Indexed OCR Text
Pages 21-40
- الأنعام - ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضراً استثنى مشيئة ربه في أن يريده بضر. قوله: ((شيئاً) يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب على المصدر تقديره: إلا أن يشاء ربي شيئاً من المشيئة، والثاني: أنه مفعول به ليشاء، وإنما كان الأولُ أظهرَ لوجهين، أحدهما: أن الكلام المؤكد أقوى وأثبتُ في النفس من غير المؤكد. والثاني: أنه قد تقدم أن مفعول المشيئة والإِرادة لا يُذْكران إلا إذا كان فيهما غرابة كقوله(١): ١٩٧٤ - ولو شِئْتُ أَنْ أبكي دماً لِبَكَيْتُه قوله: ((عِلْماً) فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب على التمييز، وهو مُحَوَّلٌ عن الفاعل تقديره: وَسِع علمُ ربي كلِّ شيء، كقوله: ((واشتعل الرأس شيباً)(٢). والثاني: أنه منصوبٌ على المفعول المطلق؛ لأن معنى وَسِعَ عَلِمٍ. قال أبو البقاء(٣): (لأنَّ ما يَسَعُ الشيء فقد أحاط به، والعالم بالشيء محيطٌ بعلمه)) وهذا الذي ادَّعاه من المجاز بعيد. و((كل شيء)) مفعول لوسع على كلا التقديرين. و((أفلا تتذكرون)) جملة تقرير وتوبيخ، ولا محلَّ لها لاستئنافها . آ. (٨١) قوله تعالى: ﴿كيف أخاف ما أَشْرَكْتم﴾: قد تقدَّم الكلام على ((كيف)) في أول البقرة(٤)، وهذه نظيرتها. و((ما)) يجوز فيها ثلاثة الأوجه، أعني كونها موصولةً اسميةً أو نكرة موصوفة أو مصدرية، والعائد على الأوَّلين محذوف أي: ما أشركتموه بالله أو إشراككم بالله غيره. وقوله: ((ولا تخافون)) يجوز في هذه الجملة أن تكون نسقاً على (١) تقدم برقم ٢٥٤. (٢) الآية ٤ من مريم. (٣) الإملاء ٢٥٠/١. (٤) انظر: إعرابه للآية ٢٨ من البقرة. ٢١ - الأنعام - ((أخاف)) فتكون داخلةً في حَيِّز التعجب والإِنكار، وأن تكون حالية أي: وكيف [٣٣٠/أ] أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم، / ولا بد من إضمارٍ مبتدأ قبل المضارع المنفيِّ بـ لا، لِما تقدم غيرَ مرة أي: كيف أخاف الذي تُشْركون أو يُخاف إشراككم حال كونكم آمنين مِنْ مَكْرِ الله الذي أَشْركتم به غيره. وهذه الجملةُ وإن لم يكن فيها رابطٌ يعود على ذي الحال لا يضرُّ ذلك لأن الواو بنفسها رابطةٌ، وانظر إلى حسن هذا النظم السويّ حيث جعل متعلق الخوف الواقع منه بالأصنام، ومُتَعَلَّق الخوف الواقع منهم إشراكهم بالله غيرَه تَرْكاً لأن يعادَلَ الباري تعالى بأصنامهم، لو أبرز التركيب على هذا فقال: ((ولا تخافون الله)) مقابلةً لقوله ((وكيف أخاف معبودتكم)). وأتى بـ ((ما)) في قوله ((ما أشركتم)) وفي قوله ((ما لم ينزِّل به سلطاناً)) لأنهم غير عقلاء، إذ هي جمادٌ أحجارٌ، وحيث كانوا ينحتونها ويعبدونها. قوله: ((ما لم يُنَزِّلْ)) مفعول لـ ((أَشْرَكْتُم)) وهي موصولة اسمية أو نكرة، ولا تكون مصدرية لفساد المعنى، و((به)) و((عليكم)) متعلقان بـ((يُنَزِّل))، ويجوز في ((عليكم)) وجه آخر: وهو أن يكون حالاً من ((سلطانً) لأنه لو تأخّر عنه لجاز. أن يكونَ صفةً. وقرأ الجمهور ((سُلْطاناً) ساكنَ اللام حيث وقع. وقرىء(١) بضمها، وقيل: هي لغة مستقلة فيثبت بها بناء ((فُعُل))(٢) بضم الفاء والعين، أو هي إتباع حركةٍ لأخرى. وقوله: ((فأيُّ الفريقين أحقُّ)) لم يقل: أيُّنا أحقُّ نحن أم أنتم إلزاماً: لخصمه بما يدَّعيه عليه، ولأنه لا يزكِّي القائلُ نفسه، وهذا بخلاف قول: الآخر (٣): (١) ذكرها في البحر ٤/ ١٧٠ من دون نسبة . (٢) أي: بالألف والنون: فُعُلان. (٣) تقدم برقم ١٢٧٥. ٢٢ - الأنعام - أيّي وأيُّك فارسُ الأحزابِ ١٩٧٥ - فلئِنْ لقيتُكَ خالِيَيْنِ لتعلمَنْ فللَّهِ فصاحةُ القرآن وآدابه. وقوله: ((إن كنتم)) جوابه محذوف، أي: فأخبروني ، ومُتَعَلَّقُ العلم محذوف، ويجوز أَنْ لا يُرادَ له مفعولٌ أي: إن كنتم من ذوي العلم. آ ٨٢ قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا﴾: هل هو من كلام إبراهيم أو من كلام قومه أو من كلام الله تعالى؟ ثلاثة أقوال العلماء وعليها يترتب الإِعراب، فإن قلنا: إنها من كلام إبراهيم جواباً عن السؤال في قوله: ((فأيُّ الفريقين)) وكذا إن قلنا: إنها من كلام قومه، وأنهم أجابوا بما هو حجةٌ عليهم، كأن الموصولَ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم الذين آمنوا، وإن جَعَلْنَاهُ من كلام الله تعالى وأنه أَمَرَ نبيه بأن يجيب به السؤال المتقدم فكذلك أيضاً، وإنْ جَعَلْنَاهُ لمجرد الإِخبار من الباري تعالى كان الموصول مبتدأ، وفي خبره أوجه أحدها: أنه الجملة بعده فإن ((أولئك)) مبتدأ ثان، و((الأمن)) مبتدأ ثالث، و((لهم)) خبره، والجملة خبر ((أولئك)) و((أولئك)) وخبره خبر الأول. الثاني: أن يكون ((أولئك)) بدلاً أو عطف بيان، و((لهم)) خبر الموصول، و((الأمنُ)) فاعلٌ به لاعتماده. الثالث: كذلك، إلا أنَّ ((لهم)) خبرٌ مقدم، و((الأمن)) مبتدأ مؤخر، والجملة خبر الموصول. الرابع: أن يكون ((أولئك)) مبتدأ ثانياً، و((لهم)) خبره و((الأمن)) فاعل به، والجملة خبر الموصول. الخامس: - وإليه ذهب أبو جعفر النحاس(١) والحوفي - أن ((لهم الأمن)) خبر الموصول، وأن ((أولئك)) فاصلة وهو غريب، لأن الفصل من شأن الضمائر لا من شأن أسماء الإِشارة، وأمَّا على قولنا بأن ((الذين)) خبر مبتدأ محذوف فيكون ((أولئك)) مبتدأ فقط، وخبره الجملة بعده أو الجارُّ وحده، و((الأمنُ)) فاعلٌ به، والجملة الأولى على هذا منصوبة بقول مضمر أي: قل هم الذين آمنوا إن كانت من كلام (١) ليس في كتابه (إعراب القرآن)) ما يشير إلى هذا الرأي. ٢٣ - الأنعام - الخليل، أو قالوا هم الذين إن كانت من كلام قومه. وقوله ((ولم يَلْبسوا)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنها معطوفة على الصلة فلا محلّ لها حينئذٍ، والثاني: أن تكون الواو للحال، والجملة بعدها في محل نصب على الحال أي: آمنوا [٣٣٠/ب] غير مُلْبِسين إيمانهم / بظلم وهو كقوله تعالى: ((أنّى يكون لي غلام: ولم يَمْسَسْني بشر))(١) ولا يُلتفت إلى قول ابن عصفور حيث جعل وقوع الجملة المنفيَّة حالاً قليلاً، ولا إلى قول ابن خروف حيث جعل الواو واجبة . الدخول على هذه الجملة وإن كان فيها ضمير يعود على ذي الحال. والجمهور على ((يَلْبِسُوا)) بفتح الياء بمعنى يَخْلطونه، وقرأ عكرمة بضمها(٢) من الإلباس. «وهم مهتدون» يجوز استئنافها وحالیتها. . آ. ٨٣ قوله تعالى: ﴿وتلك حُجَّتُنا آتيناها): ((تلك)) إشارة إلى الدلائل المتقدمة في قوله: «وكذلك نُرِي إبراهيم)»(٣) إلى قوله: ((وما أنا من المشركين)»(٤). ويجوز في ((حُجَّتنا)) وجهان، أحدهما: أن يكون خبر المبتدأ وفي ((آتيناها)) حينئذٍ وجهان، أحدهما: أنه في محل نصب على الحال والعامل فيها معنى الإِشارة، ويدل على ذلك التصريحُ بوقوع الحال في : نظيرتها كقوله تعالى: ((فتلك بيوتُهم خاويةً))(٥). والثاني: أنه في محل رفع على أنه خبرٌ ثانٍ أخبر عنها بخبرين، أحدهما مفرد والآخر جملة. والثاني من الوجهين الأولين: أن تكون ((حُجَّتنا)) بدلاً أو بياناً لتلك، والخبر الجملة الفعلية .. وقال الحوفي: ((إن الجملة مِنْ ((آتَيْناها)) في موضع النعت لـ ((حُجَّتنا)): على نية الانفصال، إذ التقدير: حجة لنا))، يعني الانفصال من الإِضافة (١) الآية ٢٠ من مريم (٢) البحر ٤ /١٧١ . (٣) الآية ٧٥ من الأنعام. (٤) الآية ٧٩ من الأنعام. (٥) الآية ٥٢ من النمل. ٢٤ - الأنعام - ليحصُلَ التنكيرُ المسوِّغُ لوقوعِ الجملة صفةً لحُجَّتنا، وهذا لا ينبغي أن يقال، وقال أيضاً: ((إن ((إبراهيم)) مفعول ثان لآتيناها، والمفعول الأول هو ((ها))، وقد قدَّمْتُ لك في أوائل البقرة أن هذا مذهب السهيلي عند قوله ((آتينا موسى الكتاب))(١)، وأنَّ مذهبَ الجمهورِ أن تَجْعل الأولَ ما كان عاقلاً والثاني غيرَه، ولا تبالي بتقدیمٍ ولا تأخير. قوله: ((على قومه)) فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ بـ ((آتينا)) قاله ابن عطية(٢) والحوفي أي: أظهرناها لإبراهيم على قومه. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال أي: آتيناها إبراهيم حجةً على قومه أو دليلاً على قومه، كذا قدَّره أبو البقاء(٣)، ويلزم من هذا التقدير أن تكون حالاً مؤكدة، إذ التقدير: وتلك حُجّتنا آتيناها له حجةً. وقدَّرها الشيخ (٤) على حذف مضاف فقال: ((أي آتيناها إبراهيم مستعليةً على حجج قومه قاهرة لها)) وهذا حسن. ومنع أبو البقاء(٥) أن تكون متعلّقةً بحجتنا قال: ((لأنها مصدر، وآتيناها خبر أو حال، وكلاهما لا يُفْصل به بين الموصول وصلته)). ومنع الشيخ(٦) ذلك أيضاً، ولكن لكون الحجّة ليست مصدراً قال: ((إنما هو الكلام المُؤَلَّفُ للاستدلال على الشيء)) ثم قال: ((ولو جعلناها مصدراً(٧) لم يجز ذلك أيضاً، لأنه لا يفصل بالخبر ولا بمثل هذه الحال بين المصدر ومطلوبه. وفي مَنْعِهِ ومَنْع أبي البقاء ذلك نظرً، لأنَّ الحال (١) الآية ٥٣ من البقرة. (٢) المحرر ٩٦/٦. (٣) الإملاء ٢٥٠/١. (٤) البحر ١٧٢/٤. (٥) الإِملاء ٢٥٠/١. (٦) البحر ٤ /١٧٢. (٧) أي مجازاً كما في البحر. ٢٥ - الأنعام - وإن كانّتْ جملةً ليسَتْ أجنبيةً حتى يُمْنَعَ الفصل بها لأنها من جملة مطلوبات المصدر، وقد تقدَّم لي نظيرُ ذلك بأشبع من هذا. قوله: ((نرفع)) فيه وجهان الظاهر منهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإِعراب. الثاني : - جَوَّزه أبو البقاء (١) وبدأ به - أنها في موضع الحال من (آتيناه)) يعني من فاعل ((آتيناها))، أي: في حال كوننا رافعين، ولا تكون حالاً من المفعول إذ لا ضمير فيها يعود إليه. ويُقْرأ ((نرفع)) بنون العظمة وبياء الغيبة (٢)، وكذلك ((يشاء)). وقرأ(٣) أهل الكوفة ((درجات)) بالتنوين وكذا التي في يوسف(٤)، والباقون بالإِضافة فيهما، فقراءة الكوفيين يحتمل نَصْبُ («درجات)) فيها من خمسة أوجه أحدها: أنها منصوبةٌ على الظرف و((مَنْ)) مفعول ((نرفع)) أي: نرفع مَنْ نشاء مراتب ومنازل. والثاني: أن ينتصبَ على أنه مفعول ثان : قُدِّم على الأول، وذلك يحتاج إلى تضمين ((نرفع)) معنى فعلٍ يتعدَّى لاثنين وهو (يُعْطي)) مثلاً، أي: نعطي بالرفع مَنْ نشاء درجات أي: رُتَّباً، والدرجات هي المرفوعة كقوله: ((رفيع الدرجات))(٥)، وفي الحديث: ((اللهم ارفع درجته في عليين))(٦) فإذا رُفعتِ الدرجةُ فقد رُفِعَ صاحبها. والثالث: أن ينتصب على حذف حرف الجر أي: إلى منازل وإلى درجات. الرابع: أن ينتصبَ على التمييز، ويكون منقولاً من المفعولية، فيؤول إلى قراءة الجماعة إذ الأصل: «نرفع (١) الإِملاء ١ /٢٥٠. (٢) لم أجد من نسب هذه القراءة. (٣) انظر: السبعة ٢٦١؛ والكشف ٤٣٧/١؛ والنشر ٢٥١/٢؛ والحجة ٢٥٨، ويعني بالكوفيين عاصم وحمزة والكسائي. (٤) الآية ٧٦. (٥) الآية ١٥ من غافر. (٦) رواه مسلم في الجنائز باب ٤ (٦٣٤/٢)؛ وأحمد ٢٩٧/٦، وكلا الروايتين: في المهدیین. ٢٦ - الأنعام - درجات من نشاء)) بالإِضافة ثم حُوِّل كقوله: ((وفَجَّرْنا الأرض عُيونا))(١) أي: عيون الأرض. الخامس: أنها منتصبةٌ على الحال وذلك على حذف مضاف أي: ذوي درجات. ويشهد لهذه القراءةِ قولُه تعالى: ((وَرَفَعَ بعضكم فوق بعض درجات))(٢) ((وَرَفَعْنَا بعضهم فوق بعض درجات لِيَتَّخِذَ))(٣) ((ورفع بعضَهم درجات وآتينا عيسى))(٤). وأمَّا قراءة الجماعة: فدرجات مفعول ((نرفع))، والخطاب في ((إنَّ ربك)) للرسول محمد عليه السلام، وقيل: لإبراهيم الخليل، فعلى هذا يكون فيه التفات من الغَيْبة إلى الخطاب مُنّبِّهاً بذلك على تشريفه له . آ. ٨٤ قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا﴾: فيها وجهان، الصحيح منهما: أنها معطوفة على الجملة الاسمية من قوله / ((وتلك حُجَّتنا)) وعَطْفُ الاسمية على [٣٣١/أ] الفعلية وعكسه جائز. والثاني : - أجازه ابن عطية(٥) -وهو أن يكون نسقاً على ((آتيناها))، ورَدَّهُ الشيخ (٦) بأنَّ ((آتيناه)) لها محل من الإعراب: إما الخبر، وإمَّا الحال، وهذه لا محل لها لأنها لو كانَتْ معطوفةً على الخبر أو الحال لاشترط فيها رابط. و((كلاً)) منصوب بـ ((هَدَيْن)) بعده، والتقدير: وكل واحد من هؤلاء المذكورين. قوله: ((ومن ذريَّته)) الهاء في ((ذريته)) فيها وجهان، أحدهما: أنها تعود على نوح لأنه أقرب مذكور، ولأن إبراهيم ومَنْ بعده من الأنبياء كلُّهم منسوبون إليه. والثاني أنه يعود على إبراهيم لأنه المحدَّث عنه والقصة مسوقة لذكره وخبره، ولكن رُدَّ هذا القول بكون لوطٍ ليس من ذريته (١) الآية ١٢ من القمر. (٢) الآية ١٦٥ من الأنعام. (٣) الآية ٣٢ من الزخرف. (٤) الآية ٢٥٣ من البقرة. (٥) المحرر ٩٧/٦. (٦) البحر ١٧٢/٤. ٢٧ - الأنعام - إنما هو ابن أخيه أو أخته، ذكر ذلك مكي(١) وغيره. وقد أجيب عن ذلك فقال ابن عباس: ((هؤلاء الأنبياء كلهم مضافون إلى ذرية إبراهيم وإن كان فيهم مَنْ لم يلحقه بولادةٍ من قبِل أمّ ولا أبٍ لأن لوطاً ابن أخي إبراهيم، والعرب تجعل العم أباً». وقال أبو سليمان الدمشقي(٢): ((ووهبنا له لوطاً)(٣) في المعاضدة والمناصرة)) فعلى هذا يكون ((لوطً)) منصوباً بـ ((وهبنا)) من غير قيد بكونه مِنْ ذريته، وقوله ((داود)» وما عُطِفَ عليه منصوب: إمَّا بفعل الهبة وإمَّا بفعل الهداية. و((مِنْ ذريته)) يجوز فيه وجهان، أحدهما : : أنه متعلق بذلك الفعل المحذوف، وتكون ((مِنْ)) لابتداء الغاية. والثاني: أنها. حال أي: حال كونٍ هؤلاء الأنبياء منسوبين إليه. ((وكذلك نجزي)) [الكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف أي: نجزيهم جزاء مثل ذلك الجزاء، ويجوز أن يكون في محل رفع أي: الأمر كذلك](٤)، وقد تقدَّم ذلك في قوله ((وكذلك نُري إبراهيم))(٥) .. قوله: ((واليَسَع)، قرأ الجمهور: ((الْيَسَعَ)) بلام واحدة وفتح الياء بعدها، وقرأ(٦) الأخوان: اللَّيْسَع، بلامٍ مشدّدة وياء ساكنة بعدها، فقراءةُ الجمهور فيها تأويلان، أحدهما: أنه منقولٌ من فعل مضارع، والأصل: يَوْسَعِ كَيَوْعِد، فوقعت الواو بين ياء وكسرة تقديرية، لأن الفتحة إنما جيء بها لأجل حرف الحلق فحُذِفَتْ لحَذْفَها فِي يَضَعِ ويَدَعِ ويَهَب وبابه، ثم سُمِّي به مجرداً عن (١) المشكل ٢٧٥/١ . (٢) لم أقف على ترجمته. (٣) في الآية ٨٦. (٤) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من: ي. (٥) الآية ٧٥ من الأنعام. (٦) انظر: السبعة ٢٦٢؛ الكشف ٤٣٨/١؛ والحجة ٢٥٩؛ والنشر ٢٥١/٢؛ البحر ٤ /١٧٤؛ والأخوان حمزة والكسائي. ٢٨ - الأنعام - ضمير، وزيدت فيه الألف واللام على حَدِّ زيادتها في قوله(١): ١٩٧٦ - رأيت الوليد بنّ اليزيد مباركاً شديداً بأعباءِ الخلافةِ كاهِلُهْ وكقوله(٢): ١٩٧٧ - باعَدَ أُمَّ العمروِ من أسيرِها حُرَّاسُ أبوابٍ على قصورِها وقيل: الألف واللام فيه للتعريف كأنه قدَّر تنكيره. والثاني: أنه اسمٌ أعجمي لا اشتقاق له، لأن اليسع يقال له يوشع بن نون فتى موسى، فالألفُ واللام فيه زائدتان أو مُعَرِّفتان كما تقدَّم قبل ذلك، وهل ((أل)) لازمةٌ له على تقدير زيادتها؟ فقال الفارسي: إنها لازمة شذوذاً كلزومها في ((الآن)) وقال ابن مالك(٣): «ما قارنت الأداة نَقْلَه كالنضر والنعمان، أو ارتجاله كاليسع والسموءل فإنَّ الأغلب ثبوتُ أل فيه، وقد تُحْذف)). وأمَّا قراءةُ الأخوين فأصله لَيْسَع كـ ضَيْغَم وَصَيْرَف(٤) وهو اسم أعجمي، ودخولُ الألفِ واللام فيه على الوجهين المتقدمين. واختار أبو عبيد قراءة التخفيف فقال: ((سمعنا اسم هذا النبيّ في جميع الأحاديث: اليسع، ولم يُسَمِّه أحدٌ منهم اللَّيْسع)) وهذا لا حجةَ فيه لأنه روي اللفظ بأحد لغتیه، وإنما آثروا(٥) الرواة هذه اللفظة لخفتها لا لعدم صحة الأخرى. وقال الفراء(٦) (١) البيت لابن ميادة وهو في الإنصاف ٣١٧/١؛ وابن يعيش ٤٤/١؛ والخزانة ٣٢٧/٣؛ والعيني ١ /٢١٨. (٢) البيت لأبي النجم وهو في المقتضب ٤٨/٤؛ وأمالي الشجري ٢٥٢/٢؛ والإنصاف ٣١٧/١؛ وابن يعيش ٤٤/١؛ واللسان: وبر؛ والهمع ٨٠/١؛ والدرر ٥٣/١. (٣) انظر: شرح الكافية الشافية ٣٢٩/١. (٤) الصيرف: المحتال. (٥) كذا على لغة أكلوني البراغيث. (٦) معاني القرآن ٣٤٢/١. ٢٩ - الأنعام - في قراءة التشديد: ((هي أشبه بأسماء العجم)). وقد تَقَدَّم أنَّ في نون ((يونس)) ثلاث لغات(١) وكذلك في سين يوسف. قوله: ((وكلَا فَضَّلْنَا)) كقوله: ((كلَُّ هَدَيْنا))(٢). آ. ٨٧ قوله تعالى: و﴿مِنْ آبائهم﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بذلك الفعلِ المقدَّر أي: وهَدَيْنا من آبائهم، أو فَضَّلْنا من آبائهم، و ((مِنْ)) تبعيضية. قال ابن عطية(٣): ((وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات)). فـ ((مِنْ)) للتبعيض والمفعول محذوف. الثاني: أنه معطوف على ((كلَّ)) أي: وفضَّلنا بعض آبائهم. وقَدَّر أبو البقاء(٤) هذا الوجهَ بقوله: ((وفَضَّلنا كلّ من آبائهم [أو](٥) وهَدَيْنا كلّ مِنْ آبائهم)). وقوله: ((واجتَبَيْناهم)) يجوز أن يعطف على ((فَضَّلنا))، ويجوز أن يكون [٣٣١/ب] مستأنفاً وكرَّر لفظ الهداية توكيداً، ولأن / الهداية أصل كلٍّ خير. آ. ٨٨ قوله تعالى: ﴿ذلك هُدى الله﴾: المشار إليه هو المصدر المفهوم من الفعل قبله: إمَّا الاجتباء، وإمَّا الهداية، أي: ذلك الاجتباء هدى، أو ذلك الهدى إلى الطريق المستقيم هدى الله. ويجوز أن يكون ((هدى الله)) خبراً، وأن یکون بدلا من ((ذلك))، والخبر «يهدي به»،وعلى الأول یکون «یهدي» حالاً والعاملُ فيه اسمُ الإِشارة، ويجوز أن يكونَ خبراً ثانياً. و((مِنْ عبادِه)) تبيينٌ أو حالٌ: إمَّا مِنْ ((مَنْ)) وإمَّا من عائده المحذوف. آ. ٨٩: والهاء في (بها)) تعود على الثلاثة الأشياء وهي: الكتابُ (١) انظر إعرابه للآية ١٦٣ من النساء. (٢) انظر إعرابه للآية ٨٤ من الأنعام. (٣) المحرر ٩٩/٦. (٤) الإملاء ١ /٢٥١ . (٥) من الإملاء. ٣٠ - الأنعام - والحكمُ والنبوة، وهو