Indexed OCR Text

Pages 641-660

- الأنعام -
غير مصروفة ((والفَيْنَةَ بعد الفينة)) أي: الحين بعد الحين، فألحق لام التعريف
ما استعمل معرفة، ووجه ذلك أنه يُقَدَّر فيه التنكير والشيوع كما يُقَدَّر فيه ذلك
إذا بني)).
وقال أبو جعفر النحاس(١): ((قرأ أبو عبد الرحمن ومالك بن دينار
وابن عامر: ((بالغُدْوة)) قال: ((وباب غُدْوة أن يكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها
كما تُنَكَّر الأسماءُ الأعلام، فإذا نُكِّرَتْ دَخَلَتْها الألف واللام للتعريف)». وقال
مكي بن أبي طالب(٢): ((إنما دَخَلَت الألف واللام على ((غداة)) لأنها نكرة،
وأكثر العرب يَجْعل («غُدوةٍ)) معرفةً فلا ينوِّنها، وكلهم يجعل ((غداة)) نكرةً
فينوِّنها، ومنهم مَنْ يجعل ((غُدْوة)) نكرة وهم الأقل)) فثبت بهذه النقولِ التي
ذكرْتُها عن هؤلاء الأئمةِ أن قراءة ابن عامر سالمةٌ من طعن أبي عبيد، وكأنه
- رحمه الله - لم يحفظها لغةً.
وأما ((العَشِيُّ)) فنكرةٌ وكذلك ((عَشِيَّة)». وهل العَشِيُّ مرادِفٌ لعَشِيَّة؟ أي:
إن هذا اللفظَ فيه لغتان: التذكير والتأنيث أو أن عَشِيّاً جمعُ عَشِيَّة في المعنى
على حدٍّ قمح وقمحة وشعير وشعيرة، فيكون اسم جنس، خلاف مشهور،
والظاهر الأول لقوله تعالى: ((إذا عُرِض عليه بالعَشِيّ الصافِناتُ))(٣)، إذ المرادُ
هنا عشيّة واحدة، واتفقت مصاحف الأمصار على رسم هذه اللفظة ((الغدوة))
بالواو وقد تقدَّم لك أن قراءة ابن عامر ليست مستندة إلى مجرد الرسم بل إلى
النقل، وثَمَّ ألفاظ اتُّفِقَ أيضاً على رسمها بالواو، واتُّفق على قراءتها بالألف
وهي : الصلاة والزكاة ومَنّاة ومِشْكاة والربا والنجاة والحياة، وحرفُ اتَّفِق على
رسمه بالواو واختلف في قراءته بالألف والواو وهو ((الغداة)). وأصل غداة:
غَدَوَة، تحرَّكَت الواو وانفتح ما قبلها فقُلِبَتْ ألفاً. وقرأ ابن أبي عبلة
(١) إعراب القرآن ٥٤٨/١.
(٢) المشكل ٢٦٧/١.
(٣) الآية ٣١ من ص.
٦٤١

- الأنعام -
((بالغَدَواتِ والعَشِيَّات))، جمع غداة وعشية. ورُوي عن أبي عبدالرحمن أيضاً
«بالغدوِّ) بتشديد الواو من غير هاء.
قوله: ((يريدون)) هذه الجملةُ في محلِّ نصب على الحال من فاعل
((يَدْعون)) أو مِنْ مفعوله، والأول هو الصحيح، وفي الكلامِ حَذْفٌ أي: يريدون .
بدعائهم في هذين الوقتين وجهَه.
قوله: ((ما عليكَ مِنْ حسابهم مِنْ شيء)) ((ما)) هذه يجوز أن تكونَ.
الحجازيةَ الناصبة للخبر فيكون ((عليك)) في محل النصب على أنه خبرها،
عند مَنْ يُجَوِّزُ إعمالها في الخبر المقدَّم إذا كان ظرفاً أو حرف جر، وأمَّا
إذا كانت تميميةً أو متعيَّناً إهمالُها في الخبر المقدم مطلقاً كان ((عليك)) في
محل رفع خبراً مقدماً، والمبتدأ هو ((مِنْ شيء)) زِيْدت فيه ((مِنْ)).
وقوله ((مِنْ حسابهم)) قالوا: ((مِنْ)) تبعيضية وهي في محلٌّ نصب على:
الحال، وصاحبُ الحال هو ((مِنْ شيء)) لأنها لو تأخرت عنه لكانت صفةً له،
وصفةُ النكرة متى قُدِّمَتْ انتصبت على الحال، فعلى هذا تتعلَّق بمحذوفٍ،
والعامل في الحال الاستقرار في ((عليك))، ويجوز أن يكون ((من شيء)) في
محلُّ رفعٍ بالفاعلية ورافعُه ((عليك)) لاعتماده على النفي، و((مِنْ حسابهم))
حالٌ أيضاً من ((شيء)) العامل فيها الاستقرار، والتقدير: ما استقرَّ عليك شيء
من حسابهم. وأُجيز أن يكون ((من حسابهم)) هو الخبر: إمَّا لـ (ما))، وإمَّا
للمبتدأ، و((عليك)) حال من ((شيء))، والعامل فيها الاستقرار، وعلى هذا فيجوز
أن يكون ((من حسابهم)) هو الرافع للفاعل على ذاك الوجه، و((عليك)) حال أيضاً
كما تقدم تقریره، وکوب «من حسابهم)) هو الخبر، و «علیك))هو الحال غيرُ واضح
لأنَّ مَحَطَّ الفائدة إنما هو ((عليك)).
وقوله: ((وما مِنْ حسابك عليهم مِنْ شيء)) كالذي قبله، إلا أنَّ (١) هنا
:
(١) كذا على تقدير الحال والشأن اسماً للحرف الناسخ .
٦٤٢

