Indexed OCR Text
Pages 61-80
- الأنعام - ما بعده فإن بعده أفعالاً ماضية نحو: ((جعل لكم النجوم))(١)، ((وهو الذي أنشأكم)) (٢) إلى آخر الآيات، ويكون ((سكناً)): إما مفعولاً ثانياً على أن الجعل بمعنى التصيير، وإمَّا حالاً على أنه بمعنى الخلق، وتكون الحال مقدرة. وأمَّا قراءة غيرهم فجاعل يحتمل أن يكون بمعنى المضيٍّ، وهو الظاهر، ويؤيده قراءة الكوفيين، والماضي عند البصريين لا يعمل إلا مع أل خلافاً لبعضهم في مَنْعِ إعمال المعرَّف بها، وللكسائي في إعماله مطلقاً، وإذا تقرر ذلك فـ ((سَكَناً) منصوب بفعل مضمر عند البصريين، وعلى مقتضى مذهب الكسائي ينصبه به. وقد زعم أبو سعيد السيرافي أن اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يجوز أن يعمل في الثاني وإن كان ماضياً، قال: ((لأنه لَمَّا أضيف إلى الأول تعذَّرِت إضافته للثاني فتعيَّن نصبُه له)). وقال بعضهم: ((لأنه بالإِضافة أشبه المعرف بأل فعمل مطلقاً)) فعلى هذا ((سكناً)) منصوب به أيضاً، وأما إذا قلنا إنه بمعنى الحال والاستقبال فنصبُه به. و((سَكَنّ)) فَعَل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى مقبوض. قوله: ((والشمس والقمر حسباناً)) الجمهور بنصب ((الشمس)) و((القمر)) وهي واضحة على قراءة الكوفيين أي: بعطف هذين المنصوبين على المنصوبين بـ((جعل))، و((حُسْباناً)) فيه الوجهان في ((سكناً)) من المفعول الثاني والحال، وأمَّا على قراءة الجماعة فإن اعتقدنا كونه ماضياً فلا بد من إضمار فعلٍ ينصبُهما أي: وجعل الشمس، وإن قلنا إنه غير ماض فمذهب سيبويه(٣) أيضاً أن النصب بإضمار فعل، تقول: ((هذا ضاربُ زيدٍ الآن أو غداً أو عمراً» بنصب عمرو، وبفعل مقدر لا على موضع المجرور باسم الفاعل، وعلى رأي (١) الآية ٩٧. (٢) الآية ٩٨. (٣) الكتاب ٥٦/١، ٨٦/١. ٦١ - الأنعام - [٣٣٧/أ] غيره يكون النصبُ على محل المجرور، وينشدون قوله (١): / ٢٠١١ - هل أنت باعثُ دينارٍ لحاجتنا أو عبدَ رَبِّ أخاعَوْن بن مِخْراقٍ بنصب ((عبد)) وهو محتمل للمذهبين. وقال الزمخشري(٢): ((أو يعطفان على محل ((الليل)). فإن قلت: كيف يكون لـ ((الليل)) محلّ والإِضافة حقيقة لأن اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضيّ ولا تقول: زيدٌ ضاربٌ عمراً أمس؟ قلت: ما هو بمعنى الماضي، وإنما هو دالٌّ على فعل(٣) مستمر في الأزمنة . قال الشيخ (٤): ((أمَّا قوله إنما هو دالٌّ على فعل مستمر في الأزمنة، يعني فيكون عاملاً ويكون للمجرور إذ ذاك بعده موضع فيعطف عليه ((الشمس والقمر)). قال: ((وهذا ليس بصحيح، إذا كان لا يتقيد بزمن خاص، وإنما هو للاستمرار، فلا يجوز له أن يعمل، ولا لمجروره مَحَلِّ، وقد نَصُّوا على ذلك وأنشدوا على ذلك(٥) :. ٢٠١٢ - أَلْقَيْتَ كاسبهم في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ فليس الكاسب هنا مقيداً بزمان، وإذا تقيد بزمان: فإما أن يكون ماضياً دون أل فلا يعمل عند البصريين، أو بأل أو حالاً أو مستقبلاً فيعمل ويضاف على ما أُحْكِمَ في النحو. ثم قال: ((وعلى تقدير تسليم أن الذي للاستمرار (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكتاب ٨٧/١؛ والخزانة ٤٧٦/٣؛ والعيني ٥٦٣/٣؛ والجمع ١٤٥/٢؛ والدرر ٢٠٤/٢؛ والأشموني ٣٠١/٢. (٢) الكشاف ٣٨/٢. (٣) الكشاف: جَعْلٍ . (٤) البحر ١٨٧/٤. (٥) تقدم برقم ١١٥٠. ٦٢ - الأنعام - يعمل فلا يجوز العطف على محل مجروره، بل مذهبُ سيبويه(١) في الذي بمعنى الحال والاستقبال أن لا يجوز العطف على محل مجروره، بل النصبُ بفعل مقدر، لو قلت: هذا ضارب زيدٍ وعمراً لم يكن نصب ((عمراً) على المحلّ على الصحيح وهو مذهب سيبويه؛ لأن شرط العطف على الموضع مفقود وهو أن يكون للموضع مُحْرِزٌ لا يتغير، وهذا موضحٌ في علم النحو)». قلت: وقد ذكر الزمخشري(٢) في أول الفاتحة في ((مالك يوم الدين))(٣) أنه لمَّا لم يُقْصد به زمانٌ صارت إضافته محضةً فلذلك وقع صفةً للمعارف، فمِنْ لازم قوله إنه يتعرَّف بالإِضافة أن لا يعمل، لأن العامل في نية الانفصال عن الإِضافة، ومتى كان في نية الانفصال كان نكرة، ومتى كان نكرة فلا يقع صفة للمعرفة. وهذا حسن حيث يَرُدُّ عليه بقوله، وقد تقدم تحقيق هذا في الفاتحة (٤). وقرأ (٥) أبو حيوة:((والشمس والقمرِ)) جراً نسقاً على اللفظ. وقرىء شاذاً ((والشمسُ والقمرُ)) رفعاً على الابتداء، وكان مِنْ حقه