Indexed OCR Text

Pages 601-620

- الأنعام -
في يوسف: ((وَلَدارُ الآخرةِ خير))(١)، وفي مصاحف الناسِ بلامَيْنِ.
و ((خيرٌ» يجوز أن يكون للتفضيل، وحُذِف المفضَّلُ عليه للعلم به أي :
خيرٌ من الحياة الدنيا، ويجوز أن يكونَ لمجرَّدِ الوَصْف بالخيرية كقوله تعالى :
(أصحابُ الجنةِ يومئذٍ خيرُ مستقراً)(٢). و((للذين يتِّقُون)) متعلُّقٌ بمحذوف؛
لأنه صفةٌ لـ ((خير)). والذي ينبغي - أو يتعيَّن ــ أن تكونَ اللامُ للبيان، أي:
أعني للذين، وكذا كلَّ ما جاء مِنْ نحوه، نحو: ((خيرٌ لك من الأولى))(٣).
قوله: ((أفلا تَعْقِلون)) قد تقدَّم الكلامُ في مثل هذه الهمزةِ الداخلةِ على
الفاء وأختِها الواوِ وثم. وقرأ(٤) ابن عامر ونافع وحفص عن عاصم: ((تَعْقِلُون))
خطاباً لمن كان بحضرته عليه السلام وفي زمانه. والباقون بياء الغيبة رَدّاً على
ما تقدَّم من الأسماء الغائبة، وحُذِفَ مفعول ((تَعْقِلون)) للعلمِ به، أي:
أفلا تَعْقلون أنَّ الأمرَ كما ذكر فتزهُّدوا في الدنيا، أو أنها خير من الدنيا.
آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿قد نَعْلَمُ﴾: ((قد)» هنا حرف تحقیق. وقال
الزمخشري(٥) والتبريزي: ((قد نعلم: بمعنى ربما التي تجيء لزيادة الفعل
وکثرته نحو قوله(٦):
١٩٠٢-
قديُهْلِكُ المالَ نائِلُه
(١) الآية ١٠٩ من يوسف.
(٢) الآية ٢٤ من الفرقان.
(٣) الآية ٤ من الضحى.
(٤) انظر: السبعة ٢٥٦؛ الكشف ٤٢٩/١؛ الحجة ٢٤٦؛ النشر ٢٤٨/٢، البحر
٠١١٠/٤
(٥) الكشاف ١٤/٢ .
(٦) البيت لزهير وهو في ديوانه ١٤١، وأخي ثقة أي: يثق بما عنده من الخير، وسيرد تامًاً
بعد قليل.
٦٠١

- الأنعام -
قال الشيخ(١): ((وهذا القول غير مشهور للنحاة، وإن قال به بعضهم
مستدلاً بقوله(٢):
١٩٠٣- قد أَتْرُكُ القِرْن مُصْفِرًّاً أناملُه كأنَّ أثوابِهِ مُجَّتْ بِفِرصاد
وقول الآخر (٣).
ولكنه قد يُهْلك المالَ نائلُه
أخي ثقةٍ لا تُتْلِفُ الخمرُ مَالَه
والذي يَظْهر أنَ التكثيرَ لا يُفْهَمُ من «قد» إنما فُهم من سياق الكلام؛
إذ التمدُّحُ بقتل قِرْن واحد غيرُ طائل، وعلى تقدير ذلك فهو متعذَّر في الآية؛
لأنَّ علمه تعالى لا يقبل التكثير)). قلت: قد يُجاب عنه بأنَّ التكثير في متعلَّقات
العلم لا في العلم، ثم قال: ((وقولُه بمعنى ((ربما) التي تجيء لزيادة الفعل
وكثرته المشهورُ أنَّ ((رُبَّ)) للتقليل لا للتكثير، وزيادةُ ((ما)) عليها لا يُخْرجها عن
ذلك بل هي مهيّئة لدخولها على الفعل، و((ما)» المهيِّئَةِ لا تزيلُ الكلمة عن
معناها الأصلي، كما لا تزيل ((لعلَّ)) عن الترجِّي ولا ((كأنَّ)) عن التشبيه
ولا ((ليت)) عن التمني. وقال ابن مالك: ((قد)) كـ ((ربما)) في التقليل والصَّرف
إلى معنى المضيّ، وتكون حينئذ للتحقيق والتوكيد نحو: ((قد تعلم إنه
لَيَحْزُنُكَ)»(٤) (وقد تعلمون أني رسولُ الله))(٥) وقوله(٦):
١٩٠٤ - وقد تُدْرِكُ الإِنسانَ رحمةُ ربِّه ولوكان تحت الأرض سبعين واديا
/ وقد تخلُو من التقليل وهي صارفةٌ لمعنى المضيِّ نحو قوله: ((قد نرى
[١/٣١٠]
(١) البحر ١١٠/٤.
(٢) تقدم برقم ٥٢٥.
(٣) تقدم برقم ١٩٠٢.
(٤) الآية ٣٣ من الأنعام :.
(٥) الآية ٥ من الصف.
(٦) لم أُهتد إلى قائله، وهو في البحر ١١١/٤.
٦٠٢

- الأنعام -
تقلُّبَ وجهك))(٤).
وقال مكي(٢): ((قد)) هنا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء وإيجابه وتصديقه.
و((نعلم)) بمعنى عَلِمْنا، وقد تقدَّم الكلام في هذا الحرف وأنها متردِّدةٌ بين
الحرفية والاسميةِ. وقال الشيخ(٣) هنا: ((قد حرف توقع، إذا دخلت على
مستقبلِ الزمان كان التوقَّعُ من المتكلم كقولك: ((قد ينزل المطرُ شهرَ كذا))،
وإذا كان ماضياً أو فعل حال بمعنى المضيِّ كان التوقّع عند السامع، وأمَّا
المتكلمُ فهو موجِبُ ما أخبر به، وعَبَّر هنا بالمضارع إذ المرادُ الاتِّصافُ بالعلم
واستمراره، ولم يَلْحَظْ فيه الزمانَ كقولهم: ((هو يعطي ويمنع)).
و ((إنه لَيَحْزُنُكَ)) سادَّ مَسَدَّ المفعولين فإنها معلّقة عن العمل، وكُسِرت
لدخول اللام في خبرها. وتقدَّم الكلامُ في ((لَيَحْزُنك))، وأنه قرىء بفتح الياء
وضمِّها من حَزَنه وأَحْزنه في آل عمران(٤). و((الذي يقولون)) فاعلٌ وعائده
محذوف، أي: الذي يقولونه مِنْ نسبتهم إلى ما لا يليق به، والضمير في ((إنه))
ضمير الشأن والحديث، والجملة بعده خبر مفسِّرةً له، ولا يجوزُ في هذا
المضارعِ أن يُقَدَّر باسم فاعلٍ رافعٍ لفاعلٍ كما يُقَدَّرُ في قولك: ((إنَّ زيداً
يقوم أبوه)» لئلا يلزمَ تفسير ضمير الشأن بمفرد، وقد تقدَّم أنَّه ممنوعٌ عند
البصريين .
قوله: ((لا يكذبونَكَ)) قرأ(٥) نافع والكسائي: ((لا يَكْذِبُونك)) مخففاً من
أَكْذَبَ، والباقون مثقّلاً مِنْ كذَّب، وهي قراءة علي وابن عباس. واختلف
الناس في ذلك، فقيل: هما بمعنى واحد مثل: أَكْثَر وكَثَّر، ونَزَّل وأنزل،
(١) الآية ١٤٤ من البقرة.
(٢) لم يُرِدْ هذا النص في المشكل.
(٣) البحر ١١٠/٤.
(٤) الآية ١٧٦ .
(٥) السبعة ٢٥٧؛ النشر ٢٤٨/٢؛ الحجة ٢٤٦؛ البحر ١١٠/٤؛ الكشف ٤٣٠/١.
٦٠٣