- الأنعام -
يمتنع بعض ما كان جائزاً هناك، وذلك أن قوله ((من حسابك)) / [٣١٧/ب]
لا يجوز أن يُنْصَبَ على الحال لأنه يلزمُ تقدُّمه على عامله المعنوي،
وهو ضعيفٌ أو ممتنع، لا سيما وقد تقدَّمَتْ هنا على العامل فيها وعلى
صاحبها، وقد تقدَّم لك أن الحال إذا كانت ظرفاً أو حرفَ جر كان تقديمُها
على العامل المعنويِّ أحسنَ منه إذا لم يكن كذلك، فحينئذ لك أن تجعل قوله
(مِنْ حسابك)) بياناً لا حالاً ولا خبراً حتى تخرجَ من هذا المحذورِ، وكَوْنُ
(مِنْ)) هذه تبعيضيةً غيرُ ظاهر، وقدَّم خطابَه عليه السلام في الجملتين تشريفاً
له، ولو جاءت الجملة الثانية على نَمَط الأولى لكان التركيب: ((وما عليهم مِنْ
حسابك من شيء )) فتقدَّم المجرور بـ((على)) كما قَدَّمه في الأولى، لكنه عَدَل
عن ذلك لما تقدم.
وفي هاتين الجملتين مايُسَمِّيه أهل البديع: ردَّ الأعجاز على الصدور،
كقولهم: ((عادات السادات سادات العادات))، ومثله في المعنى قول
الشاعر(١):
وليس الذي حَرِّمْتَه بمُحَرِّم
١٩٣١ - وليس الذي حَلُلْتَه بمُحَلَّلٍ
وقال الزمخشري(٢) : - بعد كلامٍ قَدَّمَه في معنى التفسير - ((فإن قلت
أما كفى قولُه: ((ما عليك مِنْ حِسابهم من شيء)) حتى ضمَّ إليه ((وما مِنْ حسابك
عليهم من شيء)) قلت: قد جُعِلَتِ الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقُصِد بهما
مُؤَدِّئٌ واحدٌ وهو المَعْنِيُّ بقوله: ((ولا تِزَرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرىٌ))(٣)، ولا يَسْتَقِلُّ
بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً كأنه قيل: لا تُؤاخَذُ أنت ولا هم بحسابٍ
صاحبه)). قال الشيخ (٤): ((قوله: لا تُؤَاخَذُ أنت إلى آخره)) تركيبٌ غير عربي،
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٣٨/٤.
(٢) الكشاف ٢٢/٢.
(٣) الآية ١٦٤ من الأنعام.
(٤) البحر ١٣٧/٤.
٦٤٣

- الأنعام -
لا يجوزُ عَوْدُ الضمير هنا غائباً ولا مخاطباً، لأنه إنْ عاد غائباً فلم يتقدَّمْ له اسمٌ
مفرد غائب يعود عليه، إنما تقدَّم قولُه ((هم)) ولا يمكن العَوْدُ عليه على اعتقادٍ
الاستغناء بالمفرد عن الجمع، لأنه يصير التركيب بحساب صاحبهم، وإنْ
أُعيد مخاطباً فلم يتقدم مخاطب يعودعليه، إنما تقدَّم قولُه ((لا تُؤاخذ أنت))،
ولا يمكن العَوْدُ إليه، فإنه ضميرٌ مخاطب فلا يعودُ عليه غائباً، ولو أَبْرَزْتِه
مخاطباً لم يَصِحَّ التركيب أيضاً، فإصلاحُ التركيبِ أن يقال: ((لا يُؤَاخِذُ كلُّ
واحدٍ منك ولا منهم بحسابِ صاحبه، أولا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم
بحسابك، أو لا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم))، فتُغَلَّب الخطابَ على الغيبة
كما تقول: أنت وزيد تضربان)). والذي يظهر أن كلامَ الزمخشري صحيحٌ،
ولكنْ فيه حذفٌ، وتقديره: لا يؤاخذ كل واحد: أنت ولا هم بحساب صاحبهِ،
وتكون ((أنت ولا هم)) بدلاً من كل واحد، والضمير في ((صاحبه)) عائد على
قوله ((كل واحد))، ثم إنه وقع في محذور آخر مما أَصْلَحَ به كلام
أبي القاسم، وذلك أنه قال: (أولا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم)) وهذا
التركيبُ يُحتمل أن يكونَ المرادُ - بل هو الظاهر - نفيَ المؤاخذة بحساب كل
واحد بالنسبة إلى نفسه هو، لا أن كلّ واحد غير مؤاخذ بحساب غيره،
والمعنى الثاني هو المقصود.
والضمائر الثلاثة، أعني التي في قوله: ((من حسابهم)) و ((عليهم))
و ((فتطردهم)» الظاهر عَوْدُها على نوعٍ واحد وهم الذين يَدْعُون ربهم، وبه قال
الطبري(١)، إلا أنه فسَّرِ الحساب بالرزقِ الدنيويِّ. وقال الزمخشريّ(٢)
وابن عطية(٣): ((إن الضميرَيْن الأوَّلَيْن يعودان على المشركين، والثالث يعود
(١) تفسير الطبري ٣٨٧/١١.
(٢) الكشاف ٢٢/٢.
(٣) المحرر ٥٧/٦.
٦٤٤

- الأنعام -
على الداعين)). قال الشيخ(١): ((وقيل: الضميرُ في ((حسابهم)) و ((عليهم)) عائد
على المشركين وتكون الجملتان اعتراضاً بين النهي وجوابه))، وظاهر عبارته أن
الجملتين لا تكونان اعتراضاً إلا على اعتقاد كون الضميرين ((في حسابهم»
و ((عليهم)) عائدَيْن على المشركين، وليس الأمرُ كذلك، بل هما اعتراضً بين
النهي وهو ((ولا تَطْرُدٍ)) وبين جوابِه وهو «فتكونَ))، وإن كانت الضمائر كلها
للمؤمنين، ويدل على ذلك أنه قال بعد ذلك في ((فتكون)): ((وجوَّزوا أن يكون
جواباً للنهي في قوله ((ولا تَطْرُدٍ))، وتكون الجملتان وجوابُ الأول اعتراضاً بين
النهي وجوابه)) فجعلهما اعتراضاً مطلقاً من غير نظر إلى الضميرين(٢). ويعني
بالجملتين ((ما عليك من حسابهم مِنْ شيء)) و((ما من حسابك عليهم من
شيء))، وبجواب الأول قوله ((فتطرُدَهم)).
قولُه تعالى: ((فَتَظْرُدَهم)) فيه وجهان، أحدهما: منصوب على جواب
النهي بأحد معنيين فقط، وهو انتفاءُ الطَّرْدِ لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه
عليهم، لأنه ينتفي المُسَبَّب بانتفاء سببه، ويتوضَّح ذلك في مثال
وهو (ما تأتينا فتحدِّثنا))، بنصب ((فتحدِّثْنا)) وهو يحتمل معنيين، أحدُهما: انتفاءُ
الإتيان وانتفاء الحديث، كأنه قيل: ما يكون منك إتيانٌ فكيف يقع منك حديث؟ وهذا
المعنى هو مقصود الآية الكريمة أي: ما يكون مؤاخذةُ كلٍ واحدٍ بحساب
صاحبه فكيف يقع طرد؟ والمعنى الثاني: انتفاء الحديث وثبوت الإِتيان كأنه
قيل: ما تأتينا مُحَدِّثاً بل تأتينا غيرَ محدِّث. وهذا المعنى لا يليق بالآية
الكريمة، والعلماء - رحمهم الله - وإن أطلقوا قولهم إنه منصوبٌ على
/ جواب النفي (٣)، فإنما يريدون المعنى الأول دون الثاني. والثاني: أن [٣١٨/أ]
يكون منصوباً على جواب النهي.
(١) البحر ١٣٧/٤.
(٢) قوله: ((الضميرين)) غير واضح في الأصل.
(٣) في ص: ((النهي)) وفي الأصل محتملة للكلمتين: النهي والنفي.
٦٤٥

