Indexed OCR Text

Pages 241-260

سورة الأعراف
[٣٦٨/ب]
/ بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله تعالى: ﴿المص﴾: قد تقدم الكلام على الأحرف
المقطعة في أول هذا الموضوع(١).
آ. (٢) قوله تعالى: ﴿كتابٌ﴾: يجوز أن يكون خبراً عن الأحرف
قبله، وأن يكون خبر (٢) مبتدأ مضمر أي: هو كتاب، كذا قدَّره الزمخشري (٣).
ويجوز أن يكون ((كتاب)) مبتدأ، و((أُنْزِل)) صفته، و((فلا تكن)) خبره، والفاء
زائدة على رأي الأخفش(٤) أي: كتاب موصوف بالإنزال إليك، لا يكن في
صدرك حرج منه. وهو بعيد جداً. والقائمُ مقامَ الفاعل في ((أُنْزِل)) ضميرٌ عائدٌ
على الكتاب. ولا يجوز أن يكون الجارِّ لئلا تخلوَ الصفةُ من عائد.
قوله: ((منه)) متعلقٌ بـ ((حَرَجٌ)). و((مِنْ)) سبيّة أي: حَرَجْ بسببه تقول:
حَرِجْتُ منه أي: ضِقْتُ بسببه، ويجوز أن يتعلق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ له
أي: حرج كائن وصادر منه. والضمير في ((منه)) يجوز أن يعود على الكتاب
(١) انظر: إعرابه للآية ١ من البقرة.
(٢) الأصل: ((خبراً» وهو سهو.
(٣) الكشاف ٦٥/٢.
(٤) لم يشر الأخفش إلى ذلك في كتابه ((المعاني)) لدى إعرابه هذه الآية، وأما مذهبه في جواز
زيادة الفاء فهو في معانيه ١٢٤/١.
٢٤١

- الأعراف -
وهو الظاهر، ويجوز أن يعود على الإنزال المدلول عليه بـ ((أَنْزِل))، أو على
الإِنذار أو على التبليغ المدلول عليهما بسياق الكلام، أو على التكذيب الذي
تضمَّنه المعنى. والنهيُ في الصورة للحرج، والمرادُ الصادرُ منه، مبالغة في
النهي عن ذلك، كأنه قيل: لا تتعاطَ أسباباً ينشأ عنها حَرَجٌ، وهو من باب
(لا أُرَيَنَّك ههنا): النهي متوجه على المتكلم والمرادُ به المخاطبُ، كأنه قال:
لا تكنْ بحضرتي فأراك. ومثله: ((فلا يَصُدَّنَّك عنها مَنْ لا يؤمن)»(١).
قوله: ((لتنذرَ به)) في متعلَّق هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه أحدها: أنها متعلقة.
بـ ((أُنْزِل)) أي: أُنْزِلَ إليك للإنذار، وهذا قول الفراء (٢) قال: ((اللام في (لتنذرَ))
منظوم بقوله ((أَنْزِل)) على التقديم والتأخير، على تقدير: كتابٌ أُنزل إليك لتنذرً
به فلا يكن)». وتبعه الزمخشري(٣) والحوفي وأبو البقاء(٤). وعلى هذا تكونُ
جملةُ النهي معترضةً بين العلة ومعلولها، وهو الذي عناه الفراء بقوله ((على
التقديم والتأخير)). والثاني: أن اللامَ متعلقةٌ بما تعلَّق [به] خبر الكون،
إذ التقديرُ: فلا يكنْ حرجٌ مستقراً في صدرك لأجل الإِنذار. كذا قاله الشيخ (٥)
عن ابن الأنباري، فإنه قال: ((وقال ابن الأنباري: التقدير: فلا يكنْ في
صدرك حرجٌ منه كي تنذرَ به فَجَعَلَه متعلقاً بما تعلَّق به ((في صدرك))، وكذا
علَّقه به صاحب ((ألنظم))(٦)، فعلى هذا لا تكونُ الجملةُ معترضةً)). قلت:
الذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ذلك أن اللام متعلقةٌ بالكون،
وعن صاحب ((النظم)) أن اللام بمعنى ((أن)) وسيأتي بنصَّيْهما إن شاء الله، فيجوز
. أن يكون لهما كلامان.
(١) الآية ١٦ من طه.
(٢) معاني القرآن ٣٧٠/١.
(٣) الكشاف ٦٦/٢.
(٤) الإملاء ٢٦٧/١ .:
(٥) البحر ٤ /٢٦٦.
(٦) وهو عبد القاهر الجرجاني .
٢٤٢

- الأعراف -
الثالث: أنها متعلقةٌ بنفس الكون، وهو مذهب ابن الأنباري
والزمخشري(١)، وصاحب / ((النظم)) على ما نقله الشيخ(٢). قال أبو بكر ابن [٣٦٩/أ]
الأنباري: ((ويجوز أن تكونَ اللامُ صلةً للكون على معنى: فلا يكن في
صدرك شيءٌ لتنذر، كما يقول الرجل للرجل: لا تكن ظالماً ليقضي صاحبك
دَيْنَه، فَتَحْمِل لامَ كي على الكون)). وقال الزمخشري(٣): ((فإن قلت: بمَ
تَعَلَّق به ((لتنذر))؟ قلت بـ ((أُنْزِل)) أي: أُنْزِل لإِنذارك به، أو بالنهي، لأنه إذا
لم يُخِفْهم أنذرهم، وكذا إذا علم أنه من عند الله شَجَّعه اليقين على الإنذار)).
قال الشيخ (٤): ((فقوله بالنهي ظاهره أنه يتعلَّق بفعل النهي، فيكون متعلقاً
بقوله ((فلا يكن))، وكان [عندهم](٥) في تعليق المجرور والعمل في الظرف فيه
خلافٌ، ومبناه على أنَّ ((كان)) الناقصة هل تدلُّ على حَدَثٍ أم لا؟ فمن قال
إنها تدلُّ على الحدث جَوَّز ذلك، ومَنْ قال لا تدلُّ عليه مَنْعَه))(٦). قلت:
فالزمخشري مسبوقٌ إلى هذا الوجهِ، بل ليس في عبارته ما يدل على أنه تعلّق
بـ (يكون)) بل قال ((بالنهي)) فقد يريد بما تضمّنه من المعنى، وعلى تقدير ذلك
فالصحيحُ أن الأفعالَ الناقصة كلَّها لها دلالةٌ على الحدث إلا ((ليس)»، وقد
أقمت على ذلك أدلةً وأَثْبَتُّ من أقوال الناس بما يشهدُ لصحة ذلك كقول
سيبويه(٧) وأضرابه، في غير هذا الموضوع.
وقال صاحب ((النظم)): ((وفيه وجهً آخرُ وهو أن تكونَ اللامُ بمعنى أَنْ
(١) الكشاف ٦٦/٢.
(٢) البحر ٢٦٦/٤.
(٣) الكشاف ٦٦/٢.
(٤) البحر ٢٦٧/٤.
(٥) زيادة من البحر.
(٦) انظر المسألة في المغني ٥٧٠.
(٧) يستأنس في ذلك بالكتاب ٢١/١.
٢٤٣

