Indexed OCR Text
Pages 681-700
- الأنعام - بجرِّ ((حاتم)) بدلاً من الهاء في ((بجوده)) والقوافي مجرورة لكان أَوْلَى. والإِبسال: الارتهان، ويقال: أَبْسَلْتُ ولدي وأهلي أي ارْتَهَنْتُهُمْ قال(١): ١٩٥٣- وإبسالي بَنِيَّ بغير جُرْمٍ بَعَوْناه ولا بدمٍ مُراق بَعَوْنا: جَنَّيْنَا، والبَعْوُ: الجناية. وقيل: الإِبسال: أن يُسْلِمَ الرجل نفسه للهلكة . وقال الراغب(٢): ((البَسْلُ: ضَمُّ الشيء ومَنْعُه، ولتضمّنِه معنى الضمُّ استُغير لتقطّب الوجه فقيل: هو باسل ومُبْتَسِلُ الوجه، ولتضمينه معنى المنع قيل للمُحَرِّم والمرتَهَن: بَسْلٌ)). ثم قال: ((والفرقُ بين الحرام والبَسْل أنَّ الحرامَ عامٌ فيما كان ممنوعاً منه بالقهر والحكم، والبَسْلُ هو الممنوع بالقهر، وقيل للشجاعة بسالة: إمَّا لِما يُوْصَفُ به الشجاع من عُبوسٍ وجهه أولكونه / مُحَرَّماً على أقرانه أو لأنه يمنع ما في حوزته وما تحت يده من أعدائه، [٣٢٤/أ] والبُسْلَةُ أجرة الراقي، مأخوذة من قول الراقي: أَبْسَلْتُ زيداً أي: جَعَلْتُه محرَّماً على الشيطان أو جَعَلْتُه شجاعاً قوياً على مدافعته(٣)، وبَسَل في معنى أَجَلْ وبس» أي: فیکون حرف جواب کاجل، واسم فعل بمعنی اکتف کـ «بس)). وقوله: ((بما)) متعلّقٌ بـ ((تُبْسَل)) أي بسبب، و((ما)) مصدرية أو بمعنى الذي، أو نكرة، وأمرها واضح. قوله: ((ليس لها)) هذه الجملة فيها ثلاثة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنها مستأنفةٌ سِيقَتْ للإِخبار بذلك. والثاني: أنها في محل رفع صفة لـ ((نفس)) والثالث: أنها في محل نصب حالاً من الضمير في ((كسبت)). (١) البيت لعوف بن الأحوص وهو في معاني القرآن للزجاج ٢٨٧/٢؛ واللسان: بعا؛ والبحر ١٤٤/٤؛ والكشاف ٢٧/٢؛ والقرطبي ١٦/٧. (٢) المفردات ٤٦. (٣) أي: مدافعة الشيطان. ٦٨١ - الأنعام = قوله: ((مِنْ دون)) في: ((مِنْ)) وجهان، أظهرهما: أنها لابتداء الغاية، والثاني: أنها زائدةٌ، نقله ابن عطية (١)، وليس بشيء؛ وإذا كانت لابتداء الغاية ففي ما يتعلَّق به وجهان، أحدهما: أنها حال مِنْ ((وليّ)) لأنها لو تأخّرَتْ لكانَتْ صفةً له، فتعلَّقُ بمحذوف هو حال. والثاني: أنها خبر ((ليس)) فتتعلق بمحذوف أيضاً هو خبرٍ لـ ((ليس))، وعلى هذا فيكون ((لها)) متعلقاً بمحذوف علی البیان. وقد مرَّ نظائره، و ((مِنْ دون الله)» فيه حذف مضافٍ أي: من دون عذابِهِ وجزائه . قوله: ((كلَّ عَدْل)) منصوبٌ على المصدرية لأنَّ ((كل)) بحسب ما تُضاف إليه، هذا هو المشهور، ويجوز نصبُه على المفعول به أي: وإن تَقْدِ يداها كلَّ ما تَقْدِي به لا يُؤْخَذُ، فالضميرُ في ((لا يُؤَخَذُ)) على الأول: قال الشيخ(٢): ((عائد على المعدول به المفهوم من سياق الكلام، ولا يعود إلى المصدر، لأنه لا يُسْنَدُ إليه الأخذ، وأمَّا في ((ولا يُؤْخَذُ منها عَدْلٌ))(٣) فمعنى المَغْدِيِّ به فيصح)) انتهى. أي: إنه إنما أَسْنَدَ الأخْذَ إلى العدل صريحاً في البقرة، لأنه ليس المرادُ المصدرَ بل الشيءُ المَفْدِيُّ به، وعلى الثاني يعود على ((كل عدل» لأنه ليس مصدراً فهو كأية البقرة. قوله: ((أولئك الذين أُبْسِلوا)) يجوز أن يكون ((الذين)) خبراً و((لهم شراب)) خبراً ثانياً، وأن يكون ((لهم شراب)) حالاً: إمَّا من الضمير في ((أُبْسلوا))، وإمَّا من الموصول نفسه، و((شرابٌ)) فاعل لاعتماد الجارِّ قبله على ذي الحال، ويجوز أن يكون ((لهم شراب)) مستأنفاً فهذه ثلاثة أوجه في ((لهم شراب)). ويجوز أن يكون ((الذين)) بدلاً من ((أولئك)) أو نعتاً لهم فيتعيَّنُ أن تكون الجملة من ((لهم شرابٌ)) خبراً للمبتدأ، فتحصّل في الموصول أيضاً ثلاثة (١) المحرر ٧٦/٦. (٢) البحر ١٥٦/٤. (٣) الآية ٤٨ من البقرة. ٦٨٢ - الأنعام - أوجه: كونه خبراً أو بدلاً أو نعتاً، فجاءت مع ما قبلها ستة أوجه في هذه الآية . و ((شراب)» يجوز رفعُه مِنْ وجهين: الابتدائية والفاعلية عند الأخفش، وعند سيبويه(١) أيضاً على أن يكون ((لهم)) هو خبر المبتدأ أو حالاً حيث جعلناه حالاً، و((شراب)) مرتفعٌ به لاعتماده على ما تقدَّم، و((من حميمٍ)) صفةٌ لـ ((شراب)) فهو في محلٌّ رفع ويتعلق بمحذوف. و((شراب)) فَعَال بمعنى مَفْعول، وفَعال