- الأنعام -
وأما قوله ((فتكونَ)) ففي نصبه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب عطفاً على
((فتطردَهم)) والمعنى: الإِخبار بانتفاء حسابهم، والطرد والظلم المسبب عن
الطرد. قال الزمخشري (١): ((ويجوز أن تكون عطفاً على ((فتطردهم)) على وجه
السبب، لأنَّ كونَه ظالماً مُسَبَّبٌ عن طردهم)).
والثاني من وجهي النصب: أنه منصوب على جواب النهي في قوله:
(ولا تَظْرد))، ولم يذكر مكي (٢) ولا الواحدي ولا أبو البقاء(٣) غيره. قال
الشيخ (٤): ((وجوَّزوا أن يكون ((فتكونَ)) جواباً للنهي في قوله ((ولا تَطْرِدٍ))
كقوله: ((لا تَفْتروا على الله كذباً فَيُسْحِتَكم بعذاب))(٥)، وتكون الجملتان
وجوابُ الأول اعتراضاً بين النهي وجوابه)). قلت: قد تقدَّم أن كونَهما: اعتراضاً
لا يتوقف على عَوْد الضميرين في قوله ((مِنْ حسابهم)) و ((عليهم)) على
المشركين كما هو المفهوم من قوله ههنا، وإن كان كلامه قبل ذلك كما حَكَيْتُه
عنه يُشْعر بذلك.
آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿وكذلك فَتَنَّا﴾: الكاف في محل نصب
على أنها نعت لمصدر محذوف والتقدير: ومثل ذلك الفُتُون المتقدِّم الذي فُهم
من سِياق أخبار الأمم الماضية فَتَنَّا بعضَ هذه الأمةِ ببعض، فالإِشارةُ بذلك
إلى الفتون المدلول عليه بقوله: ((فتنًّا))، ولذلك قال الزمخشري(٦): «ومِثْل
ذلك الفَتْن العظيم فُتِن(٧) بعض الناس ببعض)» فجعلَ الإِشارة لمصدر ((فتنَّا»،
(١) الكشاف ٢٢/٢.
(٢) المشكل ٢٦٧/١.
(٣) الإملاء ٢٤٣/١.
(٤) البحر ١٣٨/٤.
(٥) الآية ٦١ من طه.
(٦) الكشاف ٢٢/٢.
(٧) الكشاف: فتنّا.
٦٤٦

- الأنعام -
وانظر كيف لم يتلفظ هو بإسناد الفتنة إلى الله تعالى في كلامه، وإن كان
الباري تعالى قد أَسْندها، بل قال: ((فُتِن بعضُ الناس)) فبناه للمفعول على
قاعدة المعتزلة .
وجعل ابنُ عطية(١) الإِشارةَ إلى طلب الطرد فإنه قال بعد كلام يتعلق
بالتفسير: ((والإِشارة بذلك إلى ما ذُكِرَ مِنْ طلبهم أنْ يطرد الضعفة». قال
الشيخ (٢): ((ولا ينتظم هذا التشبيه، إذ يصير التقدير: مثل طلب الطرد فتنًّا
بعضهم [ببعض](٣)، والمتبادر إلى الذهن من قولك: ((ضربْتُ مثل ذلك))
المماثلةُ(٤) في الضرب، أي: مثل ذلك الضرب لا أن تقع المماثلة في غير
الضرب، وقد تقدم غير مرة أن سيبويه(٥) يجعل مثل ذلك حالاً من ضمير
المصدر المقدر.
قوله: ((يَقولو)) في هذه اللام وجهان، أظهرهما : - وعليه أكثر المعربين
والمفسِّرين - أنها لام كي، والتقدير: ومثل ذلك الفُتُون فَتَنَّا ليقولوا هذه
المقالة ابتلاءً منا وامتحانا. والثاني: أنها لام الصيرورة أي العاقبة كقوله (٦):
١٩٣٢ - لِدُوا للموتِ وابنُوا للخراب
((فالتقطه آل فرعون ليكونَ لهم عَدُوًّا))(٧) ويكونُ قولهم ((أهؤلاء)» إلى
آخره صادراً على سبيل الاستخفاف.
(١) المحرر ٥٨/٦.
(٢) البحر ١٣٩/٤.
(٣) من البحر.
(٤) قوله ((المماثلة)) خبر قوله ((والمتبادر)).
(٥) الكتاب ١١٦/١.
(٦) البيت لعليّ بن أبي طالب - رض -، وعجزه:
فكلكمُ يصير إلى ذهاب
وهو في الهمع ٣٢/٢؛ والدرر ٣١/٢؛ والتصريح ١٢/٢.
(٧) الآية ٨ من القصص.
٦٤٧