- الأعراف -
والمعنى: لا يَضِقْ صَدرُك ولا يضعُفْ عن أن تنذرَ به، والعرب تضعُ هذه اللامَ
في موضع ((أَنْ)) كقوله تعالى: ((يُريدون أَنْ يُطْفِئوا نورَ الله))(١) وفي موضع
آخر: ((ليطفئوا))(٢) فهما بمعنى واحد)» قلت: هذا قول ساقط جداً، كيف يكون
حرفٌ يختصُّ بالأفعال يقع موقع آخرَ مختصٍ بالأسماء؟
قوله: ((وذكرى)) يجوز أن يكونَ في محلِّ رفعٍ أو نصبٍ أو جَرّ. فالرفعُ
من وجھین، أحدهما: أنھا عطفٌ علی ((كتاب) أي: کتاب وذکری أي تذکیر،
فهي اسمُ مصدرٍ وهذا قول الفراء(٣). والثاني من وجهي الرفع: أنها خبرُ مبتدأ
مضمر أي: هو ذكرى، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج (٤). والنصبُ من ثلاثة
أوجه، أحدُها: أنه منصوبٌ على المصدر بفعلٍ من لفظه تقديره: وتَذَكَّرْ
ذكرى أي: تذكيراً. والثاني: أنَّها في محلِّ نصب نسقاً على موضع ((لتنذرَ)).
فإنَّ موضعَه نصبٌ، فيكون إذ ذاك معطوفاً على المعنى، وهذا كما تُعْطّف:
الحال الصريحة على الحال المؤولة كقوله تعالى: ((دعانا لجَنْبه أو قاعداً
أو قائماً»(٥) ويكونُ حينئذ مفعولاً من أجله كما تقول: ((جئتك لتكرِمَني:
وإحساناً إليّ)). والثالث: قال أبو البقاء(٦) : - وبه بدأ - ((إنها حالٌ من الضمير
في ((أَنْزِل)) وما بينهما معترض)). وهذا سهوٌ فإن الواو مانعة من ذلك، وكيف
تدخل الواوُ على حال صريحة؟
والجرّ من وجهين أيضاً، أحدهما: العطف على المصدر المُنْسَبِكِ من
(أَنْ)) المقدرة بعد لام كي والفعل، والتقدير: للإنذار والتذكير. والثاني:
(١) الآية ٣٢ من التوبة .
(٢) الآية ٨ من الصف ((يريدون ليطفئوا نور الله)).
(٣) معاني القرآن ٣٧٠/١.
(٤) معاني القرآن ٣٤٨/٢.
(٥) الآية ١٢ من يونس.
(٦) الإملاء ٢٦٨/١.
٢٤٤

- الأعراف -
العطفُ على الضمير في ((به))، وهذا قول الكوفيين(١). والذي حَسَّنه كونُ
((ذكرى)) في تقدير حرفٍ مصدري - وهو ((أَنْ)) -وفِعْلٍ ولو صَرَّح بـ ((أَنْ)) لحَسُنْ
معها حذفُ حرف الجر، فهو أحسنُ مِنْ «مررت بك وزيدٍ)) إذ التقديرُ: لأَنْ تُنْذِرَ
به وبأن تُذكِّر.
و ((للمؤمنين)) يجوز أن تكونَ اللامُ مزيدةً في المفعول به تقويةً له، لأنَّ
العاملَ فرعٌ، والتقدير: وتُذَكر المؤمنين. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ لأنه
صفة لذكرى.
آ. (٣) قوله تعالى ﴿من ربكم﴾: يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن
يتعلَّق بأُنْزِل، وتكون ((مِنْ)) لابتداء الغاية المجازية. والثاني: أن يتعلَّق
بمحذوفٍ على أنه حالٌ: إمَّا مِن الموصول، وإمَّا مِنْ عائده القائمِ مقامَ
الفاعل.
قوله: ((مِنْ دونه أولياء)): ((من دونه)) يجوز أن يتعلق بالفعل قبله،
والمعنى: لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان. والثاني: أن يتعلق
بمحذوف، لأنه كان في الأصل صفةً لأولياء، فلما تقدَّم نُصِبَ حالاً، وإليه يميل
تفسيرُ الزمخشري فإنه قال(٢): ((أي لا تتولّوا مِنْ دونِهِ مِنْ شياطين الإِنس
والجن فيحملوكم على الأهواء والبِدَع)). والضمير في ((دونِه)) يُحْتمل
- وهو الظاهر - أن يعودَ على ((ربكم))؛ ولذلك قال الزمخشري(٣): ((مِنْ دون
الله))، وأن يعودَ على ((ما)) الموصولة، وأن يعود على الكتاب المنزل،
(١) انظر المسألة في: الإنصاف ٤٦٣؛ الصبان ٩٩/٣؛ التصريح ١٩٠/٢. وانظر: الورقة
٨٣ ب من الدر المصون.
(٢) الكشاف ٦٦/٢.
(٣) الكشاف ٦٦/٢.
٢٤٥

