Indexed OCR Text
Pages 321-340
- الأعراف - ابن عباس قراءةً. قلت: وكذلك هي قراءة مشهورة بين الناس. وروى مجاهد عن ابن عباس ضمَّ الجيم وفتح الميم خفيفةً ، وهي قراءة ابن جبير وقتادة وسالم الأفطس(١). وقرأ ابن عباس أيضاً في رواية عطاء: الجُمُل بضم الجيم والميم مخففة، وبها قرأ الضحَّاك والحجدري. وقرأ عكرمة وابن جبير بضم الجيم وسكون الميم. والمتوكل(٢) وأبو الجوزاء بالفتح والسكون، وكلها لغات في القَلْس المذكور. وسئل ابن مسعود عن الجمل في الآية، فقال: زوج الناقة، كأنه فهم ما أراد السائل فاستغباه. وقرأ(٣) عبدالله وقتادة وأبورزين وطلجة: (سُمّ) بضم السين. وأبو عمران الحوفي (٤) وأبو نهيك والأصمعي عن نافع: سِمّ بالكسر. وقد تقدَّم أنها لغات. وقرأ عبدالله وأبورزين وأبو مجلز: المِخْيَط بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء. وطلحة بفتح الميم. وهذه مخالفة للسواد. قوله: ((وكذلك)) أي: ومثل ذلك الجزاء نجزي المجرمين، فالكافُ نعتٌ لمصدر محذوف . آ. (٤١) وقوله تعالى: ﴿لهم مِنْ جهنّم مهادٌ﴾: والجملةُ محتملة الحالية والاستئناف، ويجوز حينئذ / في ((مهاد) أن تكون فاعلاً بـ ((لهم)) فتكون [٣٨٢/أ] الحال من قبيل المفردات، وأن تكون مبتدأ فتكون من قبيل الجمل. و((من (١) سالم بن عجلان الأموي أبو محمد الحراني ثقة توفي سنة ١٣٢. تهذيب الكمال ٤٦٢/١. (٢) لم أقف على ترجمته. (٣) البحر ٢٩٧/٤؛ ونسب في الشواذ ٤٣ قراءة الكسر إلى أبي حيوة، وقراءة الضم لأبي السمّال. (٤) لعله أبو عمران الجوني عبدالملك بن حبيب الأزدي، روى عن أنس بن مالك، ثقة. توفي سنة ١٢٨. تهذيب الكمال ٨٥١/٢. فيكون الحوفي تحريفاً. ٣٢١ - الأعراف - جهنم)) حال من «مِهاد)» لأنه لو تأخر عنه لكان صفةً، أو متعلَّقٌ بما تعلَّق الجارّ قبله .. وغَواشٍ : جمع غاشية. والنحاة في الجمع الذي على مفاعل إذا كان منقوصاً بقياسٍ خلافٌ: هل هو منصرف أو غير منصرف؟ فبعضهم قال: هو منصرفٌ لأنه قد زال [منه] صيغة منتهى الجموع فصار وزنُه وزن جَناح وقَذَال فانصرف. وقال الجمهور: هو ممنوع من الصرف، والتنوينُ تنوينٌ عوض. واختُلِفَ في المُعَوَّض عنه ماذا؟ فالجمهور على أنه عوضٌ من الياء المحذوفة. وذهب المبرد إلى أنه عوضٌ من حركتها. والكسرُ ليس بكسرّ إعراب، وهكذا جَوارٍ ومَوالٍ. وبعضهم يجرُّه بالفتحة قال(١): ٢١٩٨ - ولو كان عبدُالله مولىَّ هجوتُه ولكنَّ عبدَاللّهِ مَوْلَى مَواليا وقال آخر(٢): ٢١٩٩- قد عَجِبَتْ مني ومن يُعَيْلِيا لَمَّا رَأَتْنِي خَلَقاً مُقْلَوْلِيا وهذا الحكمُ ليس خاصاً بصيغة مَفاعل، بل كل غير منصرف إذا كان منقوصاً فحكمه حكم ما تقدم نحو: يُعيلٍ تصغير يَعْلى، ويرْمِ اسم رجل، وعليه قولُه: ((ومن يُعَيْلِيا))، وبعضُ العرب يُعْرب ((غواشٍ)) ونحوه بالحركات على الحرف الذي قبل الياء المحذوفة فيقول: هؤلاء جوارٌ، وقرىء(٣) ((ومن (١) البيت للفرزدق، وليس في ديوانه، وهو في الكتاب ٥٨/٢؛ ابن يعيش ٦٤/١؛ والخزانة ١١٤/١؛ والهمع ٣٦/١؛ والدرر ١٠/١. (٢) البيت للفرزدق وليس في ديوانه، وهو في الكتاب ٥٩/٢؛ والمقتضب ١٤٢/١؛ واللسان: علو. ويُغَيْلِيا تصغير يعلى علم رجل. خلقا: رث الهيئة. مقلوليا: المتجافي المنكمش. (٣) ذكرها في البحر ٢٩٨/٤ بدون نسبة، ونسبها ابن خالويه ٤٣ إلى أبي رجاء. ٣٢٢ - الأعراف - فوقهم غواشٌ)) برفع الشين وهي كقراءة عبدالله ((وله الجوارُ))(١) برفع الراء. وقد حرَّرْتُ هذه المسألةَ وما فيها من المذاهبِ واللغات في موضوعٍ غير هذا. قوله: ((وكذلك)) تقدَّم مثله(٢). وقوله ((الظالمين)) يحتمل أن يكون من باب وقوع الظاهرِ موقع المضمر. والمراد بالظالمين المجرمون، ويحتمل أن يكونوا غيرهم وأنهم يُجْزَون کجزائهم. آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾: مبتدأ وفي خبره وجهان، أحدهما: أنها الجملةُ من قولِه ((لا نكلِّفُ نفساً» وعلى هذا فلا بد من عائٍ وهو مقدر، وتقديره: نفساً منهم. والثاني: هو الجملة من قوله ((أولئك أصحاب))، وتكون هذه الجملةُ المنفيَّةُ معترضةً بينهما، وهذا الوجه أعرب (٣). آ. (٤٣) وقوله تعالى: ﴿مِنْ غَلٍّ﴾: يجوز أن تكون «مِنْ)) لبيان جنس ((ما)، ويجوز أن تكون حالاً فتتعلَّق بمحذوف أي: كائناً مِنْ غِل. وقوله : ((تجري من تحتهم الأنهار)) في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها حال من الضمير في ((صدورهم)) قاله أبو البقاء(٤). وجَعَل العامل في هذه الحال معنى الإضافة. والثاني: أنها حال، والعامل فيها ((نزعنا))، قاله الحوفي. والثالث: أنها استئناف إخبار عن صفة أحوالهم. وردَّ الشيخ(٥) الوجهين الأوَّلين: أمَّا الثاني فلأنَّ ((تجري من تحتهم الأنهار)) ليس مِنْ صفة فاعل ((نَزَعْنا)) ولا مفعوله وهما ((نا)) و ((ما)) فكيف ينتصب (١) الآية ٢٤ من الرحمن ونسبها في الإتحاف ٤٠٦ إلى الحسن. (٢) في الآية ٤٠ قبلها. (٣) مجيء أفعل التفضيل هنا من الثلاثي: عَرُب لسانه: أي فَصُح. أو مِنْ أَعْرب شذوذاً. (٤) الإملاء ٢٧٤/١ . (٥) البحر ٢٩٨/٤. ٣٢٣ - الأعراف - حالاً عنهما؟ وهو واضح. وأمَّا الأولُ فلأنَّ معنى الإِضافة لا يعمل إلا إذا أَمْكن تجريدُ المضاف وإعمالُه فيما بعده رفعاً أو نصباً. قلت: قد تقدم غيرَ مرة أن الحالَ تأتي من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه لمَدْرٍَ آخر لا لِما ذكره أبو البقاء من أنَّ العامل هو معنى الإِضافة، بل العامل في الحال هو العامل في المضاف وإن كانت الحالُ ليست منه؛ لأنهما لما كانا متضايفَيْنِ وكانا مع ذلك شيئاً واحداً ساغ ذلك. والغِلُّ: الحِقْدِ والإِحْنَةُ والبغض، وكذلك الغُلول. وجمع الغِلّ غلال(١). والغُلول: الأُخْذُ في خُفْية، وأحسنُ ما قيل أن ذلك من لفظ الغِلالة(٢) كأنه تَدَرَّع ولبس الحقد والخيانة حتى صار إليه كالغِلالة الملبوسة .. قوله: ((لولا أَنْ هدانا)) أَنْ وما في خَيِّزها في محل رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ على ما قَدَّرْته غير مرة، وجواب ((لولا)) مدلول عليه بقوله: ((وما كنا)». تقديره: لولا هدايةٌ لنا موجودة لشَقِيْنا أو ما كنا مهتدين. و((لقد جاءت)) جواب قسم مقدر. و((بالحق)) يجوز أن تكون الباء للتعدية، فبالحق مفعولٌ معنی، ويجوز أن تكون للجال أي : جاؤوا ملتبسين بالحق. قوله: ((أَنْ تلكم)) يجوز أن تكون المفسِّرة، فَسَّرَتْ النداء - وهو الظاهر - بما بعدها. ويجوز أن تكون المخففةً، واسمها ضمير الأمر محذوفً، وأن (٣) وما بعدها في محل نصب أو جر؛ لأنَّ الأصلَ: بأن تلكم، وأشير إليها بإشارة اليعيد لأنهم وُعِدوها في الدنيا. وعبارة بعضهم ((هي إشارة الغائبة)) [فيها] مسامحة لأنَّ الإِشارة لا تكون إلا لحاضر، ولكن العلماء تُطْلق. على البعيد غائباً مجازاً. (١) لم أجد هذا الجمع. (٢) الغلالة: ثوب رقيق يُلبس بين الثوبين وانظر: المفردات ٣٦٣. (٣) الأصل: ((ومن» وهو سهو. ٣٢٤ - الأعراف - و («أُورِثتموها)) يجوز أن تكون هذه الجملةُ حاليةً كقوله: ((فتلك بيوتُهم خاويةً))(١)، ويجوز أن تكونَ خبراً عن ((تلكم)) ويجوز أن تكون ((الجنة)) بدلاً أو عطف بيان، و((أُورثتموها)) الخبر. ومنع أبو البقاء (٢) أن تكون حالاً من ((تلكم)) للفصل بالخبر، ولأن المبتدأ لا يعمل في الحال. وأدغم(٣) أبو عمرو والأخوان الثاء في التاء، وأظهرها الباقون. و ((بما كنتم تعملون)» تقدم غير مرة(٤). والجماعة على ((وما كنا»(٥) بواو وكذلك هي في مصاحف الأمصار غيرَ الشام. وفيها وجهان، أظهرهما: أنها واو الاستئناف، والجملة بعدها مستأنفة. والثاني: أنها حالية. وقرأ ابن عامر: ((وما كنا)) بدون واو، والجملة على ما تقدَّم من احتمالي الاستئناف والحال، وهي في مصحف الشاميين كذا / فقد قرأ كلٍّ بما في مصحفه. [٣٨٢/ب] آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿أَنْ قد وَجَدْنا﴾: ((أَنْ)) يحتمل أن تكون تفسيرية للنداء، وأن تكون مخففةً من الثقيلة، واسمها ضميرُ الأمر والشأن، والجملة بعدها خبرها، وإذا كان الفعلُ متصرفاً غيرَ دعاء فالأجود الفصلُ بـ ((قد)) كهذه الآية أو بغيرها. وقد تقدَّم تحقيقه في المائدة. وقال الزمخشري(٦): ((فإن قلت: هلا قيل: ما وعدكم ربكم، كما قيل: ((ما وَعَدنا ربنا)). قلت: حُذِف ذلك تخفيفاً لدلالة ((وَعَدْنا)) عليه. ولقائل أن يقول: أُطْلِق ليتناول كلَّ ما وَعَدَ الله من البعث والحساب والعقاب والثواب وسائرِ أحوالِ القيامة، لأنهم كانوا مكذِّبين بذلك أجمعَ، ولأن الموعودَ كلَّه ممّا ساءهم، (١) الآية ٥٢ من النمل. (٢) الإملاء ٢٧٤/١. (٣) السبعة ٢٨١؛ البحر ٣٠٠/٤. (٤) انظر إعرابه للآية ١٠٥ من المائدة. (٥) في قوله تعالى: ((وما كنا لنهتدي)). وانظر: السبعة ٢٨٠. (٦) الكشاف ٨٠/٢. ٣٢٥ ۔۔ - الأعراف - وما نعيم أهلِ الجنة إلا عذابٌ لهم فأطلق لذلك)) قلت: قوله: ((ولقائلٍ إلى آخره)» هذا الجوابُ لا يطابق سؤالَه لأن المُدَّعى حَذْفُ المفعول الأول وهو ضمير المخاطبين، والجواب وقع بالمفعول الثاني الذي هو الحسابُ والعقاب وسائر الأحوال، فهذا إنما يناسب لوسُئل عن حَذْفِ المفعول الثاني لا المفعول الأول. و ((نعم)) حرفُ جوابٍ كأجل وإي وجَيْر وبلى. ونقيضتها لا، و ((نعم). تكون لتصديق الإِخبار أو إعلام استخبار أو وَعْدٍ طالب، وقد يُجاب بها النفيُّ. المقرونُ باستفهام وهو قليل جداً كقوله(١): ٢٢٠٠ - أليس الليلُ یجمعُ أُمَّ عمروٍ وإِيَّانا فذاك بنا تَدَاني ويَعْلوها النهارُ كما عَلاني نعم وتری الهلالَ کما أراه فأجاب قوله ((أليس)) بـ نعم، وكان من حقه أن يقول: بلى، ولذلك يُروى عن ابن عباس في قوله تعالى: ((ألستُ بربكم قالوا بلى))(٢): لو قالوا: نعم لكفروا، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى قريباً. وتُكْسَرُ عينُها، وبها قرأ الكسائي(٣) والأعمش ويحيى بن وثاب، وهي لغةٌ كنانة. وطعن أبو حاتم عليها وقال: ((ليس الكسر بمعروف)). واحتجُّ الكسائي لقراءته بما يُحكى عن عمر بن الخطاب أنه سأل قوماً فقالوا: نَعَم - يعني بالفتح - فقال: ((أمَّ النَّعَم فالإِبل فقولوا: نَعِم)) أي بالكسر. قال أبو عبيد: ((ولم نَرَ(٤) العرب يعرفون ما رَوَوْه عن عمر ونراهُ مُوَلَّدًا)). قلت: هذا طعنٌ في. (١) تقدم برقم ٥٦٧. (٢) الآية ١٧٢ من الأعراف. (٣) السبعة ٢٨١؛ الحجة ٢٨٢؛ البحر ٣٠٠/٤. (٤) قوله: ((نر)) لم يظهر في مصورة الأصل وأثبتناه من (ي) و(ش). ٣٢٦ - الأعراف - المتواتر فلا يُقبل. وتبدل عينها حاءً، وهي لغةٌ فاشيةٌ كما تبدل حاء ((حتى)) عيناً. وقوله: ((بينهم) يجوز أن يكونَ منصوباً بـ ((أُذَّن)) أو بـ ((مؤذِّن))، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفةٌ لـ ((مؤذِّن)). قال مكي(١) عند إجازته هذا الوجه: ((ولكن لا يعمل في ((أَنْ)) ((مُؤَذِّن)) إذ قد نَعَته)) يعني أنَّ قوله ((أَنْ لعنةُ)) لا يجوز أن يكونَ معمولاً [لـ «مؤذن لأنه موصوف، واسم الفاعل متى وُصِف لم يعمل. قلت: هذا يُوهِمُ أنَّا إذا لم نجعل ((بينهم)) نعتاً لـ ((مؤذِّن)) جاز أن يعمل في ((أن))](٢) وليس الأمر كذلك، [لأنك لو قلت](٢): ((ضرب ضاربٌ زيداً) تنصب زيداً بـ ضرب لا بضارب. لكني قد رأيت الواحدي [أجاز ما](٢) أجاز مكي [من كون](٢) ((مؤذِّن)) عاملاً في ((أَنْ))، وإذا وَصَفْتَه امتنع ذلك، وفيه ما تقدَّم وهو حسن. و ((أَنْ)) يجوز أن تكون المفسِّرة، وأن تكونَ المخففةَ، والجملة الاسميةُ بعدها الخبر، ولا حاجةً هنا لفاصل. وقرأ(٣) الأخوان وابن عامر والبزِّي(٤): ((أنَّ)) بفتح الهمزة وتشديد النون ونصب اللعنة على أنها اسمها، و((على الظالمين)) خبرها، وكذلك في النور(٥) (أن لعنةُ الله عليه))(٦) خَفَّف ((أَنْ)) ورفع اللعنة نافع وحده، والباقون بالتشديد والنصب. وقرأ(٧) عصمة عن الأعمش: إنّ (١) المشكل ٣١٧/١. (٢) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل وأثبتناه من (ش) و(ي). (٣) انظر: الحجة ٢٨٣، السبعة ٢٨١؛ البحر ٣٠١/٤. (٤) البزي هو راوي ابن كثير الذي له رواية ثانية رواها القواس عنه بتخفيف أن ورفع لعنة. الحجة ٢٨٣؛ السبعة ٢٨١ . (٥) الآية ٧. وانظر: الحجة ٤٩٥. (٦) الأصل: عليها وهو سهو. (٧) البحر ٣٠١/٤. ٣٢٧ - الأعراف - بالكسر والتشديد وذلك: إمّا على إضمار القول عن البصريين، وإمّا على إجراء النداء مُجْرى القول عند الكوفيين. آ. (٤٥) وقوله تعالى: ﴿الذين﴾: يجوز أن يكون مرفوع المحل. ومنصوبَه على القطع فيهما، ومجرورَه على النعت أو البدل أو عطف البيان. ومفعول ((يَصُدُّون)» محذوفٌ أي: يصدُّون الناس. ويجوز ألَّ يُقَدَّر له مفعول، والمعنى: الذين من شأنهم الصدُّ كقولهم: ((هو يعطي ويمنع)). ويجوز أن يكون ((يَصُدُّون)» بمعنى يُعْرضون، مِنْ صَدَّ صُدوداً فيكون لازماً. آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿وبينهما﴾: أي: بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذا هو الظاهر لقوله ((فضُرِب بينهم بسور)). وقيل: بين الجنة والنار، وبه بدأ الزمخشري(١). وقوله: ((وعلى الأعراف)) قال الزمخشري (٢): ((أي: وعلى أعراف الحجاب)» كأنه جعل أل عوضاً من الإِضافة وهو مذهب كوفي ، وقد تقدم. تحقيقه. وجعل بعضُهم نفس الأعراف هي نفس الحجاب المتقدِّمِ ذكره، عبّر عنه تارة بالحجاب وتارة بالأعراف. قال الواحدي : ۔ ولم یذکر غيره - «ولذلك. عُرِّفَت الأعراف لأنه عَنَى بها الحجاب)) . · والأعراف جمع عُرْفِ بضم العين، وهو كل مُرْتَفَع من أرض وغيرها استعارةً مِنْ عُرْف الديك وعُرْف الفَرَس، كأنه عُرِف بارتفاعه دونَ الأشياءِ المنخفضة فإنها مجهولة غالباً، قال أمية بن أبي الصلت(٣): في جنة حَفَّها الرمَّنُ والخَضِرُ ٢٢٠١ - وآخرون على الأعراف قد طَمِعوا (١) الكشاف ٨١/٢. (٢) الكشاف ٨١/٢. (٣) ديوانه ٣٩٠؛ والبحر ٣٠٢/٤. ٣٢٨ - الأعراف - ومثله أيضاً قوله(١): كالجبلِ المُؤْفِي على الأعرافِ ٢٢٠٢ - كلُّ كِنازِ لَحْمِه نيافٍ وقال آخر - هو الشماخ -(٢): ٢٢٠٣- فظلَّتْ بأعرافٍ تَعادَی کأنها رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الريحِ راكزٌ وقوله ((يَعْرِفون)) في محل رفع نعتاً لرجال. و(كُلَّا)) أي: كل فريق من أصحاب الجنة وأصحاب النار. وقوله ((أَنْ سَلامٌ عليكم)) كقوله ((أَنْ لعنةُ الله على الظالمين)(٣) إلا أنه لم يُقْرأ هنا إلا بأنْ الخفيفة فقط. قوله: ((ونادَوا)) هذا الضميرُ وما بعده الرجال. وقوله ((لم يدخلوها)) في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها حال من فاعل ((نادوا)) أي: نادى أهل الأعراف حالَ كونهم غير داخلين الجنة. وقوله ((وهم يطمعون)) يحتمل أن يكون حالاً مِنْ فاعل ((يَدْخلوها)) ثم لك اعتباران بعد ذلك، الأول: أن يكون المعنى: لم يدخلُوها طامعين في دخولها بل / دخلوها على يأس مِنْ دخولها. [٣٨٣/أ] والثاني: أن المعنى: لم يدخلوها حال كونهم طامعين أي: لم يدخلوا بعد، وهم في وقت عدم الدخول طامعون، ويحتمل أن يكون مستأنَّفَاً أخبر عنهم بأنهم طامعون في الدخول. الوجه الثاني(٤): أن يكون حالاً من مفعول ((نادوا)) أي: نادَوهم حالَ كونهم غيرَ داخلين. وقوله: (وهم يَطْمَعون)) على ما تقدم آنفاً. والوجه (١) لم أهتد إلى قائله وهو في مجاز القرآن ٢١٥/١؛ واللسان: نوف؛ والبحر ٢٨٧/٤. والكناز: المجتمع اللحم. والنياف: الطويل في ارتفاع. (٢) ديوانه ٢٠١؛ ومجاز القرآن ٢١٥/١. وتعادى: تتعادى أي تتبارى في العَدْو، وشبِّهها بالرماح لأن الرماح إذا ركزت مالت قليلاً مع الرياح. (٣) الآية ٤٤ من الأعراف. (٤) في إعراب جملة ((لم يدخلوها)). ٣٢٩ - الأعراف - الثالث: أن تكون في محلِّ رفعٍ صفةً لرجال قاله الزمخشري(١) .. وفيه ضعفٌ. من حيث إنه فَصَل فيه بين الموصوف وصفته بجملة قوله: ((ونادوا)) وليست جملةً اعتراض. والوجه الرابع: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها جوابُ سائلٍ سأل عن أصحاب الأعراف فقال: ما صُنِعَ بهم؟ فقيل: لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها . وقال مكي (٢) كلاماً عجيباً وهو أن قال: ((إنْ حَمَلْتَ المعنى على أنهم دخلوها كان ((وهم يطمعون)) ابتداء وخبراً(٣) في موضع الحال من المضمر المرفوع في ((يدخلوها)، معناه: أنهم يئسوا من الدخول فلم يكن لهم طمعٌ في الدخول، لكن دخلوا وهم على يأس من ذلك، فإنْ حَمَلْتَ معناه أنهم لم يدخلوا بعدُ ولكنهم يطمعون في الدخولِ برحمة الله كان ابتداءً وخبراً مستأنفاً)). وقال بعضهم: ((جملةُ قوله ((لم يدخلوها)) من كلام أصحاب الجنة، وجملةُ قوله ((وهم يطمعون)) من كلام الملائكة)) قال عطاء عن ابن عباس: ((إن أصحابَ الأعراف ينادُون أصحاب الجنة بالسلام، فيردُّون عليهم السلام، فيقول: أصحاب الجنة للخزنة: ما لأصحابنا على أعراف الجنة لم يدخلوها؟ فيقول لهم الملائكة جواباً لهم وهم يطمعون))، وهذا يُبْعد صحته عن ابن عباس إذ لا يلائم فصاحة القرآن . والطمع هنا يحتمل أن يكونَ على بابه، وأن يكونَ بمعنى اليقين. قالوا: لقوله تعالى حكايةً عن إبراهيم على نبيِّنا وعليه أفضل الصلاةُ والسلام: ((والذي أطمع أن يغفر))(٤) وقال(٥): ۔۔ (١) الكشاف ٨١/٢، ٨٢. (٢) المشكل ٣١٨/١: (٣) الأصل ((وخبر)) وهو سهو. (٤) الآية ٨٢ من الشعراء. (٥) لم أقف عليه . ٣٣٠ - الأعراف - قديرٌ بحسْنِ يَقيني يَقيني ٢٢٠٤ - وإني لأطمعُ أنَّ الإِله آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿تِلْقاء﴾: منصوبٌ على ظرف المكان قال مكي(١): ((وجمعُه تلاقِيّ)). قلت: لأن تِلْقاء وزنه تِفْعال كتمثال، وتمثال وبابه يُجمع على تفاعيل، فالتقت الياءُ الزائدة مع الياء التي هي لام الكلمة فأدغمت فصارت تلاقِيَّ. والتلقاء في الأصل مصدر ثم جُعِل دالاً على المكان أي: على جهة اللقاء والمقابلة قالوا: ولم يجئَّ من المصادر على تِفْعال بكسر التاء إلا لفظتان: التِلقاء والتِبْيان، وما عدا ذلك من المصادر فمفتوحٌ نحو التَّرْدادِ والتَّكرار، ومن الأسماء مكسورٌ نحو تِمثال وتِمْساح وِقْصار (٢). وفي قوله: ((صُرِفَتْ أبصارُهم)) فائدةٌ جليلة وهو أنهم لم يَلْتفتوا إلى جهة . النار إلا مجبورين على ذلك لا باختيارهم لأنَّ مكان الشر محذور. وقد تقدَّم خلافُ القراء في نحو ((تلقاء أصحاب)) بالنسبة إلى إسقاط إحدى الهمزتين أو إثباتها أو تسهيلها في أوائل البقرة(٣). وقرأ(٤) الأعمش: ((وإذا قُلِبَتْ)) وهي مخالفةٌ للسواد، كقراءة ((لم يدخلوها وهم ساخطون))(٥) أو ((وهم طامِعُون))(٦) على أنَّ هذه أقرب. و((قالوا)) هو جوابُ (إذا)) والعامل فيها. آ. (٤٨) قوله تعالى: ﴿ما أَغْنِى﴾: يجوز أن تكونَ استفهاميةٌ للتوبيخ والتقريع وهو الظاهر، ويجوز أن تكونَ نافية. وقوله: ((وما كنتم)): (ما)) (١) المشكل ٣١٨/١. (٢) التقصار: قلادة . (٣) انظر: إعرابه للآية ٦، ١٣ من البقرة. (٤) البحر ٣٠٣/٤. (٥) قراءة إياد بن لقيط. البحر ٣٠٣/٤. (٦) قال في البحر ٣٠٣/٤: ((قراءة ابن النحوي)). ٣٣١ - الأعراف - مصدرية ليْسَق مصدرٌ على مثله أي: ما أغنى عنكم جمعُكم وكونُكم مستكبرين. وقرىء(١) (تستكثرون)) بتاء مثلثة من الكثرة. آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ﴾: يجوز في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها في محل نصب بالقول المتقدم أي: قالوا: ما أغنى وقالوا: أهؤلاء الذين. والثاني: أن تكون جملةٌ مستقلةً غيرَ داخلةٍ في حيز القول، والمشارُ إليهم على القول الأول هم أهل الجنة، والقائلون ذلك هم أهل الأعراف، والمقولُ لهم هم أهل النار. والمعنى: وقال أهلُ الأعراف لأهل النار: أهؤلاء الذين في الجنة اليوم هم الذين كنتم تَحْلفون إنهم لا يدخلون الجنة، برحمة الله وفضله ادخلوا الجنة أي: قالوا لهم أو قيل لهم: ادخلوا الجنة . وأمّا على القول الثاني وهو الاستئناف: فاختلف في المشار إليه. فقيل: هم أهل الأعراف، والقائلُ ذلك مَلَكٌ يأمره الله بهذا القول، والمقول له هم أهلُ النار. وقيل: المشار إليه هم أهل الجنة، والقائلُ هم الملائكة، والمقولُ [٣٨٣/ب] له هم أهل النار. وقيل: المشار إليهم هم أهل الأعراف وهم / القائلون ذلك أيضاً، والمقول لهم الكفارُ، وقوله ((ادخلوا الجنة)) من قولةِ أهل الأعراف أيضاً أي: يرجعون فيخاطب بعضُهم بعضاً فيقولون: ادخلوا الجنة. وقال ابن الأنباري: ((إن قوله: أهؤلاء الذين أَقْسَمْتم لا ينالهم الله برحمة» من كلام أصحاب الأعراف. وقوله ((ادخلوا)) من كلام الله تعالى، وذلك على إضمار قول أي: فقال لهم الله: ادخلوه، ونظيره قوله تعالى: ((يريد أن يُخْرِجَكم من أرضكم بسِحْره)»(٢) فهذا من كلام الملأ، فماذا تأمرون؟ فهذا من كلام فرعون أي: فقال: فماذا تأمرون؟. (١) البحر ٣٠٣/٤. (٢) الآية ٣٥ من الشعراء .. ٣٣٢ - الأعراف - وقرأ(١) الحسن وابن سيرين: ((أَدْخِلوا الجنة)) أمراً مِنْ أَدْخَل وفيها تأويلان، أحدهما: أن المأمور بالإِدخال الملائكة أي: أَدْخلوا يا ملائكةُ هؤلاء. ثم خاطب البشر بعد خطاب الملائكة فقال: لا خوف عليكم، وتكون الجملة من قوله: ((لا خوف)) لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافها. والثاني: أن المأمور بذلك هم أهل الأعراف والتقدير: أدخلوا أنفسَكم، فحذف المفعولَ في الوجهين. ومثلُ هذه القراءة هنا قولُه تعالى: ((أَدْخِلوا آل فرعون))(٢) وستأتي إن شاء الله، إلا أن المفعولَ هناك مصرَّحْ به في إحدى القراءتين. والجملة من قوله ((لا خوف)» على هذا في محلِّ نصبٍ على الحال أي : أَدْخِلوا