Indexed OCR Text

Pages 341-360

- الأعراف -
بربيعة بن الحارث بن شهاب
٢٢١٣- إنْ يَقْتُلوك فقد ثَلَلْتُ عروشَهُمْ
ومنه خشب تُطوى به البثرُ بعد أن يُطوى بالحجارة أسفلُها. ومنه
ما يلاقي ظهر القدم وفيه الأصابع. ومنه السقف وكلُّ ما علاك فهو عرش،
وكأن المادة دائرة مع العلو والرفعة، ويقال لأربعة كواكب صغار أسفلَ من
العَوَّاءِ(١).
قوله: يُغْشِي الليلَ النهارَ)) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر
وحفص هنا وفي سورة الرعد(٢) (يُغْشي)) مخففاً مِنْ أغشى على أفْعَل،
والباقون على التشديد مِنْ غشَّى على فَعَّل، فالهمزةُ والتضعيفُ كلاهما للتعدية
أكسبا الفعلَ مفعولاً ثانياً، لأنه في الأصل متعدٍ لواحدٍ فصار الفاعل مفعولاً .
وقرأ حميد بن قيس ((يَغْشى)) بفتح الياءِ والشين، ((الليلُ)) رفعاً، ((النهار)) نصباً
هذه رواية الداني عنه. وروى ابن(٣) جني عنه نصب ((الليل)) ورفع ((النهار)).
قال ابن عطية(٤): ((ونَقْلُ ابن جني أَثْبَتُ)) وفيه نظرٌ من حيث إن الداني أعنى
من أبي الفتح بهذه الصناعة وإن كان دونه في العلم بطبقات، ويؤيد روايةً
الداني أيضاً أنها موافقةً لقراءة العامة من حيث المعنى، وذلك أنه جعل الليل
فاعلاً لفظاً ومعنى، والنهار مفعولاً لفظاً ومعنى، وفي قراءة الجماعة: الليل
فاعل معنى، والنهار مفعول لفظاً ومعنى، وذلك أن المفعولَيْن في هذا الباب
متى صَلُح أن يكونَ كلٌّ منهما فاعلاً ومفعولاً في المعنى وَجَبَ تقديمُ الفاعل
معنى لئلا يُلْسَ نحو: ((أعطيت زيداً عمراً، فإن لم يُلْبس نحو: ((أعطيت زيداً
درهماً، وكَسَوْتُ عمراً جبةً)) جاز ، وهذا كما في الفاعل والمفعول الصريحين
(١) ويقال لها عرش السماك أو عجز الأسد. انظر: القاموس عرش.
(٢) الآية ٣ ((يغشي الليل النهار)). وانظر: السبعة ٢٨٢، البحر ٣٠٨/٤.
(٣) المحتسب ٢٥٣/١.
(٤) التفسير ٧ /٧٥.
٣٤١

ذ الأعراف -
نحو: ضرب موسى عيسى، وضرب زيد عمراً، وهذه الآيةُ الکریمةُ من باب
((أعطيت زيداً عمراً) لأن كلّ من الليل والنهار يَصْلُح أن يكون غاشياً مغشِّياً
فوجَبَ جَعْلُ ((الليل)) في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي و((النهار))
هو المفعول من غير عكس، وقراءة الداني(١) موافقةً لهذه لأنها المصرِّحَةُ
بفاعلية الليل، وقراءة ابن جني مخالفةٌ لها، وموافقةُ الجماعة أولى. قلت:
وقد روى الزمخشري(٢) قراءةً حميد كما رواها أبو الفتح فإنه قال: ((يُغَشِّي)):
بالتشديد: أي يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل، يحتملهما جميعاً، والدليل
على الثاني قراءةُ حميد بن قيس ((يَغْشى)) بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار))
[٣٨٥/أ] انتهى. وفيما / قاله أبو القاسم نظر لِما ذَكَرْتُ لك من أن الآية الكريمة.
مما يجب فيها تقديمُ الفاعل المعنوي، وكأن أبا القاسم تبع أبا الفتح(٣) في
ذلك فلم يلتفتْ إلى هذه القاعدةِ المذكورة سهواً.
قوله ((يَطْلبه)) حال من الليل لأنه هو المحدَّث عنه أي: يغشى النهار
طالباً له، ويجوز أن يكونَ من النهار أي مطلوباً وفي الجملة ذِكْرُ كِلٍّ منهما ..
و ((حثيثا)» يُحتمل أن يكون نعتَ مصدرٍ محذوف أي: طَلَباً حثيثا، وأن يكون
حالاً من فاعل ((يطلبه)) أي حاثّاً، أو من مفعوله أي: محتوثاً والحثُّ:
الإِعجال والسرعة والحَمْل على فعلِ شيءٍ كالحَضِّ عليه، فالحبُّ والحضُّ
أخوان. يقال: حَثْتُّ فلاناً فاحتثَّ(٤) فهو حثيث ومحثوث. قال (٥):
٢٢١٤ - تَذَلَّى حثيثاً كأنَّ الصُّوا رَ يَتْبَعُهُ أُزْرَقِيٌّ لَحِمْ
(١) لعل الأنسب: رواية.
(٢) الكشاف ٨٢/٢.
(٣) أبو القاسم الزمخشري وأبو الفتح ابن جني.
(٤) الأصل: فاحتثث وهو سهو.
(٥) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٤١؛ واللسان: حثث؛ والأزرقي: الصقر؛ الصوار:
قطيع البقر.
٣٤٢

- الأعراف -
فهذا يُحتمل أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوف، وأن يكونَ حالاً أي : تولَّى
تَوَلَّاً حثيئاً أو تولَّى في هذه الحال.
قوله: ((والشمس)) قرأ(١) ابن عامر هنا وفي النحل(٢) برفع ((الشمس))
وما عُطف عليها ورفع ((مُسَخّرات))، وافقه حفص عن عاصم في النحل خاصة
على رفع ((والنجوم مسخرات))، والباقون بالنصب في الموضعين. وقرأ أبان ابن
تغلب هنا برفع ((النجوم)) وما بعدها فقط، كحفص في النحل.
فأما قراءةُ ابن عامر فعلى الابتداء والخبر، جعلها جملةٌ مستقلة بالإِخبار
بأنها مسخرات لنا من الله تعالى لمنافعنا. وأما قراءة الجماعة فالنصبُ في هذه
السورة على عطفها على ((السموات)) أي: وخلق الشمس، وتكون ((مسخرات))
على هذا حالاً من هذه المفاعيل. ويجوز أن تكون هذه منصوبة بـ ((جَعَل))
مقدراً، فتكون هذه المنصوباتُ مفعولاً أول، ومسخرات مفعولاً ثانياً.
وأما قراءةُ حفص في النحل فإنه إنما رفع هناك لأن الناصبَ هناك
(سخّر)) وهو قولُه تعالى ((وسخَّر لكم الليلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ))، فلو نصب
النجوم ومسخرات لصار اللفظ: سَخَّرها مسخرات، فيلزم التأكيد فلذلك
قطعهما على الأول ورفعهما جملةً مستقلة. والجمهورُ يخرِّجونها على الحال
المؤكدة وهو مستفيضٌ في كلامهم، أو على إضمار فعل قبل ((والنجوم)) أي:
وجعل النجوم مسخرات، أو يكون ((مسخرات)) جمع مُسَخَّر المراد به
المصدر، وجُمِع باعتبار أنواعه كأنه قيل: وسخّر لكم الليل والنهار والشمس
والقمر والنجوم تسخيرات أي أنواعاً من التسخير.
(١) السبعة ٢٨٢؛ الحجة ٢٨٤؛ البحر ٣٠٩/٤.
(٢) الآية ١٢: ((وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره)).
٣٤٣