- الأنعام-
--
قوله: ((أهؤلاء)) يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب المحل على :
الاشتغال بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّره الفعل الظاهر، العامل في ضميره بوساطة
((على))، ويكون المفسِّر من حيث المعنى لامن حيث اللفظ، والتقدير: أَفَضَّلَ الله
هؤلاء منَّ عليهم، أو اختار هؤلاء مَنَّ عليهم، ولا محلَّ لقوله: ((مَنَّ الله
عليهم)) لكونها مفسرةٍ، وإنما رجَّح هنا إضمار الفعل لأنه وقع بعد أداةٍ يغلب
إيلاءُ الفعلِ لها. والثاني: أنَّ مرفوع المحل على أنه مبتدأ، والخبر: مَنَّ الله
عليهم، وهذا وإن كانَ سالماً من الإضمار الموجود في الوجه الذي قبله، إلا أنه
مرجوحٌ لما تقدم، و(عليهم)) متعلُّقٌ بـ ((مَنَّ)).
و((مِنْ بَيْنِنا)) يجوز أن يتعلَّق به أيضاً، قال أبو البقاء(١): ((أي: مَّزهم
علينا، ويجوز أن يكون حالاً)) قال أبو البقاء(٢) أيضاً: ((أي: مَنَّ عليهم
منفردين، وهذان التفسيران تفسيرا معنى لا تفسيرا إعراب، إلا أنه لم يَسُقّهما
إلا تفسيرَيْ إعراب. والجملة من قوله: ((أهؤلاء مَنَّ الله)) في محلّ نصب
بالقول.
وقوله: ((بأعلمَ بالشاكرين)) الفرق بين التاءين أن الأولى لا تعلُّق لها
[٣١٨/ب] لكونها زائدةً في خبر ليس، والثانية متعلقة بأعلم، وتَعدِّي العِلْم بها / لِما
ضُمِّن من معنى الإِحاطة، وكثيراً ما يقع ذلك في عبارة العلماء فيقولون: عَلِم
بكذا، والعِلْم بكذا، لما تقدم.
آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿وإذا جاؤوك﴾: ((إذا)) منصوب بجوابه أي:
فقلْ: سَلامٌ عليكم وقتَ مجيئهم أي: أوقع هذا القول كلَّه في وقت مجيئهم
إليك، وهذا معنى واضح. وقال أبو البقاء(٣): ((العامل في ((إذا)) معنى الجواب
(١) الإملاء ٢٤٤/١.
(٢) الإِملاء ٢٤٤/١ .
(٣) الإِملاء ٢٤٤/١.
٦٤٨

- الأنعام -
أي: إذا جاؤوك سلِّمْ عليهم)). ولا حاجةً تدعو إلى ذلك مع فوات قوة
المعنى، لأن كونه يبلّغهم السلام والإِخبارَ بأنه كتب على نفسه الرحمة، وأنه من
عَمِل سوءاً بجهالة غفر له، لا يقوم مقامَه السَّلامُ فقط، وتقديره يُفْضي إلى
ذلك .
وقوله: ((سَلامٌ)) مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كان نكرةً لأنه دعاءً، والدعاء
من المسوِّغات. وقال أبو البقاء(١): ((لما فيه من معنى الفعل)) وهذا ليس من
مذهب جمهور البصريين إنما هو شيء نُقل عن الأخفش: أنه إذا كانت النكرة
في معنى الفعل جاز الابتداء بها ورَفْعُها الفاعل وذلك نحو: قائمٌ أبواك، ونَقَل
ابن مالك أن سيبويه أومأ إلى جوازه(٢)، واستدل الأخفش بقوله(٣):
١٩٣٣ - خبيرٌ بنو لِهْبِ فلاتك مُلْغِياً
مقالةً لِهْبِيٍّ إذا الطيرُ مَرَّتٍ
ولا دليلَ فيه؛ لأنَّ فَعيلاً يقع بلفظ واحد للمفرد وغيره، فـ ((خبير)» خبرٌ
مقدَّمٌ، واستدلَّ له أيضاً بقول الآخر (٤):
١٩٣٤- فخيرٌ نحنُ عند الناسِ منكمْ
إذا الداعي المثوِّبُ قال يالا
فخير مبتدأ، و((نحن)) فاعل سدَّ مَسَدَّ الخبر.
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون ((خير)) خبراً مقدماً، و((نحن)) مبتدأ
(١) الإِملاء ٢٤٤/١ .
(٢) الكتاب ١٦٦/١، ٢٧٨؛ الكافية الشافية ٣٣٢/١.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في الأشموني ١٩٢/١؛ والهمع ٩٤/١؛ والعيني ٥١٨/١؛ والدرر
٧٢/١.
(٤) البيت لزهير بن مسعود الضبي وهو في النوادر ٢١؛ والخصائص ٢٧٦/١؛ والمغني
٢٤١؛ وشواهد المغني ٥٩٥؛ والرصف ٢٩؛ والهمع ١٨١/١؛ والخزانة ٦/٢.
المثوب: الذي يكرر النداء.
٦٤٩

- الأنعام -
مؤخر؟ قيل: لئلا يلزم الفصلُ بين أفعل و((مِنْ)) بأجنبي بخلاف جَعْلِهِ فاعلاً،
فإن الفاعلَ كالخبر بخلاف المبتدأ، وهذا القدرُ في هذا الموضع كافٍ
والمسألةُ قد قرَّرتُها في غير هذا الموضوع، و((عليكم)) خبرُه، و((سلام
عليكم)) أبلغُ من ((سلاماً عليكم)» بالنصب، وقد تقرَّر هذا في أول الفاتحة عند
قراءة ((الحمدُ)) و ((الحمدَ)).
وقوله: ((كَتَب ربكم)) في محل نصب بالقول لأنه كالتفسير لقوله «سلام
عليكم)).
قوله ((أَنَّه، فأَنَّه)) قرأ(١) ابن عامر وعاصم بالفتح فيهما، وابن كثير
وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالكسر فيهما، ونافع بفتح الأولى وكسر الثانية،
١
وهذه القراءاتُ الثلاثُ في المتواتر، والأعرج بكسر الأولى وفتح الثانية عكسَ
قراءة نافع، هذه رواية الزهراوي عنه وكذا الداني. وأمَّا سيبويه(٢) فروى قراءته
كقراءة نافع، فيحتمل أن يكون عنه روايتان. فأمَّا القراءة الأولى فَفَتْحُ الأولى
فيها مِنْ أربعة أوجه، أحدها: أنها بدل من الرحمة بدل شيء من شيءٍ
والتقدير: كتب على نفسه أنه من عمل إلى آخره، فإنَّ نفس هذه الجمل
المتضمنة للإِخبار بذلك رحمة. والثاني: أنها في محل رفع على أنها: مبتدأ،
والخبر محذوف أي: عليه أنه من عمل إلى آخره. والثالث: أنها فتحت على
تقدير حذف حرف الجر، والتقدير: لأنه مَنْ عمل، فلما حُذِفت اللامُ جرى
في محلها الخلاف المشهور. الرابع: أنها مفعول بـ ((كتب)) و((الرحمة))
مفعول من أجله، أي: كتب (٣) أنه مَنْ عَمِل لأجل رحمته إياكم. قال الشيخ (٤):
(١) انظر: السبعة ٢٥٨؛ والنشر ٢٤٩/٢؛ والحجة ٢٥٢؛ والبحر ١٤١/٤.
(٢) الكتاب ٤٦٧/١ - ٤٦٨.
(٣) قوله: ((كتب)) غير واضح في الأصل.
(٤) البحر ١٤١/٤، وليس في البحر هذا المنقول عن الشيخ، وإنما فيه تعليق على هذا الوجه
بما يشعر بقبوله، فإنه قال: ((لم يبعد).
٦٥٠