- الأنعام -
وقيل: بينهما فرق، قال الكسائي: ((العرب تقول ((كذَّبْتُ الرجلَ)) بالتشديد،
إذا نَسَبْتَ الكذبَ إليه، و((أَكْذَبْتُه)) إذا نسبْتَ الكذبَ إلى ما جاء به دون أن
تنسبه إليه، ويقولون أيضاً: أَكْذَبْتُ الرجل إذا وجدْتُه كاذباً كأَحْمَدْتُه إذا وجدته
محموداً، فمعنى ((لا يُكْذِبونك)) مخفَّفاً: لا يَنْسِبون الكذبَ إليك ولا يجدونك
كاذباً، وهو واضحٌ.
وأمَّا التشديدُ فيكونُ(١) خبراً محضاً عن عدم تكذيبهم إياه. فإن قيل:
هذا مُحالٌ؛ لأنَّ بعضهم قد وُجِد منه تكذيبُ ضرورةً. فالجواب أن هذا وإن
كان منسوباً إلى جميعهم، أعني عدمَ التكذيب فهو إنما يراد به بعضُهم مجازاً
كقوله: ((كَذَّبَتْ قِومُ نوح))(٢) ((كَذَّبَتْ قومُ لوط))(٣) وإن كان فيهم مَنْ لِم يُكَذِّبْهِ
فهو عامٌّ يُرادُ به الخاص. والثاني (٤): أنه نفى التكذيب لانتفاء ما يترتَّب عليه
من المَضَارِّ، فكأنه قيل: فإنهم لا يُكَذِّبونك تكذيباً يُبالَى به ويَضُرُّكِ لأنك
لست بكاذب، فتكذيبُهم كلا تكذيب، فهو مِنْ نفي السبب لانتفاءِ مُسَبِّبِهِ. وقال
الزمخشري(٥): ((والمعنى: أنَّ تَكْذِيبَك أمرٌ راجع إلى الله لأنك رسولُه
المصدَّق، فهم لا يكذّبونك في الحقيقة، إنما يكذبون الله بجحود آياته فانْتَّهِ
عن حزنك كقول السيد لغلامه : - وقد أهانه بعض الناس - لن يُهِينُوكَ وإنما
أهانوني، وعلى هذه الطريقة: ((إن الذين يُبايعونك إنما يبابعون الله))(٦)
قوله: ((بآيات الله)) يجوز في هذا الجارِّ وجهان، أحدهما: أنه متعلُّقٌ
بـ «يَجْحَدون)»، وهو الظاهرُ الذي لا ينبغي أن يُعْدَلَ عنه. وجَوَّز أبو البقاء(٧) أن
(١) هذا هو الوجه الأول لتخريجه قراءة التشديد.
(٢) الآية ١٠٥ من الشعراء.
(٣) الآية ١٦ من الشعراء.
(٤). هذا هو الوجه الثاني للتشديد.
(٥) الكشاف ١٤/٢.
(٦) الآية ١٠ من الفتح.
(٧) الإملاء ٢٤٠/١.
٦٠٤

- الأنعام -
يتعلَّق بالظالمين، قال: ((كقوله تعالى: ((وآتينا ثمودَ الناقةَ مُبْصِرَةً فظلموا
بها))(١) وهذا الذي قاله ليس بجيد، لأن الباءَ هناك سببيةٌ، أي: ظلموا
بسببها، والباء هنا معناها التعدية، وهنا شيءٌ يتعلق به تعلُّقاً واضحاً،
فلا ضرورة تدعو إلى الخروج عنه. وفي هذه الآية إقامةُ الظاهرِ مُقَامَ المضمر،
إذ الأصل: ولكنهم يَجْحدون بآيات الله، ولكنه نَّبَّه على أن الظلمَ هو الحاملُ
لهم على الجُحود.
والجُحود والجَحْد(٢) نَفْيُ ما في القلب ثباتُه أو إثباتُ ما في القلب نفيُّه.
وقيل: الجَحْد: إنكار المعرفة فليس مرادفاً(٣) للنفي من كل وجه.
آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿مِنْ قبلك﴾: متعلَّقٌ بـ ((كَذَّبَتْ)). ومنع
أبو البقاء(٤) أن يكون صفةً لرسل لأنه زمانٌ، والزمان لا يُوصف به الجثث،
وقد تقدَّم البحث في ذلك غيرَ مرةٍ وأَتْقَبْتُه في البقرة، وذكرته قريباً هنا في قوله :
(وأنشأنا مِنْ بعدِهم قرناً)(٥).
قوله: ((وأُوُذُوا)) يجوز / فيه أربعة أوجه أظهرها: أنه عطفُ على قوله [٣١٠/ب]
((كُذِّبَتْ)) أي: كُذِّبَت الرسلُ وَأُوْذُوا فصبروا على كل ذلك. والثاني: أنه معطوفٌ
على ((صَبَروا)) أي: فصبروا وأُوْنُوا. والثالث : - وهو بعيدٌ - أن يكونَ معطوفاً
على ((كُذِّبوا)) فيكون داخلاً في صلة الحرف المصدري والتقدير: فصَبروا على
تكذيبهم وإيذائهم. والرابع: أن يكون مستأنفاً. قال أبو البقاء(٦): ((ويجوز أن
يكون الوقف تَمَّ على قوله ((كُذُّبوا)) ثم استأنف فقال: ((وَأُوْذو)).
(١) الآية ٥٩ من الإِسراء.
(٢) انظر: المفردات ٨٨.
(٣) الأصل: مرادافا وهو سهو.
(٤) الإملاء ٢٤٠/١.
(٥) الآية ٦ من الأنعام.
(٦) الإملاء ١ /٢٤٠.
٦٠٥