- الأعراف -
وقوله: ((بأمره)) متعلق بمسخرات أي بتيسيره وإرادته(١) لها في ذلك.
ويجوز أن تكون الباء للحال أي: مصاحبةً لأمره غيرَ خارجةٍ عنه في تسخيرها.
وقوله: ((له الخَلْقُ وَالْأُمْرُ)) يجوز أن يكون مصدراً على بابه، وأن يكونَ واقعاً
موقع المفعول به.
آ. (٥٥) وقوله تعالى: ﴿تضرُّعاً وخُفْية﴾: نصب على الحال أي:
متضرِّعين مُخْفين الدعاءَ ليكونَ أقربَ إلى الإِجابة. ويجوز أن ينتصبا على
المصدر أي دعاء تضرُّع وخفية. وقرأ أبو بكر ((خفية)) بكسر الخاء وقد تقدم
ذلك في الأنعام(٢)، إلا أن كلامَ أبي علي (٣) يُرْشِد إلى أن ((خِفْيَة)) بالكسر
بمعنى الخَوْف، وهذا إنما يتأتّى على ادِّعاء القلب أي يُعتقد تقدُّمُ اللامِ على
العين وهو بعيدٌ، ولأنه كان ينبغي أن تعودَ الواوُ إلى أصلها، وذلك أن ((خِيْفة».
ياؤها عن واو لسكونها وانكسار ما قبلها، ولما أُخِّرَت الواو تحرَّكت وسُكَّن
ما قبلها، إلا أن يُقال: إنها قُلبت متروكةً على حالها. وقرأ الأعمش(٣).
((وخِيْفة)) وهي تؤيد ما ذكره الفارسي، نَقَل هذه القراءة عنه أبو حاتم. وقرأ
ابن أبي عبلة (٤) ((إن الله)) أتى بالجلالة مكان الضمير.
آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿خوفاً وطمعاً﴾: حالان أي ادعُوه ذوي خوف
وطمع، أو خائفين طامعين، أو مفعولان من أجلهما أي: لأجل الخوف
والطمع .
قوله: ((قريبٌ)) إنما لم يؤنِّثها وإن كانت خبراً عن مؤنث لوجوه منها: أنها
في معنى الغفران فحُمِلت عليه، قاله النضر بن شميل واختاره أبو إسحاق(٥).
(١) سقطت الواو والهمزة من الأصل وأثبتناها من (ش).
(٢) انظر: إعرابه للآية ٦٣، والبحر ٣١١/٤؛ والسبعة ٢٨٣.
(٣) الحجة (خ) ١٤/٣.
(٤) البحر ٣١١/٤.
(٥) وهو الزجاج في معاني القرآن ٣٨٠/٢.
٣٤٤

- الأعراف -
ومنها: أنها صفةٌ لموصوفٍ مذكر حذف وبقيت صفتُه، والتقدير: إن رحمة الله
شيء قريب. ومنها: أنها في معنى العفو أو المطر أو الرحم. ومنها: أنها
بمعنى(١) النسب أي ذات قرب كحائض أي ذات حيض. ومنها: تشبيهُ فعيل
بمعنی فاعل بفعيل بمعنى مفعول فیستوي فیه المذكر والمؤنث کجريح، كما
حُمِل هذا عليه حيث قالوا: أسير وأُسَراء، وقبيل وقُبَلاء، حَمْلًا على رحيم
ورُحَماء وعليم وعُلَماء وحكيم وحُكّماء. ومنها: أنه مصدرٌ جاء على فعيل
كالنَّقِيق وهو صوت الضفدع والضَّغيب وهو صوت الأرنب، وإذا كان
مصدراً / لزم الإفرادُ والتذكير. ومنها: أنها بمعنى مفعول أي مُقَرَّبة قاله [٣٨٥/ب]
الكرماني وليس بجيد؛ لأن فعيلاً بمعنى مفعول لاينقاس، وعلى تقدير اقتياسه
فإنما يكون من الثلاثي المجرد لا من المزيد فيه، ومُقَرَّبة من المزيد فيه.
ومنها: أنه من باب المؤنث المجازي فلذلك جاز التذكيرُ كطلع الشمس. قال
بعضهم: ((وهو غيرُ جيد لأن ذلك حيث كان الفعل متقدماً نحو: طلع
الشمس، أما إذا تأخر وَجَبَ التأنيثُ إلا في ضرورة شعر كقوله(٢):
٢٢١٥-
ولا أرضَ أبقلَ إيقالها
قلت: وهذا يجيء على مذهب ابن كيسان فإنه لا يَقْصُر ذلك على
ضرورة الشعر بل يُجيزه في السَّعة. وقال الفراء(٣): ((قريبة وبعيدة: إمّا أن يُراد
بها النسبُ وعدمُه فتؤنئها العرب ليس إلا، فيقولون: فلانةٌ قريبةٌ مني أي في
النسب، وبعيدةٌ مني أي في النسب، أمّا إذا أريد القربُ في المكان فإنه يجوز
الوجهان؛ لأن قريباً وبعيداً قائمٌ مقام المكان فتقول: فلانةً قريبةً وقريب، وبعيدة
وبعيد. التقدير: هي في مكانٍ قريبٍ وبعيد. وأنشد (٤):
(١) قوله ((بمعنى)) غير واضح في الأصل.
(٢) تقدم برقم ٢٨٣ .
(٣) معاني القرآن ٣٨٠/١.
(٤) البيت لعروة بن حزام وهو في معاني القرآن للفراء ٣٨١/١؛ والبحر ٣١٣/٤.
٣٤٥