بمعنى مفعول كطعام بمعنى مطعوم وشراب بمعنى مشروب لا ينقاس لا يقال: أَكال بمعنى مأكول، ولا ضَراب بمعنى مضروب. والإِشارة بـ ((ذلك)) في قول الزمخشري(٢) والحوفي إلى الذين اتخذوا، فلذلك أتى بصيغة الجمع، وفي قول ابن عطية(٣) وأبي البقاء(٤) إلى الحبس المفهوم من قوله ((أن تُبْسَلَ نَفْسٌ)) إذ المرادُ به عمومُ الأنفسِ فلذلك أُشير إليه بالجمع. آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿أَندعو﴾: استفهام توبيخ وإنكار، والجملة في محل نصب بالقول، و((ما)) مفعولةٌ بـ ((ندعو)) وهي موصولةٌ أو نكرةٌ موصوفة، و((مِنْ دونِ الله)) متعلُّقٌ بـ ((ندعو)) قال أبو البقاء(٥): ((ولا يجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في ((يَنْفَعنا)) ولا معمولاً لـ ((ينفعنا)) لتقدُّمِه على ((ما)) والصلةُ والصفةُ لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف)). قوله ((من الضمير في يَنْفعنا)) يعني به المرفوعَ العائدَ على ((ما)) وقوله: ((لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف)) يعني أن ((ما)) لا تخرج عن هذين القسمين، ولكن يجوز أن يكون ((من دون)) حالاً من ((ما)» نفسها على قوله، إذ لم يجعل المانعَ (١) لم أجد في الكتاب نصاً يفيد ذلك. (٢) الكشاف ٢٨/٢ . (٣) المحرر ٧٧/٦. (٤) الإملاء ٢٤٧/١. (٥) الإملاء ٢٤٧/١. ٦٨٣ - الأنعام - من جَعْلِه حالاً من ضميره الذي في ((ينفعنا)) إلا صناعياً لا معنوياً، ولا فرق بين [٣٢٤/ب] الظاهر / وضميره بمعنى أنه إذا جاز أن يكون حالاً من ظاهر جاز أن يكون حالاً من ضميره، إلا أن يمنع مانع. قوله: ((ونُرَدُّ» فيه وجهان أظهرهما: أنه نسقٌ على ((ندعو)) فهو داخلٌ في حيِّز الاستفهام المتسلط عليه القول. والثاني: أنه حال على إضمار مبتدأ أي: ونحن نُرَدُّ. قال الشيخ(١) بعد نقله عن أبي البقاء: ((وهو ضعيفٌ لإِضمار المبتدأ، ولأنها تكون حالاً مؤكدة)) وفي كونها مؤكِّدةً نظر، لأنَّ المؤكِّدةَ، ما فُهِم معناها من الأول وكأنه يقول مِنْ لازم الدعاء ((من دون الله)) الارتداد على العَقِب. قوله: ((على أعقابنا)) فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بـ («نُرَدُ)). والثاني: أنَّه متعلِّقُ بمحذوف على أنه حال من مرفوع (نُرَدُّ) أي: نُرَدُّ راجعين على أَعْقابنا أو منقلبين أو متأخرين، كذا قدَّروه، وهو تفسيرُ معنى، إذ المقدَّر في مثله كون مطلق، وهذا يحتمل أن يُقال فيه إنه حال مؤكدة، و ((بعد إذ)) متعلق بـ ((نُرَدُّ). قوله: ((كالذي اسْتَهْوَتْه)) في هذه الكاف وجهان، أحدهما: أنه نعت مصدر محذوف أي: نُرَدُّ رَدّاً مثل ردِّ الذين. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من مرفوع ((نرد)) أي: نُرَدُّ مشبهين الذي استهوته الشياطين، فَمَنْ جوّز تعدُّدَ الحال جَعَلَها حالاً ثانية إن جعل ((على أعقابنا)) حالاً، ومَنْ لم يُجَوِّزْ ذلك جَعَلَ هذه الحالَ بدلا من الحالِ الأولى، أولم يجعل ((على أعقابنا)) حالاً بل متعلقاً بـ ((نُرَدُّ). والجمهورُ على ((اسْتَهْوَتْهُ)) بتاء التأنيث. وحمزة (٢) ((استهواه)) وهو على (١) البحر ١٥٦/٤؛ والإملاء ٢٤٧/١. (٢) السبعة ٢٦٠؛ والحجة ٢٥٦؛ والبحر ١٥٨/٤. ٦٨٤ - الأنعام - قاعدتِه من الإِمالة، والوجهان معروفان ممَّا تقدَّم في: ((توفّتْه رسلنا)(١). وقرأ أبو عبدالرحمن والأعمش: ((استهوَتْه الشيطان)) بتأنيث الفعل والشيطان مفردٌ. قال الكسائي: ((وهي كذلك في مصحف ابن مسعود)». وتوجيهُ هذه القراءة أنها نُؤوِّل المذكر بمؤنث كقولهم: ((أتته كتابي فاحتقرها)) أي: صحيفتي، وتقدم له نظائر. وقرأ الحسن البصري(٢): ((الشياطون)) وجعلوها لحناً ولا تصل إلى اللحن، إلا أنها لُغَيَّةً رديئةٌ، سُمِعٍ: حول بستان فلانٍ بساتون، وله سلاطون، ويحكى أنه لمَّا حُكِيَتْ قراءة الحسن لحَّنه بعضهم، فقال الفراء: ((أَيْ والله يُلحّنون الشيخ، ويستشهدون بقول رؤبة))، ولعمري لقد صدق الفراء في إنكار ذلك. والمراد بالذي الجنس، ويحتمل أن يُراد به الواحدُ الفذُّ. قوله: ((في الأرض)) فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه متعلقٌ بقوله: ((استهوته)). الثاني: أنه حال