أن يقرأ ((حسبانٌ)) رفعاً على الخبر، وإنما قرأه نصباً، فالخبر حينئذ محذوف تقديره: مجعولان حُسْباناً أو مخلوقان حُسْباناً. فإن قلت: لا يمكن في هذه القراءة رفع ((حسبان» حتى نُلْزِمَ القارىء بذلك؛ لأن الشمس والقمر ليسا نفس الحسبان. فالجواب: أنهما في قراءة النصب: إمَّا مفعولان أولان و ((حُسْباناً)) ثانٍ، وإمَّا صاحبا حال وحسباناً حال، والمفعول الثاني هو الأول، والحال لا بد وأن (٦) تكون صادقة على ذي الحال، فمهما كان الجواب لكم كان لنا والجواب ظاهر مما تقدم. (١) الكتاب ٥٦/١، ٨٦/١. (٢) الكشاف ٥٨/١. (٣) الآية ٤ من الفاتحة. (٤) انظر إعرابه للآية ٤ من الفاتحة. (٥) البحر ١٨٦/٤. (٦) الواو هنا مقحمة. ٦٣ - الأنعام- والحُسْبان فيه قولان، أحدهما: أنه جمع، فقيل: جمع حساب كرٍكاب ورُكبان وشِهاب وشُهبان، وهذا قول أبي عبيد(١) والأخفش(٢) وأبي الهيثم والمبرد. وقال أبو البقاء(٣): ((هو جمع حُسْبانة)) وهو غلط؛ لأن الحُسْبانة القطعة من النار، وليس المراد ذلك قطعاً. وقيل: بل هو مصدر کالرُّجْحان والنُّقْصان والخُسْرانِ، وأما الحساب فهو اسمٌ لا مصدرٌ، وهذا قول ابن السكيت. وقال الزمخشري(٤): ((والحُسْبان بالضم مصدرٌ حَسَبت يعني بالفتح. كما أن الحِسبان بالكسر يعني مصدر حَسِبْتُ بالكسر، ونظيره الكُفران: والشُكران» وقيل: بل الحُسبان والحساب مصدران وهو قول أحمد بن یحیی. وأنشد أبو عبيد عن أبي زيد في مجيء الحسبان مصدراً قوله(٥). ٢٠١٣- على الله حُسْباني إذا النفسُ أشرفَتْ على طمعٍ أو خاف شيئاً ضميرُها. وانتصاب ((حسباناً)) على ما تقدم من المفعولية أو الحالية. وقال ثعلب. عن الأخفش(٦): إنه منصوبٌ على إسقاط الخافض والتقدير: يجريان بحسبان: [٣٣٧/ ب] كقوله ((لمن خَلَقْتُ طينا)) / أي: من طين. وقوله: ((ذلك)) إشارةً إلى ما تقدم من الفَلْقِ أو الجعل أو جميعٍ ما تقدَّم من الأخبار في قوله ((فالق الحَبِّ)) إلى: ((حُسْبانا)) . آ. (٩٧) وقوله تعالى: ﴿جعل لكم النجومَ﴾: الظاهر أن ((جعل] (١) لعله أبو عبيدة لأنه وارد في المجاز ٢٠١/١. (٢) معاني القرآن ٢٨٢/٢. (٣) الإملاء ١/ ٠٢٥٤ (٤) الكشاف ٣٨/٢. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: حسب. (٦) معاني القرآن ٢٨٢/٢. (٧) الآية ٦١ من الإِسراء. ٦٤ - الأنعام - بمعنى خلق فتكون متعديةً لواحد، و((لكم)) متعلق بـ ((جَعَلَ)) وكذا ((لتهتدوا)). فإن قيل: كيف يتعلَّق حرفا جر متَّحدان في اللفظ والمعنى؟ فالجواب أن الثاني بدلٌ من الأول بدلُ اشتمال بإعادة العامل، فإن «لیھتدوا)» جار ومجرور، إذ اللام لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار ((أن)) عند البصريين وقد تقدَّم تقريره. والتقدير: جعل لكم النجوم لاهتدائكم، ونظيره في القرآن ((لَجَعَلْنا لِمن يَكْفُر بالرحمن لِبيوتهم))(١) فـ ((لبيوتهم)) بدلٌ من ((لمن يكفر)) بإعادة العامل، وقال ابن عطية(٢): ((وقد يمكن أن يكون بمعنى ((صيِّر)) ويقدَّر المفعول الثاني من لتَهْتدوا، أي: جعل لكم النجوم هداية)). قال الشيخ(٣): ((وهو ضعيفٌ لندور حَذْفِ أحد مفعولي ظنَّ وأخواتها)) قلت: لم يَدَّع ابنُ عطيّة حذف المفعول الثاني حتى يجعله ضعيفاً إنما قال: إنه مِنْ ((لتهتدوا)) أي: فيُقَدَّر متعلق الجار الذي وقع مفعولاً ثانياً كما يُقدَّر في نظائره والتقدير: جعل لكم النجوم مستقرة أو كائنة لاهتدائكم. وأمَّا قوله: ((أي جَعَل لكم النجومَ هدایةً))فلإيضاح المعنى وبيانه. والنجوم معروفة وهي جمع نجم، والنجم في الأصل مصدر يقال: نَجَم الكوكبُ ينجُمُ نَجْماً ونُجوماً فهو ناجم، ثم أُطلق على الكوكب مجازاً، فالنجم يستعمل مرة اسماً للكوكب ومرة مصدراً، والنجوم تستعمل مرة للكواكب وتارة مصدراً ومنه: نَجَمَ النبت أي: طَلَع، ونَجَم قرن الشاة وغيرها، والنجم من النبات ما لا ساق له، والشجرُ ما له ساق، والتنجيم: التفريق، ومنه نجوم الكنانة (٤) تشبيهاً بتفرق الكواكب. (١) الآية ٣٣ من الزخرف. (٢) المحرر ١١٦/٦. (٣) البحر ١٨٨/٤. (٤) كنانة السهام: جَعْبة من جلد. ٦٥ - الأنعام - آ. (٩٨) قوله تعالى: ﴿فمستقر﴾: قرأ ابن كثير (١) وأبو عمرو بكسر القاف، والباقون بفتحها، وأمَّا ((مُسْتَوْدَع)) فالكلُّ قرأه مفتوحَ الدال، وقد روى الأعور (٢) عن أبي عمرو بن العلاء كسرها. فَمَنْ كسر القاف جعل ((مستقرًّاً)) اسم فاعل، والمراد به الأشخاص وهو مبتدأ محذوف الخبر أي: فمنكم مستقر: إمَّا في الأصلاب أو البطون أو القبور، وعلى هذه القراءة تتناسق ((ومستودع)) بفتح الدال. وجوَّز أبو البقاء(٣) في ((مستقِر)) بكسر القاف أن يكون مكاناً وبه بدأ قال(٣): ((فيكون مكاناً يستقر لكم)) انتهى، يعني: والتقدير: ولكم مكان يُستقر. وهذا ليس بظاهرِ البتّةَ، إذ المكان لا يوصف بكونه مستقراً بكسر القاف بل بكونه مُسْتَقَرَّاً فيه. وأمَّا مستودَع بفتحها فيجوز أن يكون اسم مفعول، وأن يكون مكاناً، وأن يكون مصدراً، فيقدر الأول: فمنكم مستقر في الأصلاب ومستودع في الأرحام، أو مستقر في الأرض ظاهراً ومستودع فيها باطناً، ويقدر للثاني: فمنكم مستقر ولكم مكان تستودعون فيه، ويقدر للثالث: فمنكم مستقر ولكم استيداع. وأمّا مَنْ فتح القاف فيجوز فيه وجهان فقط: أن يكون مكاناً، وأن يكون مصدراً أي: فلكم مكان تستقرون فيه وهو الصُّلب أو الرحم أو الأرض، أو لكم استقرار فيما تقدم، وينقص أن يكون اسم مفعول لأن فعله قاصر لا يُبْنى منه اسم مفعول بخلاف مستودع حيث جاز فيه الأوجه الثلاثة. وتوجيه قراءة أبي عمرو في رواية الأعور عنه في ((مستودع)) بالكسر على أن يُجعل الإِنسانُ كأنه مُسْتَوْدِعُ رزقِه وأجله، حتى إذا نَفِدا كأنه ردَّهما (١) انظر: السبعة ٢٦٣؛ الكشف ٤٤٢/١؛ النشر ٢٥١/٢؛ الحجة ٢٦٢؛ البحر ١٨٨/٤. (٢) هارون بن موسى الأعور، له قراءة معروفة، روى عن عاصم الجحدري وأبي عمرو. توفي قبل المئتين. انظر: طبقات القراء ٣٤٨/٢. (٣) الإملاء ١ /٢٥٤. ٦٦ - الأنعام - وهو مجاز حسن، ويقوِّي ما قلته قولُ الشاعر(١): ٢٠١٤ - وما المالُ والأهلون إلا وديعةٌ ولا بُدَّ يوماً أن تُرَدَّ الودائعُ / والإِنشاء: الإِحداث والتربية، ومنه: إنشاء السحاب، وقال تعالى: [٣٣٨/أ] (أَوَمَنْ يُنَشَّأ في الحِلْية)) (٢) فهذا يُراد به التربية، وأكثر ما يستعمل الإِنشاء في إحداث الحيوان، وقد جاء في غيره، قال تعالى: ((ويُنْشِىء السحابَ الثِّقال)(٣). والإِنشاءُ: قسيمُ الخبر، وهو ما لم يكن له خارجٌ، وهل هو مندرجٌ في الطلب أو بالعكس أو قسم برأسه؟ خلافٌ، وقيل : - على سبيل التقريب - مقارنة اللفظ لمعناه. وقال الزمخشري(٤): ((فإن قلت: فَلِمَ قيل ((يعلمون)) مع ذكر النجوم، و((يفقهون)) مع ذِكْرِ إنشاء بني آدم؟ قلت: كأن إنشاء الإِنس من نفس واحدة وتصريفهم على أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعةً وتدبيراً، فكان ذِكْرُ الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيقُ نظر مطابقاً له)). آ. (٩٩) قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَ جْنا﴾: فيه التفاتُ من غَيْبة إلى تكلم بنون العظمة، والباء في ((به)) للسببية، وقوله ((نبات كل شيء)) قيل: المراد كل ما تسمَّى نباتاً في اللغة. وقال الفراء(٥): ((رزق كل شيء أي: ما يصلحُ أن يكون غذاءً لكل شيء فيكون مخصوصاً بالمتغذّى به)). وقال الطبري(٦): (هو جميع ما ينمو من الحيوان والنبات والمعادن؛ لأنَّ كل ذلك يتغذّى بالماء)) ويترتب على ذلك صناعة إعرابية، وذلك أنَّا إذا قلنا بقولٍ غيرِ الفراء كانت (١) البيت للبيد وهو في ديوانه ٨٩؛ وأسرار البلاغة ١٣٦. (٢) الآية ١٨ من الزخرف. (٣) الآية ١٢ من الرعد. (٤) الكشاف ٣٩/٢. (٥) معاني القرآن ٣٤٧/١. (٦) تفسير الطبري ١١/ ٥٧٣. ٦٧ - الأنعام - الإضافة راجعةً في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، إذ يصير المعنى على ذلك: فأخرَجْنا به كلَّ شيءٍ منَبَت فإن النبات بمعنى المُنْبَتِ، وليس مصدراً كهو في ((أنبتكم من الأرض نباتً)(١) وإذا قلنا بقول الفراء كانت الإِضافة إضافةً بين متباينين، إذ يصير المعنى: غذاء كل شيء أو رزقه، ولم ينقل الشيخ (٢) عن الفراء غيرَ هذا القول، والفراء له في هذه الآية القولان المتقدمان فإنه قال(٣): ((رزق كل شيء)) قال: ((وكذا جاء في التفسير وهو وجه الكلام، وقد يجوز في العربيّة أن تضيف النبات إلى كل شيء، وأنت تريد بكل شيء النبات أيضاً، فيكون مثل قوله ((حق اليقين))(٤) واليقين هو الحق)). قوله: ((فأخرَجْنا منه)) في الهاء وجهان أحدهما: أن تعود على النبات وهذا هو الظاهر ولم يذكر الزمخشري(٥) غيره، وتكون ((مِنْ)) على بابها مِنْ كونها لابتداء الغاية أو تكون للتبعيض، وليس بذلك. والثاني: أن تعود على الماء وتكون ((مِنْ)) سببية، وذكر أبو البقاء(٦) الوجهين فقال: ((وأخرجنا