- الأعراف -
٢٢١٦ - عشيَّةَ لا عفراءُ منك قريبةٌ فَتَدْنو ولا عفراءُ منك بعيدُ
فجمع بين اللغتين. إلا أنَّ الزجاج(١) ردّ على الفراء قوله وقال: ((هذا
خطأ لأنَّ سبيلَ المذكر والمؤنث أن يجريا على أَفْعالهما)) قلت: ((وقد كَثُر في
شعر العرب مجيءُ هذه اللفظةِ مذكرةً وهي صفة لمؤنث قال امرؤ القيس(٢):
٢٢١٧ - له الويلُ إن أمسى ولا أمُّ سالمٍ قريبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ابنَةُ يشكرا
وفي القرآن ((وما يُدْريك لعلَّ الساعة تكون قريباً))(٣) وقال أبو عبيدة (٤):
((قريب في الآية ليس وصفاً لها، إنما هو ظرفٌ لها وموضع، فيجيء هكذا في
المؤنث والاثنين والجميع، فإن أريد بها الصفةُ وَجَبَت المطابقةُ، ومثلُها لفظةٌ
((بعيد)) أيضاً)). إلا أنَّ عليّ بن سليمان الأخفش خطَّأه قال: ((لأنه لو كانت ظرفاً
لانتصَبَ كقولك: ((إن زيداً قريباً منك)). وهذا ليس بخطأ لأنه يجوز أن يُتَّسعَ
في الظرف فيعطى حكمَ الأسماء الصريحة فتقول: زيدٌ أمامُك وعمروٌ خلفُك
برفع أمام وخلف، وقد نصَّ النحاة على أنَّ نحو ((إن قريباً منك زيد)» أن
((قريباً)) اسم إنَّ، و((زيدٌ)) خبرها، وذلك على الاتِّساع. و((من المحسنين))
متعلقٌ بـ ((قریب)).
آ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿يُشْرأَ﴾: قد تقدَّم خلافُ القراء في إفراد
(الريح)) وجمعها بالنسبة إلى سائر السور في البقرة(٥). وأمَّا ((بُشْراً) فقرأه(٦)
في هذه السورة - وحيث ورد في غيرها من السور - نافع وأبو عمرو وابن كثير بضم
(١) معاني القرآن ٣٨١/٢.
(٢) تقدم برقم ٥٦٢.
(٣) الآية ٦٣ من الأحزاب.
(٤) مجاز القرآن ٢١٦/١:
(٥) انظر: إعرابه للآية ١٦٤ من البقرة.
(٦) السبعة ٢٨٣؛ الحجة ٢٨٥؛ البحر ٣١٦/٤؛ الشواذ ٤٤.
٣٤٦

- الأعراف -
النون والشين، وهي قراءةُ الحسن وأبي عبدالرحمن وأبي رجاء بخلافٍ عنهم
وشيبة بن نصاح والأعرج وعيسى بن عمر وأبي(١) يحيى وأبي (٢) نوفل
الأعرابيين. وفي هذه القراءة وجهان فيتحصَّل فيها ستة أوجه، أحدها: أنَّ
((نُشُرَأَ)) جمع ناشر كبازِل(٣) وبُزُل وشارِف(٤) وشُرُف وهو جمع شاذ فّ فاعل.
ثم ((نشر)) هذا اختُلِفَ في معناه فقيل: هو على النسب: إمَّا إلى النَّشْر ضد
الطيّ، وإمَّا إلى النشور بمعنى الإِحياء كقوله: ((وإليه النشور))(٥) والمعنى:
ذا نشر أو ذا نشور كـ ((لابن)) و(«تامر)». وقيل: هو فاعِل مِنْ نَشَر مطاوع
أَنْشر يقال: أنشر الله الميت فنشر فهو ناشر وأنشد(٦):
٢٢١٨ - حتى يقولَ الناسُ ممَّا رَأَوا يا عجباً للميتِ النَاشِرِ
وقيل: ناشر بمعنى مُنْشِر أي: المُحْيي تقول: نشر الله الموتى وأنشرها،
فَفَعَل وأَفْعَل على هذا بمعنى واحد، وهذه الثالثة ضعيفة.
الوجه الثاني: أن ((نُشُرأَ)) جمع نَشُور. هذا فيه احتمالان، أحدهما:
- وهو الأرجح - أنه بمعنى فاعِل، وفَعول بمعنى فاعِل ينقاس جمعُه على
فُعُل كصَبُور وصُبُر وشكور وشُكُر. والثاني: أنه بمعنى مفعول كركوب وحَلوب
بمعنى مَرْكوب ومحلوب قالوا: لأنَّ الريح تُوْصَفُ بالموتِ وتوصفُ بالإِحياء،
فمن الأولِ قولُه(٧):
(١) ثمة رجال كثيرون عرفوا بأبي يحيى. انظر: تقريب التهذيب ٤٨٩/٢.
(٢) لعله أبو نوفل بن أبي عقرب الكناني وهو عمروبن مسلم ثقة من الثالثة. انظر:
التقريب ٤٨٢/٢.
(٣) البازل: البعير طلع نابه في السنة الثامنة أو التاسعة.
(٤) الشارف من الدواب: المسنّ.
(٥) الآية ١٥ من الملك.
(٦) تقدم برقم ١٠٥٤.
(٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣١٧/٤.
٣٤٧

- الأعراف -
فأقعدُ اليومَ وأستريحُ
٢٢١٩ - إني لأرجو أن تموتَ الريحُ
ومن الثاني قولهم: ((أنشرَ اللّهُ الريحَ وأحياها)) وفَعول بمعنى مفعول:
يُجْمع على فُعُل كرسول ورُسُل. وبهذا قال جماعة كثيرة، إلا أن ذلك غيرُ
[٣٨٦/أ] مقيس في المفرد / وفي الجمع، أعني أنه لا ينقاس فَعول بمعنى مفعول
لا تقول: زيد ضَروب ولا قتول بمعنى مضروب ومقتول، ولا ينقاس أيضاً جمعُ
فَعُول بمعنى مفعول على فُعُل.
وبيان ستة الأوجه في هذه القراءة: أنها جمع لناشر بمعنى ذا نشر ضد
الطيّ. الثاني: جمع ناشر بمعنى ذي نشور. الثالث: جمع ناشر مطاوع
أنشر. الرابع: جمعُ ناشِر بمعنى مُنْشِر. الخامس: جمع نُشور بمعنى فاعل.
السادس: جمع نُشور بمعنى مَفْعول.
:
وقرأ ابنُ عامر بضمِّ النون وسكون الشين وهي قراءةُ ابن عباس وزر ابن
حبیش ویحیی بن وثاب والنخعي وابن مصرف والأعمش ومسروق. وقد كُفِینا
مؤونةَ تخريج هذه القراءة بما ذُكِر في القراءة قبلَها فإنَّها مخففةٌ منها كما قالوا:
رُسْلِ فِي رُسُل وَكُتْبِ فِي كُتُب، فَسَلَبُوا الضمةَ تخفيفاً، وإذا كانوا قد فعلوا
ذلك في المفرد الذي هو أخفُّ من الجمع كقولهم في عُنُق: عُنْق، وفي
طُنُب، طُنْب فما بالُهم في الجمع الذي أثقل من المفرد؟
وقرأ الأخَوان: (نَشْرأ)) بفتح النون وسكون الشين. ووجهُها: أنها مصدرٌ
واقعٌ موقعَ الحال بمعنى ناشرة أو منشورة أو ذات نشر كلُّ ذلك على ما تقدَّم
في نظيره. وقيل: نَشْراً مصدر مؤكّد؛ لأنَّ أرسل(١) وأنشر متقاربان. وقيل:
نَشْراً مصدر على حذف الزوائد أي: إنشاراً، وهو واقعٌ موقعَ الحال أي:
مُنْشِراً أو مُنْشَراً حسبَ ما تقدَّم في ذلك.
(١) أي في قوله ((يرسل الرياح)).
٣٤٨
٠٠

- الأعراف -
وقرأ عاصم: ((بُشْرَا)) بالباء الموحدة مضمومةً وسكونِ الشين، وهو جمعُ
بشيرة كنذيرة ونُذُر. وقيل: جمع فعيل كقليب وقُلُب ورغيف ورُغُف، وهي
مأخوذةٌ في المعنى من قوله تعالى: ((وهو الذي يُرْسِلُ الرياحَ مُبَشِّرات))(١) أي
تُبِّر بالمطر، ثم خُفِّفت الضمَّة كما تقدَّم في ((نُشُر)). ويؤيد ذلك أن
ابنَ عباس والسلمي وابن أبي عبلة قرؤوا بضمِّها، وهي مرويَّةٌ عن عاصم
نفسِه. فهذه أربعُ قراءاتٍ في السبع.
والخامسة ما ذكرْتُه الساعة عن ابن عباس ومَنْ معه. وقرأ مسروق:
(نَشَرا)) بفتح النون والشين، وفيها تخريجان أحدهما: نقله(٢) أبو الفتح أنه اسمُ
جمعٍ كـ (غَيَب)) و(نَشَأ)) لغائبة وناشئة. والثاني: أن فَعَلًا بمعنى مفعول
كقبض بمعنى مقبوض. وقرأ أبو عبدالرحمن ((بَشْراً)) بفتح الباء وسكون الشين.
ورُوِيَتْ عن عاصم أيضاً على أنه مصدرُ ((بَشَر) ثلاثياً. وقرأ ابن السَّمَيْفَع
(بُشْرِىْ)) بزنة رُجعى وهو مصدرٌ أيضاً. فهذه ثمان(٣) قراءات: أربع مع النون
وأربع مع الباء، هذا ما يتعلَّق بالقراءات وما هي بالنسبة إلى كونها مفردة
أو جمعاً.
وأمَّا نصبها فإنها في قراءة نافع ومن معه وابنٍ عامر منصوبةٌ على الحال
من ((الرياح)) أو ((الريح)) حسبما تقدَّم في الخلاف. وكذلك هي في قراءة
عاصم وما يُشْبهها. وأمَّا في قراءة الأخوين ومسروق فتحتمل المصدرية
أو الحاليةَ، وكلُّ هذا واضح وكذلك قراءة بُشْرى بزنة رُجْعى. ولا بد من
(١) ليس ثمة آية بهذا اللفظ وإنما آية الروم ٤٦: ((ومن آياته أن يُرْسِلَ الرياح مبشرات)).
(٢) تخريج أبي الفتح في المحتسب لهذه القراءة ٢٥٦/١ أن الأصل: ذوات نشر، والنشر أن
تنتشر الغنم بالليل.
(٣) الأفصح أن تكون علامة الرفع سكون الياء، وتُحذف الياء إن أفردت. انظر: باب العدد
في ((المذكر والمؤنث)) لابن الأنباري، ص ٦٢٩.
٣٤٩

- الأعراف -
التعرُّض لشيء آخر وهو أنَّ مَنْ قرأ ((الرياح)) بالجمع وقرأ ((نُشْراً)) جمعاً كنافع
وأبي عمرو فواضحٌ.
وأمَّا مَنْ أفرد (الريح)) وجمع ((نشراً)) كابن كثير فإنه يجعلُ الريحَ اسم
جنس فهي جمع في المعنى فوّصَفَها بالجمع. كقول عنترة(١):
٢٢٢٠ - فيها اثنتانِ وأربعونَ حَلُوبةً
سُوداً كخافيةِ الغُرابِ الأسْحْمِ
والحالية في بعض الصور يجوز أن تكون مِنْ فاعل ((یُرْسل» أو مفعوله،
وكلُّ هذا يُعْرف مماٍ قَدَّمْتُه فلا حاجةً إلى ذِكْر كلِّ صورةٍ بلفظها. و ((بين)):
ظرف لـ ((يُرْسل)) أو للبشارة فيمن قرأه كذلك.
وقوله: ((حتى إذا أَقَلَّتْ)) غايةٌ لقوله ((يرسل)). وأقلَّتْ: أي حَمَلَتْ، مِنْ
أَقْلَلْتُ كذا أي حملتُه بسهولة، وكأنه مأخوذ من القِلّة لأنه يقال: أَقَلَّه أي: حَمَله
بسهولة فهو مستقلّ لما يحمله. والقُلَّة بضم القاف هذا الظرفُ المعروف(٢)،
وقِلال هَجَر كذلك لأنَّ البعير يُقِلُّها أي يَحْملها. والسَّحاب تقدم تفسيره(٣)،
وأنه يُذَكَّر ويُؤَنَّثُ، ولذلك عاد الضمير عليه مذكَّراً في قوله ((سُقْناه)). ولو حُمِل
على المعنى كما حُمِل قوله ((ثقالاً))(٤) فجُمِع لقال ((سقناها)). و ((لبلدٍ)) جعل
الزمخشري(٥) اللامَ للعلة أي: لأجلِ بلده. قال الشيخ(٦): ((فرقٌ بين
[٣٨٦/ب] قولك: / سُقْت له مالاً، وسُقْتُ لأجله مالاً، فإنَّ ((سُقْت له)) أَوْصَلْتَه إليه
وأَبْلَغْته إياه، بخلاف ((سُقْته لأجله)) فإنه لا يلزم منه إيصاله له، فقد يسوق المال
(١) من معلقته، وهو في ديوانه ١٩٣، وابن يعيش ٥٥/٣؛ والخزانة ٣١٠/٣. الخافية:
إحدى ريشات أربع إذا ضم الطائر جناحه خَفِيَتْ. الأسحم: الأسود.
(٢) القلة: جرة من الفخار يُشرب منها.
(٣) انظر: إعرابه للآية ١٦٤ من البقرة.
(٤) ولو حمل الوصف على اللفظ لقال: ثقيلاً.
(٥) الكشاف ٨٤/٢.
(٦) البحر ٣١٧/٤.
٣٥٠