۔۔
- الأعراف -
والمعنى: لا تعدلوا عنه إلى الكتبِ المنسوخةِ. وقرأ(١) الجحدري: ((ابْتَغُوا))
بالغين المعجمة من الابتغاء. ومالك بن دينار ومجاهد: ((ولا تبتغوا)) من الابتغاء
أيضاً.
قوله: ((قليلاً ما تَذَكَّرون)) قد تقدَّم نظيرُ هذا في قوله تعالى: ((فقليلاً
ما يؤمنون)»(٢) وهو أنَّ ((قليلاً)) نعتُ مصدرٍ محذوف أي: تذكُّراً قليلاً تَذَكَّرون،
أو نعتُ ظرفِ زمانٍ محذوفٍ أيضاً أي: زماناً قليلاً تَذَكَّرون، فالمصدرُ
أو الظرفُ منصوبٌ بالفعل بعده، و((ما)» مزيدةٌ للتوكيد، وهذا إعراب جليّ
[٣٦٩/ب] واضح. وقد أجاز الحوفي أن يكونَ / نعتَ مصدرٍ محذوف لقوله ((ولا تتبعوا))
أي: ولا تتبعوا مِنْ دونِه أولياءَ اتباعاً قليلاً، وهو ضعيف، لأنه يَصير مفهومُه
أنهم غيرُ مَنْهِين عن اتباع الكثير، ولكنه معلومٌ من جهة المعنى فلا مفهوم له.
وحكى ابن عطية(٣) عن أبي عليّ أن ((ما)) مصدريةٌ موصولةٌ بالفعل
بعدها، واقتصر على هذا القَدْر، ولا بد من تتمةٍ له، فقال بعض الناس:
((ويكون («قليلاً)) نعت زمانٍ محذوف، وذلك الزمانُ المحذوف في محل رفع
خبراً مقدماً، و((ما)) المصدرية وما بعدها بتأويل مصدر مبتدأ مؤخراً، والتقدير:
زمناً قليلاً تذكُّرُكم أي: أنهم لا يقع تذكَّرهم إلا في بعض الأحيان، ونظيرُه:
زمناً قليلاً قيامُك)). وقد قيل: إن ((ما)) هذه نافيةٌ، وهو بعيد؛ لأن ((ما)) لا يعمل:
ما بعدها فيما قبلها عند البصريين، وعلى تقدير تسليم ذلك فيصير المعنى:
ما تذكَّرون قليلاً، وليس بطائل، وهذا كما سيأتي في قوله تعالى: ((كانوا قليلاً
من الليل ما يَهْجَعُونَ))(٤) عند مَنْ جَعَلَها نافيةً.
(١) البحر ٢٦٧/٤؛ الشواذ ٤٢.
(٢) الآية ٨٨ من البقرة.
(٣) التفسير ٧/٧.
(٤) الآية ١٧ من الذاريات.
٢٤٦

- الأعراف -
وهناك وجهٌ لا يمكنُ أن يأتيّ ههنا وهو: أن تكون «ما)» مصدريةً، وهي
وما بعدها في محل رفع بالفاعلية بـ ((قليلًا)) الذي هو خبر ((كان))، والتقدير:
كانوا قليلاً هجوعُهم، وأمَّا هنا فلا يمكن ذلك لعدم صحة نصب ((قليلاً))
بقوله: ((ولا تَبعوا)) حتى تجعل ((ما تذكَّرون)) مرفوعاً به. ولا يجوز أن يكونَ
((قليلاً)) حالاً من فاعل ((تَتَبعوا)) و((ما تذكَّرون)) مرفوعٌ به، إذ يصير المعنى:
أنهم نُھوا عن الاتباع في حال قلة تذكُّرهم، وليس ذلك بمراد.
وقرأ(١) الأخوان وحفص: ((تَذَكَّرون)) بتاء واحدة وتخفيف الذال،
وابن(٢) عامر بتاءين وتخفيف الذال، والباقون بتاء وتشديد الذال، وهنَّ
واضحات، تقدم معناها في الأنعام(٣).
آ. (٤) قوله تعالى: ﴿وكم مِنْ قريةٍ أهلكناها﴾: في ((كم)) وجهان،
أحدهما: أنها في موضعِ رفعٍ بالابتداء، والخبرُ الجملةُ بعدها، و ((من قرية)»
تمييز، والضمير في ((أهلكناها)) عائدٌ على معنى كم. وهي هنا خبرية للتكثير،
والتقدير: وكثير من القرى أهلكناها. ونقل أبو البقاء(٤) عن بعضهم أنه جعل
(أهلكناها) صفةً لقرية، والخبرُ قوله: ((فجاءها بأسنا)» قال: ((وهو سهوٌ لأنَّ الفاء
تمنعُ من ذلك)). قلت: ولو ادَّعى مُدَّعِ زيادتَها على مذهب الأخفش(٥)
لم تُقْبَلْ دعواه؛ لأن الأخفش إنما يزيدها عند الاحتياج إلى زيادتها.
(١) انظر: السبعة ٢٧٨؛ الحجة ٢٧٩؛ البحر ٢٦٨/٤.
(٢) في الحجة أن ابن عامر قرأ ((يتذكرون)) بياء وتاء، وكذا في البحر، وفي السبعة أنه روي
عنه بياء وتاء وروي عنه بتاءین.
(٣) انظر: إعرابه للآية ٨٠ من الأنعام.
(٤) الإملاء ٢٦٨/١.
(٥) للأخفش مذهبان في ((معاني القرآن)» فقد قرر زيادتها أحياناً (المعاني، ص ١٢٤) ومنع
ذلك أحياناً أخرى (المعاني، ص ٨٠).
٢٤٧

٠٠
- الأعراف -
والثاني: أنها في موضع نصبٍ على الاشتغال بإضمار فعل يفسِّره
ما بعده، ويُقَدَّر الفعلُ متأخراً عن ((كم))؛ لأن لها صدر الكلام، والتقدير: وكم
من قريةٍ أهلكناها أهلكناها، وإنما كان لها صدرُ الكلام لوجهين أحدهما:
مضارعتُها لـ(كم) الاستفهامية. والثاني: أنها نقيضةُ ((رُبَّ)) لأنها للتكثير:
و («رُبَّ)) للتقليل، فحُمِل النقيضُ على نقيضه كما يحملون النظير على نظيره.
٠٠
ولا بد من خَذْفِ مضافٍ في الكلام لقوله تعالى: ((أوهم قائلون))
فاضْطَرِرْنَا إلى تقدير محذوف، ثم منهم مَنْ قَدَّره قبل ((قرية)) أي: كم من أهل
قرية، ومنهم مَنْ قدَّرِه قبل (ها)) في ((أهلكناها)) أي: أهلكنا أهلَها، وهذا ليس
بشيءٍ؛ لأن التقادير إنما تكون لأجل الحاجة، والحاجةٌ لا تدعو إلى تقدير هذا
المضاف في هذين الموضعين المذكورين، لأن إهلاك القرية يمكن أن يقع
عليها نفسِها، فإن القرى تُهْلَكُ بالخَسْف والهدمِ والحريق والغَرَق ونحوه،
وإنما يُحتاج إلى ذلك عند قوله ((فجاءها)) لأجل عَوْدِ الضمير من قوله: ((هم
قائلون)) عليه، فيُقَدَّر: وكم من قرية أهلكناها فجاء أهلَها بأسُنا. قال
الزمخشري(١): ((فإن قلت: هل تُقَدِّرُ المضافَ الذي هو الأهل قبل ((قرية)).
أو قبل الضمير في ((أهلكناها))؟ قلت: إنما يُقَدَّر المضافُ للحاجة ولا حاجة،
فإن القرية تَهْلَكُ كما يَهْلَك أهلُها، وإنما قدَّرناه قبل الضمير في ((فجاءها)).
لقوله ((أوهم قائلون».
وظاهرُ الآيةِ أنْ مجيء البأس بعد الإهلاك وعقيبِه؛ لأن الفاء تعطي ذلك،
لكن الواقعَ إنما هو مجيءُ البأس، وبعده يقع الإِهلاك. فمن النحاة (٢) من
قال: الفاء تأتي بمعنى الواو فلا تُرَتِّبُ، وجَعَلَ من ذلك هذه الآيةَ،
وهو ضعيفٌ. والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين، أحدهما: أنه على خَذْف
(١) الكشاف ٦٧/٢
(٢) راجع المسألة في شرح الجمل لابن عصفور ٢٢٨/١؛ والمغني ٢١٤.
٢٤٨