قول الزمخشري(١). وقيل: تعودُ على النبوّة فقط لأنها أقرب مذكور. والباءُ في ((بها)) متعلقةٌ بخبر ليس، وقُدِّم على عاملها للفواصل. والباء في ((بكافرين)) زائدةٌ توكيداً. آ. ٩٠: وأولئك مفعولٌ مقدم لـ ((هَدَى الله))، ويَضْعُفُ جَعْلُه مبتدأً على حذف العائد أي: هداهم الله كقوله: ((أفحكمُ الجاهلية يَبْغون))(٢) برفع ((حكم)). قوله: ((اقتدِهْ)) قرأ(٣) الأخوان بحذف هذه الهاء في الوصل، والباقون أثبتوها وصلاً ووقفاً، إلا ابنَ عامر بكَسْرها، ونَقَل ابنُ ذكوان عنه وجهين، أحدهما: الكسر من غير وصل بمدَّة. والثاني وصلُه بمدَّة، والباقون يسكنونها، أمَّا في الوقف فإن القراء اتفقوا على إثباتها ساكنة، وقد اختلفوا أيضاً في ((مالِيَه))(٤) و ((سلطانِيَه))(٥) في الحاقة، وفي ((ماهيه)) (٦) في القارعة بالنسبة إلى الحذف والإِثبات، واتفقوا على إثباتها في ((كتابيه))(٧) و ((حسابيه))(٨) فأمَّا قراءةُ الأخوين فالهاءُ عندهما للسكتِ فلذلك حَذَفاها وَصْلاً إذ مَحَلُّها الوقفُ، وأَنْبتاها وقفاً إتباعاً لرسم المصحف، وأمَّا مَنْ أثبتها ساكنةً فتحتمل عنده وجهين أحدهما: هي هاء سكت، ولكنها ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مجرى الوقف كقوله: ((لم يتسنّه وانظر))(٩) في أحد الأقوال كما تقدم. (١) الكشاف ٣٣/٢. (٢) الآية ٥٠ من المائدة، وهي في قراءة ابن وثاب والأعرج وآخرين. انظر: الشواذ ٣٢؛ والقرطبي ٢١٥/٦. (٣) السبعة ٢٦٢؛ والكشف ٤٣٨/١؛ والحجة ٢٦٠؛ والنشر ٢٥١؛ والبحر ١٧٦/٤. (٤) الآية ٢٨ . (٥) الآية ٢٩ . (٦) الآية ١٠. (٧) الآية ١٩ من الحاقة. (٨) الآية ٢٠ من الحاقة . (٩) الآية ٢٥٩ من البقرة. ٣١ - الأنعام- والثاني: أنها ضمير المصدر سُكِّنَتْ وصلاً إجراءً للوصل أيضاً مجرى الوقف نحو: «نؤته))(١) و ((فألقه))(٢) و((أَرْجه))(٣) ((نولّه))(٤) «نُصْله)»(٥). واختُلِفَ في المصدر الذي تعود عليه هذه الهاء فقيل: الهدى أي: اقتد الهدى، والمعنى: اقتد اقتداءَ الهدى، ويجوز أن يكون ((الهدى)) مفعولاً من أجله أي: فبهداهم اقتد لأجل الهدى، وقيل: الاقتداء أي: اقتدِ الاقتداء. ومن إضمار المصدر قوله : (٦) ١٩٧٨ - هذا سُراقةُ للقرآنِ يدرسُه والمرءُ عند الرُّشا إن يَلْقَها ذيبُ أي: يَدْرُسُ الدَّرْسَ، ولا يجوز أن تكون الهاء ضمير القرآن، لأن الفعل قد تعذَّى له، وإنما زِيْدت اللام تقويةً له حيث تقدَّم معموله ولذلك جعل النحاة نصب ((زيداً)). مِنْ ((زيداً ضربته)) بفعل مقدر خلافاً للفراء (٧). وقال: ابن الأنباري: ((إنها ضمير المصدر المؤكد النائب عن الفعل، وإن الأصل: اقتد اقتد، ثم جعل المصدر بدلاً من الفعل الثاني ثم أضمر فاتصل بالأول. وأمَّا قراءة ابن عامر فالظاهر فيها أنها ضمير وحُرِّكَتْ بالكسر مِنْ غير وصل، وهو الذي يُسَمِّيه القرَّاء الاختلاس تارةً، وبالصلة وهو المسمَّى إشباعاً أخرى كما قرىء: ((أَرْجِهِ))(٨) ونحوه، وإذا تقرَّر هذا فقول ابن مجاهد (٩) عن (١) الآية ١٤٥ من آل عمران. (٢) الآية ٢٨ من النمل، الأصل ((وألقه)» وهو سهو. (٣) الآية ١١١ من الأعراف. (٤) الآية ١١٥ من النساء. (٥) الآية ١١٥ من انساء. (٦) تقدم برقم ٧٧١. (٧) انظر: الإِنصاف ٨٢/١. (٨) من الآية ١١١ من الأعراف. وهي قراءة الكسائي ونافع. انظر: السبعة ٢٨٧. (٩) السبعة ٢٦٢ . ٣٢ - الأنعام - ابن عامر ((يُشِمُّ الهاء [الكسر](١) من غير بلوغ ياء، وهذا غلط؛ لأن هذه الهاءَ هاءُ وقف لا تُعْرَبُ في حال من الأحوال - أي لا تُحَرَّك - وإنما تدخل لِتَبِيْنَ بها حركة ما قبلها)) ليس بجيدٍ لِما قَرَّرت لك من أنها ضمير المصدر. وقد رَدَّ الفارسي (٢) قول ابن مجاهد بما تقدم. والوجه الثاني: أنها هاء سكت أُجْرِيَتْ مجرى هاء الضمير، كما أجريت هاء الضمير مجراها في السكون، وهذا ليس بجيد، ويُرْوى قول المتنبي (٣): ١٩٧٩ - واحرَّ قلباه ممَّن قلبُه شَبِمُ بضم الهاء وكسرها على أنها هاءُ السكت شُبِّهَتْ بهاء الضمير فحركت والأحسن أن تجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبهها بالضمير، لأن هاء الضمير لا تكسر بعد الألف فكيف بما يشبهها؟ والاقتداء في الأصل: طلبُ الموافقةِ، قاله الليث. ويقال: قُدْوَة [وقِدْوٌ، وأصله من القِدْو](٤) وهو أصل البناء الذي يتشعَّبُ منه تصريف الاقتداء. و((بهداهم)) متعلق بـ ((اقتد)». وجعل الزمخشري(٥) تقديمه مفيداً للاختصاص على قاعدته. والهاءُ في ((عليه)) تعود على القرآن أو التبليغ، أُضْمرا وإن لم يَجْرِ لهما ذِكْرٌ لدلالة السياق عليهما. و((إنْ)) نافية ولا عملَ لها على المشهور، ولو كانت عاملةً لِبَطَلَ عملها بـ ((إلَّ)). و(للعالمين)) متعلق بـ ((ذكرى)) واللام مُعَدِّية، أي: إنْ القرآن إلا تذكير العالمين. ويجوز أن تكون متعلقةً بمحذوف على أنها صفة لـ ((ذكرى)) /. [٣٣٢/أ] (١) من البحر والسبعة . (٢) الحجة ٤١٢/٢ (خ). (٣) تمامه : ومَنْ بجسمي وحالي عنده سقم ديوانه ٣٦٢/٣؛ وابن يعيش ٤٤/١٠؛ والتصريح ١٨٣/٢؛ والشبم: البارد. (٤) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من: ي. (٥) الكشاف ٣٤/٢. ٣٣ - . - الأنعام = آ. (٩١) قوله تعالى: ﴿حَقَّ قَدْره﴾: منصوبٌ على المصدر وهو في الأصل صفة للمصدر، فلما أُضيف الوصف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه موصوفه، والأصل: قَدْره الحق كقولهم: جَرْدُ قطيفة وسحق عمامة. وقرأ(١) الحسن البصري وعيسى الثقفي: جَرْد قطيفة وسحق عمامة. وقرأ(١) الحسن البصري وعيسى الثقفي: ((قدَّروا)) بتشديد الدال، «قَدَره)» بتحريكها(٢)، وقد تقدَّم أنهما لغتان. وقوله: ((إذا قالوا)) منصوب بـ ((قَدَروا)) وجعله ابن عطية(٣) منصوباً بقَدْره، وفي كلام ابن عطية ما يُشْعر بأنها للتعليل. و((من شيء)) مفعول به زيدت فيه ((مِنْ)) لوجودٍ شَرْطي الزيادة. قوله: ((نوراً)) منصوب على الحال وفي صاحبه وجهان، أحدهما: أنه الهاء في ((به)) فالعامل فيها ((جاء)). والثاني: أنه الكتاب، فالعامل فيه ((أنزل)) و((للناس)) صفة لـ ((هدى)). قوله: ((تَجْعلونه)) يقرؤه(٤) ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة، وكذلك ((يُبْدونها)) و((يُخْفون))، والباقون بتاء الخطاب في ثلاثة الأفعال، فأمَّا الغيبةُ فللحَمْلِ على ما تقدَّم من الغيبة في قوله: ((وما قدروا)) إلى آخره، وعلى هذا فيكون في قوله: ((وُعُلَّمْتُم)) تأويلان أحدهما: أنه خطاب لهم أيضاً وإنما جاء. به على طريقة الالتفات. والثاني: أنه خطاب للمؤمنين اعترض به بين الأمر بقوله: ((قل مَنْ أنزل)) وبين قوله ((قل الله)). وأمَّا قراءةُ تاءِ الخطاب ففيها مناسبةٌ لقوله ((وعُلُّمتم ما لم تعلموا أنتم)). (١) البحر ٤ /١٧٧. (٢) أي: بالفتح . (٣) المحرر ١٠٤/٦. (٤) انظر: السبعة ٢٦٢؛ الكشف ٤٤٠/١؛ والنشر ٢٥١/٢؛ والحجة ٢٦٠؛ والبحر. ١٧٨/٤. ٣٤ - الأنعام - ورجَّحها مكي وجماعةٌ لذلك، قال مكي(١): ((وذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار لذلك، ولأنَّ أكثر القراء عليه)). قال الشيخ(٢): ((ومن قال إن المنكرين العربُ أو كفار قريش لم يمكن جَعْلُ الخطاب لهم بل يكون قد اعترض ببني إسرائيل فقال خلال السؤال والجواب: تَجْعَلُونها قراطيس، ومثل هذا يَبْعُدُ وقوعُه؛ لأنَّ فيه تفكيكاً للنظم حيث جَعَلَ أولَ الكلام خطاباً للكفار وآخره خطاباً لليهود. قال: ((وقد أُجيب بأنَّ الجميع لَمَّا اشتركوا في إنكار نبّة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم جاء بعضُ الكلام خطاباً للعرب وبعضه خطاباً لبني إسرائيل». قوله: ((تَجْعلونه قراطيس)) يجوز أن تكون ((جعل)) بمعنى صيَّر، وأن تكون بمعنى ألقى أي: تضعونه في كاغد. وهذه الجملة في محل نصب على الحال: إمَّا من ((الكتاب))، وإمَّا من الهاء في ((به))، كما تقدم في ((نوراً وھدی»(٣). قوله ((قراطيس)) فيه ثلاثة [أوجه]، أحدها: أنه على حذف حرف الجر أي: في قراطيس وورق، فهو شبيه بالظرف المبهم فلذلك تَعَدَّى إليه الفعل بنفسه. والثاني: أنه على حذف مضاف أي: تجعلونه ذا قراطيس. والثالث: أنهم نَزَّلوه منزلة القراطيس. وقد تقدم تفسير القراطيس(٤)، والجملة من قوله (تبدونها)) في محل نصب نعت القراطيس، وأمَّا ((تُخْفون)) فقال أبو البقاء(٥): ((إنها صفة أيضاً لها، وقدَّر ضميراً محذوفاً أي: وتُخْفون منها كثيراً». وأمَّا (١) الكشف ٤٤٠/١. (٢) البحر ٤ /١٧٨. (٣) من الآية ٩١ من الأنعام. (٤) انظر إعرابه للآية ٧ من الأنعام. (٥) الإملاء ٢٥٢/١. ٣٥ - الأنعام - مكي(١) فقال: ((وتُخْفون)) مبتدأَ لا موضعَ له من الإِعراب)) انتهى، كأنه لمّا رأى خُلُوَّ [هذه الجملةِ من ضمير](٢) يعود على ((قراطيس)) منع كونه صفة، وقد تقدَّم أنه مقدر أي: منها، وهو أولى. وقد جَوَّز الواحدي في ((تبدون)) أن يكون حالاً من: ضمير ((الكتاب)) من قوله ((تجعلونه قراطيس)) على أن تجعل الكتاب القراطيس في