- الأعراف -
لغيري لأجلي وهو واضحٌ. وقد تقدَّم الخلافُ في تخفيف ((ميت)) وتثقيله في
آل عمران(١). وجاء هنا وفي الروم (٢) ((يرسل)) بلفظ المستقبل مناسبةً لما قبله،
فإنَّ قبله: ((ادْعُوه خَوْفاً)) وهو مستقبل. وفي الروم ((ليَجْزي الذين))
وهو مستقبل. وأمَّا في الفرقان(٣) وفاطر (٤) فجاء بلفظ الماضي ((أرسل)) لمناسبةٍ
ما قبله وما بعده في المضيّ؛ لأنَّ قبله: ((ألم تَرَ إلى ربِّك كيفَ مَدَّ الظلّ))
وبعده ((مَرَجَ البحرَيْن))، فناسب ذلك الماضي، ذكره الكرماني.
وقوله: ((فَأَنْزَلْنا به)) الضميرُ في ((به)) يعودُ على أقربِ مذكورٍ وهو ((بلد
ميت)) وعلى هذا فلا بد من أن تكون الباءُ ظرفيةً بمعنى: أنزلنا في ذلك البلد
الميت الماء. وجعل الشيخُ(٥) هذا هو الظاهر. وقيل: الضمير يعود على
السحاب. ثم في الباء وجهان، أحدُهما: هي بمعنى ((مِنْ)) أي: فأنزلنا من
السحاب الماء. والثاني: أنها سببيةٌ أي: فأنزلْنا الماءَ بسبب السحاب. وقيل:
يعودُ على السَوْق المفهومِ من الفعل. والباءُ سببيةٌ أيضاً أي: فأنزلْنا بسبب
سَوْقِ السحاب. وهو ضعيف لعَوْد الضمير على غيرِ مذكور مع إمكان عَوْدِهِ
على مذكور.
وقوله: ((فَأَخْرَجْنَا به)) الخلافُ في هذه الهاء كالذي في قبلها، ونزيد
عليه وجهاً(٦) أحسنَ منها وهو العَوْدُ على الماء، ولا ينبغي أن يُعْدَلَ عنه
و ((مِنْ)) تبعيضيةٌ أو ابتدائية وقد تقدَّم نظيرُه. و((كذلك)) نعتُ مصدر محذوف
أي: يُخْرج الموتى إخراجاً كإخراجنا هذه الثمرات.
(١) انظر: إعرابه للآية ٢٧ من آل عمران.
(٢) الآية ٤٦ ((ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات)).
(٣) الآية ٤٨ ((وهو الذي أَرْسل الرياح بُشْرأ)).
(٤) الآية ٩ ((والله الذي أرسل الرياح)).
(٥) البحر ٣١٧/٤.
(٦) الأصل «وجه)» وهو سهو.
٣٥١

- الأعراف -
:
آ. (٥٨) والبلد يُطْلَقُ على كل جزءٍ من الأرض عامراً كان أو خراباً،
وأنشدوا على ذلك قولَ الأعشى(١):
٢٢٢١ - وبلدةٍ مثلِ ظَهْر التُّرْسِ مُوْحشةٍ
للجنِّ بالليل في حافاتِها زَجَلُ:
و ((بإذن ربه)) يجوز أن تكونَ الباءُ سببيةً أو حاليةً. وقوله: ((إلا نَكِدا)) فيه
وجهان أحدُهما: أن ينتصب حالاً أي عَسِراً مُبْطئاً. يقال منه نَكِد يَنْكَد نَكَداً.
بالفتح فهو نَكِد بالكسر. والثاني: أن ينتصبَ على أنه نعتُ مصدرٍ محذوف
أي: إلا خروجاً نَكَداً. وَصَفَ الخروجَ بالنِّكَد كما يوصف به غيرُه، ويؤيِّده قراءة :
أبي جعفر ابن القعقاع ((إلا نَكَداً)) بفتح الكاف. قال الزجاج(٢): ((وهي قراءةُ
أهل المدينة)) وقراءة ابن مصرِّف ((إلا نَكْداً)) بالسكون وهما مصدران. وقال
مكي(٣): ((هو تخفيف نَكِدِ بالكسر مثل كَتْف في كتِف)» يقال: رجل نُكِد
وأَنْكد. والمَنْكُود: العطاء النَّزْر، وأنشدوا في ذلك(٤):
٢٢٢٢ - وأَعْطِ ما أَعْطَيْتَه طَيِّباً لا خيرَ في المَنْكودِ والنَّاكد
وأنشدوا أيضاً(٥):
٢٢٢٣ - لا تُنْجِزِ الوعدَ إِنْ وَعَدْتَ وإِنْ أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تافِهاً نَكِدا
وقوله: ((كذلك نُصَرِّف)) كما تقدَّم في نظيره. وقرأ(٦) ابن أبي عبلة
وأبو حيوة وعيسى بن عمر: ((يُخْرَج)) مبنياً للمفعول. ((نباتُّه)) مرفوعاً لقيامِهِ مَقامَ.
(١) ديوانه ٥٩. والزجل: الأصوات المختلطة.
(٢) معاني القرآن ٣٨٢/٢. وانظر: الإِتحاف ٢٢٦؛ البحر ٣١٩/٤؛ الشواذ ٤٤.
(٣) المشكل ٣٢٢/١.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في الطبري ٤٩٥/١٢؛ وتفسير الماوردي ٣٤/٢؛ والبحر:
٣١٥/٤. وسقطت الواو من أعط في الأصل سهواً.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في الطبري ٤٩٥/١٢؛ ومجاز القرآن ٢١٧/١.
(٦) البحر ٣١٩/٤؛ الشواذ ٤٤، وضبطها الناشر ((يُخْرِج نباته)).
٣٥٢

- الأعراف -
الفاعل وهو الله تعالى. وقوله: ((والذي خَبُثَ)) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي:
والبلد الذي خُبُث، وإنما حُذِف لدلالةِ ما قبلَه عليه، كما أنه قد حُذِف منه
الجارُّ في قوله ((بإذن ربه))، إذ التقديرُ: والبلد الذي خَبُث لا يَخْرُج بإذن ربه إلا
نكداً. ولا بد من مضاف محذوف: إمَّا من الأول تقديره: وبيان الذي خُبُث
لا يَخْرُج، وإمَّا من الثاني تقديرُه: والذي خُبُث لا يخرج نباته إلا نكداً. وغايرَ
بين الموصولين فجاء بالأول بالألف واللام(١)، وفي الثاني جاء بالذي،
ووُصِلَتْ بفعل ماضٍ .
أ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿لقد أَرْسَلْنا﴾: جوابُ قسمٍ محذوف تقدیـ
واللَّهِ لقد أرسَلْنا. قال الزمخشري(٢): ((فإن قلتَ: ما لهم لا يكادون ينطقون
بهذه اللام إلا مع «قد»، وقلَّ عنهم قولُه(٣):
٢٢٢٤ - حَلَفْتُ لها بالله حَلْفَةَ فاجرٍ
لناموا
قلت: إنما كان ذلك لأن الجملةَ القسَمية لا تُساقُ إلا تأكيداً للجملة
المقسمِ عليها التي هي جوابُها فكانت مَظَنَّةً لمعنى التوقع الذي هو معنى ((قد))
عند استماع المخاطب كلمة القسم)»، وأمَّا غير أبي القاسم من النحاة(٤) فإنه
قال: ((إذا كان جواب القسم ماضياً مثبتاً متصرفاً: فإمَّا أن يكون قريباً مِنْ زمن
الحال فتأتي بـ ((قد)) وإلاَّ أَتْتَ باللام وحدها)) فظاهر هذه العبارة جوازُ الوجهَيْن
باعتباریْن .
(١) وهو قوله ((الطيب)).
(٢) الكشاف ٨٤/٢.
(٣) تمامه :
لناموا فما إنْ من حدیث ولا صالٍ
وهو لامرىء القيس في ديوانه ٣٢. والفاجر هنا: الكاذب. والصالي: الذي يصطلي
بالنار.
(٤) انظر: البحر ٣٢٠/٤.
٣٥٣