- الأعراف -
الإِرادة أي: أردنا إهلاكها كقوله: ((إذا قمتم إلى الصلاة)(١)، ((فإذا قَرَأْتَ
القرآن))(٢)،((إذا دخل أحدكم الخَلَاءَ فَلْيُسَمُّ الله))(٣). الثاني: أن المعنى
أهلكناها أي خذلناهم ولم نوفّقْهم فنشأ عن ذلك هلاكُهم، فعَبَّر بالمُسَبَّب عن
سببه وهو باب واسع. وثَمَّ أجوبةٌ ضعيفة منها: أن الفاء هنا تفسيرية نحو:
((توضأ فغسل وجهه ثم يديه)) فليست للتعقيب، ومنها: أنها للترتيب في القول
فقط كأنه أخبر عن قرئًّ كثيرة أنها أهلكها ثم قال: فكان من أمرها مجيء
البأس. / ومنها ما قاله الفراء (٤) وهو أن الإهلاك هو مجيء البأس، ومجيء [٣٧٠/أ]
البأس هو الإِهلاك، فلمَّا كانا متلازمَيْن لم تُبالِ بأيهما قدَّمْتَ في الرتبة كقولك:
((شتمني فَأَساء)) و((أساء فشتمني)) فالإِساءةُ والشتمُ شيء واحد فهذه ستة
أقوال.
واعلم أنه إذا حُذِف مضافٌ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه جاز لك اعتباران،
أحدهما: الالتفاتُ إلى ذلك المحذوف، والثاني - وهو الأكثر - عدم
الالتفات إليه، وقد جُمِعَ الأمران ههنا فإنه لم يُراعِ المحذوفَ في قوله
((أهلكناها فجاءها)) وراعاه في قوله ((أوهم قائلون))، هذا إذا قدَّرْنا الحذفَ قبل
((قرية))، أمَّا إِذا قدَّرْنا الحذفَ قبل ضمير ((فجاءها)) فإنه لم يُراع إلا المحذوفَ
فقط، وهو غيرُ الأكثر.
قوله: ((بَيَات) فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه منصوبٌ على الحال، وهو في
الأصل مصدر، بات يبيتُ بَيْتاً وبَيْئَةً وبَيَاتاً وبَيْتُوتة. قال الليث: ((البَيْتوتّةُ
دخولُك في الليل)) فقوله ((بياتاً) أي بائتين. وجَوَّزوا أن يكون مفعولاً له ، وأن
(١) الآية ٦ من المائدة.
(٢) الآية ٩٨ من النحل ((فاستعذ بالله من الشيطان الرحيم)).
(٣) لم أقف على تخريجه بهذا اللفظ.
(٤) معاني القرآن ٣٧١/١.
٢٤٩

- الأعراف -
يكون في حكم الظرف. وقال الواحدي: ((قوله بياتاً: أي ليلاً))، وظاهر هذه
العبارة أن يكون ظرفاً، لولا أن يُقال: أراد تفسير المعنى.
قوله: ((أوهم قائلون)) هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ نسقاً على الحال.
و((أو)) هنا للتنويع لا لشيء آخر كأنه قيل: أتاهم بأسنا تارةً ليلاً كقوم لوط،
وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب. وهل يحتاج إلى تقديرٍ واوٍ حال قبل هذه
الجملة أم لا؟ خلاف بين النحويين. قال الزمخشري(١): ((فإن قلت:
لا يقال: ((جاء زيد هو فارس)) بغير واو فما بالُ قوله تعالى ((أوهم قائلون))؟
قلت: قَدَّر بعض النحويين الواوَ محذوفةً، وردَّه الزجاج(٢) وقال: ((لو قلت:
جاءني زيد راجلاً أو هو(٣) فارس، أو: جاءني زيد هو فارس لم تحتج إلى واو؛
لأن الذكر قد عاد على الأول)). والصحيح أنها إذا عُطِفَتْ على حال قبلها
حُذِفت الواو استثقالاً لاجتماع حرفَيْ عطفٍ؛ لأن واو الحال هي واو العطف
استعيرت للوصل، فقولك: ((جاء زيد راجلاً أو هو فارس)» كلام فصيح واردٌ
على حَدِّه، وأمَّا ((جاءني زيد هو فارس)) فخبيث))(٤). قال الشيخ(٥): ((أما بعض
النحويين الذي اتهمه الزمخشري فهو الفراء (٦). وأمَّا قول الزجاج [في](٧)
التمثيلين: لم تحتج فيه إلى الواو لأن الذِّكْرَ قد عاد على الأول ففيه إبهامٌ،
فتعيينه أنه يمتنع دخولها في المثال الأول، ويجوز في المثال الثاني، فليس
(١) الكشاف ٦٧/٢.
(٢) معاني القرآن ٣٤٩/٢.
(٣) في مطبوعة الزجاج (وهو)) تحريف.
(٤) انتهى كلام الزمخشري.
(٥) البحر ٢٦٩/٤.
(٦) معاني القرآن ٣٧٢/١، قال الفراء: ((واو مضمرة، المعنى: أو وهم، فاستثقلوا نسقاً على
نسق ولو قيل لكان جائزا)).
(٧) زيادة من البحر.
٢٥٠