من مفعول ((استهوته)). الثالث: أنه حال من ((خَيْران)» الرابع: أنه حال من الضمير المستكنّ في ((حيران))، و(حَيْران)» حال: إمّا من هاء ((اسْتَهْوَتْه)) على أنها بدل من الأولى أو عند مَنْ يُجيز تَعَدُّدها، وإمَّا من ((الذي))، وإمَّا من الضمير المستكنُّ في الظرف، وحيران مؤنَّتُه حَيْرى، ولذلك لم ينصرف. والفعل حار يحار حَيْرةً وحَيَراناً وحَيْرورة(٣). قوله: ((له أصحاب)) جملة في محل نصب صفة لحيران، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في حيران وأن تكون مستأنفةً. و ((إلى الهدى)) متعلِّقٌ بـ ((يَدْعُونه)). وفي مصحف ابن مسعود وقراءته(٤): (أتينا)) بصيغة الماضي، و ((إلى الهدى)) على هذه القراءة متعلَّقٌ به، وعلى قراءة الجمهورِ: الجملة (١) الآية ٦١ من الأنعام. (٢) البحر ١٥٨/٤. (٣) زاد في القاموس: ((حَيَراً)). (٤) البحر ١٥٨/٤. ٦٨٥ - الأنعام - الأمريَّة في محل نصب بقول مضمر أي: يقولون ائتنا، والقول المضمر في محلّ صفةٍ لأصحاب وكذلك «يدعونه)). قوله: ((لِنُسْلِمَ)) في هذه اللام أقوال، أحدها: ــ وهو مذهب سيبويه(١) - أن هذه اللامَ بعد الإِرادة والأمروشبههما متعلقة بمحذوف على أنه خبر للمبتدأ وذلك المبتدأ هو مصدر من ذلك الفعل المتقدم، فإذا قلت: أردْتَ لتقوم، وأمرت زيداً ليذهب كان التقدير: الإِرادة للقيام والأمر للذهاب، كذا نقل الشيخ(٢) ذلك عن سيبويه وأصحابه، وفيه ضعفٌ قد قَدَّمْتُه في سورة النساء عند قوله: ((يريد الله ليبيّن لكم))(٣). الثاني: أن مفعول الأمر والإِرادة محذوف، وتقديره: وأُمِرْنا بالإِخلاص لنُسْلِمَ. الثالث: قال الزمخشري(٤): ((هي تعليل للأمر بمعنى: أُمِرْنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نُسْلِم)). الرابع: أن اللام زائدة أي: أُمِرْنا أن نُسْلِمَ. الخامس: أنها بمعنى الباء أي: بأَنْ نُسْلِمَ. السادس: أن اللام وما بعدها مفعول الأمر واقعة موقع ((أن)) أي أنهما يتعاقبان فتقول: أمرتُك لتقومَ وأن تقوم، وهذا مذهب الكوفيين. وقال ابن عطية(٥): ((ومذهبُ سيبويه أنَّ ((لنُسْلِمَ)) في موضع المفعول وأنَّ قولك: ((أُمِرْت لأقومَ وأَنْ أَقومَ)) يجريان سواء وقال الشاعر(٦): ١٩٥٤ - أُريد لِأَنْسى حبَّها فكأنَّما تَمثَّلُ لي ليلى بكل طريقٍ (١) الكتاب ٤٧٩/١. وانظر: دراسات لأسلوب القرآن ٤٨٤/٤. (٢) البحر ١٥٨/٤. (٣) الآية ٢٦. (٤) الكشاف ٢٩/٢. (٥) المحرر ٨١/٦. (٦) البيت تقدم برقم ٨٥٠. ٦٨٦ - الأنعام - / وهذا ليس مَذْهَبَ سيبويه إنما مذهبُه ما تقدَّم، وقد تقدَّم تحقيق هذه [٣٢٥/أ] المسألة في السورةِ المشارِ إليها قبلُ. آ. (٧٢) قوله تعالى: ﴿وأَنْ أقيموا﴾: فيه أقوال أحدها: أنها في محل نصب بالقول نسقاً على قوله: إنَّ هُدَى الله هو الهدى أي: قل هذين الشيئين. والثاني: أنه نسقٌ على ((لِنُسْلَم)) والتقدير: وأمرنا بكذا للإِسلام ولنقيم الصلاة، و((أن)) توصل بالأمر كقولهم: ((كتبت إليه بأن قم)) حكاه سيبويه(١)، وهذا رأي الزجاج(٢). والثالث: أنه نسق على ((ائتنا)) قال مكي (٣): ((لأن معناه أن ائتنا)» وهو غير ظاهر. والرابع: أنه معطوف على مفعول الأمر المقدَّر، والتقدير: وأُمِرْنا بالإِيمان وبإقامة الصلاة، قاله ابن عطية (٤). قال الشيخ(٥): ((وهذا لا بأس به إذ لا بد من تقدير المفعول الثاني لـ ((أُمِرْنا))، ويجوز حَذْفُ المعطوف عليه لفهم المعنى، تقول: أضربت زيداً؟ فيجيب: نعم وعمراً، التقدير: ضربته وعمراً. وقد أجاز الفراء: ((جاءني الذي وزيد قائمان)) التقدير: الذي هو وزيدٌ قائمان، فحذف ((هو)) لدلالة المعنى عليه)). وهذا الذي قال إنه لا بأس به ليس من أصول البصريين. وأمَّا ((نَعَمْ وعَمْراً)) فلا دلالة فيه لأنَّ (نَعَمْ)) قامَتْ مقامَ الجملة المحذوفة. وقال مكي قريباً من هذا القول إلا أنه لم يُصَرِّعْ بحذف المعطوف عليه فإنه قال(٦): ((وأن في موضع نصب بحذفِ الجارِّ تقديرُه: وبأَنْ أَقيموا)) فقوله: وبأن أقيموا هو معنى قول ابنِ عطية، إلا أن ذاك أوضحه بحذف المعطوف عليه. (١) الكتاب ٤٧٩/١. (٢) معاني القرآن ٢٨٨/٢. (٣) المشكل ٢٧١/١. (٤) المحرر ٨١/٦. (٥) البحر ١٦٠/٤. (٦) المشكل ٢٧١/١. ٦٨٧ - الأنعام : - وقال الزمخشري(١): ((فإن قلت علام عطف قوله ((وأن أقيموا))؟ قلت: على موضع (لِنُسْلِمَ))، كأنه قيل: وأُمِرْنا أن نسلم وأن أقيموا)). قال الشيخ(٢): ((وظاهر هذا التقدير أنَّ ((لنسلم)) في موضع المفعول الثاني لـ((أُمِرْنا)) وعُطِفَ عليه ((وأَنْ أقيموا))، فتكون اللام على هذا زائدة، وكان قد قدَّم قبل هذا أن اللام تعليل للأمر فتناقض كلامه، لأن ما يكون علةً يستحيل أن يكون مفعولاً ويدل على أنه أراد بقوله: ((أن نسلَم في موضع المفعول الثاني)) قوله بعد ذلك: ((ويجوز أن يكونَ التقديرُ: وأُمِرْنا لأن نسلم ولأن أقيموا أي للإِسلام ولإقامة الصلاة، وهذا قول الزجاج، فلولم يكن هذا القول مغايراً لقوله الأول لأنَّخْدِ قولاه وذلك خُلْف». وقال الزجاج(٣): ((أن أقيموا عطف على قوله ((لِنُسْلِمَ)) تقديره: وَأُمِرْنَا لأن نُسْلِمَ وأن أقيموا)). قال ابن عطية(٤): ((واللفظ يمانعه لأنَّ (نُسْلِمَ)) مُعْرِبٌ و((أقيموا)) مبني وعطفُ المبنيِّ على المعرب لا يجوز؛ لأنَّ العطفَ يقتضي التشريك في العامل)). قال الشيخ(٥) ((وما ذُكِرَ من أنه لا يُعْطف المبني على المعرب ليس كما ذكر، بل يجوز ذلك نحو: ((قام زيد وهذا)) وقال تعالى: ((يَقْدُم قومه يوم القيامة فأوردهم النار))(٦)، غاية ما في الباب أنَّ العامل يؤثر في المعرب ولا يؤثر في المبني، وتقول: ((إنْ قام زيد ويقصدْني أُكرمه)) فـ ((إن)) لم تؤثر في ((قام)) لأنه مبنيٌّ وأثّرت في ((يقصِدْني)) لأنه معرب)). ثم قال ابن عطية: ((اللَّهم إلا أنّ (١) الكشاف ٢٩/٢. (٢) البحر ١٦٠/٤. (٣) معاني القرآن ٢٨٨/٢: (٤) المحرر ٨١/٦. (٥) البحر ١٥٩/٤. (٦) الآية ٩٨ من هود. ٦٨٨ - الأنعام - تجعل العطف في ((إنْ)) وحدها، وذلك قلق، وإنما يتخرَّج على أن يقدَّر قوله (وأن أقيموا)) بمعنى ((ولنقم)) ثم خرجَتْ بلفظ الأمرِ لما في ذلك من جزالةٍ اللفظ، فجاز العطف على أن يُلغى حكم اللفظ ويُعَوَّلَ على المعنى، ويُشْبه هذا من جهةٍ ماحكاه يونس عن العرب: ((ادخلوا الأول فالأول)) وإلّ فلا يجوز إلا: الأولَ فالأولَ بالنصب)». قال الشيخ(١): ((وهذا الذي استدركه بقوله ((اللهم إلا)) إلى آخره هو الذي أراده الزجاج بعينه، وهو أنَّ ((أَنْ أقيموا)) معطوفٌ على ((أن نُسْلِمَ)) وأنَّ كليهما علة للمأمور به المحذوف؛ وإنما قلق عند ابن عطية لأنه أراد بقاء ((أن أقيموا)) على معناها من موضوع الأمر وليس كذلك، لأنَّ ((أَنْ)) إذا دخلت على فعل الأمر وكانت المصدرية انسبك منها ومن الأمر مصدر، وإذا انسبك منهما مصدر زال معنى الأمر، وقد أجاز النحويون سيبويه وغيره أن تُوْصَلَ أَنْ المصدرية الناصبةُ للمضارع بالماضي والأمر. قال سيبويه(٢): ((وتقول: كتبت إليه بأَنْ قم، أي بالقيام)) فإذا كان الحكم كذا كان قوله ((لُنُسْلِمَ)) و((أَنْ أقيموا)) في تقدير: للإِسلام ولإقامة الصلاة، وأمَّا تشبيه ابن عطية له بقوله: ((ادخلوا الأولُ فالأولُ)) بالرفع فليس بتشبيهٍ لأن ((ادخلوا)) لا يمكن لو أزيل عنه الضمير أن يتسلط على ما بعده بخلاف ((أَنْ)) فإنها توصلُ بالأمر فإذن لا شبه بينهما)) انتھی (٣). أمَّا قولُ الشيخ ((وإنما قَلِقَ عند ابن عطية لأنه أراد بقاء ((أَنْ أقيموا)) على معناها من موضوع الأمر)» فليس القلقُ عنده لذلك فقط كما حصره الشيخ، بل لأمرٍ آخر من جهة اللفظ وهو أنَّ السِّياقَ التركيبي يقتضي على ما قاله الزجاج (١) البحر ١٥٩/٤. (٢) الكتاب ٤٧٩/١. (٣) انتهى هذا الاقتباس الطويل من الشيخ أبي حيان. ٦٨٩ - الأنعام - أن يكون ((لنسلم)) وأن نقيم، فتأتي في الفعل الثاني بضمير المتكلم فلما لم يقل ذلك قلق عنده، ويدلَّ على ما ذكرته قول ابن عطية ((بمعنى ولنقم، ثم خرجت بلفظ الأمر)» إلى آخره. [٣٢٥/ب] والخامس: أنه محمول / على المعنى، إذ المعنى: قيل لنا: أسْلِموا وأن أقيموا. آ. (٧٣) قوله تعالى: ﴿ويوم يقول كن﴾: في ((يوم)) ثمانية أوجه أحدها - وهو قول الزجاج -(١) أنه مفعول به لا ظرف وهو معطوف على الهاء في ((اتقوه)) أي: واتقوا يومَ أي عقابَ يومٍ يقول أو هَوْلَه أو فَزَعَه، فهو كقوله تعالى في موضع آخر: ((واتَّقوا يوماً لا تجزي))(٢) على المشهور في إعرابه. الثاني: أنه مفعول به أيضاً ولكنه