- الأعراف -
وقال هنا: ((لقد)) من غير عاطفٍ وفي هود(١) والمؤمنين(٢): ((ولقد»
بعاطف. وأجاب الكرماني بأن(٣) في هود قد تقدَّم ذِكْرُ الرسول مرات، وفي
المؤمنين ذُكِر نوح ضمناً في قوله ((وعلى الفلك)) لأنه أولُ مَنْ صنعها [فَحَسُنَ:
[٣٨٧/أ] أن يُؤْتَى بالعاطف على ما تقدم](٤) بخلافه في هذه السورة /.
قوله ((غيره)) قرأه الكسائي(٥) بخفض الراء في جميع القرآن، والباقون!
برفعها. وقرأ عيسى بن عمر ((غيرَه)) بالنصب. فالجرُّ على النعت أو البدل من
((إله)) لفظاً. والرفعُ على النعتِ أو البدل من موضع ((إله)) لأنَّ ((مِنْ)) مزيدةٌ فيه،
وموضعُه رفع: إمَّا بالابتداء وإمَّا بالفاعلية. ومنع مكي(٦) في وجهِ الجر أن
يكونَ بدلاً من ((إله)) على اللفظ قال: ((كما لا يجوزُ دخولُ ((مِنْ)) لوحَذَفْتَ.
المبدل منه لأنها لا تُدخل في الإِيجاب)) وهذا كلامٌ متهافت. والنصبُ على
الاستثناء، والقراءتان الْأُوْلَيان أرجحُ ؛ لأن الكلامَ متى كان غيرَ إيجاب رَجَحَ
الإِتباع على النصب على الاستثناء، وحكمُ ((غير)) حكمُ الاسمِ الواقع بعد
((إلا)). و((من إله)) إذا جَعَلْته مبتدأ فلك في الخبر وجهان أظهرهما: أنه ((لكم))،.
والثاني: أنه محذوفٌ أي: ما لكم مِنْ إلهٍ في الوجود أو في العالم غير الله،
و «لكم» علی ھذا تخصیص وتبیین.
وجيء هنا بفاء العطف حيث قيل ((فقال)) وكذا في المؤمنين(٧)، وفي
قصة هود وصالح وشعيب هنا بغير فاء، والأصل الفاء، وإنما حُذِفَتْ تخفيفاً
(١) هود آية ٢٥.
(٢) المؤمنون آية ٢٣.
(٣) اسمها على تقدير الحال والشأن.
(٤) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل بسبب التصوير حققناه من (ش) و (ي).
(٥) الحجة ٢٨٦؛ السبعة ٢٨٤؛ البحر ٣٢٠/٤؛ الشواذ ٤٤.
(٦) المشكل ٣٢٣/١.
(٧) ((ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله)) الآية ٢٣.
٣٥٤

- الأعراف -
وتوسُّعاً واكتفاءً بالربط المعنوي، وكانت الثواني(١) فما بعدها بالحذف أَوْلِى،
وأمَّا في هود(٢) فيقدَّر قبل قوله (إني لكم)): فقال، بالفاء على الأصل. وجاء
هنا ((ما لكم من إله غيره)) فلم يَعْطِفْ هذه الجملةَ المنفيَّةَ بفاءٍ ولا غيرها لأنها
مبينة(٣) ومنبِّهة على اختصاص الله تعالى بالعبادة ورَفْضٍ ما سواه وكانت في
غاية الاتصال.
آ. (٦٠) وقال ابن عطية (٤): ((وقرأ ابن عامر ((المَلَّوُ)) بواو وهي كذلك
في مصاحف الشام، وهذه القراءة ليست مشهورةً عنه)).
قوله ((لَنَراكَ)) يجوز أن تكون القلبية فتتعدی لاثنین ثانيهما «في ضلال))،
وأن تكون البصريةً وليس بظاهر فالجارُّ حال، وجعل الضلالَ ظرفاً مبالغةً في
وَصْفهم له بذلك، وزادوا في المبالغة بأن أكَّدوا ذلك بأنْ صَدَّروا الجملة
بـ «إنَّ» وفي خبرها اللام.
آ. (٦١) وقوله تعالى: ﴿ليس بي ضلالةٌ﴾: مِنْ أحسنٍ الردِّ وأبلغه
لأنه نفى أن تلتبسَ به ضلالةٌ واحدة فضلاً عن أن يحيطَ به الضلال، ولو قال
لستُ ضالاً لم يؤدِّ هذا المؤدَّى. وقوله: ((ولكني)) جاءت ((لكن)) هنا أحسنَ
مجيء لأنها بين نقيضين، لأن الإِنسان لا يخلو من أحد شيئين: ضلال
أو هدى، والرسالة لا تجامع الضلالَ. و((من رب)) صفة لرسول و «مِنْ)) لابتداء
الغاية المجازية .
(١) لعله يعني بالثواني الآيات التي ستتلو قصة نوح وهي التي ستتحدث عن الرسل
وأقوامهم .
(٢) ((ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين)) الآية ٢٥.
(٣) رسمها في الأصل بزيادة ياء.
(٤) الذي في ابن عطية ٨٨/٧ ((وقال ابن عباس الملو بواو وكذلك هي في مصاحف الشام))
ولم يذكر ابن عامر.
٣٥٥