المعنى لأنه مكتبٌ فيها)) انتهى. قوله: ((على أن تُجْعل)) اعتذارٌ عن مجيء ضميره مؤنثاً، وفي الجملة فهو بعيد أو ممتنع . وقوله: ((وعُلِّمْتُمْ)) يجوز أن يكون على قراءة الغيبة في ((يجعلونه)) وما عُطِفَ عليه مستأنفاً، وأن يكون حالاً، وإنما أتى به مخاطباً لأجل الالتفات، وأمَّا على قراءة تاء الخطاب فهو حالٌ، ومَن اشترط ((قد)) في الماضي الواقع حالاً أضمرها هنا أي: وقد عُلَّمْتُمْ. قوله: ((قلِ اللَّهُ)) الجلالة يجوز فيها وجهان أحدهما: أن تكونَ فاعلةً بفعلٍ محذوف أي: قل أَنْزِله، وهذا هو الصحيح للتصريح بالفعل في قوله ((لَيَقولُنَّ خلقُهنَّ العزيز))(٣). والثاني: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: الله أنزله، ووجه مناسبتِه مطابقةُ الجوابِ للسؤال، وذلك أن جملة السؤال اسمية فلتكنْ جملةٌ الجواب كذلك. قوله: ((في خَوْضهم يَلْعَبون)) يجوز أن يكون ((في خوضهم)» متعلقاً بـ(ذرْهُم))، وأن يتعلَّق بـ((يَلْعبون))، وأن يكونَ حالاً من مفعول ((ذَرْهم))، وأن يكونَ حالاً من فاعل ((يَلْعبون)) فهذه أربعة أوجه، وأمَّا ((يلعبون)) فيجوز أن يكون حالاً مِنْ مفعول ((ذرهم))، ومَنْ مَنَع أن تتعدَّد الحال لواحدٍ لم يُجِزْ حينئذ أن يكون (في خوضهم)) حالاً مِنْ مفعول ((ذرهم)) بل يجعله: إمَّا متعلقاً بـ ((ذَرْهُمْ)) كما تقدم (١) المشكل ٢٧٧/١. (٢) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من: ي. (٣) الآية ٩ من الزخرف. ٣٦ - الأنعام - أو بـ ((يَلْعبون)) أو حالاً من فاعله، ويجوز أن يكون ((يلعبون)) حالاً من ضمير (خَوْضهم))، وجاز ذلك لأنه في قوة الفاعل لأنَّ المصدرَ مضاف لفاعله؛ لأن التقدير: ذرهم يخوضوا لاعبين، وأن يكونَ حالاً من الضمير في ((خوضهم» إذا جعلناه حالاً لأنَّه تضمّن معنى الاستقرار فتكون حالاً متداخلة. آ. (٩٢) قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾: فيه دليل على / تقدُّم الصفة غير الصريحة على الصريحة. وأجيب عنه بأن ((مبارك)) [٣٣٢/ب] خبر مبتدأ مضمر، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في قوله ((بقوم يحبهم))(١)، وقال مكي (٢)، ((مصدِّقُ الذي)) نعت للكتاب على حذف التنوين لالتقاء الساكنين، و((الذي)) في موضع نصب، وإن لم يُقَدَّرْ حذفُ التنوين كان ((مصدق)) خبراً بعد خبر، و((الذي)) في موضع خفض)). وهذا الذي قاله غلطّ فاحش، لأن حذف التنوين إنما هو للإِضافة اللفظية وإن كان اسم الفاعل في نيَّة الانفصال، وحَذْفُ التنوين لالتقاء الساكنين إنما يكون في ضرورة أو ندور كقوله(٣): ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا ١٩٨٠- والنحويون كلُّهم يقولون في ((هذا ضاربُ الرجلِ)): إن حذف التنوين للإِضافة تخفيفاً، ولا يقول أحدٌ منهم في مثل هذا: إنه حُذِفَ التنوين لالتقاء الساكنين. وقَدَّم وَصْفَه بالإِنزال على وَصْفِه بالبركة بخلاف قوله ((وهذا ذِكْرٌ مبارك أنزلناه)) (٤) قالوا: لأن الأهمّ هنا وصفُه بالإِنزال إذ جاء عقيب إنكارهم أن يُنَزِّل الله على بشر مِنْ شيء بخلاف هناك، ووقعت الصفة الأولى جملةٌ فعلية، لأن الإِنزال يتجدَّد وقتاً فوقتاً والثانية اسماً صريحاً، لأنَّ الاسمَ يدلُّ (١) الآية ٥٤ من المائدة. (٢) ليس في ((المشكل)) شيء من هذا القول. (٣) تقدم برقم ١٥٠٤. (٤) الآية ٥٠ من الأنبياء. ٣٧ - الأنعام - على الثبوت والاستقرار، وهو مقصود هنا أي: بركته ثابتة مستقرة، و ((مصدِّق» صفة أيضاً أو خبر بعد خبر على القول بأن مبارك خبر لمبتدأ مضمر، ووقع صفةً للنكرة لأنه في نيَّة الانفصال كقوله: ((هذا عارضُ مُمْطِرُنا)(١) [وقوله](٢): ١٩٨١ - يا رُبَّ غابطِنا لو كان يعرِفُكم وقال الواحدي: ((ومبارك)) خبر الابتداء فُصِل بينهما بالجملة، والتقدير: وهذا كتاب مبارك أنزلناه، كقوله: ((وهذا ذكرٌ مبارك أنزلناه))(٣) وهذا الذي ذكره لا يَتَمِشَّى إلا على أنَّ قولَه ((مبارك)) خبر ثانٍ لـ ((هذا)»، وهذا بعيدٌ جداً، وإذا سُلِّم ذلك فيكون ((أنزلناه)) عنده اعتراضاً على ظاهر عبارته، ولكن لا يُحتاج إلى ذلك، بل يجعل ((أنزلناه)) صفة لـ ((كتاب))، ولا محذورَ حينئذٍ على هذا التقدير، وفي الجملة فالوجهُ ما قَدَّمْتُه لك من الإِعراب. قوله: ((ولتنذرَ)) قرأ الجمهور بتاء الخطاب للرسول عليه السلام، وأبو بكر(٤) عن عاصم بياء الغيبة والضمير للقرآن، وهو الظاهر أي: ينذر بمواعظه وزواجره، ويجوز