- الأنعام -
وقرأ الجمهور: ((وأُوْذُوا)) بواو بعدَ الهمزةِ من آذى يؤذي رباعياً. وقرأ(١)
ابن عامر في روايةٍ شاذةٍ: ((وأُذوا)) من غير واو بعد الهمزة، وهو من أَذَيْتُ
الرجل ثلاثياً لا من ((آذيت)) رباعياً.
قوله: ((حتى أتاهم نَصْرُنا)) الظاهر أن هذه الغايةَ متعلقةٌ بقوله: ((فصبروا»
أي: كان غايةُ صبرهم نَصْرَ الله إياهم، وإن جَعَلْنا ((وأوذوا)) عطفاً عليه كانت
غايةٌ لهما، وهو واضح جداً. وإن جعلناه مستأنفاً كانت غايةً له فقط، وإن
جَعَلْناه معطوفاً على ((كُذِّبَتْ)) فتكون الغاية للثلاثة. والنصر مضافٌ لفاعله
ومفعوله محذوف، أي: نَصْرُنا إياهم. وفيه التفاتٌ من ضمير الغيبة إلى
التكلُّم، إذ قبله ((بآيات الله)) فلو جاء على ذلك لقيل: نَصْرُه. وفائدةُ الالتفات
إسناد النصر إلى ضمير المتكلم المُشْعر بالعظمة .
قوله: ((ولقد جاءَّك مِنْ نبأ المرسلين)» في فاعل ((جاء)» وجهان،
أحدهما: هو مضمر، واختلفوا فيما يعود عليه هذا الضمير، فقال ابن
عطية (٢): ((الصواب عندي أن يقدر: ((جَلاء، أو بيان)). وقال الرماني:
(تقديره: ولقد جاءك نبأ))(٣). وقال الشيخ(٤): ((الذي يظهر لي أنه يعود على
ما دل عليه المعنى من الجملة السابقة، أي: ولقد جاءك هذا الخبرُ من
تكذيبِ أَتْباع الرسل للرسل والصبر والإِيذاء إلى أن نُصِروا)). وعلى هذه
الأقوال يكون ((من نبأ المرسلين)) في محل نصب على الحال من ذلك
الضمير، وعاملها هو (جاء)) لأنه عاملٌ في صاحبها. والثاني: أنَّ ((من نبأ).
هو الفاعل، ذكره الفارسي، وهذا إنما يتمشّى له على رأي الأخفش(٥)؛ لأنه
(١) البحر ١١٢/٤؛ الشواذ ٣٧.
(٢) المحرر ٤٢/٦.
(٣) أي فتكون ((مِنْ)) زائدة عنده.
(٤) البحر ١١٣/٤.
(٥) معاني القرآن ٢٧٤.
٦٠٦

:
- الأنعام -
لا يَشْترط في زيادتها شيئاً، وهذا - كما رأيت - كلامٌ موجَب، والمجرور
بـ (مِنْ)) معرفة. وضُعَّفَ أيضاً من جهة المعنى بأنه لم يَجِئْه كلُّ نبأ المرسلين
لقوله: ((منهم مَنْ قَصَصْنا عليك، ومنهم مَنْ لم نقصص عليك))(١)، وزيادة
((مِنْ)) تؤدي إلى أنه جاءه جميع الأنباء؛ لأنه اسم جنس مضاف، والأمر
بخلافه .
ولم يتعرَّض الزمخشري للفاعل إلا أنه قال(٢): ((ولقد جاءك من نبأ
المرسلين بعضُ أنبائهم وقصصهم)) وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، إذ
(مِنْ)) لا تكون فاعلة، ولا يجوز أن يكون ((من نبأ)) صفةً لمحذوف هو الفاعل،
أي: ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين، لأن الفاعلَ لا يُحْذَفُ بحالٍ إلا في
مواضع ذُكِرت، كذا قالوا. قال أبو البقاء(٣): ((ولا يجوز عند الجميع أن تكون
((مِنْ)) صفةً لمحذوف، لأن الفاعلَ لا يُحْذف، وحرف الجر إذا لم يكن زائداً
لم يصحَّ أن يكون فاعلاً لأنَّ حرف الجر يُعَذِّي، وكل فعل يعمل في الفاعل
من غير تعدٍ)) يعني بقولِهِ ((لم يصحَّ أن يكونَ فاعلاً)) لم يَصِحَّ أن يكون
المجرور بذلك الحرف، وإلّ فالحرفُ لا يكونُ فاعلا البتة .
آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿وإنْ كان كَبُر﴾: هذا شرطٌ، جوابه الفاء
الداخلة على الشرط الثاني، وجواب الثاني محذوف تقديره: فإن استطعت أن
تبتغي فافعلْ، ثم جُعِل الشرطُ الثاني وجوابُه جواباً للشرط الأول، وقد تقدَّم
مِثْلُ ذلك في قوله: ((فإِمّا يَأْتِيَنَّكم ... فَمَنْ تَبَعَ هُداي فلا خوف)) (٤). وتقدّم
تحرير القول فيه، إلا أن جواب الثاني هناك مُظْهَرٌ. و((كان)) في اسمها
وجهان، أحدهما: أنه (إعراضهم))، و((كُبرَ)) جملة فعلية في محل نصب خبراً
(١) الآية ٧٨ من غافر.
(٢) الكشاف ١٥/٢.
(٣) الإملاء ١ /٢٤٠.
(٤) الآية ٣٨ من البقرة.
٦٠٧
:
=
:

- الأنعام -
مقدماً على الاسم، وهي مسألة خلاف: هل يجوزُ تقديمُ خبرٍ كان على اسمها
إذا كان فعلاً رافعاً لضمير مستتر أم لا؟ وأمَّا إذا كان خبراً للمبتدأ فلا يجوزُ
البتّةَ، لئلا يلتبسَ بباب الفاعل واللَّبْسُ هنا مَأْمُون. وَوَجْهُ المَنْعِ استصحابُ
الأصل. و((كَبُر)) إذا قيل إنه خبر ((كان)) فهل يُحتاج إلى إضمار ((قد)) أم لا؟
والظاهر أنه لا يحتاج، لأنه كثر وقوع الماضي خبراً لها من غير ((قد)» نظماً
ونثراً .. وبعضهم يَخُصُّ ذلك بـ ((كان)) ويمنعه في غيرها من أخواتها إلا
[٣١١/أ] بـ ((قد)) ظاهرةً أو مضمرةً / ومن مجيء ذلك في خبر أخواتها قولُ النابغة (١).
١٩٠٥ - أمسَتْ خَلاءً وأمسى أهلُها احَتَمَلُوا أَخْنى عليها الذي أُخنى على لُبَدِ
والثاني: أن يكونَ اسمُها ضميرَ الأمر والشأن، والجملة الفعلية مفسِّرةٌ
له في محل نصب على الخبر، فإعراضُهم مرفوعٌ بـ ((كُبُر». وفي الوجه الأول
بـ ((كان)، ولا ضمير في ((كبُر)» على الثاني، وفيه ضمير على الأول. ومثلُ
ذلك في جواز هذين الوجهين قولُه تعالى: ((ودَمَّرْنا ما كان يصنعُ فرعون))(٢)
((وأنه كان يقول سَفِيْهُنا))(٣)، ففرعون يحتمل أن يكون اسماً، وأن يكون
فاعلًا، وكذلك ((سفيهُنا))، ومثلُه أيضاً قولُ امرىء القيس(٤):
١٩٠٦ - وإنْ تَكُ قد ساءَتْكِ مني خَليقٌ
فَسُلِّي ثيابي مِنْ ثيابك تْسُلِ
فخليقة يحتمل الأمرين. وإظهار ((قد)» هنا يرجِّح قولَ مَنْ يشترطها، وهل
يجوز في مثل هذا التركيب التنازعُ؟ وذلك أن كلاً من ((كان)) وما بعدها من
الأفعال المذكورة في هذه الأمثلةِ يطلب المرفوع من جهة المعنى، وشروط
الإِعمال موجودة. وكنت قديماً سألت الشيخ عن ذلك فأجابَ بالمنع، محتّجاً
(١) ديوانه ٣١، أخنى عليها: أفسدها وغيَّرها. لبد: اسم نسر يزعمون أنه عمَّر طويلاً.
(٢) الآية ١٣٧ من الأعراف.
(٣) الآية ٤ من الجن.
(٤) تقدم برقم ٩٠٠.
٦٠٨