- الأعراف -
آ. (٦٢) وقوله تعالى: ﴿أَبَلَّغكم﴾: يجوز أن تكونَ جملةً مستأنفة
أتي بها لبيان كونه رسولاً، ويجوز أن تكونَ صفةً لرسول، ولكنه راعى الضمير
السابق الذي للمتكلم فقال: ((أَبلِّغُكُمْ)) ولو راعى الاسمَ الظاهر بعده لقال : .
يُبلِّغكم، والاستعمالان جائزان في كل اسم ظاهر سبقه ضميرٌ حاضر من
متكلم أو مخاطب فتحرَّر لك فيه وجهان: مراعاةُ الضميرِ السابق وهو الأكثر
ومراعاةُ الاسمِ الظاهر، فتقول: ((أنا رجلٌ أفعل كذا)) مراعاةً لـ: أنا وإن
شئت ((أنا رجلٌ يفعل كذا)) مراعاةً لرجل، ومثله: ((أنت رجل تفعل ويفعل))
بالخطاب والغيبة. وقوله ((بل أنتم قومٌ تُفْتنون))(١) جاء على الأكثر. ومثله
ما لو وقع بعد الضمير موصولٌ نحو: ((أنا الذي فَعَلْتُ وفعل))، و((أنت الذي
فعل وفعلت)). ومنه(٢):
۔
٢٢٢٥ - نحن الذين بايَعُوا محمَّداً على الجهاد ما بقينا أبدا
فَجَمَعَ بين الإستعمالين، وقد تقدَّم هذا بأوضحَ منه هنا.
وقرأ (٣) أبو عمرو: ((أَبْلِغُكم)) بالتخفيف والباقون بالتشديد، وهذا
الخلافُ جارٍ هنا في الموضعَيْن (٤) وفي الأحقاف(٥). والتضعيف والهمزةٌ
للتعدية كأنزل ونَزَّل، وجمع ((رسالة)) باعتبار أنواعها من أمرٍ ونهيٍ ووَعْظِ وزجر
وإنذار وإعذار. وقد جاء الماضي على أفْعَل في قوله ((فإن تَوَلُّوا فقد
أَبْلَغْتُكم)) (٦) فهذا شاهدٌ لقراءة أبي عمرو، وجاء على فَعَّل في قوله:
(١) الآية ٤٧ من النمل.
: (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في الهمع ٨٧/١؛ الدرر ٦٣/١.
(٣) السبعة ٢٨٤؛ الحجة ٢٨٦؛ البحر ٣٢١/٤.
(٤) الموضع الثاني في الآية ٦٨ ((أبلغكم رسالات ربي)).
(٥) الأحقاف آية ٢٣ ((وأبلغكم ما أرسلت به)).
(٦) الآية ٥٧ من هود.
٣٥٦

- الأعراف -
((فما بَلَّغْتَ رسالته))(١) فهذا شاهدٌ لقراءة الجماعة.
آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿أَنَّ قد جاءكم﴾: أي مِنْ أَنْ جاءكم، فلمًا
حَذَفَ الحرف جرى الخلاف المشهور. وقد تقدَّم الخلافُ في هذه الهمزة
السابقة على الواو(٢). وقدَّر الزمخشري(٣) على قاعدته معطوفاً عليه
محذوفاً / تقديرُه: أكذَّبتم وعَجِبْتم. و((مِنْ ربكم)) صفةٌ لِذِكْر. وقوله ((على [٣٨٧/ب]
رجل)) يجوز أن يكونَ على حذفٍ مضافٍ أي: على لسان رجل. وقيل ((على))
بمعنى مع أي: مع رجل فلا حذف. وقيل: لا حاجة إلى حَذْفٍ ولا إلى
تضمينٍ حرفٍ لأنَّ المعنى: أُنزل إليكم ذِكْرٌ على رجل، وهذا أَوْلَى، لأن
التضمينَ في الأفعال أحسنُ منه في الحروف لقوتها وضعف الحروف.
آ. (٦٤) وقوله تعالى: ﴿في الفُلْك﴾: يجوز أن يتعلَّق بأنْجيناه أي:
أنجيناه في الفلك. ويجوز أن تكونَ ((في)» حينئذ سببيةٌ أي: بسبب الفُلْك
كقوله ((إنَّ امرأةً دخلت النار في هرة))(٤). ويجوز أن يتعلق ((في الفلك))
بما تعلَّق به الظرفُ الواقِعُ صلةً أي: الذين استقروا في الفلك معه. و((عَمِين»
جمع عَمٍ ، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المادة(٥). وقيل هنا: عمٍ إذا كان أعمى
البصيرة غيرَ عارفٍ بأموره، وأعمى أي في البصَر. قال زهير(٦):
٢٢٢٦ - وأَعْلَمُ عِلْمَ اليومِ والأمسِ قبله ولكنني عن عِلْمِ ما في غدٍ عَمِ
وهذا قول الليث. وقيل: عمٍ وأعمى بمعنىٍّ، كخَضِر وأخضر. وقال
بعضهم: ((عَمِ)) فيه دلالةٌ على ثبوت الصفة واستقرارِها كفَرِح وضَيْق، ولو أُريد
(١) الآية ٦٧ من المائدة.
(٢) في قوله: أو عجبتم.
(٣) الكشاف ٨٦/٢.
(٤) رواه البخاري بدء الخلق (الفتح) ٣٥٦/٦؛ مسلم: التوبة ٢١١٠/٤.
(٥) انظر إعرابه للآية ١٨ من البقرة.
(٦) تقدم برقم ١٦٩٦.
٣٥٧

نــ الأعراف -
الحدوثُ لقيل: عام كما يُقال: فارح وضائق. وقد قُرِىء ((قوماً عامين)» حكاها
الزمخشري(١).
آ. (٦٥) قوله تعالى: ﴿أخاهم هوداً﴾: ((أخاهم)) نصب بأَرْسَلْنا
الأولى كأنه قيل: لقد أرسلْنا نوحاً وأرسلْنا إلى عادٍ أخاهم، وكذلك ما يأتي من
قوله ((وإلى ثمود أخاهم)) (٢) ((وإلى مَدْيَنَ أخاهم شعيباً)) (٣) ((ولوطاً)) (٤) ويكون
ما بعد ((أخاهم)) بدلاً أو عطف بيان. وأجاز مكي (٥) أن يكونَ النصبُ بإضمار
((اذكر)) وليس بشيء؛ لأن المعنى على ما ذكرْتُ مع عدم الاحتیاج إليه ..
و ((عاد)) اسم للحَيِّ ولذلك صَرَفَه، ومنهم مَنْ جِعله اسماً للقبيلة، ولذلك
منعه. قال (٦).
٢٢٢٧- لو شَهْدَ عَادَ في زمانٍ عادٍ لابْتَزَّها مَبَارِكَ الجِلادِ
وعاد في الأصل اسم للأب الكبير، وهو عاد بن عوص بن أزّم ابن
سام بن نوح فُسُمِّيت به القبيلةُ أو الحيّ، وكذلك ما أشبهه من نحو ((ثمود)) إنّ
جَعَلْته اسماً لمذكَّر صَرَفْتَه، وإنْ جَعَلْته اسماً لمؤنث مَنَعْته. وقد بَوَّبَ له
سيبويه باباً (٧). وأمَّا هود فاشتهر في ألسنة النحاة أنه عربي، وفيه نظرٌ؛ لأن
الظاهرَ من كلام سيبويه(٨) لَمَّا عَدَّه مع نوح ولوط أنه أعجمي، ولأنّ
(١) الكشاف ٨٦/٢ وقال في الشواذ ٤٤ ((حكاه عيسى بن سليمان)).
(٢) الآية ٧٣ من الأعراف.
(٣) الآية ٨٥ من الأعراف.
(٤) الآية ٨٠ من الأعراف ولوطاً إذ قال لقومه)).
(٥) المشكل ٣٢٣/١:
(٦) لم أهتد إلى قائله وهو في الكتاب ٢٧/٢؛ والمخصص ٤٢/١٧؛ والبحر ٣٢٣/٤؛
وشرح الجمل لابن عصفور ٣٧٨/١. ومبارك الجلاد: وسط الحرب. ابتزها: سلبها،.
فالممدوح لوشهد عاداً لغلبها مع قوتها.
(٧) الكتاب ٢٦/٢.
(٨) الكتاب ١٩/٢.
٣٥٨

