) مصدرية أيضاً، و((كان)) ليست زائدةً بل ناقصةٌ، واسمُها. ضمير الأمر والشأن، والجملةُ من قوله ((يصنع فرعون)» خبرُ كان فهي مفسِّرة للضمير. وقال أبو البقاء(٣) هنا: ((وقيل: ليست ((كان)) زائدةً، ولكن ((كان)). الناقصة لا يُفصل بها بين ((ما)) وبين صلتها، وقد ذكرْنا ذلك في قوله ((بما كانوا. يَكْذِبون(٤) وعلى هذا القول تحتاج ((كان)) إلى اسم. ويَضْعف أن يكونَ (١) المشكل ٣٢٩/١. (٢) الإملاء ٢٨٣/١٠ (٣) الإملاء ٢٨٣/١٠ (٤) الآية ١٠ من البقرة. ٤٤٠