- الأنعام -
بأنَّ شرط الإِعمال أن لا يكونَ أحدُ المتنازعين مفتقراً إلى الآخر، وأن لا يكونَ
من تمام معناه، و((كان)) مفتقرةٌ إلى خبرها وهو من تمام معناها. وهذا الذي
ذكره مِن المنع وترجيحِه ظاهرٌ، إلا أن النَّحْويين لم يذكروه في شروط
الإعمال.
وقوله: ((وإن كان كَبُر)) مؤولٌ بالاستقبال وهو التبيّن والظهور فهو كقوله :
(إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ))(١) أي: إِنْ تبيَّن وظَهَر، وإلَّ فهذه الأفعالُ قد وقعتْ
وانقضتْ فكيف تقع شرطاً؟ وقد تقدَّم أنَّ المبردَ يُبْقي ((كان)) خاصةً على مضيِّهافي
المعنى مع أدوات الشرط، وليس بشيء. وأمَّا: ((فإن استطعتَ)) فهو مستقبلٌ
معنى لأنه لم يقعّ، بخلافٍ كونه كَبُر عليه إعراضُهم وقَدِّ القميص و((أن تبتغي))
مفعولُ الاستطاعة. و («نَفَقّاً)) مفعول الابتغاء.
والنَّفَقُ: السَّرَب النافذ في الأرض وأصله في جُحْرة اليربوع ومنه النافقاء
والقاصِعاء، وذلك أن اليربوعَ يَحْفِر [في] الأرض سَرَباً ويجعل له بابين،
وقيل: ثلاثة؛ النَّفِقاء والقاصعاء والدَّابِقاء، ثم يَرِقُّ بالحفر ما تقارب وجه
الأرض، فإذا نابه أمرٌ دفع تلك القشرةَ الرقيقةَ وخرجَ. وقد تقدَّم لك استيفاء
هذه المادة عند ذكر ((يُنْفِقُون))(٢) و ((المنافقين)) (٣).
وقوله ((في الأرض)) ظاهرُه أنه متعلقٌ بالفعل قبله، ويجوز أن يكون صفةً
لـ (نَفَقً)) فيتعلَّقَ بمحذوف، وهي صفة لمجرد التوكيد، إذ النفق لا يكون إلا
في الأرض. وجوَّز أبو البقاء(٤) مع هذين الوجهين أن يكونَ حالاً من فاعل
(تَبْتغي)) أي: وأنت في الأرض، قال: ((وكذلك في السماء)) يعني مِنْ جوازٍ
الأوجه الثلاثة، وهذا الوجهُ الثالث ينبغي أن لا يجوز لخُلُوِّه عن الفائدة.
(١) الآية ٢٦ من يوسف.
(٢) من الآية ٣ من البقرة.
(٣) من الآية ٦١ من النساء.
:
(٤) الإِملاء ٢٤٠/١.
٦٠٩
:
!
:
:
:
:
:
:
:
:
:
:

- الأنعام -
والسُّلَّم: قيل: المِصْعَد، وقيل: الدَّرَج، وقيل: السبب، تقول العرب:
اتَّخِذْنِي سُلَّماً لحاجتك أي: سبباً، قال كعب بن زهير(١):
١٩٠٧- ولا لكما مَنْجَىَّ من الأرض فابغيا بها نَفَقاً أو في السموات سُلَّماً
وهو مشتقُّ من السَّلامة، قالوا: لأنه يُسْلَمُ به إلى المصعد. والسُّلَّم
مذكر، وحكى الفراء(٢) تأنيثه، قال بعضهم: ليس ذلك بالوضع، بل لأنه
بمعنى المِرْقاة كما أنَّث بعضهم الصوت في قوله(٣):
١٩٠٨_
سائِلْ بني أَسَدٍ ما هذهُ الصَّوْتُ
لمَّا كان في معنى الصرخة.
آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿والموتَى يَبْعثهم الله﴾: فيه ثلاثةُ أوجه،
أظهرها: أنها جملة من مبتدأ وخبر سِيْقَتْ للإِخبار بقدرته، وأنَّ مَنْ قَدَرَ على
[٣١١/ب] بعث الموتى يَقْدِرُ على إحياء قلوب الكفرة بالإِيمان فلا تتأسَّفْ على / مَنْ
كفر. والثاني: أن ((الموتى)) منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، ورُجِّح
هذا الوجهُ على الرفع بالابتداء لعطف جملة الاشتغال على جملةٍ فعلية قبلها
فهو نظير: ((والظالمين أعدَّ لهم عذاباً أليماً)(٤) بعد قوله: ((يُدْخِل)) .. والثالث:
أنه مرفوع نسقاً على الموصول قبله، والمراد بالموتى الكفار أي: إنما
يَسْتجيب المؤمنون السامعون من أول وهلة، والكافرون الذين يُجيبهم الله
تعالى بالإِيمان ويوفقهم له، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله: (يَبْعَثُهم الله))
في محل نصب على الحال، إلا أن هذا القولَ يُبْعده قوله تعالى: «ثم إليه
يُرْجَعون))، إلا أن يكون من ترشيح المجاز. وتقدَّمت له نظائر.
(١) ليس في ديوانه وهو في البحر ١١٤/١.
(٢) المذكر والمؤنث ٩٧.
(٣) تقدم برقم ٩١٧.
(٤) الآية ٣١ من الإِنسان وتمامها: يُدْخِلُ مَنْ يشاء في رحمته والظالمين أعدَّ لهم)).
٦١٠