- الأعراف -
انتفاءُ الاحتياج على حدٍّ سواء(١)، لأنه في الأول لامتناع الدخول، وفي الثاني
لكثرته لا لامتناعه)». قلت: أمّا امتناعها في المثال الأول فلأن النحويين نصُوا
على أن الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتنع دخول واو الحال
عليها، والعلةُ فيه المشابهة اللفظية، ولأن واو الحال في الأصل عاطفة.
ثم قال الشيخ(٢): ((وأمَّا قولُ الزمخشري فالصحيحُ إلى آخره فتعليلُه
ليس بصحيح، لأنَّ واوَ الحال ليست بحرف عطف فيلزم مِنْ ذكرها اجتماعُ
حرفَيْ عطفٍ؛ لأنها لو كانَتْ حرفَ عطف لَلَزِمِ أن يكونَ ما قبلها (٣) حالاً حتى
تعطفَ حالاً على حال، فمجيئُها فيما لا يمكن أن يكونَ حالاً دليلٌ على أنها
ليست واوَ عطفٍ ولا لُحِظ فيها معنى واو عطف تقول: ((جاء زيد والشمسُ
طالعةٌ)) فجاء زيد ليس بحالٍ فتعطف عليها جملة حال، وإنما هذه الواوُ مغايرةٌ
لواو العطف بكل حال، وهي قِسْمٌ من أقسام الواو، كما تأتي للقَسَمِ وليست
فيه للعطف كما إذا قلت: ((والله ليخرجَنَّ)). قلت: أبو القاسم لم يدَّعِ في واوٍ
الحال أنها عاطفةً، بل يدَّعي أن أصلَها العطف، ويدل على ذلك قولُه:
استعيرت للوصل، فلو كانت عاطفةً على حالها لما قال: استعيرت، فدلَّ قولُه
ذلك على أنها خرجَتْ عن العطف واسْتُعْمِلت لمعنى آخر، لكنها أُعْطيت
حكم أصلها في امتناع مُجامعها لعاطف آخر. وأمَّا تسميتُها حرفَ عطفٍ
فباعتبار أصلها، ونظير ذلك واو ((مع)) فإنهم نَصُّوا على أن أصلَها واو العطف،
ثم اسْتُعْمِلَتْ في المعيّة، فكذلك واوُ الحال، لا امتناعَ أن يكونَ أصلُها واوَ
العطف / .
[ ٣٧٠/ب]
(١) عبارة البحر: ((فانتفاء الاحتياج ليس على حد سواء)).
(٢) البحر ٢٦٩/٤ .
(٣) البحر: ما قبل الواو.
٢٥١

- الأعراف -
ثم قال الشيخ(١): ((وأما قولُه فخبيث(٢) فليس بخبيث؛ وذلك أنه بناه
على أن الجملةَ الحالية إذا كانَتْ اسميةً وفيها ضمير ذي الحال فحذفُ الواوِ
منها شاذَّ وتبع في ذلك الفراءَ، وليس بشاذ بل هو كثيرٌ في النظم والنثر». قلت:
قد سبق أبا القاسم في تسمية هذه الواوِ حرف عطفٍ الفراءُ وأبو بكر ابن
الأنباري. قال الفراء (٣): «أوهم قائلون فيه واو مضمرة، المعنى: أهلكناها
فجاءها بأسنا بياتاً أو وهم قائلون، فاستثقلوا نسقاً على إثرِ نسقٍ، ولو قيل لكان
صواباً)). قلت: قد تقدم أن الشيخ نقل أن الواو ممتنعة في هذا المثال
ولم يَحْكِ خلافاً، وهذا قول الفراء: ((ولو قيل لكان صواباً) مُصَرِّحْ بالخلاف
له. وقال أبو بكر: ((أُضمرت واوُ الحال لوضوح معناها كما تقول العرب:
((لقيت عبدالله مسرعاً، أو هو يركض)) فيحذفون الواوَ لُأَمْنِهِم اللَّبْسَ، لأن الذِّكْرَ
قد عاد على صاحب الحال، ومن أجل أنَّ ((أو)) حرفُ عطف والواو كذلك،
فاستثقلوا جمعاً بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني)). قلت:
فهذا تصريحٌ من هذين الإِمامين بما ذكره أبو القاسم، وإنما ذكرتُ نصَّ هذين
الإِمامين لُأعْلِمَ اطّلاعَه على أقوال الناس، وأنه لا يأتي بغير مصطلح أهل العلم
كما يرميه به غيرَ مرة :
و ((قائلون)» من القَيْلُولة (٤). يقال: قال يَقيل قَيْلولة فهو قائل
كبائع. والقيلولة: الراحةُ والدَّعَةُ في الحر وسط النهار وإن
لم يكن معها نوم. وقال الليث: هي نَوْمَةُ نصف النهار. قال الأزهري(٥):
((القيلولة: الراحة وإن لم يكن فيها نوم، بدليل قوله تعالى: ((أصحابُ الجنة
(١) البحر ٢٦٩/٤.
(٢) هذا يعود إلى مثال الزغشري ((جاءني زيد هو فارس)).
(٣) معاني القرآن ٣٧٢/١.
(٤) انظر: المفردات ٤١٦.
(٥) تهذيب اللغة ٣٠٦/٩:
٢٥٢