- الأنعام -
(وينبغي أن لا يجوز لأن فيه تهيئة العامل للعمل وقَطْعَه(١) منه)).
وأمَّا فَتْحُ الثانية فمن خمسة أوجه، أحدها: أنها في محل رفع على أنها
مبتدأ والخبر محذوف أي: فغفرانُه ورحمتُه حاصلان أو كائنان، أو فعليه
غفرانه ورحمته. وقد أجمع القرَّاء على فتح ما بعد فاء الجزاء في قوله: ((ألم
تَعْلموا أنَّه مَنْ يُحادِدِ الله ورسولَه فإن له نار جهنم)»(٢) كُتِب عليه أنه مَنْ تولاه
فأنه يُضِله)(٣) كما أجمعوا على كسرها في قوله: ((ومَنْ يَعْصِ الله ورسوله فإنَّ
له نار جهنم)»(٤). الثاني: أنها في محل رفعٍ على أنها خبر مبتدأ محذوف أي:
فأمرُه أو شأنه أنه غفور رحيم. الثالث: أنها تكريرٌ للأولى كُرُّرت لمّا طال
الكلام وعُطِفت عليها بالفاء، وهذا منقولٌ عن أبي جعفر النحاس(٥). وهذا
وهمّ فاحش لأنه يلزم منه أحد محذورين: إمَّا بقاءُ مبتدأ بلا خبر أو شرط
بلا جواب، وبيان ذلك أن ((مَنْ)) في قوله: ((أنه مَنْ عمل)) لا تخلو: إمّا أن
تكون موصولةً أو شرطية، وعلى كلا التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء،
فلو جعلنا ((أن)) الثانية، معطوفة على الأولى لزم عدم خبر المبتدأ وجواب
الشرط، وهو لا يجوز.
قد ذكر هذا الاعتراضَ وأجاب عنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة فقال:
(ومنهم مَنْ جعل الثانيةَ تكريراً للأولى لأجل طول الكلام على حد قوله:
((أَيَعِدُكم أنكم إذا متُّم وكنتمْ تراباً وعظاماً أنكم مُخْرَجون))(٦) ودخلت الفاء في
(١) قوله: ((وقطعه)) غير واضح في الأصل.
(٢) الآية ٦٣ من التوبة .
(٣) الآية ٤ من الحج.
(٤) الآية ٢٣ من الجن.
(٥) هذا المنقول غير وارد في كتابه «إعراب القرآن)).
(٦) الآية ٣٥ من المؤمنون.
٦٥١

- الأنعام -
((فأنه غفورٌ)) على حَدِّ دخولها في ((فلا تَحْسَبَنَّهم بمفازة))(١) على قولِ مَنْ جعله
تكريراً لقولَه: ((لا تَحَسَبَنَّ الذين يفرحون)) إلا أن هذا ليس مثلَ ((أَيَعِدُكُم
أَنَّكم))؛ لأنَّ هذه لا شرطَ فيها وهذه فيها شرط، فيبقى بغير جواب. فقيل:
الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: غفر لهم)) انتهى. وفيه بُعْدٌ،
وسيأتي هذا الجواب أيضاً في القراءة الثانية منقولاً عن أبي البقاء، وكان
ينبغي أن يجيب به هنا لكنه لم يفعلْ، ولم يظهرْ فرقُ في ذلك.
الرابع: أنها بدل من ((أنَّ) الأولى، وهو قول الفراء (٢) والزجاج(٣). وهذا
مردودٌ بشيئين، أحدهما: أنَّ البدلَ لا يَدْخُل فيه حرفُ عطف، وهذا مقترنٌ
[٣١٩/أ] بحرفِ العطف، فامتنع أن يكون بدلاً. فإن قيل: نجعل الفاء / زائدةٌ.
فالجواب أن زيادتها غيرُ جائزة، وهو شيء قال به الأخفش(٤)، وعلى تقدير
التسليم فلا يجوز ذلك من وجهٍ آخر: وهو خلوِّ المبتدأ أو الشرط عن خبر
أو جواب. والثاني من الشيئين: خلُ المبتدأ أو الشرط عن الخبر أو الجواب،
كما تقدَّم تقريره، فإن قيل: نجعل الجوابَ محذوفاً - كما تقدَّمِ نَّقْلُه عن
أبي شامة - قيل: هذا بعيدٌ عن الفَهْم.
الخامس: أنها مرفوعةٌ بالفاعلية، تقديره: فاستقرّ له أنه غفورٌ أي:
استقرَّ له وثَبَتَ غُفرانه، ويجوز أن نُقَدِّر في هذا الوجه جارًّاً رافعاً لهذا الفاعل.
عند الأخفش، تقديره: فعليه أنه غفور، لأنه يُرْفَعُ به وإن لم يَعْتمد، وقد تقدَّم
تحقيقُهُ غيرَ مرَّة.
(١) الآية ١٨٨ من آل عمران وتمامها: ((لا تحسَبَنَّ الذين يفرحون بما أَتَوْا ويحبُّون أن يُحْمدوا
بما لم يَفْعلوا فلا تَحسبَنَّهم بمفازة من العذاب)).
(٢) معاني القرآن للفراء ٣٣٦/١.
(٣) معاني القرآن للزجاج ليس فيه قول بالبدلية وإنما فيه («وقعت الثانية مؤكدة للأولى)). انظر:
٢٧٨/٢.
(٤) انظر أمثلة على ذلك في كتابه معاني القرآن: ٣٤، ١٢٤، ١٢٥، ٢٢٢.
٦٥٢