أن يعود على الرسول عليه السلام للعلم به. وهذه اللام فيها وجهان، أحدهما: هي متعلقة بـ ((أنزلنا)) عطفاً على مقدر، فقدَّره أبو البقاء(٥): ((ليؤمنوا ولتنذر))، وقدره الزمخشري(٦) فقال: ((ولتنذر)) معطوف (١) الآية ٢٤ من الأحقاف. (٢) عجزه: لاقى مُباعدةٌ منكم وحُرْمانا : والبيت لجرير وهو في ديوانه ٥٩٥؛ والكتاب ٢١٢/١؛ والمقتضب ٢٢٧/٣؛ وابن يعيش ٥١/٣؛ والعيني ٣٦٤/٣؛ والجمع ٤٧/٢؛ والدرر ٥٦/٢. (٣) الآية ٥٠ من الأنبياء. (٤) السبعة ٢٦٣؛ والكشف ٤٤٠/١؛ والحجة ٢٦١؛ والنشر ٢٥١/٢؛ والبحر ١٧٩/٤. (٥) الإملاء ٢٥٣/١. (٦) الكشاف ٣٥/٢. ٣٨ - الأنعام - على ما دلَّ عليه صفةُ الكتاب كأنه قيل: أنزلناه للبركات ولتصديق(١) ما تَقَدَّمه من الكتب والإنذار)). والثاني: أنها متعلقة بمحذوف متأخر أي: ولتنذر أنزلناه . وقوله: ((أمَّ القرى)) يجوز أن يكون من باب الحذف أي: أهل أمّ القرى، وأن يكون من باب المجاز إطلاقاً للمحلّ على الحالِّ، وأيُّهما أَوْلِى؟ أعني المجاز والإِضمار، للناس في المسألة ثلاثة أقوال، تقدَّم بيانها وهذا كقوله: ((واسأل القرية))(٢). وهناك وجهً لا يمكن هنا: وهو أنه يمكن أن يكون السؤال للقرية حقيقةً ويكون ذلك معجزةً لنبي، وهنا لا يتأتَّى ذلك وإن كانت القرية أيضاً نفسها هنا تتكلم، إلا أن الإنذار لا يقع لعدم فائدته. وقوله: ((ومَنْ حولها)) عطف على ((أهل)) المحذوف أي: ولتنذر مَنْ حول أم القرى، ولا يجوز أن يُعْطف على ((أم القرى) إذ يلزم أن يكون المعنى: ولتنذر أهل مَنْ حولها، ولا حاجة تدعو إلى ذلك لأنَّ ((مَنْ حولها)) يقبلون الإنذار. قال الشيخ(٣): ((ولم يحذف ((مَنْ)) فيعطف ((حول)) على ((أمّ القرى)) وإن كان يَصِحُّ من حيث المعنى لأنَّ ((حول)) ظرفٌ لا يتصرف، فلو عطف على ((أم القرى)) لكان مفعولاً به لعطفه على المفعول به وذلك لا يجوزُ؛ لأنَّ العربَ لم تستعمله إلا ظرفًا)). قوله: ((والذين يؤمنون بالآخرة)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه مرفوعٌ بالابتداء، وخبره ((يؤمنون)) ولم يتَّحد المبتدأ والخبر لتغاير مُتَعَلَّقيهما، فلذلك جاز أن يقع الخبر بلفظ المبتدأ، وإلاّ فيمتنعُ أن تقول: ((الذي يقوم يقوم))، و ((الذين يؤمنون يؤمنون))، وعلى هذا فَذِكْرُ الفضلة هنا واجب، ولم يتعرض النحويون لذلك ولكن تعرَّضوا لنظائره. والثاني: أنه منصوب عطفاً على (١) الكشاف: لتصديق. (٢) الآية ٨٢ من يوسف. (٣) البحر ١٧٩/٤. ٣٩ - الأنعام - أم القرى أي: ولتنذر الذين آمنوا، فيكون ((يؤمنون)) حالاً من الموصول، وليست حالاً مؤكدة لما تقدم لك مِنْ تسويغ وقوعه خبراً وهو اختلاف المتعلق، والهاء في (به)) تعود على القرآن أو على الرسول. ((وهم على صلاتهم يحافظون)) حال، وقدَّم ((على صَلاتهم)) لأجل الفاصلة. وذكر أبو علي في (الروضة)) أن أبا بكر قرأ ((على صلواتهم)) جمعاً(١). آ. (٩٣) قوله تعالى: ﴿كَذِباً﴾: فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه مفعول ((افترى)) أي: اختلقَ كَذِباً وافتعله. الثاني: أنه مصدرٌ له على المعنى أي: افترى افتراءً، وفي هذا نظر؛ لأنَّ المعهود في مثل ذلك إنما هو فيما كان المصدر فيه نوعاً من الفعل نحو: ((قعد القرفصاء» أو مرادفاً له كـ((قعدت [٣٣٣/أ] جلوساً)) أمَّا / ما كان المصدر فيه أعمَّ من فعله نحو: افترى كذباً وَتَقَرْفَصَ قعوداً، فهذا غيرُ معهود إذ لا فائدة فيه، والكذبُ أعمُّ من الافتراء، وقد تُقدم تحقيقه. الثالث: أنه مفعول من أجله أي: افترى لأجل الكذب. الرابع: أنه مصدر واقع موقع الحال أي: افترى حال كونه كاذباً وهي حال مؤكدة. وقوله ((أو قال)) عطف على افترى، و((إلى)) في محل رفع لقيامه مقام الفاعل. وجَوَّز أبو البقاء(٢) أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير المصدر قال: «تقديره: أُوحي إليَّ الوحيُّ أو الإِيحاء))، والأول أولى؛ لأن فيه فائدةً جديدة بخلاف الثاني فإن معنى المصدر مفهوم من الفعل قبله. قوله: ((ولم يُوْحَ إليه شيءٌ)) جملة حالية، وحُذِف الفاعل هنا تعظيماً له لأنَّ الموحي هو الله تعالى. وقوله: ((ومن قال)) مجرور المحل لأنه نَسَقٌ على ((مَنْ)) المجرور بـ مِنْ أي: وممِّن قال. وقد تقدَّم نظير هذا الاستفهام في البقرة(٣)، (١) قال أبو حيان في البحر ٤ /١٨٠: ((هي رواية خلف عن يحيى عن أبي بكر)). (٢) الإملاء ٢٥٣/١. (٣) انظر إعرابه للآية ١٤١٠،١٤٠ من البقرة. ٤٠