منه أي: بسببه. ويجوز أن تكون الهاء في ((منه)) راجعة على النبات وهو الأشبه، وعلى الأول يكون ((فأخرجنا)) بدلاً من ((أخرجنا)) الأول)). أي إنه يُكتفى في المعنى بالإِخبار بهذه الجملة الثانية وإلا فالبدل الصناعي لا يظهر، والظاهر أنَّ ((فأخرجنا)) عطف على ((فأخرجنا)) الأول. وقال الشيخ(٧): ((وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلاً مِنْ فأخرجنا». قلت: إنما جعله بدلاً بناء على عود الضمير في (منه)» على الماء فلا يصحُّ أن يحكى عنه أنه جعله بدلاً مطلقاً؛ لأن البدلية لا تُتُصَوَّرُ على جعل الهاء في ((منه)) عائدة على النبات. (١) الآية ١٧ من نوح. (٢) البحر ١٨٩/٤. (٣) معاني القرآن ٣٤٧/١. (٤) من الآية ٩٥ من الواقعة. (٥) الكشاف ٣٩/٢. (٦) الإملاء ٢٥٤/١. (٧) البحر ١٨٩/٤. ٦٨ - الأنعام- والخَضِر بمعنى الأخضر كَعَوِر وأعور. قال أبو إسحاق(١) ((يقال اخضَرَّ يخضرُّ فهو خَضِر وأخضر كاعوّر فهو عَوِرٌ وأعورُ)» والخُضْرة أحدُ الألوان وهي بين البياض والسواد لكنها إلى السواد أقرب، ولذلك أُطلق الأسود على الأخضر وبالعكس، ومنه ((سَواد العراق)) لخضرة أرضه بالشجر. وقال تعالى: (مُذْهاَمَّتان))(٢) أي: شديدتا السواد لربِّهما. والمخاضرة: مبايَعَةُ الخُضَر والثمار قبل بلوغها، والخَضِيرة(٣) نخلةٌ ينتثر بُسْرُها أخضرَ. وقوله عليه السلام (٤): ((إياكم وخضراءَ الدِّمَن)) فقد فسَّره هو عليه السلام بقوله: ((المرأة الحسناء في المنبت السوء)» والدِّمَن: مطارحُ الزُّبالة وما يُسْتَقْذر، فقد ينبت فيها ما يستحسنه الرائي . قوله: ((نُخْرج منه)) أي: من الخَضِر. والجمهور على (نُخْرج)) مسنداً إلى ضمير المعظم نفسه. وقرأ (٥) ابن محيصن والأعمش ((يخرج)) بياء الغيبة مبنياً للمفعول، ((حَبِّ)) قائم مقام فاعله، وعلى كلتا القراءتين تكون الجملة صفة لـ ((خَضِراً)) وهذا هو الظاهر، وجوَّزوا فيها أن تكون مستأنفةً، ومتراكب رفعاً ونصباً صفة لـ (حَبّ)) بالاعتبارين. قوله: ((ومن النخل مِنْ / طلعها قِنْوان)) يجوز في هذه الجملة أوجه، [٣٣٨/ب] أحدها : - وهو أحسنها - أن يكون ((من النخل)) خبراً مقدماً، و((من طَلْعِها)) بدل بعض من كل بإعادة العامل فهو كقوله: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوةً حسنة لِمَنْ كان يرجو الله)) (٦) و((قِنْوان)) مبتدأ مؤخر، وهذه جملةٌ ابتدائية (١) معاني القرآن ٣٠٢/٢. وأبو إسحاق هو الزجاج. (٢) الآية ٦٤ من الرحمن. (٣) انظر: الصحاح ((خضر). (٤) قال في كشف الخفاء ٣١٩/١: ((رواه الدارقطني في الأفراد والرامهرمزي والعسكري وابن عدي، وذكره صاحب ((تحفة العروس)) عن عمر موقوفاً. (٥) البحر ١٨٩/٤. (٦) الآية ٦ من الممتحنة. ٦٩ - الأنعام - عُطِفَتْ على الفعلية قبلها. والثاني: أن يكونَ ((قِنْوان)) فاعلًا بالجار قبله وهو من النخل، و((من طلعها)) على ما تقدم من البدلية، وذلك على رأي الأخفش. الثالث: أن تكون المسألة من باب التنازع، يعني أن كلاً من: الجارَّيْن يطلب قنواناً على أنه فاعل على رأي الأخفش: فإن أعملت الثاني وهو مختار قول البصريين(١) أضمرت في الأول، وإن أَعْمَلْتَ الأول - كما هو مختار قول الكوفيين - أضمرت في الثاني، قال أبو البقاء(٢): (والوجه الآخر أن يرتفع ((قِنْوان)) على أنه فاعل ((من طلعها)) فيكون في ((من النخل)) [ضميرٌ يفسره قنوان](٣) وإن رفعت ((قنوان)) بقوله ((ومن النخل)) على قول مَنْ أعمل أول الفعلين جاز، وكان في ((من طلعها)) ضمير مرفوع)). قلت: فقد أشار بقوله ((على أنه فاعل ((من طلعها)) إلى إعمال الثاني. الرابع: أن يكون ((قنوان)) مبتدأ و((من طلعها)) الخبر، وفي ((من النخل)) ضمير تقديره: ونبت من النخل شيء أو ثمر فيكون ((من طلعها)) بدلاً منه. قاله أبو البقاء(٤)، وهذا كلامٌ لا يَصِحُّ لأنه بعد أن جعل ((مِنْ طلعها)) الخبر فكيف يُجْعل بدلاً؟ فإن قيل: يجعله بدلاً منه لأن ((من النخل)) خبر للمبتدأ . فالجواب أنه قد قَدَّم هذا الوجه وجعله مقابلاً لهذا فلا بد أن يكون هذا غيرَه، فإنه قال : قبل ذلك: «وفي رفعه وجهان أحدهما: هو مبتدأ وفي خبره وجهان، أحدهما هو ((من النخل)) ومن طَلْعِها بدل بإعادة الجار)). قال الشيخ(٥): ((وهذا إعراب: فيه تخليط)). (١) انظر المسألة في: الإنصاف ٤١٤/١. (٢) الإملاء ٢٥٥/١. (٣) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من ي، وقوله ((يفسره)) جاء في الإِملاء: (تفسيره). (٤) الإملاء ٢٥٥/١. (٥) البحر ٤ /١٩٠. ٧٠ - الأنعام - الخامس: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ((أخرجنا)) عليه تقديره: ومخرجةٌ من طلع النخل قنوان)) هذا نص الزمخشري(١)، وهو - كما قال الشيخ(٢) - لا حاجة إليه؛ لأن الجملة مستقلة في الإِخبار بدونه. السادس: أن يكون ((من النخل)) متعلقاً بفعل مقدر، ويكون ((من طلعها قنوان)) جملة ابتدائية في موضع المفعول بـ((نخرج)). وإليه ذهب ابن عطية (٣) فإنه قال: ((ومن النخل تقديره: ((ونُخْرِجُ من النخل)) و((من طلعها قنوان)) ابتداء خبره مقدم، والجملة في موضع المفعول بـ ((نخرج)) قال الشيخ(٤): ((وهذا خطأ لأنَّ ما يتعدَّى إلى مفعول واحد لا تقع الجملة في موضع مفعوله، إلا إذا كان الفعل مما يُعَلَّق، وكان في الجملة مانعٌ يمنع من العمل في شيء من مفرداتها على ما شُرِحَ في النحو، و ((نُخْرِج)) ليس ممَّا يُعَلَّق، وليس في الجملة ما يمنع من العمل في مفرداتها، إذ لوسُلِّط الفعلُ على شيء من مفردات الجملة لكان التركيب ((ونخرج من النخل مِنْ طَلْعِها قنواناً)) بالنصب مفعولاً به. وقال الشيخ(٥): ((ومن قرأ: ((يُخْرَج منه حب متراكب)) جاز أن يكون قوله ((ومن النخل مِنْ طلعها قنوان)) معطوفاً عليه نحو: ((يُضرب في الدار زيد وفي السوق عمرو)) أي أنه يُعطف ((قنوان)) على ((حب))، و((من النخل)) معطوف على ((منه)) ثم قال: ((وجاز أن يكون مبتدأ وخبراً وهو الأوجه)» والقِنْوان: جمع لـ ((قِنْ)) كالصِنْوان جمع لصِنْو، والقِنْوُ: العِذْق بكسر العين وهو عنقودُ النخلة، ويقال له الكِباسة، قال امرؤ القيس (٦): (١) الكشاف ٣٩/٢. (٢) البحر ٤ /١٩٠. (٣) المحرر ١١٨/٦. (٤) البحر ١٨٩/٤. (٥) البحر ٤ /١٩٠. (٦) تقدم برقم ١٧٤٦ . ٧١ - الأنعام - ٢٠١٥ - وفَرْعِ يُغَشِّيِ المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ أثيثٍ كقِنْو النخلة المُتَعَفْكِلِ. وقال أيضاً(١): ٢٠١٦ - سوامِقُ جَبَّارٍ أَثِيثٍ فروعُه وعالَيْنَ قِنْواناً من البُسْر أحمرا والقنوان: جمع تكسير قال أبو علي: ((الكسرة التي في قِنْوان ليست التي كانت في قِنْو لأن تلك حذفت في التكسير وعاقبتها کسرة أخری کما قُدِّر تغيير كسرة ((هِجان))(٢) جمعاً عن كسرته مفرداً، فكسرة هِجان جمعاً ككسرة. ظراف)). قال الواحدي: ((وهذا مما توضحه الضمة في آخر ((منصور)) على [٣٣٩/أ] قولِ مَنْ قال ((يا حارُ)) يعني بالضمة ليست التي كانت فيه / في قول مَنْ قال ((يا حارِ) يعني بالكسر)) (٣). وفيه لغات: فلغةُ الحجاز ((قِنْوان)) بكسر القاف، وهي قراءة (٤) الجمهور. وقرأ الأعمش والحباب عن أبي عمرو والأعرج بضمِّها، ورواها السلمي عن علي بن أبي طالب، وهي لغة قيس، ونقل(٥). ابن عطية عكس هذا فجعل الضمَّ لغةً الحجاز فإنه قال: ((وروي عن الأعرج ضم القاف على أنه جمع ((قُنو)) بضمِّ القاف))، قال الفراء(٦): ((وهي لغة قيس وأهل الحجاز، والكسرُ أشهر في العرب)). واللغة الثالثة: قَنْوان بفتح القاف وهي قراءة أبي عمرو في رواية هارون عنه. وخرّجها ابن جني (٧) على أنها اسم جمع لقِنْو لا جمعاً إذ ليس في صيغ (١) تقدم برقم ٣١٢. (٢) الهجان: الكريمة من الإِبل. (٣) يعني أننا حين نرخّم منصور بقولنا: منصُ فإن الضمة فيه على لغتي الترخيم: من ينتظر ومن لا ينتظر تختلف الواحدة منهما عن الأخرى في الفرض والتقدير. (٤) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٢٣/١؛ والبحر ٤/١٨٩؛ الشواذ ٣٩. (٥) المحرر ١١٨/٦. (٦) ليس في «معاني القرآن)). (٧) المحتسب ٢٢٣/١. ٧٢ - الأنعام - الجموع ما هو على وزن فَعْلان بفتح الفاء، ونظّره الزمخشري(١) برَكْب، وأبو البقاء(٢) بالباقر، وتنظير أبي البقاء أولى لأنه لا خلاف في الباقر أنه اسم جمع، وأمَّا رَكْب ففيه خلاف لأبي الحسن (٣) مشهور، ويدل على ذلك أيضاً شيء آخر وهو أنه قد سُمِعَ في المفرد كَسْرُ القاف وضمها فجاء الجمع عليهما. وأمَّ الفتح فلم يَرِدْ في المفرد. واللغة الرابعة قُنيان بضم القاف مع الياء دون الواو. والخامسة: قِنْيان بكسر القاف مع الياء أيضاً، وهاتان لغتا تميم وربيعة. وأما المفرد فلا يقولونه بالياء أصلاً بل بالواو سواء كسروا القاف أم ضمُّوها، فلا يقولون إلا قِنواً وقُنوا، ولا يقولون قِنيا ولا قُنيا، فخالف الجمعُ مفرده في المادة وهو غريب. واختلف في مدلول ((القِنْو)) فقيل: هو الجُمَّار(٤) وهذا يكاد يكون غلطاً، وكيف يُوْصَفُ بكونه دانياً أي: قريب الجنى، والجُمَّار إنما هو في قلب النخلة، والمشهور أنه العِذْق كما تقدم ذلك. قال أبو عبيد: ((وإذا ثَنِّيْتَ قِنْواً قلت: قِنوان بكسر النون، ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل: صِنْوٌ وصنوان، والإِعراب على النون في الجمع، وليس لهما في كلام العرب نظير)) قال(٥). ومالَ بقِنْوانٍ مِنَ الْبُسْرِ أحمرا ٢٠١٧_ قلت: إذا وُقف على ((قنوان)) المثنى رفعاً وعلى ((قنوان)) جمعاً وقع الاشتراك اللفظي، ألا ترى أنك إذا قلت: ((عندي قنوان)) وقفاً احتمل ما ذكرته من التثنية والجمع، فإذا وصلت وقع الفرق فإنك تجعل الإِعراب على النون (١) الكشاف ٣٩/٢. (٢) الإملاء ٢٥٥/١. (٣) عَدَّها في ((معاني القرآن)» له جمعاً. انظر: معاني القرآن ٥٠٤. (٤) الجمار: شحم النخلة . (٥) تقدم برقم ٢٠٠٩ .. ٧٣ - الأنعام - حالَ جمعه كغِربان وصِرْدان(١) بكسر النون في التثنية . ويقع الفرق أيضاً بوجوهٍ أُخَرَ منها: انقلاب الألف ياءً نصباً وجراً في التثنية نحو: رأيت قنويك وصنویك ومررت بقنویك وصنويك، ومنها: حذف نون التثنية إضافةً وثبوت النون في الجمع نحو: جاء قنواك وصنواك وقنوانك وصنوانك، ومنها: في النسب فإنك تحذف علامتي التثنية فتقول: قِنْوَيّ وصِنْوَي، ولا تحذف الألف ولا النون إذا أردت الجمع بل تقول. قِنْوانِيّ وصِنْواني، وهذان اللفظان في الجمع تكسيراً يشبهان الجمع تصحيحاً وذلك أن كلَّ منهما لحق آخره علامتان في حال الجمع مزيدتان ولم يتغيَّرْ معها بناء الواحد، والفرق ما قدَّمْتُهلك، وأيضاً فإن الجمع مِنْ قنوان وصنوان، إنَّما فهمناه من صيغة فِعْلان لا من الزيادتين، بخلاف الزيدين، فإن الجمع فهمناه منهما، وهذا الفصل الذي ذكرْتُه مِنْ محاسن علم الإِعراب والتصريف واللغة . وقال الراغب(٢): بعد أن ذَكّرَ أنه العِذْق: ((والقَناةُ تشبه القِنْوَ في كونهما غصنين، وأما القناة التي يجري فيها الماء قيل لها ذلك لأنها تشبه القناة في الخط والامتداد، وقيل: أصلها مِنْ قَنَيْتُ الشيء إذا ادَّخَرْتَه لأنها مُدَّخِرَةً [٣٣٩/ب] للماء. وقيل: هو مِنْ قاناه أي: خالطه، قال(٣) - يعني امرأ القيس - /: ٢٠١٨ - كبِكْرِ مُقاناةِ البياضِ بصُفْرَةٍ غَذَاها نُمَيْرُ الماءِ غيرَ مُحَلَّلِ وأمَّا ((القنا)) الذي هو الاحْدِيْداب في الأنف فيشبّه في الهيئة بالقنا يقال: رجل أقنى وامرأة قنْواء كأحمر وحمراء)». والطّلع: أول ما يخرج من النخلة في أكمامه. قال أبو عبيد: ((الطَّلْعُ: الكُفُرَّى قبل أن تنشقَّ عن الإِغريض (١) الصرد: نوع من الطير. (٢) المفردات ٤١٤. (٣) ديوانه ١٦. البكر: البيضة الأولى من النعام، المقاناة: المخالطة، النمير: الماء العذب، غير محلل: لم يُنزل عليه فيكدّر. ٧٤ - الأنعام - والإِغريض يسمى طَلْعاً يقال: أطلعت النخلة إذا أخرجت طَلْعَها، تطلُع إطلاعاً وطلع الطلع يَطْلُع طلوعاً ففرقوا بين الإِسنادين. وأنشدني بعضهم في مراتب ما تثمره النخلة قول الشاعر: أسماءَ ما تُثْمِرُه النخيلُ ٢٠١٩ - إن شِئْتَ أن تَضْبِطَ يا خَليلُ طَلْعٌ وبعده خلال يظهر فاسمَعْه مَوْصوفاً على ما أذكرُ ورُطَب تجنيه ثم تَمْرُ وبَلَحْ ثم يليه بُسْرُ مضبوطةً عن صاحب الصِّحاح(١) فهذه أنواعُها يا صاحِ قوله: ((وجنَّات)) الجمهور على كسر التاء من ((جنات)) لأنها منصوبة نسقاً على نبات أي: فأخرجنا بالماء النبات وجنات، وهو من عطف الخاص على العام تشريفاً لهذين الجنسين على غيرهما كقوله تعالى: ((وملائكته ورسله وجبريل وميكال))(٢) وعلى هذا فقوله «ومن النخل مِنْ طلعها قنوان)) جملةٌ معترضة وإنما جيء بهذه الجملة معترضة، وأبرزت في صورة المبتدأ والخبر تعظيماً للمِنَّة به؛ لأنه من أعظم قوت العرب؛ لأنه جامع بين التفكُّه والقوت، ويجوز أن ينتصب ((جنات)) نسقاً على ((خضراً)). وجوِّز الزمخشري(٣) - وَجَعَلَهُ الأحسنَ - أن ينتصب على الاختصاص كقوله ((والمقيمي الصلاة))(٤) قال: ((بفضلِ هذين الصنفين)) وكلامُهُ يُفْهم أن القراءة الشهيرة عنده برفع ((جنات))، والقراءة بنصبها شاذة، فإنه أولُ ما ذكر(٥) توجيهُ الرفع كما سيأتي، ثم قال: ((وقرىء ((وجنات)) بالنصب)) فذكر الوجهين المتقدمين. وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم (١) قال صاحب الصحاح ((خلل)): الخلال: البلح. ولم أقف على الأبيات في موردٍ آخر. (٢) الآية ٩٨ من البقرة. (٣) الكشاف ٤٠/٢. (٤) الآية ٣٥ من الحج. (٥) العائد إلى الاسم الموصول محذوف أي ذكره، وتوجيه خبر « أولُ)). ٧٥ - الأنعام - ((وجنات)) بالرفع وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. واختلفت عبارة المعربين في تقديره: فمنهم مَنْ قَدَّره متقدَّماً، ومنهم من قَدَّره متأخراً، فقدَّره الزمخشري(١) متقدماً أي: وثَمَّ جنات، وقدَّره أبو البقاء (٢) ((ومن الكرم جنات))، وهذا تقدير حسن لمقابلة قوله ((ومن النخل)» أي: من النخل كذا ومن الكرم كذا، وقَدَّره النحاس(٣) ((ولهم جنَّات))، وقدَّره ابن عطية (٤): ((ولكم جنات))، ونظيره قراءة ((وحورٌ عين)» (٥) بعد قوله: ((يطوف عليهم وِلْدانٌ مخلدون بأكواب)) أي: ولهم حورٌ عين، ومثل هذا اتَّفَقَ على جوازه سيبويهِ والكسائي والفراء. وقدَّره (٦) متأخراً فقال: أي وجنات من أعناب أخرجناها. قال الشيخ (٧): ((ودل على تقديره [قوله] قبلُ ((فأخرجنا)) كما تقول: أكرمت عبدالله وأخوه أي: وأخوه أكرمته)). قلت: وهذا التقدير سبقه إليه ابن الأنباري، فإنه قال: ((الجناتُ)) رُفِعت بمضمر بعدها تأويلها: وجناتٌ من أعناب أخرجناها، فجرى مَجْرَى قول العرب: ((أكرمت عبدالله وأخوه)) تريد: وأخوه أكرمته. قال الفرزدق(٦): ٢٠٢٠ - غداةَ أُحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ حصينِ عَبيطاتِ السَّدائِفِ والخمرُ (١) الكشاف ٤٠/٢. (٢) الإملاء ٢٥٥/١. (٣) إعراب القرآن ١/ ٥٦٩. (٤) المحرر ١١٨/٦. (٥) الآية ١٧ من الواقعة، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالرفع، وحمزة والكسائي بالخفض السبعة ٦٢٢. (٦) أصل العبارة بخط المؤلف: ((وَقَدَّره الزمخشري متأخراً فقال)) ثم تبين له أن هذا القول ليس للزغشري، فشطب على الزمخشري ولم يصلح من شأن العبارة، والأوضح أن تكون «وقُدِّرَ متأخراً، أي: )). (٧) البحر ١٩٠/٤. (٨) ديوانه ٣١٧؛ والإنصاف ١٨٧؛ وابن يعيش ٣٢/١؛ والتصريح ٢٤٧/١. العبيطة: السمينة الفتية، والسديف: السَّنام المقطع. ٧٦ - الأنعام - فرفع ((الخمر)) وهي مفعولة، على معنى: والخمر أَحَلَّها الطعنة. الوجه الثاني: أن يرتفع عطفاً على ((قنوان))، تغليباً للجوار، كما قال الشاعر(١): وزجِّجْنَ الحواجبَ والعيونا ٢٠٢١_ فنسق ((العيون)) على ((الحواجب)) تغليباً للمجاورة، والعيونُ لا تُزَجِّج، كما أن الجنات من الأعناب لا يَكُنَّ من الطَّلْع، هذا نصُّ مذهب ابن الأنباري أيضاً، فتحصَّل له في الآية مذهبان، وفي الجملة فالجواب ضعيف، وقد تقدم أنه من خصائص النعت. والثالث: أن يعطف على ((قنوان)). قال الزمخشري(٢): ((على معنى: محاطة أو مُخْرجة من النخل قنوان، وجنات من أعناب أي: من نبات أعناب. قال الشيخ (٣): ((وهذا العطفُ هو على أن لا يُلْحَظَ فيه قيدٌ من النخل فكأنه قال: ومن النخل قنوان دانية وجنات من أعناب حاصلة كما تقول: ((من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش منطلقان)). قلت: وقد ذكر الطبري (٤) أيضاً هذا الوجه أعني عطفها على ((قنوان))، وضعَّفه ابن عطية، كأنه لم يظهر له ما ظهر لأبي القاسم من المعنى المشار إليه، ومنع أبو البقاء(٥) عطفه على ((قنوان)) قال: ((لأن العنب لا يخرج من النخل)). وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة. قال أبو حاتم: ((هذه القراءة محال؛ لأن الجنات من الأعناب. لا تكون من النخل)). قلت: أمَّا جواب أبي البقاء فبما قاله الزمخشري، وأمَّا جوابُ أبي عبيد وأبي حاتم فبما تقدم من توجيه الرفع. و((من أعناب)) صفة لجنات فتكون في محل رفع ونصب بحسب القراءتين، وتتعلق بمحذوف. (١) تقدم برقم ١٢٩٥. (٢) الكشاف ٤٠/٢ (٣) البحر ٤ /١٩٠. (٤) تفسير الطبري ٥٧٥/١١ . (٥) الإملاء ٢٥٥/١. ٧٧ - الأنعام - قوله: ((والزيتونَ والرمَّانَ)) لم يقرأهما أحد إلا منصوبين، ونصبهما: إمَّا عطفٌ على جنات وإمّا على نبات، وهذا ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال(١): ((وقرىء ((وجنات)) بالنصب عطفاً على ((نباتَ كل شيء)) أي: وَأَخْرَجْنا به جناتٍ [٣٤٠/أ] من أعناب، / وكذلك قوله: والزيتونَ والرُّمَّان)). ونصَّ أبو البقاء(٢) على ذلك فقال: ((وجنات بالنصب عطفاً على نبات، ومثله: الزيتونَ والرمانَ)) وقال ابن عطية(٣): ((عطفاً على ((حَبّ)). وقيل على ((نبات)) وقد تقدم لك أن في المعطوف الثالث فصاعداً احتمالين (٤)، أحدهما: عطفه على ما يليه، والثاني: عطفه على الأول نحو: مررت بزيدٍ وعمروٍ وخالد، فخالد يحتمل عطفه على زيد أو عمرو، وقد تقدم أن فائدة الخلاف تظهر في نحو: ((مررت بك: وبزيد وبعمرو)) فإن جعلته عطفاً على الأول لَزِمَت الباء وإلَّ جازت. والزيتون وزنه فَيْعُول فالتاءُ مزيدةً (٥)، والنون أصلية لسقوط ذيك في الاشتقاق وثبوت ذي(٦)، قالوا: أرض زَتِنَة أي كثيرة الزيتون، فهو نظير قيصوم (٧)، ولأنَّ فَعْلولاً مفقودٌ أو نادر، ولا يُتَوَهِّم أن تاءَه أصلية ونونَه مزيدة بدلالة الزيت فإنهما مادتان متغايرتان، وإن كان الزيت معتصراً منه، ويقال: زات طعامه أي: جعل فيه زيتاً، وزاتَ رأسَه أي: دَهَنَه به، وازْدات؛ أي ادَّهن أُبْدلت تاء الافتعال دالاً بعد الزاي كازدجر وازدان. والرُّمَّان وزنه فُعَّال (١) الكشاف ٤٠/٢. (٢) الإملاء ٢٥٥/١. (٣) المحرر ١١٩/٦. (٤) الأصل: احتمالان وهو سهو. (٥) الأصل: «مزید» وهو سهو. (٦) انظر المسألة في: الممتع في التصريف ١٢٥/١. (٧) القيصوم: نبت مُرُّ الزهر. ٧٨ - الأنعام - نونه أصلية فهو نظير عُنَّب(١) وحُمَّاض (٢) لقولهم: أرض رَمِنَةٌ أي: كثيرتُه . قوله: ((مُشْتَبِها)) حال: إمَّا من ((الرمان)) لقربه، وحذفت الحال من الأول تقديره: والرمان مشتبهاً، ومعنى التشابه أي في اللون، وعدم التشابه أي في الطعم. وقيل: هي حال من الأول وحذفت حال الثاني، وهذا كما تقدم لك في الخبر المحذوف، نحو: ((واللَّهُ ورسوله أحقُّ أن يُرْضوه))(٣) وإلى هذا نحا الزمخشري (٤) فإنه قال: ((والزيتون مشتبهاً وغير مشتبه والرمان كذلك كقوله(٥): ٢٠٢٢- رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي بريئاً قال الشيخ: ((فعلى قوله يكون تقدير البيت: كنت منه بريئاً ووالدي كذلك أي: بريئاً، والبيت لا يتعين فيه ما ذَكَرَ؛ لأن بريئاً على وزن فعيل كصديق ورفيق، فيصحُّ أن يُخْبَرَ به عن المفرد والمثنى والمجموع، فيحتمل أن يكون ((بريئاً) خبر (كان)) على اشتراك الضمير(٦) والظاهر المعطوف عليه فيه(٧)، إذ يجوز أن يكون خبراً عنهما(٨)، ولا يجوز أن يكون(٩) حالاً منهما، إذ لو كان لكان التركيب مشتبهين وغير مشتبهين)). قال أبو البقاء (١٠): ((حال من الرمان ومن (١) العناب: ضرب من الثمر. (٢) الحماض: ضرب من العشب. (٣) الآية ٦٢ من التوبة. (٤) الكشاف ٤٠/٢. (٥) تقدم برقم ١٠٧٩. (٦) أي التاء في كنت. (٧) أي في الخبر. (٨) أي قوله ((بريئاً)) خبر عن التاء ووالدي، وجاز هذا العطف لوجود فاصل. (٩) أي في الآية ((مشتبها)). (١٠) الإملاء ٢٥٥/١. ٧٩ - الأنعام - الجميع))، فإن عنى في المعنى فصحيح ويكون على الحذف كما تقدَّم، وإن أراد في الصناعة فليس بشيء لأنه كان يلزم المطابقة . والجمهور على ((مشتبهاً)) وقرىء(١) شاذاً متشابهاً وغير متشابه كالثانية، وهما بمعنى واحد. قال الزمخشري (٢): ((كقولك: اشتبه الشيئان وتشابها كاستويا وتساويا. والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً)). انتهى. وأيضاً فقد جَمَعَ بينهما في هذه الآية في قوله ((مشتبهاً وغير متشابه)). قوله: ((إلى ثمره)) متعلَّق بـ ((انظروا)) وهي بمعنى الرؤية، وإنما تَعَدَّتْ بـ إلى لِما تَتَضَمَّنه من التفكر. وقرأ الأخوان (٣) ((ثُمُرِه)) بضمتين، والباقون: بفتحتين، وقُرِىءَ شاذاً بضم الأول وسكون الثاني. فأمَّا قراءة الأخوين فتحتمل أربعة أوجه، أحدها: أن تكون اسماً مفرداً كَطُنُب (٤) وعُنُق. والثاني: أنه جمع الجمع فَثُمُر جمع ثمار وثمار جمع ثَمِّرة وذلك نحو: أُكُم جمع إكام وإكام جمع أَكْمَة فهو نظير كُثْبان وكُثُب. والثالث: أنه جمع ثَمَرَ كما قالوا: أسَد وأُسُد. والرابع: أنه جمع ثمرة، قال : الفارسي(٥): ((والأحسن أن يكون جمع ثَمْرَة كخشبة وخُشُب، وأكمة وأُكُم ونظيره في المعتل: لابة (٦) ولُوْب، وناقة ونوق، وساحة وسوح. وأما قراءة الجماعة فالثَمَر اسم جنس مفرده ثمرة كشجر وشجرة، وبقر وبقرة، وجزر وجزرة. وأما قراءة التسكين (٧) فهي تخفيف قراءة الأخوين، (١) البحر ١٩١/٤ من دون نسبة. (٢) الكشاف ٤٠/٢. (٣) الأخوان هما: حمزة والكسائي. انظر: السبعة ٢٦٤؛ الكشف ٤٤٣/١؛ والحجة ٢٦٤؛ والنشر ٢٥١/٢؛ والبحر ١٩١/٤. (٤) الطنب: حبل يُشَدُّ به الوتد. (٥) الحجة (خ) ٤٢٢/٢. (٦) اللابة: الحَرَّة. (٧) أي بتسكين الميم وضم الثاء ٨٠