- الأعراف -
أبا البركات السَّابة الشريف(١) حكى أن أهل اليمن تزعم أن يَعْرُبَ ابنَّ
قحطان بن هود هو أولُ مَنْ تكلم بالعربية وسُمِّيت به العَرَبُ عَرَباً، وعلى هذا
يكون («هود)» أعجمياً، وإنما صُرِفَ لِما ذُكر في أخويه نوح ولوط(٢). وهود
اسمه عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح، فمعنى «أخاهم)» أنه منهم.
ومَنْ قال: إنه مِنْ عاد في النسب فالأخوة ظاهرة.
وهنا ((قال)) بغير فاء وقد تقدَّم أنها مُرادةً. وقال الزمخشري (٣): ((فإن
قلت: لِمَ يُحْذَفُ العاطفُ من قوله ((قال يا قوم)) ولم يقل: فقال، كما في قصة
نوح (٤)؟ قلت: هو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال لهم هود؟ فقيل له:
قال يا قوم)). انتهى. وعلى هذا فلا تُقَدَّر هذه الفاءُ البتة.
آ. (٦٦) وقيل هنا: ((قال الملأ الذين كفروا)) فَوَصَفَ الملأ بالكفر،
ولم يُوصفوا في قصة نوح. فقيل: لأن هذه صفةٌ مميزة، إذ منهم مَنْ آمن
كمرثد بن سعد بخلاف قوم نوح فإنه لم يؤمنْ منهم أحدٌ. قاله الزمخشري(٥)
وغيرُه. وفيه نظرٌ لقوله تعالى ((لن يؤمنَ مِن قومك إلا مَنْ قد آمن))(٦) ((وما آمنَ
معه إلا قليلٌ))(٧). ويحتمل أنَّ حال مخاطبةِ نوحٍ لقومٍ لم يؤمن منهم أحد بعدُ
ثم آمنوا، بخلاف قصة هود فإنه حالَ الخطاب كان فيهم مؤمن، ويُحتمل أن
يكونَ صفةً لمجرد الذمِّ من غير قَصْدِ تمییزٍ بها.
(١) انظر: البحر ٣٢٣/٤ وهو محمد بن أسعد أبو علي ابن أبي البركات الحسيني المالكي
نسابة، نقيب الأشراف في مصر، له المقدمة الفاضلية في الأنساب وطبقات الطالبين.
انظر: لسان الميزان ٧٤/٥؛ الوافي بالوفيات ٢٠٢/٢؛ معجم المؤلفين ٤٩/٩.
(٢) أي إنه ثلاثي ساكن الوسط.
(٣) الكشاف ٨٦/٢.
(٤) في الآية ٥٩ من السورة نفسها.
(٥) الكشاف ٨٧/٢.
(٦) الآية ٣٦ من هود.
(٧) الآية ٤٠ من هود.
٣٥٩

- الأعراف -
آ. (٦٩) قوله تعالى: ﴿إِذ جعلكم﴾: في ((إذ)) وجهان أحدهما: أنه
ظرفٌ منصوبٌ بما تضمّنَتْه الآلاء من معنى الفعل كأنه قيل: واذكروا نِعَمَ اللَّهِ
عليكم في هذا الوقت. ومفعولُ ((اذكروا)) محذوفٌ لدلالة قوله بعد ذلك:
فاذكروا آلاءَ الله، ولأنَّ قوله ((إذ جعلكم خُلَفاء)»، وزادكم كذا هو نفس الآلاء،
وهذا ظاهرُ قولِ الحوفي. وقال الزمخشري(١): ((إذ)) مفعول اذكروا،
[١/٣٨٨] أي: / اذكروا هذا الوقتَ المشتمل على النِّعَمِ الجسيمة)).
وقوله ((في الخَلْق)): يُحتمل أن يُراد به المصدر، بمعنى في امتداد
قاماتكم، في حُسْنَ صُوَركم وعِظَم أجسامكم، ويحتمل أن يُرادَ به معنى
المفعول به أي: في المخلوقين بمعنى زادكم في الناس مثلكم بسطة عليهم،
فإنه لم يكن في زمانِهم مثلُهم في عِظَم الْأَجْرام. وَرَدَ في التفسير أنَّ أقصرَهم
ستون ذراعاً. وتقدَّم الخلاف في ((بَسْطة)) في البقرة(٢).
قوله: ((آلاءَ الله)) أي نِعَمه، وهو جمعٌ مفردُه ((إِلْيَ)) بكسر الهمزة وسكون
اللام كحِمْل وأحمال، أو ((أَلْي)) بضم الهمزة وسكون اللام كقُفل وأقفال،
أو ((إلَى)) بكسرِ الهمزة وفتح اللام كضِلَع وأضلاع وعِنب وأعناب، أو ((أَلَى))
بفتحها كقفا وأقفاء، قال الأعشى(٣):
٢٢٢٨ - أبيضُ لا يَرْهَبُ الهُزال ولا
يقطعُ رَحْمي ولا يَخُونُ إِلى
يُنشد بكسر الهمزة وهو المشهور وبفتحها ومثله (الآناء)) جمع إنّي أو أُنْي
أو إِنَى أو أَنَى. وقال الأخفش(٤): ((إنْو)). والآناء: الأوقات كقوله: ((ومِنْ آناء
الليل)»(٥) وسيأتي.
(١) الكشاف ٠٨٧/٢ :
(٢) انظر إعرابه للآية ٢٤٧ من البقرة.
(٣) ديوانه ٢٣٥؛ ومعاني القرآن للزجاج ٣٨٤/٢؛ ومجاز القرآن ٢١٨/١ واللسان إلا:
(٤) معاني القرآن ٢١٣/١.
(٥) الآية ١٣٠ من طه.
٣٦٠