- الأنعام-
وقرىء(١) ((يَرْجِعون)) مِنْ رَجَع اللازم.
آ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿مِنْ ربه﴾: فيها وجهان، أحدهما: أنها
متعلقة بـ ((نُزِّل)). والثاني: أنها متعلِّقةٌ بمحذوفٍ لأنها صفةٌ لـ ((آية)) أي: آية
كائنة من ربه. وتقدَّم الكلام على ((لولا)) وأنها تحضيضية.
آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿وما مِنْ دابة﴾: ((مِنْ)) زائدة لوجود الشرطين
وهي مبتدأ، و((إلا أممٌ)) خَبرُها مع ماعُطِفَ عليها. وقوله ((في الأرض)» صفةٌ
لدابَّة، فيجوز لك أن تجعلَها في محلِّ جر باعتبار اللفظ، وأن تجعلها في
محل رفع باعتبار الموضع .
قوله: ((ولا طائرِ)) الجمهور على جرِّه نسقاً على لفظ «دابة))، وقرأ ابن
أبي عبلة(٢) برفعه نسقاً على موضعها. وقرأ ابن عباس: ((ولا طيٍ» من غير
ألف. وقد تقدَّم الكلامُ فيه: هل هو جمع أو اسم جمع(٣)؟ وقوله: ((يطير)» في
قراءة الجمهور يحتمل أن يكون في محلِّ جر باعتبار لفظه، ويحتمل أن يكون
في محل رفع باعتبار موضعه. وأمَّا على قراءة ابن أبي عبلة ففي محل رفع
ليس إلا. وفي قوله ((ولا طائرٍ)) ذكرُ خاصٍ بعد عام، لأنَّ الدابَّةَ تَشْمل كلُّ
ما دَبُّ من طائرٍ وغيره فهو كقوله: ((وملائكته ... وجبريل)»(٤) وفيه نظر
إذ المقابلة هنا تنفي أن تكون الدابة تشمل الطائر.
قوله: ((بجناحَيْه)) فيه قولان، أحدهما: أن الباء متعلقة بـ ((يطير)) وتكونُ
الباءُ للاستعانة. والثاني: أن تتعلَّقَ بمحذوف على أنها حال وهي حال مؤكدة،
وفيها رفعُ مَجازٍ يُتَوَهَّم؛ لأنَّ الطيران يُستعار في السرعة قال(٥):
(١) انظر: البحر ١١٨/٤.
(٢) البحر ١١٩/٤.
(٣) انظر إعرابه للآية ٢٦٠ من البقرة.
(٤) الآية ٩٨ من البقرة ((وملائكته ورسله وجبريل)).
(٥) البيت لقريط بن أنيف وهو في الحماسة ٥٨.
٦١١
٠
:
۔۔
:
۔۔
:
:
:
...

- الأنعام-
١٩٠٩ - قومٌ إذا الشرُّ أبدَى ناجِذَيْه لهم طاروا إليه زَرافاتٍ ووِحْدانا
ويُطلق الطيرُ على العمل، قال تعالى: ((وكلَّ إنسان أَلْزَمْناه طائرَه في
عُنُقِه))(١)
وقوله: ((إلا أممٌ)) خبر المبتدأ، وجُمعٍ وإن لم يتقدَّمْهُ إلا شيئان، لأن
المراد بهما الجنس. و((أمثالكم)) صفة لأمم، يعني أمثالهم في الأرزاق
والآجال والموت والحياة والحشر والاقتصاص لمظلومها من ظالمها. وقيل:
في معرفة الله وعبادته .
قوله: ((مِنْ شيءٍ)) فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن ((مِنْ)) زائدة في المفعول
به والتقدير: ما فرَّطْنا شيئاً، وتضمَّن ((فرَّطْنا)) معنى تركنا وأغفلنا، والمعنى:
ما أَغْفَلْنا ولا تَرَكْنا شيئاً. ثم اختلفوا في الكتاب: ما المراد به؟ فقيل: اللوح
المحفوظ، وعلى هذا فالعموم ظاهر لأن الله تعالى أثبت ما كان وما يكون فيه.
وقيل: القرآن، وعلى هذا فهل العمومُ باقٍ؟ منهم من قال: نعم، وأن جميع
الأشياء مثبتة في القرآن. إمَّا بالصريح وإمَّا بالإِيماء، ومنهم من قال: إنه يُراد
به الخصوص، والمعنى: من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفون. والثاني: أن ((مِنْ))
تبعيضيةٌ أي: ما تركْنا وَلا أَغْفَلْنا في الكتاب بعضَ شيءٍ يَحْتاج إليه المكلّف.
الثالث: أنَّ ((من شيء) في محل نصب على المصدر و((من)) زائدة فيه أيضاً.
ولم يُجِزْ أبو البقاء غيره، فإنه قال(٢): ((مِنْ)) زائدة، و((شيء)) هنا واقع موقع
المصدر أي تفريطاً. وعلى هذا التأويل لا يَبْقى في الآية حجةٌ لمن ظنَّ أن
الكتابَ يَحْتوي على ذِكْر كل شيء صريحاً. ونظير ذلك: ((لا يَضُرُّكم كيدُهم
شيئاً)(٣)، ولا يجوز أن يكون (٤) مفعولاً به لأنَّ (فرَّطْنا)) لا يتعدى بنفسه بل
(١) الآية ١٣ من الإِسراء.
(٢) الإملاء ٢٤١/١.
(٣) الآية ١٢٠ من آل عمران.
(٤) أي: شيئاً.
٦١٢

:
:
- الأنعام -
بحرف الجر، وقد عُدِّيَتْ إلى الكتاب بـ ((في)) فلا يتعدَّى بحرف آخر،
ولا يَصِحُّ أن يكون المعنى: ما تركنا في الكتاب من شيء، لأن المعنى على
خلافه فبان التأويل بما ذكرنا)) انتهى. قوله: ((يحتوي على ذِكْرٍ كل شيء
صريحاً) لم يَقُلْ به أحدٌ لأنَّه مكابرة في الضروريات. وقرأ(١) الأعرج وعلقمة:
((فَرَطْنَا)) مخفَّفاً، فقيل: هما بمعنى. وعن النقاش: فَرَطْنا: أَخَّرْنا كما قالوا:
(((فَرَطَ الله عنك المرض) أي: أزاله /.
[١/٣١٢]
آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿والذين كَذَّبوا﴾: مبتدأُ وما بعده الخبرُ.
ويجوز أن يكون ((صمُّ) خبرَ مبتدأ محذوف، والجملة خبر الأول، والتقدير:
والذين كذَّبوا بعضُهم صمُّ وبعضُهم بُكْمٌ، وقال أبو البقاء(٢): ((صمُّ وبُكْمُ
الخبرُ، مثل حلو حامض، والواو لا تمنع من ذلك)). قلت: هذا الذي قاله
لا يجوزُ مِنْ وجهين، أحدهما: أنَّ ذلك إنما يكون إذا كان الخبران في معنى
خبر واحد لأنهما في معنى مُزّ، وهو أَعْسَرُ يَسَرُ بمعنى أضبط، وأمَّا هذان(٣)
الخبران فكلٌّ منهما مستقلَّ بالفائدة. والثاني: أن الواو لا تجوز في مثل هذا
إلا عند أبي علي الفارسي وهو وجه ضعيف.
قوله: ((في الظلمات)) فيه أوجه، أحدها: أن يكون خبراً ثانياً لقوله:
(والذينَ كَذَّبوا)) ويكون ذلك عبارةً عن العَمَى، ويصير نظيرَ الآيةِ الأخرى:
((صمِّ بُكْمٌ عُمْيٌ))(٤) فَعَبِّر عن العمى بلازمه، والمراد بذلك عَمَى البصيرة.
والثاني: أنه متعلُّقُ بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكنَّ في الخبر
تقديرُه: ضالُّون حال كونهم مستقرين في الظلمات. الثالث: أنه صفةٌ لـ «بُكْم))
فيتعلَّقُ أيضاً بمحذوف أي بُكم كائنون في الظلمات. الرابع: أن يكون ظرفاً
(١) المحتسب ٢٢٣/١؛ البحر ١٢١/٤.
(٢) الإملاء ٢٤١/١.
(٣) الأصل ((هذا)) وسقطت النون سهواً.
(٤) الآية ١٨ من البقرة.
٦١٣
. ..- -
:
۔
:
:
:
-
:
٠
:
۔۔