- الأعراف -
يومئذ خيرٌ مستقراً وأحسنُ مقيلا))(١) والجنةُ لا نومَ فيها» قلت: ولا دليلَ فيما ذكر لأنَّ
المقيل هنا خرج عن موضوعه الأصلي إلى مجرد الإقامة بدليل أنه لا يُراد أيضاً
الاستراحة في نصف النهار في الحر، فقد خَرَجَ عن موضوعه عندنا وعندكم إلى
ما ذكرته لك. والقيلولة مصدرٌ ومثلها: القائلة والقَّيْل والمّقيل.
آ. (٥) قوله تعالى: ﴿فما كان دعواهم﴾ جَوَّزوا في ((دعواهم)
وجهين، أحدهما: أن يكون اسماً لـ ((كان)) و ((إلا أَنْ قالوا)) خبرها، وفيه خدشٌ
من حيث إنَّ غير الأعرف جُعِل اسماً، والأعرفَ جُعِل خبراً، وقد فهمت ذلك
في أول الأنعام عند ((لم تكن فتنتهم))(٢). والثاني: أن يكون ((دعواهم)) خبراً
مقدماً و((إلا أن قالوا)) اسماً مؤخراً، ذكر ذلك الزمخشري(٣)، ومكي ابن
أبي طالب(٤)، وسبقهما إلى ذلك الفراء(٥) والزجاج(٦)، واختاره الزجاج.
ولكن ذلك يُشْكل مِنْ قاعدةً أخرى ذكرها النحاة وهو أن الاسمَ والخبر في هذا
الباب متى خفي إعرابُهما وَجَبَ تقديمُ الاسم وتأخيرُ الخبر نحو: كان موسى
صاحبي، وما كان دعائي إلا أن استغفرتُ، قالوا: لأنهما كالمفعول والفاعل،
فمتى خفي الإِعرابُ التّزَمَ كلّ في مرتبته، وهذه الآيةُ مما نحن فيه فكيف
يُذَّعى فيها ذلك، بل كيف يختاره الزجاج؟ وقد رأيتُ كلامَ الزجاج هنا فيمكن
أن يؤخذَ منه جوابٌ عن هذا المكان وذلك أنه قال(٧): ((إلا أن الاختيارَ إذا
كانت ((الدعوى)) في موضع رفع أن يقول: فما كانت دعواهم، فلمّا قال: ((كان
(١) الآية ٢٤ من الفرقان.
(٢) الآية ٢٣ .
(٣) الكشاف ٦٧/٢.
(٤) المشكل ٣٠٥/١.
(٥) معاني القرآن له ٣٧٢/١.
(٦) معاني القرآن له ٣٥١/٢.
(٧) معاني القرآن ٣٥١/٢ بعبارة قريبة.
٢٥٣

- الأعراف -
دعواهم)) وَلَّ على أن الدعوى في موضعٍ نصبٍ، غير أنه يجوز تذكير الدعوى
وإن كانَتْ رفعاً)) قلت: فمِنْ هنا يقال: تذكيرُ الفعل فيه قرينةً مرجِّحة لإِسناد
الفعل إلى ((أن قالوا))، ولو كان مسنداً للدعوى لكان الأرجح ((كانت)) كما قال،
وهو قريب من قولك: ((ضربت موسى سلمى)) فقدَّمْتَ المفعولَ بقرينة تأنيث
الفعل، وأيضاً فإن ثَمَّ قرينةً أخرى وهي كونُ الأعرفِ أحقَّ أن يكون اسماً من
غير الأعرف .
والدَّعْوى تكون بمعنى الدعاء وبمعنى الادِّعاء، والمقصود بها ههنا.
يحتمل الأمرين جميعاً، ويحتمل أيضاً أن يكون بمعنى الاعتراف. فمِنْ
مجيئها بمعنى الدعاء ما حكاه الخليل(١): ((اللهم أشركنا في صالح دعوى
المسلمين)) تريد في صالح دعائهم، وأنشدوا(٢):
٢١٣٩ - وإنْ مَذِلَتْ رِجْلي دعوتُك أشتفي
بدَعْواكَ مِنْ مَذْلٍ بها فتهونُ
[١/٣٧١]
/ ومنه قوله تعالى: ((فما زالت تلك دعواهم))(٣) وقال الزمخشري (٤):
((ويجوز: فما كان استغاثتُهم إلا قولَهم هذا لأنه لا يُستغاث من الله تعالى بغيره،
مِنْ قولهم دعواهم بالكعب)). وقال ابن عطية(٥): ((وتحتمل الآية أن يكون
المعنى: فما آلت دعاويهم التي كانت في حال كفرهم إلا إلى الاعتراف كقول:
الشاعر(٦):
٢١٤٠- وقد شهدتْ قیس فما كان نصرُها
قتيبةً إلا عضَّها بالأباهم
(١) انظر: الكتاب ٢٢٨/٢.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير ابن عطية ٩/٧؛ واللسان: مذل. والمذل: الخدر.
(٣) الآية ١٥ من الأنبياء.
(٤) الكشاف ٢ /٦٧.
(٥) التفسير ١٠/٧.
(٦) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٨٥٥؛ والمقتضب ٩٠/٤؛ وتفسير ابن عطية. ٧٪.
والبحر ٢٦٩/٤.
٢٥٤

- الأعراف -
و ((إذه منصوب بـ «دعواهم)).
وقوله: ((إنَّا كنَّا)) ((كنَّ)) وخبرُها في محلِّ رفع خبراً لإِنَّا، وإنَّ وما في
حيِّزها في محلِّ نصب محكياً بـ ((قالوا))، و((قالوا)) وما في حيزه لا محلَّ له
لوقوعه صلةً لأُنْ. وأَنْ وما في حيِّزها في محل رفع أو نصبٍ على حسب
ما تقدَّم مِنْ كونها اسماً أو خبراً.
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿الذين أَرْسِلَ إليهم﴾: القائمُ مقامَ الفاعل
الجارُّ والمجرور.
آ. (٧) وقوله تعالى: ﴿بعلمٍ﴾: في موضع الحال من الفاعل، والباء
للمصاحبة أي: لنقصَّنَّ على الرسل والمرسلِ إليهم حال كوننا ملتبسين
بالعلم. ثم أكَّد هذا المعنى بقوله «وما كنًّا غائبين».
آ. (٨) قوله تعالى: ﴿والوزنُ يومئذٍ الحقُّ﴾: ((الوزنُ)) مبتدأ، وفي
الخبر وجهان، أحدهما: هو الظرفُ أي: الوزن كائنٌ أو مستقر يومئذ أي: يوم
إذ نسأل الرسل والمرسل إليهم. فحذف الجملةَ المضافَ إليها ((إذ)» وعَوَّض
منها التنوين. هذا مذهب الجمهور خلافاً للأخفش(١). وفي ((الحق)) على هذا
الوجهِ ثلاثةُ أوجه أحدها: أنه نعتٌ للوزن أي: الوزن الحق في ذلك اليوم.
والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوف كأنه جوابُ سؤال مقدر مِنْ قائل يقول:
ما ذلك الوزنُ؟ فقيل: هو الحق لا الباطل. والثالث: أنه بدلٌ من الضمير
المستكنِّ في الظرف. وهو غريب ذكره مكي(٢).
والثاني من وجهي الخبر: أن يكون الخبرُ ((الحق))، و((يومئذ)) على هذا فيه
وجهان أحدهما: أنه منصوبٌ على الظرف ناصبُه ((الوزن)) أي: يقع الوزنُ ذلك
(١) ليس في كتابه المعاني إشارة إلى ذلك.
(٢) المشكل ٣٠٥/١.
٢٥٥