- الأنعام -
وأما القراءة الثانية(١): فكسْرُ الأولى من ثلاثة أوجه، أحدها: أنها
مستأنفة، وأن الكلام تام قبلها، وجيء بها وبما بعدها كالتفسير لقوله: ((كَتَّبَ
ربُّكم على نفسه الرحمة)). والثاني: أنها كُسِرَتْ بعد قولٍ مقدَّر أي: قال الله
ذلك، وهذا في المعنى كالذي قبله. والثالث: أنه أجرى ((كتب)) مُجْرى
((قال))، فكُسِرَتْ بعده كما تُكْسَرُ بعد القول الصريح، وهذا لا يتمثَّى على
أصول البصريين. وأمَّا كَسْرُ الثانية فمن وجهين، أحدهما: أنها على
الاستئناف، بمعنى أنها في صدر جملة وقعت خبراً لـ((مَنْ)) الموصولة، أو جواباً
لها إن كانت شرطاً. والثاني: أنها عطفٌ على الأولى وتكرير لها، ويُعْترض
على هذا بأنه يلزم بقاءُ المبتدأ بلا خبر أو الشرط بلا جزاء، كما تقدَّم ذلك في
المفتوحتين.
وأجاب أبو البقاء(٢) هنا عن ذلك بأن خبر ((مَنْ)) محذوفٌ دلَّ عليه
الكلام، وقد قدَّمْتُ لك أنه كان ينبغي أن يُجيب بهذا الجواب في
المفتوحتين عند مَنْ جعل الثانية تكريراً للأولى أو بدلاً منها، ثم قال:
((ويجوزُ أن يكونَ العائدُ محذوفاً أي: فإنه غفورٌ له)). قلت: قوله ((ويجوز)) ليس
بجيدٍ، بل كان ينبغي أن يقول ويجب، لأنه لا بد من ضمير عائد على المبتدأ
من الجملة الخبرية، أو ما يقوم مقامه إن لم يكنْ نفسَ المبتدأ.
وأمَّا القراءةُ الثالثة: فيؤخذُ فتحُ الأولى وكَسْرُ الثانية مما تقدَّم مِنْ كسرِها
وفتحها بما يليق من ذلك، وهو ظاهر.
وأمَّا القراءة الرابعة (٣) فكذلك. وقال أبو شامة: ((وأجاز الزجاجُ(٤) كَسْرَ
(١) أي بكسرها في الموضعين.
(٢) الإملاء ٢٤٤/١ .
(٣) بكسر الأولى وفتح الثانية.
(٤) معاني القرآن ٢٧٨/٢ .
٦٥٣

- الأنعام -
الأولى وفَتْحَ الثانية وإن لم يُقرأْ به)). قلت: قد قدَّمْتُ أن هذه قراءةُ الأعرج
وأن الزهراوي وأبا عمرو الداني نقلاها عنه، فكأن الشيخ(١) لم يَطْلِعْ عليها
وقَدَّمْتُ لك أيضاً أنَّ سيبويه لم يَرْوِ عن الأعرج إلا كقراءة نافع، فهذا ممَّا
يصلح أن يكون عذراً للزجاج، وأما أبو شامة فإنه متأخر، فعدمُ اطلاعِه
عجيب .
والهاء في ((أَنَّه)) ضمير الأمر والقصة. و((مَنْ)) يجوز أن تكون شرطيةً وأن
تكون موصولة، وعلى كل تقدير فهي مبتدأةً، والفاءُ وما بعدها في محل جزم
جواباً إن كانت شرطاً، وإلّ ففي محلٌّ رفعٍ خبراً إن كانت موصولة، والعائد
محذوف أي: غفور له. والهاء في ((بعده)) يجوز أن تعود على ((السوء»، وأن
تعود على العمل المفهوم من الفعل كقوله: ((اعدلوا هو أقرب))(٢)، والأول
أولى لأنه أصرح، و((منكم)) متعلَّقٌ بمحذوف إذ هو حالٌ من فاعل ((عمل))،
ويجوز أن تكون ((مِنْ)) للبيان فيعمل فيها ((أعني)) مقدراً.
وقوله ((بجهالة)) فيه وجهان، أحدهما: أنه يتعلَّقُ بـ((عمل)) على أن الباءَ
للسببيةِ أي: عملُه بسبب الجهل. وعَبِّر أبو البقاء (٣) في هذا الوجه عن ذلك
بالمفعول به وليس بواضح. والثاني - وهو الظاهر - أنها للحال أي: عملُه
مصاحباً للجهالة. و((مِنْ)) في ((مِنْ بعده)) لابتداء الغاية.
آ. (٥٥) قوله تعالى: ﴿وكذلك نُفَصِّل﴾: الكاف أمُرُها واضحٌ
من كونها نعتاً لمصدر محذوف أو حالاً من ضمير ذلك المصدر كما هو رأي
[٣١٩/ب] سيبويه(٤)، والإِشارة / بـ ((ذلك)) إلى التفصيل السابق، تقديره: مثل ذلك
(١) أي الشيخ أبو شامة.
(٢) الآية ٨ من المائدة.
(٣) الإملاء ٢٤٤/١.
(٤) الكتاب ١١٦/١.
٦٥٤

- الأنعام -
التفصيل البيّنِ، وهو ما سَبَقَ من أحوال الأمم نفصِّل آيات القرآن. وقال ابن
عطية(١): ((والإِشارة بقوله ((وكذلك)) إلى ما تقدَّم، من النَّهي عن طَرْد المؤمنين
وبيانِ فساد منزع المعارضين لذلك، وتفصيل الآيات تبيينُها وشَرْحُها)). وهذا
شبيه بما تقدم له في قوله: ((وكذلك فَتَنَّا))(٢) وتقدَّم أنه غير ظاهر.
قوله: ((ولتستبينَ سبيلُ)) قرأ الأخوان(٣) وأبو بكر: ((وليستبين)) بالياء من
تحت، و((سبيلٌ)) بالرفع. ونافع: ((ولتستبين)) بالتاء من فوق، ((سبيلَ))
بالنصب. والباقون: بالتاء من فوق، ((سبيل)) بالرفع. وهذه القراءات دائرة على
تذكير ((السبيل)) وتأنيثه وتَعَدِّي ((استبان)) ولُزومِه. وإيضاح هذا أن لغة نجد
وتميم تذكير ((السبيل))، وعليه قوله تعالى: ((وإن يَرَوا سبيل الرُّشْد لا يتخذوه
سبيلا، وإِن يَرَوا سبيلَ الغيِّ يَتَّخذوه سبيلا))(٤)، ولغةُ الحجاز التأنيث، وعليه:
((قل هذه سبيلي))(٥) وقوله(٦):
١٩٣٥- خَلِّ السبيل لمَنْ يبني المنار بها
وأمَّا ((استبانَ)) فيكونُ متعدِّياً نحو: استَبْتُ الشيءَ))، ويكون لازماً نحو:
(استبان الصبح)) بمعنى بان، فَمَنْ قرأ بالياء من تحت ورَفَع فإنه أسند الفعل
إلى ((السبيل)) فرفْعُه على أنه مذكَّرٌ وعلى أن الفعل لازم، ومن قرأ بالتاء من
فوق فكذلك ولكن على لغة التأنيث. ومن قرأ بالتاء من فوق ونصب ((السبيلَ))
فإنه أسند الفعلَ إلى المخاطب ونصب ((السبيل)) على المفعولية وذلك على
(١) المحرر ٦١/٦.
(٢) من الآية ٥٣ من الأنعام.
(٣) انظر: السبعة ٢٥٨؛ الكشف ٤٣٣/١؛ والحجة ٢٥٣؛ والنشر ٢٤٩/٢؛ والبحر
٠١٤١/٤
(٤) الآية ١٤٦ من الأعراف.
(٥) الآية ١٠٨ من يوسف.
(٦) البيت لجرير، وعجزه:
وابْرُزْ بَبْزَةً حيث اضطرّك القَدَرُ
وهو في ديوانه ٢١١؛ والكتاب ١٢٨/١؛ واللسان برز.
٦٥٥