أنفسكم غير خائفين. وقرأ عكرمة ((دَخَلوا)) ماضياً مبنياً للفاعل. وطلحة وابن وثاب والنخعي ((أُدْخِلوا)) مِنْ أُدْخِل ماضياً مبنياً للمفعول على الإِخبار، وعلى هاتين فالجملة المنفية في محل نصبٍ بقول مقدر، ذلك القولُ منصوبٌ على الحال أي: مقولاً لهم لا خوف. آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿أَنْ أفيضوا﴾: كأحوالها من احتمال التفسير والمصدرية، و((من الماء)) متعلق بأفيضوا على أحدٍ وجهيه: إمَّا على حذف مفعول أي: شيئاً من الماء فهي تبعيضيةٌ، طلبوا منهم البعضَ اليسير، وإمَّا على تضمين ((أفيضوا)) معنى ما يتعدَّى بـ مِنْ أي: أنعموا منه بالفيض. وقوله: ((أو ممَّا رزقكم)) ((أو)) هنا على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين: إمَّا تخييراً أو إباحةً أو غيرَ ذلك ممَّا يليق بها، وعلى هذا يقال كيف قيل: (حَرَّ مَهْمَا فأعيد الضمير مثنَّى، وكان من حق مَنْ يقول إنها لأحد الشيئين أن يعودَ مفرداً على (١) البحر ٣٠٤/٤؛ الشواذ ٤٤. (٢) الآية ٤٦ من غافر. قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص بقطع الألف وكسر الخاء، وقرأ الباقون بالوصل والأمر. انظر: الحجة ٦٣٣. ٣٣٣ - الأعراف - ما تقرر غير مرة؟ وقد أجابوا بأن المعنى: حَرَّم كلا منهما. وقيل إن ((أو)) بمعنى الواو فعود الضمير واضحٌ عليه. و «ممَّا)): ((ما) يجوز أن تكون موصولة اسمية، وهو الظاهر، والعائد محذوف أي: أو من الذي رزقكموه الله، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، وفيه مجازان: أحدهما: أنهم طَلَبوا منهم إفاضةً نفس الرزق مبالغةً في ذلك. والثاني: أن يَرادَ بالمصدر اسمُ المفعول كقوله: ((كلوا واشربوا مِنْ رزق اللّه))(١) في أحد وجهيه. وقال الزمخشري(٢): ((أو ممَّا رزقكم الله من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإِفاضة. ويجوز أن يُراد: أو أَلْقُوا علينا مِنْ ما رزقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله(٣): ٢٢٠٥ - عَلَقْتُها تِبْناً وماءً بارداً قال الشيخ (٤): ((وقوله ((و(٥) ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة)) يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون قوله: ((أفيضوا)) ضُّمِّن معنى. ((ألقوا)) علينا من الماء أو مما رزقكم الله فيصحَّ العطف، ويحتمل - وهو الظاهر من كلامه - أن يكونَ أضمر فعلاً بعد ((أو)) يَصِل إلى مما رزقكم الله وهو ((ألقوا))، وهما مذهبان للنحاة فيما عُطِف على شيء بحرف عطف، والفعل لا يصل إليه، والصحيح منهما التضمين لا الإضمار)). قلت: يعني الزمخشري أن الإفاضة أصل استعمالها في الماء وما جرى مجراه في المائعات، فقوله ((أو مِنْ غيره من الأشربة)) تصحيح ليسلَّط الإِفاضةَ عليه؛ لأنه -- (١) الآية ٦٠ من البقرة. (٢) الكشاف ٨٢/٢. (٣) تقدم برقم ١٥٠. (٤) البحر ٣٠٥/٤. (٥) كذا بالواو في الأصل والبحر. وهي في الكشاف ((أو)). ٣٣٤ - الأعراف - لو حُمِل مما رزقكم الله على الطعام والفاكهة لم يَحْسُن نسبة الإفاضة إليهما إلا بتجوُّز، فذكر وجه التجوز بقوله ((ألقوا))، ثم فسَّره الشيخ بما ذكر، وهو كما قال، فإن العلَف لا يُسْنَدُ إلى الماء. فقوله إمَّا بالتضمين أي فَغَذَّيتُها، ومثلُه(١). وزّجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا ٢٢٠٦- وقوله(٢). ٢٢٠٧ - يا ليت زوجَك قد غدا متقلِّدا سيفاً ورُمْحا وقوله تعالى: ((والذين تَّبَوَّءُوا الدارَ والإِيمانَ))(٣) وقد مضى من هذا جملةٌ صالحة. وزعم بعضهم أن قوله ((أو مما رزقكم الله)) عامٌّ يندرج فيه الماء المتقدم، وهو بعيدٌ أو متعذُّرٌ للعطف بأو. والتحريم (٤) هنا المَنْعُ كقوله(٥): ٢٢٠٨ - حرامٌ على عينيَّ أن تُطْعَما الكرى آ. (٥١) قوله تعالى: ﴿الذين﴾: يجوز أن يكون في محل جرّ وهو الظاهر نعتاً أو بدلاً من ((الكافرين)): ويجوز أن يكونَ رفعاً أو نصباً على القطع. وقوله: ((وغَرَّتْهم)) عطفٌ على الصلة. وقوله: ((فاليومَ)) منصوب (١) تقدم برقم ١٢٩٥. (٢) تقدم برقم ١٤٩ . (٣) الآية ٩ من الحشر. (٤) وهو الوارد في قوله ((حرَّ مهما)). (٥) لم أهتد إلى قائله، وعجزه : وأن تُرْقاً حتى ألاقِيك يا هند وهو في الكشاف ٨٢/٢؛ وشواهده ٣٧٢/٤؛ والبحر ٣٠٥/٤ وفي الأصل ((تطعم)) وهو سهو. رقا الدمع: إذا سكن. ٣٣٥ - الأعراف - [٣٨٤/أ] بما بعده. / وقوله: ((كما)) نعتٌ لمصدر محذوف أي: ينساهم نسياناً كنسيانهم لقاءَ أي بتركهم. و ((ما)) مصدريةٌ. ويجوز أن تكونَ الكافُ للتغليل أي: تركناهم لأجل نسيانهم لقاء يومهم. و ((يومهم)) يجوز أن يكونَ متسعاً فيه: فَأُضيف المصدرُ إليه، كما يُضاف إلى المفعول به. ويجوز أن يكون المفعولُ محذوفاً، والإِضافةُ إلى ظرف الحدث أي: لقاء العذاب في يومهم. وقوله: ((وما كانوا)) ((ما)) مصدريةٌ نسقاً على أختها المجرورة بالكاف أي: وكما يجحدون بآياتنا، والتعليل فيه واضح. آ. (٥٢) والضمير في: ﴿جِئْناهم﴾: عائدٌ على مَنْ تقدَّم من الكفرة، : والمراد بـ ((كتاب)) الجنس، وقيل: يعودُ على مَنْ عاصر النبي عليه الصلاة والسلام. والمراد بالكتاب القرآن. والباء في ((بكتاب)) للتعدية فقط. وقوله: ((فَصَّلِناه)) صفةٌ لـ((كتاب))، والمرادُ بتفصيله إيضاحُ الحقِّ من الباطل، أو تنزيله. في فصولٍ مختلفةٍ كقوله: ((وقرآناً فَرَقْناه))(١). وقرأ الجحدري(٢) وابن محیصن بالضاد المعجمة أي فضَّلْناه على غيره من الكتب السماوية. وقوله: ((على عِلْم)) حال: إمَّا من الفاعل أي: فَصَّلْناه عالمين بتفصيله، وإمَّا من المفعول أي: فصَّلْناه مشتملاً على علم. ونَكَّر ((علم)) تعظيماً. وقوله: ((هدىً ورحمةً)) الجمهورُ على النصب، وفيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول من أجله أي: فصَّلناه لأجل الهداية والرحمة. والثاني: أنه حال: إمَّا من كتاب، وجاز ذلك لتخصصه بالوصف، وإمَّا من مفعول ((فصَّلناه)). وقرأ(٣) زيد بن علي ((هدئٍّ ورحمةٍ)) بالجر، وخرَّجه الكسائي والفراء(٤) على (١) الآية ١٠٦ من الإِسراء. (٢) البحر ٣٠٦/٤؛ الشواذ ٤٤. (٣) البحر ٣٠٦/٤. (٤) معاني القرآن ٣٨٠/١. ٣٣٦ - الأعراف - النعت لـ ((كتاب))، وفيه المذاهب المشهورة في نحو (([مررت] برجل عدل))، وخرَّجه غيرهما على البدل منه. وقرأته فرقة («هدىً ورحمةٌ)) بالرفع على إضمار المبتدأ. وقال مكي(١): ((وأجاز الفراء والكسائي ((هدى ورحمة)» بالخفض، يجعلانه بدلاً من ((علم))، ويجوز هدى(٢) ورحمة على تقدير: هو هدى ورحمة)) وكأنه لم يَطْلع على أنهما قراءتان مَرْوِيَّتان حتى نسبهما على طريق الجواز. و((لقومٍ)) صفة الرحمة وما عُطِفت عليه. آ. (٥٣) وقوله تعالى: ﴿تأويله﴾: قد تقدَّم ذلك في آل عمران(٣). وقال الزمخشري (٤) ههنا: ((والتأويل مادتُه من همزة وواو ولام مِنْ آل يؤول)) وقال الخطابي: ((أَوُلْتُ الشيءَ رَدَدْتُه إلى أوله، واللفظةُ مأخوذةً من الأول)). قال الشيخ(٥): وهو خطأً لاختلاف المادتين)). و ((يومَ)) منصوب بـ ((يقول))، وقد جاءَتْ منصوبةً بالقول، و((بالحق)) يجوز أن تكونَ الباءُ للحال، وأن تكونَ للتعدية أي: جاؤوا ملتبسين بالحق أو أجاؤوا الحق. قوله: ((مِنْ شفعاء)) ((مِنْ)) مزيدة في المبتدأ و((لنا)) خبرٌ مقدم. ويجوز أن يكونَ («من شفعاء)) فاعلًا و ((مِنْ)) مزيدة أيضاً، وهذا جائزٌ عند كل أحد لاعتماد الجارِّ على الاستفهام. وقوله: ((فيشفعوا)) منصوب بإضمار ((أَنْ)) في جواب الاستفهام، فيكون قد عَطَفْتَ اسماً مؤولاً على اسمٍ صريح أي: فهل لنا شفعاء فشفاعة منهم لنا . قوله: ((أو نُرَدُّ)) الجمهور عَلَى رفع ((نُرَدُّ) ونصب ((فنعملَ))، فَرَفْعُ («نردُّ) (١) المشكل ٩١-٣١. (٢) الأصل (وهدی» وهو سهو. (٣) انظر: إعرابه للآية ٧ من آل عمران: الورقة ٢٥/ب. (٤) لم يذكر الزمخشري في هذا الموضع شيئاً من ذلك. (٥) البحر ٣٠٦/٤. ٣٣٧ .- الأعراف - على أنه عَطَفَ جملةً فعلية وهي ((نُرَدُّ) على جملة اسمية وهي: هل لنا من شفعاء فيشفعوا، ونُصبُ ((فنعملَ)) على ما انتصب عليه ((فيشفعوا)). وقرأ(١) الحسنُ برفعهما على ما تقدم، كذا روى عنه ابن عطية(٢) وغيره .. وروى عنه الزمخشري (٣) نصب ((نُرَدّ)) ورفع ((فنعمل)). وقرأ أبو حيوة وابن أبي إسحاق بنصبهما. فنصبُ ((نُرَدَّ)) عطفاً على ((فيشفعوا)) جواباً على جواب، ويكون الشفعاء في أحد شيئين: إمّا في خلاصهم من العذاب، وإمَّا في رجوعهم للدنيا ليعملوا صالحاً، والشفاعةُ حينئذ منسحبةٌ على الخلاص أو الردّ، وانتصب (فنعملَ)) نسقاً على ((فنردً))، ويجوز أن يكون ((أو نُرَدَّ) من باب ((لألزمنَّك