- الأعراف -
اليوم. والثاني: أنه مفعول به على السَّعة. وهذا الثاني ضعيف جداً لا حاجة
إليه. ولمَّا ذكر أبو البقاء كونَ ((الحق)) خبراً، وجَعَل ((يومئذ)) ظرفاً للوزن
قال(١): ((ولا يجوز على هذا أن يكونَ صفةٌ، لئلا يلزمَ الفصلُ بين الموصول
وصلتِه)). قلت: وأين الفصل؟ فإن التركيب القرآني إنما جاء فيه ((الحق)) بعد
تمام الموصول بصلته، وإذا تمَّ الموصول بصلته جاز أن يوصفَ. تقول:
((ضَرْبُك زيداً يوم الجمعة الشديدُ حسنٌ)) فالشديدُ صفة لضربك. فإن توهّم
كونَ الصفة محلّها أن تقع بعد الموصوف وتليه، فكأنها مقدمة في التقدير
فحصل الفصلُ تقديراً، فإن هذا لا يُلتفت إليه، لأن تلك المعمولات من تتمة
الموصول فلم يكُ إلاّ الموصول. وعلى تقدير اعتقاد ذلك له، فالمانع من ذلك
أيضاً صيرورةُ المبتدأ بلا خبر، لأنك إذا جعلت ((يومئذ)) ظرفاً للوزن و((الحق)):
صفته فأين خبره؟ فهذا لوسَلِمَ من المانع الذي ذكره كان فيه هذا المانع
الآخر.
وقد طوَّل مكي (٢) بذكر تقدير تقديم ((الحق)) على ((يومئذ)) وتأخيره عنه
باعتبار الإِعرابات المتقدمة، وهذا لا حاجة إليه لأنَّا مقيَّدون في القرآن بالإِتيان
بنظمه. وذكر أيضاً أنه يجوز نصبه، يعني أنه لو قرىء به لكان جائزاً، وهذا أيضاً.
لا حاجة إليه .
۔۔
وموازين فيها قولان. أحدهما: أنها جمع ميزان: الآلة التي يُؤْزَنُ بها،
وإنما جُمِع لأنَّ كلَّ إنسانٍ له ميزانٌ يخصُّه على ما جاء في التفسيرِ، أو جُمع
باعتبار الأعمال المُكْثِرة، وعبَّر عن الحالِّ بالمحلِّ. والثاني: أنها جمع موزون.
وهي الأعمال، والجمع حينئذ ظاهر.
(١) الإِملاء ٢٦٩/١.
(٢) المشكل ٣٠٥/١.
٢٥٦

- الأعراف -
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿بما كانوا﴾: متعلِّقٌ بـ ((خسروا)) و((ما)) مصدرية
و (بآياتنا)) متعلق بـ ((يظلمون)) قُدِّم عليه للفاصلة. وتعدّى ((يظلمون)» بالباء:
إمَّا لتضمُّنه معنى التكذيب نحو ((كذَّبوا بآياتنا))(١)، وإمَّ لتضمُّنه معنى الجحد
نحو (وجَحَدوا بها))(٢).
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لكم﴾: يجوز أن تكون بمعنى
((خلق)) فتعدَّى لواحد فيتعلَّق الجارَّان بالجَعْلِ، أو بمحذوفٍ على أنهما حالان
مِنْ ((معايش)) لأنهما لو تأخرا لجاز أن يكونا وصفين. ويجوز أن تكونَ التصييرية
فتتعدَّى لاثنين أولهما ((معايش))، والثاني أحد الجارَّين، والآخر(٣): إمَّا حال
فيتعلق بمحذوف، وإمَّا متعلق بنفس الجعل / وهو الظاهر.
[٣٧١/ب]
ومعايش جمع معيشة وفيها ثلاثة مذاهب، مذهب سيبويه (٤) والخليل:
أن وزنها مَفْعُلة بضم العين أو مَفْعِلة بكسرها، فعلى الأول جُعِلت الضمةُ كسرةً
ونُقِلَتْ إلى فاء الكلمة. وقياس قول الأخفش في هذا النحو أن يُغَيِّر الحرفُ
لا الحركةُ، فمعيشة عنده شاذة إذ كان ينبغي أن يُقال فيها مَعُوشة. وأما على
قولنا إن أصلها مَعْبِشة بكسر العين فلا شذوذَ فيها. ومذهب الفراء(٥) أنَّ وزنها
مَفْعَلة(٦) بفتح العين وليس بشيء. والمعيشة اسمٌ لما يُعاشُ به أي يُحْيا، وهي
في الأصل مصدرٌ لعاش يعيش عَيْشاً وعِيْشة قال تعالى: ((في عيشة راضية))(٧)
(١) الآية ١١ من آل عمران.
(٢) الآية ١٤ من النمل.
(٣) أي والجارُّ الآخر.
(٤) الكتاب ٣٦٤/٢، ٣٦٧. وانظر: معاني القرآن للأخفش ٢٩٣/٢.
(٥) معاني القرآن ٣٧٣/١.
(٦) ضُبطت في المطبوعة بكسر العين.
(٧) الآية ٢١ من الحاقة .
٢٥٧

- الأعراف -
ومعاشاً: قال تعالى: ((وَجَعَلْنا النهارَ مَعَاشاً))(١) وَمَعِيشاً قال رؤية(٢).
٢١٤١ - إليك أشكو شِدَّةَ المعيشِ وجُهْدَ أعوامٍ نَتَفْنَ ريشي
والعامَّةُ على ((معايش)) بصريح الياء. وقد خرج خارجة فروى(٣) عن
نافع ((معائش)) بالهمز. وقال النحويون: هذه غلطّ؛ لأنه لا يُهمز عندهم
إلا ما كان فيه حرفُ المد زائداً نحو: صحائف ومدائن، وأما ((معایش)» فالياءُ
أصلٌ لأنها من العَيْش. قال الفارسي عن أبي عثمان(٤): ((أصلُ أَخْذِ هذه
القراءةِ عن نافع)). قال: ((ولم يكن يدري ما العربية؟)). قلت: قد فَعَلَتْ
العربُ مثل هذا، فهمزوا منائر ومصائب جمع منارة ومصيبة، والأصل: مناور
ومصاوب. وقد غلَّط سيبويه(٥) مَنْ قال مصائب(٦)، ويعني بذلك أنه غلط
بالنسبة إلى مخالفة: الجادّة(٧)، وهذا كما تقدَّم عنه أنه قال(٨): ((واعلم أنَّ
بعضَهم يغلطُ فيقول: ((إنهم أجمعون ذاهبون)) قال: ((ومنهم مَنْ يأتي بها على
الأصل فيقول: مصاوب ومناور، وهذا كما قالوا في جمع مقال ومقام: مَقَاوِم
ومَقاوِل في رجوعهم بالعين إلى أصلها قال(٩): وأنشد النحويون على
ذلك(١٠) :
(١) الآية ١١ من النبأ
(٢) تقدم برقم ٩٥٣.
(٣) السبعة ٢٧٨؛ البحر ٢٧١/٤؛ الشواذ ٤٢، وأضاف إلى خارجة الأعرج.
(٤) وهو المازني انظر: المنصف ٣٠٧/١.
(٥) الكتاب ٣٦٧/٢.
(٦) رسمت في الأصل بالياء وعبارة سيبويه ((مصائب غلط منهم)).
(٧) أي قاعدة النحاة في عدم الهمز لأن العين أصلية.
(٨) الكتاب ٢٩٠/١.
(٩) لم يقل سيبويه ذلك فلم يَرِدْ هذا البيت في كتابه. والزجاج في إعرابه ٣٥٣/٢ قال هذه
العبارة بين يدي البيت.
(١٠) البيت للأخطل في ديوانه ١٢٣؛ والخصائص ١٤٥/٣؛ وابن يعيش ٩٠/١٠
٢٥٨