نسق على ((السموات والأرض)) أي: وهو الذي خلق يوم يقول. الثالث: أنه مفعولٌ لا ذكْرُ مقدراً. الرابع: أنه منصوبٌ بعامل مقدَّرٍ، وذلك العامل المقدر مفعول فعل مقدر أيضاً، والتقدير: واذكروا الإعادة يوم يقول: كن أي: يوم يقول الله للأجساد كوني معادةً. الخامس: أنه عطف على موضع قوله ((بالحق)» فإنَّ موضعه نصب ويكون ((يقول)) بمعنى ((قال)) ماضياً كأنه قيل: وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ویوم قال لها: كن. السادس: أن يكون ((يوم يقول)) خبراً مقدماً، والمبتدأ ((قوله))، و((الحق)) صفته أي: قوله الحق في يوم يقول كن فيكون، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال(٣): ((قوله الحق مبتدأ، ويوم يقول خبره مقدماً عليه، وانتصابه بمعنى الاستقرار كقولك ((يوم الجمعة القتال)) واليوم بمعنى الحين، والمعنى: أنه خلق (١) معاني القرآن ٢٨٨/٢. (٢) الآية ٤٨ من البقرة. (٣) الكشاف ٢٩/٢. ٦٩٠ - الأنعام - السموات والأرض قائماً بالحكم وحين يقول لشيء من الأشياء کن،فیکون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة. السابع: أنه منصوب على الظرف، والناصب له معنى الجملة التي هي ((قوله الحق)) أي: حق قوله في يوم يقول كن. الثامن: أنه منصوب بمحذوف دلَّ عليه ((بالحق)). قال الزمخشري (١): ((وانتصابُ اليوم بمحذوف دلَّ عليه قوله «بالحق) كأنه قيل: وحين يكوّن ويقدّر يقوم بالحق)). قال الشيخ(٢): ((وهذا إعراب متكلف)) . قوله: ((فيكون)) هي هنا تامة، وكذلك قوله: ((كن)) فتكتفي بمرفوع ولا تحتاج إلى منصوب، وفي فاعلها أربعة أوجه، أحدها: أنه ضمير جميع ما يخلقه الله تعالى يوم القيامة، كذا قَيَّده أبو البقاء(٣) بيوم القيامة. وقال مكي (٤): ((وقيل: تقدير المضمر في ((فيكون)) جميع ما أراد)) فأطلق ولم يقيِّدْه، وهذا أولى وكأن أبا البقاء أخذ ذلك من قرينة الحال. الثاني: أنه ضمير الصور المنفوخ فيها، ودلَّ عليه قوله: ((يومَ يُنفِخُ في الصور)). الثاث: هو ضمير اليوم أي: فيكون ذلك اليوم العظيم. الرابع: أن الفاعل هو ((قولُه)) و((الحق)) صفته أي: فيوجَدُ قوله الحق، ويكون الكلام على هذا تاماً على ((الحق)). قوله: ((قولُه الحقُّ)) فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه مبتدأ و ((الحق» نعته، وخبره قوله ((يوم يقول)). والثاني: أنه فاعل لقوله ((فيكون)) و((الحق)) نعته أيضاً، وقد تقدَّم هذان الوجهان. الثالث: أنَّ ((قولُه)) مبتدأ، و((الحقُّ)) خبره، أَخْبَرَ عن قوله بأنه لا يكون إلا حقاً. الرابع: أنه مبتدأ أيضاً و((الحق)» نعته، و ((يوم يُنْفخ)) خبره، وعلى هذا ففي قوله ((وله الملك)) ثلاثة أوجه أحدها: أن (١) الكشاف ٢٩/٢. (٢) البحر ١٦١/٤. (٣) الإملاء ٢٤٨/١ . (٤) المشكل ٢٧٢/١ . ٦٩١ - الأنعام- تكونَ جملةً من مبتدأ وخبر معترضة بين المبتدأ وخبره فلا محلَّ لها حينئذ من الإِعراب. والثاني: أن يكون ((الملك)) عطفاً على ((قوله))، وأل فيه عوضٌ عن الضمير، و((له)) في محل نصب على الحال من ((الملك)» العامل فيه الاستقرار والتقدير: قولُه الحقُّ وملكه كائناً له يوم يُنفخ، فأخبرت عن القول الحق والملك الذي لله بأنهما كائنان في يوم ينفخ في الصور. الثالث: أنَّ الجملة من ((وله الملك)) في محل نصب على الحال، وهذا الوجه ضعيف لشيئين، أحدهما: أنها تكون حالاً مؤكدة، والأصل: أن تكون مؤسسةً. الثاني: أن العاملَ فيها معنويٌّ؛ لأنه الاستقرار المقدَّر في الظرف الواقع خبراً، ولا يجيزه إلا الأخفشُ ومَنْ تابعه. وقد تقرَّر مذهبُه غيرَ مرة بدلائله. قوله: ((يوم يُنْفخ)) فيه ثمانية أوجه، أحدها: أنه خبر لقوله ((قوله الحق)) وقد تقدَّم هذا بتحقيقه. الثاني: أنه بدل من «یوم یقول)) فیکون حكمه حكم : ذاك. الثالث: أنه ظرف لـ «تُحْشَرون)) أي: وهو الذي إليه تُحشرون في يوم ينفخ في الصور. الرابع: أنه منصوب بنفس الملك أي: وله الملك في ذلك اليوم. فإن قلت: يلزم من ذلك تقيُّد الملك بيوم النفخ والملك له كل وقت. فالجواب ما أُجيب به في قوله ((لمن الملك اليوم؟ لِلَّه))(١) وقوله: ((والأمر. [٣٢٦/أ] يومئذ الله))(٢) وهو أن فائدةَ الإِخبار بذلك أنه أَثْبَتَ المُلْك والأمر / في يوم : لا يمكن أحد أن يدَّعي فيه شيئاً من ذلك فكذلك هذا. الخامس: أنه حال من الملك، والعامل فيه ((له)) لما تضمَّنه من معنى الفعل. السادس: أنه منصوبٌ بقوله ((يقول)). السابع: أنه منصوب بعالم الغيب بعده. الثامن: أنه منصوب بقوله ((قوله الحق)) فقد تحصَّل في كل من اليومين ثمانيةُ أوجه، ولله الحمد والجمهور على: ((يُنْفَخُ)) مبنيًّاً للمفعول بياء الغيبة، والقائم مقام الفاعل (١) الآية ١٦ من غافر. (٢) الآية ١٩ من الانفطار. ٦٩٢ - الأنعام - الجارُّ بعده. وقرأ(١) أبو عمرو في رواية عبدالوارث: ((ننفخ)) بنون العظمة مبنياً للفاعل. والصُور: الجمهورُ على قراءته ساكنَ [العين]، وقرأه (٢) الحسن البصري بفتحها، فأمَّا قراءة الجمهور فاختلفوا في معنى الصُّور فيها، فقال جماعة: الصُّور جمع صُورة كالصُّوف جمع صُوفة، والثّوم جمع ثومة، وهذا ليس جمعاً صناعياً وإنما هو اسم جنس، إذ يُفَرَّق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، وأَيَّدوا هذا القولَ بقراءة الحسنِ المتقدمة. وقال جماعةٌ: إن الصُّور هو القَرْن، قال بعضهم: هي لغة اليمنِ وأنشد(٣): بالشامخات في غبار النَّفْعَيْنْ ١٩٥٥- نحن نَطَحْنَاهُمْ غداةَ الجَمْعَيْنْ نَطْحاً شديداً لا كنطح الصُوْرَيْن وأيّدوا ذلك بما ورد في الأحاديث الصحيحة، قال عليه السلام(٤): (كيف أَنْعَمُ وصاحبُ القَرْن قد التقمه))(٤) وقيل في صفته: إنه قَرْنٌ مستطيل فيه أبخاش، وأن أرواح الناس كلهم فيه، فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجَتْ روحُ كلِّ جسدٍ من بخش من تلك الأبخاش. وأنحى أبو الهيثم على مَن ادَّعى أن الصُّور جمع صُورة فقال: ((وقد اعترض قومٌ فأنكروا أن يكون الصُّور قرناً كما أنكروا العرش والميزان والصراط، وادَّعَوا أن الصور جمع الصورة كالصوف جمع الصوفة، ورَوَوْا ذلك عن أبي عبيدة (٥)، وهذا خطأً فاحشٌ وتحريفٌ لكلام الله عز وجل عن مواضعه لأن الله قال: ((وصَوَّركم فأحسن صُوَركم)) (٦) ((ونُفِخَ (١) البحر ١٦١/٤، ورسمها في الشواذ ٣٨ بالياء. (٢) البحر ١٦١/٤. (٣) لم أهتد إلى قائلها، وهي في القرطبي ٢٠/٧؛ والبحر ١٤٤/٤. (٤) رواه الترمذي. (التحفة) القيامة (٨) ١١٧/٧؛ وأحمد في المسند ٧/٣. (٥) مجاز القرآن ١٩٦/١. (٦) الآية ٦٤ من غافر. ٦٩٣ - الأنعام - في الصُّور))(١) فَمَنْ قِرأها: ((ونُفِخْ فِي الصُّوَرِ)) أي بالفتح، وقرأ ((فَأَحْسَنَ صُوْرَكم)) أي بالسكون فقد افترى الكذبَ على الله، وكان أبو عبيدة صاحبَ أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو)). قال الأزهري(٢): ((قد احتجِّ أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غيرُ ما ذهب إليه وهو قول أهل السنة والجماعة)) انتهى، ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم. وقال الفراء (٣): ((يُقال: نَّفَخ في الصور ونَفَخَ الصورَ)) وأنشد(٤). ١٩٥٦- لولا ابنُ جَعْدَةً لم يُفْتَحِ قُهَنْدُزُكُمْ ولا خراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ وفي المسألة كلامٌ أكثرُ من هذا تركتُه إيثاراً للاختصار. قوله: ((عالمُ الغيبِ)) في رفعه أربعةُ أوجه، أحدها: أن يكون صفةً للذي في قوله: ((وهو الذي خلق)) وفيه بُعْدّ لطول الفصل بأجنبيٍّ . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هو عالم. الثالث: أنه فاعلٌ لقوله: ((يقول)» أي: يوم يقول عالم الغيب. الرابع: أنه فاعل بفعلٍ محذوف يدل عليه الفعلُ المبنيُّ للمفعول؛ لأنه لمَّا قال ((يُنفخ في الصور)) سأل سائِلٌ فقال: من الذي يَنْفُخ؟ فقيل: ((عالم الغيب)) أي: يَنْفخ فيه عالمُ الغيب أي: يأمر بالنفخ فيه، كقوله: ((يُسَبَّح له فيها بالغدوِّ والآصال رجال))(٥) أي يُسَبِّحُه، ومثله أيضاً قول الآخر (٦): (١) الآية ٩٩ من الكهف. (٢) تهذيب اللغة ٢٢٩/١٢. (٣) معاني القرآن ٣٤٠/١. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في معاني القرآن للفراء ٣٤٠/١. والقهندز: أعجمية ومعناها الحصن. (٥) الآية ٣٦ من النور وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر. انظر: الحجة لابن زنجلة ٥٠١. (٦) تقدم برقم ١٢٠١. ٦٩٤ - الأنعام - ومختبطُ ممَّا تُطيح الطوائح ١٩٥٧- ليّكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ أي: مَنْ يَبْكيه؟ فقيل: ضارع، أي: يبكيه ضارع ومثله: ((وكذلك زُيِّن الكثير من المشركين قَتْلُ أولادِهم شركاؤُهم))(١) في قراءة مَنْ بنى ((زُيِّن)) للمفعول ورفع ((قَتْلُ)) و((شركاؤهم)) كأنه قيل مَنْ زيَّنه لهم؟ فقيل: زيَّنه شركاؤهم. والرفع(٢) على ما تقدَّم قراءة الجمهور، وقرأ(٣) الحسن البصري والأعمش: ((عالمِ)) بالجر وفيها ثلاثة أوجه، أحسنها: أنه بدل من الهاء في ((له)). الثاني: أنه بدل من ((رب العالمين)) وفيه بُعْدٌ لطول الفصل بين البدل والمبدل منه. الثالث: أنه نعت للهاء في ((له))، وهذا إنما يتمشّى على رأي الكسائيّ حيث يجيز نعت المضمر بالغائب وهو / ضعيفٌ عند البصريين [٣٢٦/ب] والكوفيين غيرَ الكسائي. آ. (٧٤) قوله تعالى: ﴿وإذ قال): ((إذ)) منصوبٌ بفعل محذوف أي: اذكر، وهو معطوفٌ على ((أقيموا)) قاله أبو البقاء(٤). و((قال)) في محل خفض بالظرف)). قوله: ((آزَرَ)) الجمهور: آزرَ بزنة آدم، مفتوح الزاي والراء، وإعرابه حينئذ على أوجه، أحدها: أنه بدل من ((أبيه)) أو عطف بيان له إن كان آزر لقباً له، وإن كان صفةً بمعنى المخطىء كما قاله الزجاج(٥)، أو المعوجّ كما قاله الفراء (٦)، أو الشيخ الهرم كما قاله الضحاك، فيكون نعتاً لـ ((أبيه)) أو حالاً منه بمعنى: وهو في حالة اعوجاج أو خطأ، ويُنْسَبُ للزجاج. وإن قيل: إن آزر (١) الآية ١٣٧ من الأنعام وهي قراءة ابن عامر. انظر: السبعة ٢٧٠. (٢) أي: رفع ((عالم)). (٣) البحر ١٦١/٤. (٤) الإِملاء ٢٤٨/١. (٥) معاني القرآن ٢٩٠/٢. (٦) معاني القرآن ٣٤٠/١. ٦٩٥ - الأنعام- اسم صنم كان يعبده أبوه، فيكون إذ ذاك عطفَ بيان لأبيه أو بدلاً منه، ووجهُ ذلك أنه لما لازم عبادته نُبِزَ بِه وصار لَقَباً له كما قال بعض المُحْدَثين(١): ١٩٥٨- أُدْعى بأسماءَ نّبْزاً في قبائِلها كأنَّ أسماءَ أَضْحَتْ بعضَ أسمائِي كذا نسبه الزمخشري(٢) إلى بعض المُحْدَثين، ونسبه الشيخ(٣) لبعض النحويين، قال الزمخشري: ((كما نُبِزَ ابن قيس بالرُّقَيَّات اللاتي كان يشبّبُ بھنُّ فقيل: ابن قیس الُّقَّات)» أو یکون على حذف مضاف أي: لأبيه عابد آزر، ثم حُذِفَ المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقَامَه، وعلى هذا فيكون عابد صفة لأبيه أُعْرِبَ هذا (٤) بإعرابه، أو يكون منصوباً على الذمّ. وآزر ممنوع الصرف واختلف في علةٍ مَنْعِه فقال الزمخشري (٥): ((والأقربُ أن يكون وزن آزر فاعَل كعابَرٍ وشالَخ وفالَغ، فعلى هذا هو ممنوع العلمية والعجمة. وقال أبو البقاء(٦): ((ووزنه أفعل ولم ينصرف للعجمة والتعريف على قول من لم يشتقُّه من الأزر أو الوزر، ومَن اشتقَّه من واحدٍ منهما قال: هو عربيٌّ ولم يَصْرِفْه للتعريف ووزن الفعل)» وهذا الخلاف يشبه الخلاف في آدم، وقد تقدم ذلك وأن اختيار الزمخشري فيه أنه فاعل کعابر، وما جرى على ذاك، وإذا قلنا بكونِه صفةً على ما قاله الزجاج بمعنى المخطىء أو بمعنى المعوجّ أو بمعنى الهَرِمِ، كما قاله الفراء والضحاك، فَيُشْكل مَنْعُ صرفِه، ويُشْكل أيضاً وقوعُه صفة للمعرفة . (١) البيت لأبي محمد عبدالله الخازن، وهو في شرح شواهد الشافية ٢٩٨؛ والكشاف ٣٠/٢. ونيزاً: لقباً .: (٢) الكشاف ٣٠/٢. (٣) البحر ١٦٣/٤، وعبارة مطبوعة البحر ((لبعض المحدثين)). (٤) أي آزر. (٥) الكشاف ٢٩/٢. (٦) الإملاء ٢٤٨/١. ٦٩٦ - الأنعام- وقد يُجاب عن الأول بأن الإشكال يندفع بادِّعاء وزنه على أَفْعَل فيمتنع حينئذ للوزن والصفة كأحمر وبابه، وأمَّا على قول الزمخشري فلا يتمشّى ذلك، وعن الثاني بأنه لا نُسَلَّم أنه نعت لـ ((أبيه)) حتى يلزم وصفُ المعارف بالنكرات بل هو منصوبٌ على الذم أو أنه على نية الألف واللام، قالهما الزجاج(١)، والثاني ضعيف، لأنَّ حذف أل وإرادة معناها إمَّا أن يؤثر مَنْعَ صرف [كما] في ((سحر)) ليوم بعينه ويسمّى عَدْلاً، وإمَّا أن يؤثر بناءً ويسمى تضمُّناً كأمس، وفي سحر وأمس كلامٌ طويلٌ ليس هذا مقامه، ولا يمكن أن يقال إن ((آزّر)) امتنع من الصرف كما امتنع ((سحر)) أي للعدل عن أل، لأن العدلَ يُمْنع فيه مع التعريف، فإنه لوقتٍ بعينه، بخلاف هذا فإنه وصفٌ كما فرضتم. وقرأ(٢) أُبَيُّ بنُ كعب وعبدالله بن عباس والحسن ومجاهد في آخرين بضمِّ الراء على أنه منادى حُذِفَ حرفُ ندائِه كقوله تعالى: (يوسُفُ أعرضْ))(٣) وکقوله(٤): ١٩٥٩- ليّك يزيدُ ضارعْ لخصومةٍ في أحد الوجهين أي: يا يزيد، ويؤيِّده ما في مصحف أُبَيّ: يا آزر بإثبات حرفه، وهذا إنما يَتَمثَّى على دعوى أنه عَلَم، وأمَّا على دعوى وصفيَّتِه فيضعف؛ لأنَّ حَذْفَ حرفِ النداء يَقِلُّ فيها كقولهم: ((افتدٍ مخنوقُ)) و((صاحٍ شَمِّرْ)). وقرأ ابن عباس في روايةٍ: ((أَأَزْراً تتخذ)) بهمزتين مفتوحتين وزاي ساكنة (١) معاني القرآن ٢٩١/٢. (٢) البحر ١٦٤/٤؛ والمحتسب ٢٢٣/١. (٣) الآية ٢٩ من يوسف. (٤) تقدم برقم ١٢٠١. ٦٩٧ - الأنعام - وراء منونة منصوبة، (تتخذ)) بدون همزة استفهام، ولمَّا حكى الزمخشري(١) هذه القراءة لم يُسْقط همزة الاستفهام من ((أتتخذ». فأمَّا على القراءة الأولى فقال ابن عطية (٢) مفسراً لمعناها: ((أعضداً وقوةً ومظاهرةً على الله تتخذ، وهو من قوله ((اشدُدْ به أَزْري))(٣) انتهى. وعلى هذا فيحتمل ((أزراً) أن ينتصب من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله، و((أصناماً آلهة)) منصوب بتتخذ على ما سيأتي بيانه، والمعنى: أنَّتخذ أصناماً آلهةً لأجل القوة والمظاهرة. والثاني: أن ينتصبّ على الحال لأنها في الأصل صفةٌ لأصناماً، [٣٢٧/أ] فلما قُدِّمَتْ عليها وعلى عاملها انتصَبْت على الحال. / والثالث: أنْ ينتصب على أنه مفعول ثان قُدِّم على عامله، والأصل: أتخذ أصناماً آلهة أزْراً أي قوة ومظاهرة . وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فقال الزمخشري(٤): ((هو اسم صنم ومعناه: أتعبد أزْراً، على الإِنكار، ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخلٌ في حکم الإنكار لأنه کالبیان له)) فعلى هذا ((أزْراً) منصوب بفعل محذوف یدل عليه المعنى، ولكن قوله ((وهو داخلٌ في حكم الإِنكار)» يقوِّي أنه لم يُقرأ: ((أَنْتَّخِذُ)) بهمزة الاستفهام لأنه لوكان معه همزة استفهام لكان مستقلاً بالإِنكار، ولم يحتج أن يقول: هو داخلٌ في حکمِ الإِنکار لأنه کالبیان له. وقرأ ابن عباس أيضاً وأبو إسماعيل الشامي(٥): (أإزراً) بهمزة استفهام بعدها همزةٌ مكسورة ونصب الراء منونةً، فجعلها ابن عطية(٦) بدلاً من وأو (١) الكشاف ٣٠/٢. (٢) المحرر ٨٦/٦. (٣) الآية ٣١ من طه. (٤) الكشاف ٣٠/٢. (٥) ثمة أكثر من علم بهذه الكنية ولم أر من بينهم الشامي. انظر: تهذيب الكمال ١٥٧٦/٣. (٦) المحرر ٨٦/٦. ٦٩٨ - الأنعام - اشتقاقاً من الوزر كإسادة وإشاح في: وسادة ووشاح. وقال أبو البقاء(١): ((وفيه وجهان، أحدهما: أن الهمزة الثانية فاء الكلمة وليست بدلاً من شيء ومعناه الثقل)) وجعله الزمخشري(٢) اسمَ صنم، والكلامُ فيه كالكلام في ((أزراً» المفتوح الهمزة وقد تقدم. وقرأ الأعمش: ((إِزْراً تَتَّخِذُ)) بدون همزة استفهام، ولكن بكسر الهمزة وسكون الزاي ونصب الراء منونة، ونصبُه واضح مما تقدم، و((تتخذ) يُحتمل أن تكونَ المتعدية لاثنين بمعنى التصييرية، وأن تكون المتعديةَ لواحدٍ لأنَّها بمعنى عمل، ويحكى في التفسير أن أباه كان ينحتها ويصنعها، والجملة الاستفهامية في محل نصب بالقول، وكذلك قوله ((إني أراك)) و((أراك)) يحتمل أن تكون العِلْميَّة وهو الظاهر فتتعدّى لاثنين وأن تكون بصرية وليس بذاك، فـ ((في ضلال)) حالٌ، وعلى كلا التقديرين يتعلَّق بمحذوف إلا أنه في الأول أحدُ جُزْأَي الكلام، وفي الثاني فَضْلة. و (مبين)) اسم فاعل من ((أبان)) لازماً بمعنى ظهر، ويجوز أن يكون من المتعدِّي والمفعول محذوف، أي: مبين كفرُكم بخالقكم، وعلى هذا فقولُ ابن عطية (٣) ((ليس بالفعلِ المتعدِّي المنقول من بان يبين)) غيرُ مُسَلَّم، وجعلَ الضلالَ ظرفاً محيطاً بهم مبالغةً في اتِّصافهم به فهو أبلغُ مِنْ قوله ((أراكم ضالين)). (١) الإملاء ٢٤٨/١. (٢) الكشاف ٣٠/٢. (٣) المحرر ٨٧/٦. ٦٩٩ فهرس الموضوع الصفحة سورة النساء سورة المائدة ١٧٧ سورة الأنعام ٥٢٣ انتهى الجزء الرابع من كتاب اللَّهُ المِصُون ويليه إن شاء الله الجزء الخامس مبتدئاً بالآية ٧٥ من سورة الأنعام ٧٠٠