أو تقضيَني حقي)) إذا قدَّرناه بمعنى: حتى تقضيَني أو كي تقضيَني، غَيًّا (٤) اللزومَ بقضاء الحق أو عَلَّله به فكذلك الآية الكريمة أي: حتى نُرَدَّ أو كي نُرَدَّ، والشفاعةُ حينئذ متعلقةٌ بالردِّ ليس إلا، وأمَّا عند من يقدِّر ((أو)) بمعنى ((إلا)) في المثال المتقدم وهو سيبويه(٥) فلا يظهر معنى الآية عليه، إذ نصير التقدير: هل يشفع لنا شفعاءُ إلا أن نُرَدَّ. وهذا استثناءٌ غير ظاهر. وقوله: ((ما كانوا)) فاعل ((ضَلَّ))، و ((ما)) موصولةٌ عائدها محذوف. آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿إِنَّ ربكم اللَّهُ﴾: الجمهور على رفع الجلالة خبراً لـ((إِنَّ))، ويَضْعُف أن تُجْعل بدلاً من اسم ((إِنَّ)) على الموضع عند مَنْ يرى ذلك، والموصولُ خبرٌ لـ ((إِنَّ)) وكذا لو جَعَلَه عطفَ بيان، ويتقوَّى هذا بنصب سـ (١) البحر ٤ /٣٠٦؛ والشواذ ٤٤. (٢) التفسير ٧٤/٧. (٣) الكشاف ٠.٨٢/٢ (٤) غيّا: جعل غايته. (٥) الكتاب ٤٢٧/١ ٣٣٨ - الأعراف - الجلالة في قراءة (١) بكار فإنها فيها بدلٌ أو بيانٌ لاسم ((إِنَّ) على اللفظ، ويضعف أن تكونَ خبرَها عند مَنْ يرىْ نَصْبَ الجزأين فيها كقوله(٢): خُطاك خِفافاً إنَّ حُرَّاسنا أُسْدا [٣٨٤/ب] /٢٢٠٩ - إذا اسْوَدَّ جنحُ الليل فلتأتِ ولتكنْ وقوله(٣) : تأكلُ كلَّ ليلةٍ قَفيزا ٢٢١٠ - إنَّ العجوزَ خَبَّةُ جَرُوزا قيل: ويؤيد ذلك قراءةُ الرفع أي في جَعْلها إياه خبراً، فالموصولُ نعتٌ اللّه أوبيان له أو بدل منه، أو يُجْعل خبراً لـ إنَّ على ما تقدم من التخاريج، ويجوز أن يكون معطوفاً على المدح رفعاً أو نصباً. وقوله: ((في ستة)) أصل ستة: سِدْس فقُلِبَتْ السينُ تاءً فلاقَتْها الدال وهي مقاربةٌ لها ساكنة فوجب الإِدغام(٤)، وهذا الإِبدالُ لازمٌ، ويدلُّ على أن هذا هو الأصل رجوعُه في التصغير إلى سُدَيْسَةٍ وفي الجمع [أَسْداس، وقولهم: جاء فلان سادساً وساتّاً وسادِياً بالياء مثناة] (٥) مِنْ أسفل قال الشاعر(٦): وتَعْتَدُّني إن لم يَقِ اللَّهُ ساديا ٢٢١١- أي سادساً فأبدلها ياء. (١) البحر ٣٠٧/٤. وبكار لعله ابن عبدالله البصري الشهير في رواية أبان، روى عن الخليل والأعور ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ١٧٧/١ . (٢) تقدم برقم ١٨٣٨. (٣) تقدم برقم ١٨٣٧. (٤) بعد قلب الدال تاء. (٥) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل، أثبتناه من ي وش و ((قولهم)) وما بعده ورد مكرراً في ي . (٦) لم أهتد إلى قائله وصدره : بُوَيْزِلُ عامٍ قد أذاعت بخمسةٍ وهو في شرح الجمل لابن عصفور ٣٩/٢؛ والمخصص ١١٢/١٧؛ والمقرب ٩٨؛ وشرح شواهد الشافية ٤٤٧. والبيت لرجل يقارع زوجته في أيهما يموت قبلاً . ٣٣٩ - الأعراف - · و ((في ستة أيام)) الظاهر أنه ظرفُ لـ ((خلق السمواتِ والأرض)) فاسْتُشْكِل على ذلك: أن اليوم إنما هو بطلوع الشمس وغروبها وذلك إنما. هو بعد وجودِ السموات والأرض. وأجابوا عنه بأجوبة منها: أن الستةَ ظُرفٌ. لخلق الأرض فقط، فعلى هذا يكون قوله ((خلق السمواتِ)) مطلقاً لم يُقَيِّدْ بمدة، ويكون قولُه ((والأرض)) مفعولاً بفعل مقدر أي وخلق الأرض، وهذا الفعلُ مقيدٌ بمدة ستة أيام، وهذا قولٌ ضعيف جداً. وقوله ((ثم استوى)) الظاهرُ. عَوْدُ الضمير على الله تعالى بالتأويل المذكور في البقرة(١). وقيل: الضمير يعود على الخَلْقِ المفهوم مِنْ خَلَق أي: ثم استوى خَلْقُه على العرش (٢). ومثله: ((الرحمن على العرش استوى))(٣) قالوا: يحتمل أن يعود الضمير في ((استوى)) على الرحمن، وأن يعود على الخَلْق، ويكون ((الرحمن)) خبراً لمبتدأ محذوف أي: هو الرحمن. والعرش: يُطْلقُ بإزاءٍ معانٍ كثيرة فمنه سرير المَلِك، وعليه ((نَكَّروا لها عَرْشَها))(٤) ((ورفع أبويه على العرش))(٥). ومنه السلطان والعزّ ، وعليه قول زهير (٦): ٢٢١٢ - تدارَكْتُما عبساً وقد ثُلَّ عرشُها وذبيانَ إذ زِلَّتْ بأقدامها النَّعْلُ وقال الآخر (٧): (١) انظر: إعرابه للآية ٢٩ من البقرة. (٢) ما حاجتنا إلى هذه التأويلات العجيبة البعيدة عن روح النص ليرضي صاحبها ضيق فكره فيلوي عنق النص؟ (٣) الآية ٥ من طه . (٤) الآية ٤١ من النمل. (٥) الآية ١٠٠ من يوسف. (٦) ديوانه ١٠٦، وثلّ عرشها: أصابها ما هدمها. (٧) تقدم برقم ١٠٤٩ : ٣٤٠