- الأنعام -
تعدية الفعل أي: ولتستبين أنت سبيل المجرمين، فالتاء في «لتستبينَ)) مختلفةُ
المعنى، فإنها في إحدى القراءتين للخطاب وفي الأخرى للتأنيث، وهي في
كلا الحالين للمضارعة، و ((تستبين)) منصوب بإضمار ((أن)) بعد لام كي، وفيما
تتعلَّق به هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها معطوفة على علة محذوفة، وتلك
العلة معمولةٌ لقوله: ((نفصِّل)) والمعنى: وكذلك نفصل الآيات لتستبين لكم
ولتستبين.
والثاني: أنها متعلقة بمحذوف مقدر بعدها أي: ولتستبين سبيل
المجرمين فصَّلناها ذلك التفصيل. وفي الكلام حذفُ معطوف على رأيٍ ،
أي: وسبيل المؤمنين، كقوله تعالى: ((سرابيلَ تَقيكم الحر))(١). وقيل: لا يُحتاج
إلى ذلك، لأن المقام إنما يقتضي ذِكْرَ المجرمين فقط، إذهم الذين أثاروا
ما تقدَّم ذِكْره.
آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿أَن أَعْبُدَ﴾: فيَّ محل ((أَنْ)) الخلاف
المشهور، إذهي على خَذْفِ حرف تقديره: نُهِيْتُ عن أن أعبدَ. وقوله: ((قد
ضَلَّلْت إذن)) ((إذن)) حرف جواب وجزاء لا عمل لها هنا لعدم فعلٍ تعمل فيه،
والمعنى: ((إن اتََّعْتُ أهواءَكم ضَلَلْت وما اهتدَيْت)) فهي في قوة شرط وجزاءٍ ..
والجمهور:((ضَلَّلْتَ)) بفتح اللام الأولى. وقرأ(٢) أبو عبدالرحمن ويحيى
وطلحة بكسرها، وقد تقدَّم أنها لغة. ونقل صاحب التحرير(٣) [عن يحيى
وابن أبي ليلى أنهما قرآ](٤) هنا وفي ألم السجدة: ((أ إذا صللنا»(٥) بصاد غير
(١) الآية ٨١ من النحل.
(٢) انظر: البحر ١٤٢/٤؛ الشواذ ٣٧.
(٣) لعله التحرير والتحبير للشيخ محمد بن سليمان المعروف بابن النقيب المتوفى سنة ٦٩٨ ..
انظر: كشف الظنون ٣٥٨/١.
(٤) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل.
(٥) الآية ١٠ من السجدة ونسبها في الشواذ ٣٧ إلى الحسن.
٦٥٦

- الأنعام -
معجمة. يقال: صَلَّ اللحمُ أي: أنتن، وهذا له بعض مناسبة في آية
السجدة، وأما هنا فمعناه بعيدٌ أو ممتنعٌ. وروى العباس عن ابن مجاهد في
((الشواذ)) له(١): ((صُلِلْنا في الأرض)) أي دُفِنَّا في الصَّلَّة وهي الأرضُ الصُلْبة.
وقوله: ((وما أنا من المهتدين)) تأكيد لقوله: ((قد ضَلَلْت)). وأتى بالأولى جملةً
فعلية ليدلَّ على تجدد الفعل وحُدوثِهِ، وبالثانية اسميةً ليدلَّ على الثبوت.
آ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿وكذّبْتُم به﴾: في هذه الجملة وجهان،
أحدهما: أنها مستأنفةٌ سيقت للإِخبار بذلك. والثاني: أنها في محل نصب
على الحال، وحينئذ هل يُحتاج إلى إضمار ((قد)) أم لا؟ والهاء في ((به)) يجوز
أن تعود على ((ربي)) وهو الظاهر. وقيل: على القرآن لأنه كالمذكور. وقيل
على ((بَيِّنَةَ)) لأنها في معنى البيان. وقيل: لأن التاء فيها للمبالغة، والمعنى:
على أمرٍ بَيِّنٍ من ربي، و((من ربي)) في محل جر صفة لـ ((بينة)).
قوله: ((يَقُصُ الحق)) قرأ(٢) نافع وابن كثير وعاصم: ((يقص)) بصاد
مهملة مشددة مرفوعة، وهي قراءة ابن عباس، والباقون بضاد معجمة مخففة
مكسورة، وهاتان في المتواتر. وقرأ عبدالله وأُبَيّ ويحيى بن وثاب والنخعي
والأعمش وطلحة: ((يقضي بالحق)) من القضاء. وقرأ سعيد بن جبير [٣٢٠/أ]
ومجاهد: ((يقضي بالحق وهو خير القاضين)). فأمَّا قراءة ((يقضي)) فمن
القضاء. ويؤيده قوله: ((وهو خير الفاصلين)) فإنَّ الفصل يناسب القضاء،
ولم يُرْسَم إلا بضاد، كأن الباء حُذِفَتْ خَطّاً كما حذفت لفظاً لالتقاء الساكنين،
كما حذفت من نحو: ((فما تُغْنِ النذر))(٣)، وكما حُذِفَتْ الواو في «سندعُ
(١) عبارة البحر ١٤٢/٤: ((رواه أبو العباس عن مجاهد بن الفرات في كتاب الشواذ له)).
(٢) انظر: السبعة ٢٥٩؛ حجة القراءات ٢٥٤؛ الكشف ٤٣٢/١؛ والنشر ٢٤٩/٢؛
والبحر ١٤٣/٤.
(٣) الآية ٥ من القمر.
٦٥٧