- الأنعام -
على حقيقته وهو ظرف لـ ((صُمِّ)) أو لـ ((بُكْم)). قال أبو البقاء(١): ((أو لِما ينوبُ
عنهما من الفعل)) أي: لأن الصفتين في قوة التصريح بالفعل.
قوله: ((مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْه)) في ((مَنْ)) وجهان، أحدهما: أنها مبتدأ
وخبرها ما بعدها، وقد عُرِف غير مرة. ومفعول ((يشأ)) محذوف أي: مَنْ يشأ
الله إضلاله. والثاني: أنه منصوب بفعل مضمر يفسِّره ما بعده من حيث
المعنى، ويقدَّر ذلك الفعل متأخراً عن اسم الشرط لئلا يلزمَ خروجه عن
الصدر، وقد تقدَّم التنبيهُ على ذلك وأن فيه خلافاً، والتقدير: مَنْ يُشْقِ اللـهُ
يَشَأْ إضلاله ومن يُسْعِذْ يَشَأْ هدايته. فإن قلت: هل يجوز أن تكون ((مَنْ))
مفعولاً مقدَّماً لـ ((يشأ))؟ فالجواب أن ذلك لا يجوز لفساد المعنى. فإن قلت:
أُقَدِّرُ مضافاً هو المفعول حُذِفَ وأقيمت ((مَنْ)) مُقامه تقديره: إضلال مَنْ يشاء
وهداية من يشاء، ودلّ على هذا المضاف جوابُ الشرط. فالجوابُ أَنَّ
الأخفشَ حكى عن العرب أنَّ اسم الشرط غير الظرف والمضاف إلى اسم
الشرط لا بد أن يكون في الجزاء ضمير يعود عليه أو على ما أُضيف إليه،
فالضمير في ((يُضْلِلْه)) و((يَجْعَلْه): إمَّا أن يعود على المضاف المحذوف ويكونَ
كقوله: ((أو كظُلُمات في بحر لجيّ يغشاه)(٢) فالهاء في ((يغشاه)) تعود على
المضاف أي: كذي ظلمات يَغْشاه، وإمَّا أن يعود على اسم الشرط، والأول
ممتنع، إذ يصير التقديرِ: إضلال مَنْ يشأ الله يُضْلِلْه أي: يُضِلُّ الإِضلال،
وهو فاسدٌ. والثاني أيضاً ممتنعٌ لخلوِّ الجوابِ من ضميرٍ يعود على المضاف
إلى اسم الشرط. فإن قيل: يجوز أن يكون المعنى: مَنْ يشأ الله بالإِضلال
وتكون ((مَنْ)) مفعولاً مقدماً؛ لأنَّ ((شاء)) بمعنى أراد، و((أراد)) يتعدى بالباء
قال(٣):
(١) الإملاء ٢٤١/١.
(٢) الآية ٤٠ من النور.
(٣) تقدم برقم ٨٤٩.
٦١٤

- الأنعام -
عَراراً لعَمْرِي بالهَوان فقد ظَلَّمْ
١٩١٠ - أرادَتْ عَراراً بالهَوانِ ومَنْ يُرِدْ
قيل: لا يلزم من كون ((شاء)) بمعنى ((أراد)) أن يتعدَّى تعديته، ولذلك
نجد اللفظ الواحد تختلف تعديتُه باختلافٍ متعلَّقِه تقول: دخلت الدار ودخلت
في الأمر، ولا تقول: دخلتُ الأمرَ، فإذا كان ذلك في اللفظ الواحد فما بالك
بلفظين؟ ولم يُحفظ عن العرب تعديةُ ((شاء)) بالباء وإن كانت في معنى أراد.
آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿قل أرأيتكم﴾: يجوز نَقْلُ حركة همزة
الاستفهام إلى لام ((قُلْ)) وتحذف الهمزة تخفيفاً وهي قراءة ورش(١)، وهو تسهيل
مطرِّد، وأرأيتكم هذه بمعنى أَخْبِرْني، ولها أحكام تختص بها، اضطربت أقوال
الناس فيها، وانتشر خلافهم فلا بد من التعرُّض لذلك فأقول:
(أرأيْتَ)) إن كانت البصَريَة أو العِلْمِيَة الباقيَةَ على معناها أو التي لإصابة
الرئة كقولهم: (رَأَيْتُ الطائر)) أي: أصبت رِئَتُه، لم يَجُزْ فيها تخفيفُ الهمزةِ
التي هي عينُها، بل تُحَقَّق ليس إلا، أو تُسَهَّل بينَ بينَ من غير إبدال
ولا حذف، ولا يجوز أن تَلْحَقَها كافٌ على أنها حرف خطاب، بل إن لحقها
كاف كانت / ضميراً مفعولاً أولَ، ويكون مطابقاً لما يُراد به من تذكير وتأنيثٍ [٣١٢/ب]
وإفراد وتثنية وجمع، وإذا أَتَّصَلَتْ بها تاءُ خطاب لَزِمِ مطابقتُها لما يُراد بها ممَّا
ذُكِر، ويكون ضميراً فاعلاً نحو: أرأيتم، أرأيتما أرأيتنَّ، ويدخلها التعليق
والإلغاء.
وإن كانت العِلْمِيَّةَ التي ضُمِّنَتْ معنى ((أخبرني) اختصَّتْ بأحكامٍ أُخَرَ
منها: أنه يجوز تسهيل همزتها بإبدالها ألفاً، وهي مَرْوِيَّةٌ عن نافع(٢) من طريق
ورش، والنحاةُ يَسْتَضْعِفُون إبدالَ هذه الهمزةِ ألفاً، بل المشهورُ عندهم
تسهيلُها بين بين، وهي الرواية المشهورة عن نافع، لكنه قد نْقَل الإِبدالَ
(١) انظر: السبعة ٢٥٧؛ الكشف ٤٣١/١؛ الحجة ٢٥٠؛ البحر ١٢٥/٤.
(٢) انظر: الحجة للفارسي ٣٨٤/٢.
٦١٥
:
:
:
:
:
:
:
:
:
:
:
...... .