- الأعراف -
جريرٌ ولا مَوْلَی جریرِ یقومُها
٢١٤٢ - وإِنِّي لَقَوَّامٌ مَقَاوِمَ لم یکن
ووجهُ همزِها أنهم شبَّهوا الأصليَّ بالزائد فتوهَّموا أن معيشة بزنة صحيفة
فهمزوها كما همزوا تِيْك. قالوا: ونظير ذلك في تشبيههم الأصلي بالزائد
قولهم في جمع مَسِيل: مِسْلان توهّموه على أنه على زنة قضيب وقضبان(١)
وقالوا في جمعه أَمْسِلة كأنهم توهّموا أنه بزنة رغيف وأرغفة، وإنما مسيل وزنه
مَفْعِل لأنه من سَيَلان الماء. وأنشدوا على مَسيل وأَمْسِلة قولَ أبي ذؤيب
الهذلي (٢):
وَأَمْسِلةٍ مَذانِبُها خَلِيفُ
٢١٤٣ - بِوادٍ لا أنيسَ به يَبابِ
وقال الزجاج(٣): ((جميع نحاة البصرة تزعم أن همزهاخطأ، ولا أعلم لها
وجهاً إلا التشبيه بصحيفة وصحائف، ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة)).
قلت: وهذه القراءة لم ينفرد بها نافع بل قرأها جماعة جِلَّةٌ(٤) معه، فإنها
منقولةٌ عن ابن عامر الذي قرأ على جماعة من الصحابة كعثمان وأبي الدرداء
ومعاوية، وقد سبق ذلك في الأنعام، وقد قرأ بها قبل ظهور اللحن وهو عربي
صريح. وقرأ بها أيضاً زيد بن علي وهو على جانب من الفصاحة والعلم الذي
لا يدانيه إلا القليلُ. وقرأ بها أيضاً الأعمشُ والأعرجُ وكفى بهما في الإِتقان
والضبط. وقد نقل الفراء(٥) أن قَلْبَ هذه الياء تشبيهاً لها بياء صحيفة قد جاء
وإن كان قليلاً.
(١) قضيب يُجمع على قضبان بكسر القاف وضمها. القاموس: قضب.
(٢) ديوان الهذليين ١٠١/١. يباب: قفر. الأمسلة: مجاري الماء. الخليف: طريق وراء
جبل. المذانب ج مِذْنَب وهو مسيل الماء إلى الأرض ورواية الديوان: مدافعها.
(٣) معاني القرآن ٣٥٣/٢.
(٤) جلة: ج جليل.
(٥) معاني القرآن ٣٧٣/١ وعبارته «وربما هَمَزّت العرب هذا وشبهه)).
٢٥٩

- الأعراف -
وقوله: ((قليلاً ما تشكرون)» كقوله: ((قليلاً ما تذكرون))(١).
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صوَّرْناكم ثم قلنا﴾:
اختلف الناس في ((ثم)) في هذين الموضعين: فمنهم مَنْ لم يلتزم فيها ترتيباً
وجعلها بمنزلة الواو فَإِنَّ خَلْقَنا وتصويرَنا بعد قوله تعالى للملائكة ((اسجدوا)).
ومنهم مَنْ قال: هي للترتيب لا في الزمان بل للترتيب في الإِخيار، ولا طائل في
هذا. ومنهم مَنْ قال: هي للترتيب الزماني وهذا هو موضوعُها الأصلي. ومنهم
مَنْ قال: الأولى للترتيب الزماني والثانية للترتيب الإخباري. واختلفت عبارة
القائلين بأنها للترتيب في الموضعين فقال بعضهم: إنَّ ذلك على حذف
مضافين، والتقدير: ولقد خلقنا آباءكم ثم صَوَّرْنا آباءكم ثم قلنا، ويعني بأبينا
آدم عليه السلام. والترتيب الزماني هنا ظاهر بهذا التقدير. وقال بعضهم:
[٣٧٢/أ] الخطاب في ((خلقناكم وصوَّرْناكم)) لآدم عليه السلام وإنما خاطبه / بصيغة
:
الجمع وهو واحد تعظيماً له ولأنه أصلُ الجميع، والترتيب أيضاً واضح.
وقال بعضهم: المخاطبُ بنو آدم والمراد به أبوهم، وهذا من باب
الخطاب لشخصٍ والمرادُ به غيره كقوله: ((وإذ نَجَّيْناكم مِنْ آل فرعون))(٢) إلى
آخره، وإنما المُنَجَّى والذي كان يُسامُ سُوءَ العذاب أسلافُهم. وهذا مستفيضٌ
في لسانهم. وأنشدوا على ذلك قوله(٣):
وزادَتْ على ما وطَّدَتْ مِنْ مناقب
٢١٤٤ - إذا افتخرَتْ يوماً تميمٌ بقوسها
عروش الذین استرهنواقوسحاجب
فأنتم بذي قارٍ أمالَتْ سیوفُكمْ
وهذه الوقعةُ إنما كانت في أسلافهم.
(١) الآية ٣ من الأعراف.
(٢) الآية ٤٩ من البقرة:
(٣) لم أهتد إلى قائلهما. وهما في البحر ٢٧٣/٤.
٢٦٠