- الأنعام -
الزَّبانية))(١) ((ويمحُ اللهِ الباطل))(٢) لما تقدم.
وأمَّا نصب (الحق)) بعده ففيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على أنه
صفة لمصدر محذوف أي: يقضي القضاء الحق. والثاني: أنه ضمَّن ((يقضي))
معنى يُنْفِذ، فلذلك عِدَّاه إلى المفعول به. الثالث: أن ((قضى)) بمعنى صنع
فيتعدَّى بنفسه من غير تضمين، ويدل على ذلك قولُه (٣):
١٩٣٦- وعليهما مَسْرُودتان قضاهُما داودُ .
أي: صَنَعَهما. الرابع: أنه على إسقاط حرف الجر أي: يقضي
بالحق، فلما حذف انتصب مجروره على حَدٍّ قوله (٤).
١٩٣٧ - تمرُّون الدِّيارِ فلم تَعُوجوا
ويؤيد ذلك: القراءةُ بهذا الأصل.
وأما قراءة ((يَقُصُّ)) فمِنْ ((قَصَّ الحديث)) أو مِنْ ((قصَّ الأثر)) أي: تَتَّعه.
وقال تعالى: ((نحن نقصُّ عليك أحسنَ القصص)»(٥). ورجحَّ أبو عمروبن
العلاء القراءة الأولى (٦) بقوله: ((الفاصلين))، وحُكي عنه أنَّه قال: ((أهو يَقُصُّ
الحقَّ أو يقضي الحق)) فقالوا: ((يقصُّ)) فقال: ((لوكان ((يقص)) لقال:
((وهو خير القاصِّين)) اقرأ أحدٌ بهذا؟ وحيث قال: ((وهو خير الفاصلين)»
فالفصل إنما يكون في القضاء)» وكأن أبا عمرو لم يَبْلُغْه ((وهو خير القاصِّين))
(١) الآية ١٨ من العلق
(٢) الآية ٢٤ من الشورى.
(٣) تقدم برقم ٦٩٣.
(٤) تقدم برقم ١٤٨.
(٥) الآية ٣ من يوسف.
(٦) يعني قراءة ((يقضي)).
٦٥٨

- الأنعام -
قراءةٌ. وقد أجاب أبو علي الفارسي(١) عما ذكره ابن العلاء فقال: ((القصصُ
هنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول أيضاً قال تعالى: ((إنه لقول
فصل))(٢) وقال تعالى: ((كتاب أُحْكِمَتْ آياته ثم فُصِّلَتْ))(٣). وقال تعالى:
(ونفصِّل الآيات))(٤) فقد حمل الفَصْل على القول، واستُعْمل معه كما جاء مع
القضاء فلا يلزم ((من الفاصلين)) أن يكون مُعَيِّناً ليقضي.
آ. (٥٨) وقوله تعالى: ﴿والله أعلمُ بالظالمين): من باب إقامة
الظاهر مقام المضمر تنبيهاً على استحقاقهم ذلك بصفة الظلم، إذ لوجاء على
الأصل لقال: ((والله أعلمُ بكم)).
آ. (٥٩) وقوله تعالى: ﴿مفاتح﴾: فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه
جمعُ مِفْتح بكسر الميم والقصر، وهو الآلة التي يُفتح بها نحو: مُنْخُل ومَنَاخل.
والثاني : أنه جمع مَفْتَح بفتح الميم، وهو المكان، ويؤيده تفسير ابن عباس
هي خزائن المطر. والثالث: أنه جمع مِفتاح بكسر الميم والألف، وهو الآلة
أيضاً، إلا أنَّ هذا فيه ضعفٌ من حيث إنه كان ينبغي أن تُقْلب ألف المفرد ياء
فيقال: مفاتيح كدنانير، ولكنه قد نُقِل في جمع مصباح مصابح، وفي جمع
مِحْراب مَحارِب، وفي جمع قُرْقُور(٥) قراقِرٍ، وهذا كما أتوا بالياء في جمع
ما لا مَدَّةَ في مفرده كقولهم: دراهيم وصياريف في جمع دِرْهَم وصَيْرَف، قال(٦).
١٩٣٨ - تَنْفي يداها الحصى في كل هاجِرَةٍ
نَفْيَ الدراهيمِ تَنْقَادُ الصَّياريفِ
(١) الحجة (خ) ٣٩٢/٢.
(٢) الآية ١٣ من الطارق.
(٣) الآية ١ من هود.
(٤) الآية ١١ من التوبة .
(٥) القرقور: السفينة أو الطويلة.
(٦) تقدم برقم ٦٨٧.
٦٥٩

- الأنعام -
وقالوا: عيِّل وعَيابيل. قال(١):
:
١٩٣٩- فيها عيابيلُ أُسودٌ ونُمُرْ
الأصل: عيايل ونمور، فزاد في ذلك ونَقَّصَ مِنْ هذا.
وقد قُرِىء ((مفاتيح)» بالياء (٢) وهي تؤيد أنَّ مفاتح جمع مفتاح، وإنما
حُذِفَتْ مدَّتُه. وجَوَّز الواحدي أن يكون مفاتح جمع مَفْتَح بفتح الميم على أنه
مصدر، قال بعد كلام حكاه عن أبي إسحاق: ((فعلى هذا مفاتح جمع المَفْتَح
بمعنى الفتح))، كأن المعنى: ((وعنده فتوح الغيب)) أي: هو يفتح الغيب على
مَنْ يشاء من عباده. وقال أبو البقاء(٣): ((مفاتح جمع مَفْتَح، والمَفْتَحُ الخزانة،
فأمَّا ما يُفتح به فهو المفتاحُ، وجمعه مفاتيح وقد قيل مَفْتَح أيضاً)) انتهى. يريد
جمع مَفتح أي بفتح الميم. وقوله: ((وقد قيل: مَفْتَح يعني أنها لغة قليلة في
الآلة والكثير فيها المدُّ(٤)، وكان ينبغي أن يوضّح عبارته فإنها موهمة ولذلك
شرحتها .
قوله: ((لا يَعْلَمُها إلا هو)) في محل نصب على الحال من ((مفاتح))،
[٣٢٠/ب] والعامل فيها الاستقرار الذي تضمَّنه / حرف الجر(٥) لوقوعه خبراً. وقال
أبو البقاء(٦): (نفسُ الظرف إنْ رَفَعْتَ به مفاتح)) أي: إنْ رفعته به فاعلاً، وذلك
على رأي الأخفش، وتضمُّنه للاستقرار لا بد منه على كل قول، فلا فرق بين
أن ترفعَ به الفاعل أو تجعله خبراً.
(١) البيت لحكيم بن معية الربعي، وهو في الكتاب ١٧٩/٢؛ والمقتضب ٢٠٣/٢؛
وابن يعيش ١٨/٥؛ والعين ٥٨٦/٤؛ واللسان: عيل.
(٢) وهي قراءة ابن السميفع كما في البحر ١٤٤/٤.
(٣) الإملاء ٢٤٥/١.
(٤) أي: مفتاح.
(٥) يعني بحرف الجر الظرف «عنده)).
(٦) الإملاء ٢٤٥/١.
٦٦٠