- الأنعام -
المحض قطربٌ وغيرُه من اللغويين. قال بعضهم: ((هذا غَلَطِّ غُلِطَ عليه))
أي على نافع. وسببُ ذلك أنه يؤدِّي إلى الجمع بين ساكنين فإن الياء بعدها
ساكنة. ونقل أبو عبيدالقاسم بن سلام عن أبي جعفر ونافع وغيرهما من أهل
المدينة أنهم يُسْقطون الهمزة، ويَدَّعون أن الألف خَلَفٌ منها. قلت: وهذه
العبارة تُشْعر أن هذه الألف ليست بدلاً عن الهمزة، بل جيء بها عوضاً عن
الهمزة الساقطة .
وقال مكي(١) بن أبي طالب: ((وقد رُوي عن ورش إبدالُ الهمزة ألفاً،
لأن الرواية عنه أنه يَمُدُّ الثانية، والمدُّ لا يتمكَّن، إلا مع البدل، وحسَّن جوازَ
البدلِ في الهمزة وبعدها ساكنٌ أنَّ الأولَ حرفُ مَدِّولين، ، فإن هذا الذي
يحدث مع السكون يقُومُ مقامَ حركةٍ يُتَوَصَّلُ بها إلى النطق بالساكن)). وقد
تقدَّم لك شيءٌ من هذا عند قوله ((أأنذرتهم)). ومنها: أن تُحْذَفَ الهمزة التي
هي عين الكلمة، وبها قرأ الكسائي، وهي فاشيةٌ نظماً ونثراً، فَمِنَ النظم
قوله(٣):
١٩١١ - أرَيْتَ ما جاءت به أُمْلُودا مُرَجَّلاً ويلبسُ الْبُرودا
أقائِلُنَّ أحضِروا الشهودا
وقال آخر (٤):
١٩١٢ - أَرَيْتُكَ إذْ هُنَّا عليك ألم تَخَفْ رقيباً وحولي مِنْ عَدُوِّكَ حُضَّرُ
(١) الكشف ٤٣١/١.
(٢) الآية ٦ من البقرة.
(٣) البيت لرؤية أولرجل من هذيل، وهو في ملحقات ديوان رؤية ١٧٣؛ والمحتسب
١٩٣/١؛ والخصائص ١٣٦/١؛ والمغني ٤٤٣؛ والعيني ١١٨/١؛ والخزانة ٤ / ٥٧٤.
والأملود: الناعم اللين.
(٤) البيت لعمر بن أبي ربيعة وهو في ديوانه ٩٦.
٦١٦

- الأنعام -
وأنشد الكسائي لأبي الأسود(١):
أتاني فقال اتَّخِذْني خليلا
١٩١٣- أَرَيْتَ امرَأْ كنت لم أَبْلُهُ
وزعم الفراء أن هذه اللغة لغة أكثر العرب، قال(٢): ((في أَرَأَيْتَ لغتان
ومعنيان، أحدهما: أن يسأل الرجل: أرأيت زيداً، أي: أعلمت، فهذه مهموزة،
وثانيهما: أن تقول: أرأيت بمعنى أَخْبِرْني، فههنا تُتْرِكُ الهمزة إن شِئْتَ وهو أكثرُ
كلامِ العرب، تُؤْمِىء إلى تَرْك الهمزِ للفرق بين المعنيين)» انتهى.
وفي كيفيَّةِ حَذْفِ هذه الهمزة ثلاثةُ أوجه، أحدها : - وهو الظاهر - أنه
اسْقِلَ الجمعُ بين همزتِين في فِعْلٍ اتصل به ضمير، فَخَفَّفَه بإسقاط إحدى
الهمزتين، وكانت الثانيةُ أَوْلِى لأنها حَصَل بها الثقلُ، ولأنَّ حَذْفَها ثابتٌ في مضارع
هذا الفعل نحو أرى، ويرى، ونرى، وترى، ولأنَّ حذف الأولى يُخُلُّ بالتفاهم
إذ هي للاستفهام. والثاني: أنه أبدل الهمزة ألفاً كما فَعَل نافعٌ في روايةٍ ورش
فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الألف، والثالث: أنه أبدلها ياءً ثم سكّنها ثم
حَذَفَها لالتقاء الساكنين، قاله أبو البقاء(٣)، وفيه بُعْدٌ، ثم قال: ((وَقَرَّب ذلك
فيها حَذْفُها في مستقبل هذا الفعل)) يعني في يرى وبابه. ورجّح بعضُهم مذهبَ
الكسائيّ بأن الهمزة قد اجتُرِىء عليها بالحذف، وأنشد (٤).
١٩١٤- إنْ لم أُقاتِلْ فأَلِسَونِي بُرْقُعا
وأنشد لأبي الأسود(٥):
فرَّجْتُه بالمَكْرِ مني والدَّها
١٩١٥- يابا المُغِيرةِ رُبَّ أمرٍ مُعْضِلٍ
وقولهم: ((وَيْلُمِّه))، وقوله(٦):
(١) ديوانه ٢٠٢؛ والأغاني ١٠٧/١١؛ وشرح شواهد الشافية ٣١٤. لم أبله: لم أختبره.
(٢) معاني القرآن ٣٣٣/١.
(٣) الإملاء ٢٤١/١.
(٤) تقدم برقم ١٥٦٠.
(٥) ديوانه ١٣٤؛ وأمالي الشجري ١٦/٢؛ ورصف المباني ٤٤؛ والممتع ٦٢٠.
(٦) تقدم برقم ٣٨.
٦١٧
:

- الأنعام -
فَجْعٌ وَوَلْعُ وإخلافٌ وَتَبْدِيلُ
١٩١٦- وَيُلُمِّها خُلَّةً قَد ◌ِيْطَ مِنْ دَمِها
وأنشد أيضاً(١):
إذا ما النِّسْعُ طال على المَطِيَّةٌ
١٩١٧ - ومَنْ رَأْ مثلَ مَعْدانَ بنِ سعدٍ
أي: ومن رأى.
ومنها: أنه لا يدخلها تعليقٌ ولا إلغاء لأنها بمعنى أخبرني، و((أخبرني))
لا يُعَلَّقُ عند الجمهور قال سيبويه(٢): ((وتقول: أَرَأَيْتَك زيداً أبو مَنْ هو؟
لا يَحْسُنُ فيه إلا النصبُ في ((زيد)»، ألا ترى أنك لوقلت: ((أرأيت أبو مَنْ
أنت؟)) لم يحسن، لأن فيه معنى أخبرني عن زيد، وصار الاستفهامُ في موضع
المفعول الثاني)) وقد خالف سيبويه غيرَه من النحويين وقالوا: كثيراً ما تُعَلَّق
(أرأيت)) وفي القرآن من ذلك كثيرٌ، واستدلّوا بهذه الآية التي نحن فيها،
وبقوله: ((أَرَأَيْتَ إِن كَذِّبٍ وَتَلَّى ألم يَعْلَم))(٣)، وبقوله (٤).
١٩١٨- أَرَيْتَ ما جَاءَتْ به أملودا
وهذا لا يَرِد على سيبويه، وسيأتي تأويل ذلك قريباً.
[٣١٣/أ]
ومنها: أنها تَلْحَقُها التاءُ فَيُلْتَزَمُ إفرادها / وتذكيرها ويستغنى عن لحاق
علامة الفروع بها بلحاقها بالكاف بخلاف التي لم تُضَمَّن معنى ((أخبرني)) فإنها
تطابق فيها - كما تقدَّم - ما يُراد بها.
ومنها: أنه يَلْحَقُها كافٌ هي حرفُ خطاب تطابق ما يُراد بها من إفراد
وتذكير وضدَّيهما. وهل هذه التاء فاعل والكاف حرف خطاب تُبَيِّن أحوالَ
(١) لم أهتد إلى قائله. وهو في الحجة للفارسي (خ) ٣٨٤/٢. والنسع: سَيْرٌ تشد به
الرخال.
(٢) الكتاب ١٢٢/١.
(٣) الآية ١٣ من العلق.
(٤) تقدم برقم ١٩١١ .
٦١٨

- الأنعام-
التاء، كما تُبِيُّه إذا كانت ضميراً، أو التاء حرف خطاب والكاف هي الفاعل،
واستعير ضميرُ النصبِ في مكان ضمير الرفع، أو التاءُ فاعلٌ أيضاً، والكاف
ضمير في موضع المفعول الأول؟ ثلاثة مذاهبَ مشهورة، الأولُ قولُ
البصريِّين، والثاني قول الفراء (١)، والثالثُ قولُ الكسائي. ولنقتصر على
بعضِ أدلةٍ كلُّ فريق.
قال أبو علي (٢): ((قولهم): ((أَرَأَيْتَكَ زيداً ما فعل)) بفتح التاء في جميع
الأحوال، فالكافُ لا يَخْلو أن يكون للخطاب مجرداً، ومعنى الاسميةِ مخلوعٌ
منه، أو يكون دالاً على الاسم مع دلالته على الخطاب، ولو كان اسماً لوجبٌ
أن يكونَ الاسمُ الذي بعده هو هو، لأن هذه الأفعالَ مفعولُها الثاني هو الأول
في المعنى، لكنه ليس به، فتعيَّنَ أن يكون مخلوعاً منه الاسميةُ، وإذا ثبت أنه
للخطاب مُعَرَّى من الاسمية ثبت أن التاء لا تكون لمجرَّد الخطاب. ألا ترى
أنه لا ينبغي أن يَلْحق الكلمةَ علامتا خطاب، كما لا يلحقها علامتا تأنيث
ولا علامتا استفهام، فلمَّا لم يَجُز ذلك أُفْرِدَت التاء في جميع الأحوال
لَمَّا كان الفعل لا بد له من فاعل، وجُعِل في جميع الأحوال على لفظ واحد
استغناءً بما يلحق الكاف، ولو لحق التاءَ علامةُ الفروع لاجتمع علامتان
للخطاب مما كان يلحق التاء، وممّا كان يلحق الكاف، فلما كان ذلك يؤدِّي
إلى ما لا نظير له رُفِضَ وأُجْرِي على ما عليه سائر كلامهم)).
وقال الزجاج(٣) بعد حكايته مذهبَ الفراء: ((وهذا القول لم يَقْبله
النحويون القدماء وهو خطأً؛ لأنَّ قولك: ((أرأيتك زيداً ما شأنه)) لو تَعَدَّت
الرؤية إلى الكاف وإلى زيد لصار المعنى: أَرَأَتْ(٤) نَفْسُك زيداً ما شأنُه،
(١) معاني القرآن ٣٣٣/١.
(٢) الحجة (خ) ٣٨٤/٢ بعبارة قريبة.
(٣) معاني القرآن ٢٧٠/٢.
(٤) مطبوعة المعاني: أرأيت.
٦١٩
. -

- الأنعام -
وهذا مُحالٌ)) ثم ذكر مذهبَ البصريين. وقال مكي (١) بن أبي طالب بعد
حكايته مذهبَ الفراء: ((وهذا مُحالٌ؛ لأنَّ التاءَ هي الكاف في أرأيتكم، فكان
يجب أن تَظْهر علامةُ جمع التاء(٢)، وكان يجب أن يكون فاعلان لفعلٍ واحد
وهما لشيء واحد، ويجب أن يكون معنى قولك أرأيتَك زيداً ما صنع: أرأيتَ
نفسَك زيداً ما صنع، لأن الكاف هو المخاطب، وهذا مُحَالٌ في المعنى
ومتناقض في الإِعراب والمعنى، لأنك تستفهم عن نفسه في صدر السؤال، ثم
تَرُدُّ السؤالَ إلى غيره في آخره وتخاطبه أولاً، ثم تأتي بغائب آخر، أو لأنه
يصير ثلاثة مفعولين لرأيت، وهذا كلُّه لا يجوزُ، ولو قلت: (أرأيتك عالماً بزيد)»
لكان كلاماً صحيحاً(٣) وقد تعدَّى ((رأى)) إلى مفعولين)).
وقال أبو البقاء(٤) بعدما حكى مذهب البصريين: ((والدليل على ذلك
أنها - أي الكاف - لو كانت اسماً لكانت: إِمَّا مجرورةً - وهو باطل،
إذ لا جارَّ هنا - وإِمَّا مرفوعةً، وهو باطلٌ أيضاً لأمرين، أحدهما: أن الكافَ
ليسَتْ من ضمائرِ الرفع، والثاني: أنها لا رافعَ لها، إذ ليست فاعلاً لأن التاء
فاعل، ولا يكون لفعلٍ واحد فاعلان، وإمَّا أن تكون منصوبةً وذلك باطلٌ
لثلاثة أوجه، أحدُها: أن هذا الفعلَ يتعدَّى إلى مفعولين كقولك: ((أرأيت زيداً
ما فعلَ)) فلو جُعِلَت الكافُ مفعولاً لكان ثالثاً. والثاني: أنه لو كان مفعولاً لكان
هو الفاعل في المعنى، وليس المعنى على ذلك، إذليس الغرضُ أرأيت
نفسك، بل أرأيت غيرك. ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيداً غير المخاطب
ولا هو بدل منه. والثالث: أنه لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرَتْ علامةُ
التثنيةِ والجمعِ والتأنيثِ في التاء فكنت تقول: أرأيتماكما، أرأيتموكم،
(١) المشكل ٢٦٦/١.
(٢) مطبوعة المشكل: في التاء.
(٣) قبله في المشكل: تقديره: أرأيت نفسك عالماً بزيد.
(٤) الإملاء ١٤٢/١.
٦٢٠